لماذا هناك صعوبة في تعريف الدين؟

في خضم التحولات الكبيرة التي يعرفها العالم المعاصر، ونحن نواجه انقلابا استراتيجيا في كل المفاهيم، يبدو كل شيء كأنه نقيضه، بالرغم من أن البعض يصر على أن الوضوح هو السمة البارزة لكل المفاهيم. ربما هذا قدر الإنسان وتركيبته الغريبة، فكل ما أمسك بشيء إلا وانفلت منه بشكل يوحي بأننا أمام لغز اسمه الإنسان، أو على الأقل الظاهرة الإنسانية، لهذا كان حريا أن يضعنا أليكسيس كاريل ويسائلنا بمجهر تحليله فيقول الإنسان ذلك المجهول. حقا لقد بلغ هذا الكائن الإنساني ما لم تبلغه باقي الكائنات والموجودات، ولكن هذا لم يعفه أن يجهل في الكثير من الأحيان الأشياء التي صنعها بيديه، أو على الأقل التي تقع تحت حسه الإدراكي والعقلي والحسي. ولعل أهم ما ميز الحياة الإنسانية منذ انطلاقة وعيها بذاتها ومحيطها القريب والبعيد هناك ظاهرة الدين في أبعادها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية. عرفها واعتقد بها وحارب من أجلها، وفكّر في أنساقها، ولكنه اختلف في تحديد ماهيتها ونشأتها وتطورها. وكل ما أراد أن يمسك بجذورها إلا واختلفت الآراء وتباينت المواقف، وانساق كل فريق يدافع عن اتجاهاته الفكرية والعقدية على أنها هي الأصل والمبتدأ والمنتهى. ولقد كانت الأنثروبولوجيا والعلوم الإنسانية والحفريات والفلسفات الدينية سباقة في الكثير من الأحيان إلى تشريح السؤال الديني، ليس من أجل نفيه أو إثباته، ولكن من أجل تكريس الواقع الديني على أنه جزء لا يتجزأ من المسيرة الإنسانية، وهنا يمكننا أن نؤكد بأن الإنسان كائن متدين بامتياز حتى حينما ينفي الدين، لأنه على الأقل يعترف بأن هناك شيء يؤمن به الملايين من الناس يمكن أن يواجه ويجابه بالنفي.

هنا يمكننا أن نستحضر أولئك الذين خاضوا صراعات دينية مريرة انتهت بجدل لا ينتهي من النفي والتأكيد لما هو ديني. مسار طويل خاضته الإنسانية خاصة في التاريخ الأوروبي إبان عصر النهضة وامتد قرونا طويلة في محاولة لنفي الدين، أو لنقل نفي الطابع المسيحي على الحياة الاجتماعية بطريقة عبر عنها نيتشه بمقولته المشهورة: لقد مات الإله ونحن من قتلناه، أو ما عبر عنه ماكس فيبر بنزع السحرية عن العالم. المثير في هذه المقولة حسب سبونفيل[1] ليس هو قدرتها على خلق صدام بين الدين واللادين، أو بين عالم المطلق وعالم النسبية. ولكن المقولة تعبر عن شيء آخر أكثر عمقا مما نتصور، فنيتشه نفسه القائل بأن الله قد مات يدرك تماما بأن هذه المقولة تفقد معناها على المستوى الواقعي، وفي قلوب وعقول الناس، وفي الذاكرة الجمعية للإنسانية. إذ أنه حتى في الحالة التي اعتقد فيها يتشه بأن الله غير موجود، فهو خالد بسبب عدم الوجود. هذه الفكرة بالرغم من أنها من الناحية العملية والواقعية ليست لها مسوغات منطقية أو عقلية تستند إليها، إلا أنها خلقت لنا واقعا أفرز لنا موجة كبيرة من الصراع الديني، والتطاحن العقدي. فهذا جِيل دولوز يؤكد أنّ لهذه الفكرة ما بعدها، فبعد الموت تصبح الصّيرورة لا هدف لها؛ بمعنى أنّ هذا العالم عالم وهمي، ولا بدّ من اختراع عالم قائم ما وراءه يكون هو العالم الحقيقي. لكن ما أنْ يكتشف الإنسان أنّ هذا العالم ليس مبنيا إلا على حاجاته النفسية، وأنّه ليس مؤسَّسا إطلاقا على الإيمان به، حتى تبرز العدمية بوصفها شكلا أخيرا يستتبع نفي العالم الماورائي. ما الذي حدث بالضبط حسب دولوز؟لقد وصل المرء إلى الشّعور بانعدام قيمة الوجود حين فهِم أنّه لا يمكن تفسيره في مجمله لا بواسطة مفهوم (الغاية)، ولا بواسطة مفهوم (الوحدة)، ولا عبر مفهوم (الحقيقة)[2].

ماذا يعني كل الكلام السابق حسب سبونفيل؟. إنه التمييز بين إيمان النّاس اليوم عن إيمان سابقيهم بالله، أي جعل مسألة الإيمان بالله شأناً خاصاً، وليس شأناً جماعيا. فقد يكون المدرِّس مؤمنا، لكن ما عاد بوسعه أنْ يتوسّل بهذا الإيمان كضمانة لسلطته المعرفية. وقد يكون مدير الشّركة مؤمنا، ولكن ما عاد بمقدوره التوسّل بإيمانه في بسط سلطته على مرؤوسيه. وقد يكون السياسي مؤمنا، لكنّه لا يستطيع أنْ يتوسّل بإيمانه من أجل إضفاء الشّرعية على برنامجه السّياسي والانتخابي. و حتى مارسيل سير وهو يتتبع الجذر اللغوي لكلمة دين يصل إلى نقطة مفصلية يمكنها أن تكون انطلاقة حقيقية للتمييز بين الدين وغيره، فمصدر الدين يأتي من الكلمة اللاتينية religio ومنها اشتقت كلمة religion  الذي يجد مصدره في الفعل religare الذي يعني ربط. وبهذا المعنى يصبح الدين ذلك الرابط الذي يربط الناس بعضهم البعض بروابط الأخوة والفكر والعقيدة، وهذا أمر بديهي. ولكن المثير في هذا التتبع اللغوي هو أن الدين بهذا المعنى لا يصير عكس الإلحاد، بل هو نقيض عدم الارتباط، أي الهمل أو الإهمال.

هذا المعنى الذي أشار إليه مارسيل سير يفضي بنا حسب سبونفيل إلى مشكلة موت الله اجتماعيا وعدم الارتباط به، حيث يتسبب ذلك في انتصار النّزعة الفردية أو التشرنق cocooning. فالنّزعة الفردية، وهي أحد تجليات خطورة الرأسمالية تخلق مستهلكين جيّدين. لهذا كان يرى برنار نويل بأنّ الاقتصاد ويقصد الرّأسمالية يجمع ين الحيوية والزيادة في السّرعة؛ أي أنّ المعنى بالنّسبة إلى الاقتصاد غير محتمل، ما دام أنّ المعنى قد لا يعرف كيف يقدِّم نفسه إليه بطريقة أخرى من أجل وضع الاقتصاد موضع التّساؤل. وعند الحاجة إلى المعنى، فإنّ حركة الاقتصاد الذّاتية هي التي يعرضها الاقتصاد بصفتها هي المعنى. أي: أن الاختراع العبقري للسّلطة الاقتصادية هي أنْ تغمرنا بالثقب الذي تحفره فينا وتقيم هناك فرجة، أنْ تدفعنا لأنْ نستهلك موتنا الشّخصي ونحن مغتبطون[3]، إذ الخطر كما يؤكّد سبونفيل هو أنّ بعد خلوّ الكنائس وموت الله اجتماعيا، لا نملك إلا أنْ نحتشد صباح كلّ أحد في أروقة المخازن الكبرى.

لكن ماذا يعني الدين؟

هناك الكثير من الالتباس يحوم حول هذا الموضوع، خاصة إذا ما تعلق الموضوع بقضية المفاهيم، ففي الوقت الذي يبدو للقارئ أو الباحث أنه يحيط بمعرفة ماهيته وحدوده وجوهره، يجد نفسه محاطا بالكثير من الأسئلة والأجوبة، لأن الدين في نهاية المطاف ليس شكلا واحدا، ولا تجسيدا فعليا واحدا. إنما هو تعبيرات تتجسد عبر الفعل الإنساني في مختلف الفترات التاريخية التي ظهر فيها الدين فاعلا أساسيا في تركيبة الاجتماع البشري، وهنا حينما نسأل عن الدين نرتبك ونبدو أننا لا نملك سوى إجابات غامضة في الكثير من الأحيان تبدو مثيرة للشفقة. وكي نوضح الأمر بشكل أفضل لنلق نظرة موجزة عن كلمة دين. ولكن قبل ذلك لا بد من الإشارة إلى معطيات إحصائية غاية في الأهمية أشار إليها إيفان سترينسكي[4] متحدثا عن إشكالية لا زالت تطرح نفسها بحدة وهي إشكالية فصل الدين عن السياسة. هذه الإحصائية تقول إنه عندما نبحث في محرك جوجل عن كلمة دين، فهناك أكثر من ٣٦٧ مليون نتيجة بحث عن «الدين» جاهزة لمن يريد أن يتعرف أو يروي ظمأه المعرفي أو شغفه البحثي. ولكن عندما نكتب هذه العبارة «تعريف الدين» في محركات البحث، فإن نتائج البحث تقل خمسين مرة تقريبًا، أي تبقى ٧ ملايين نتيجة. هنا يمكننا الجزم بأن هناك نوعا من الإشباع البحثي والمعرفي في قضايا الدين، والأمور المرتبطة به من قريب أو بعيد. ولكن حينما نريد أن ندقق التعريف ونحدد المفهوم يصير الأمر أكثر عسرا من ذي قبل، على اعتبار أن البديهيات في الكثير من الأحيان تصبح هي المعضلة الكبرى، كما أن هناك تباينا كبيرا في النظرة إلى الدين بين تيارات دينية متعددة، ولولا هذا التباين لما أمكننا تفسير ما نراه جليا على الواقع التاريخي في ظهور مدارس وطوائف ومذاهب وفرق ونحل تنتمي إلى دين واحد، وتفترق في الفهم والرؤية والتأويل.

قد نزعم ونحن نتحرك في دائرة البحث عن سؤال الدين بنوع من الاحتياط بأن هناك ما يمكن أن نستفيده من الإحصائيات السابقة، وأيضا من الواقع التاريخي والفكري للإنسانية جمعاء في مقاربتها للسؤال الديني. فتعريف الدين باعتباره مفهوما شائعا ورائجا كما يرى إيفان سترينسكي ظل حكرا على دوائر معينة، خاصة أولئك الذين وضعوا مثل معجم هاربر كولينز للدين. وهي ملاحظة نتفق معه عليها، وربما نضيف بأن تعريف الدين ظل أيضا حكرا على المؤسسات الرسمية، والماسكين بالشأن الديني على مدار التاريخ الإنساني، لأن الدين ليس فقط مفهوما مجردا ملتبسا. بل هو تحديدا تجسيد عملي للدين وفق ما وصلت إليه الإنسانية في مجتمع معين، ووفق ما تعارفت عليه سياسات الدول المتعاقبة والإيديولوجيات الرسمية المتبعة.  لكن عموما بالرغم من الالتباس الذي قد يخلقه مفهوم الدين أو تعريفه، إلا أن تعريفات الدين لا يمكن أن تخرج عن مجموعة من المحددات والخصائص المميزة، ويمكن إجمال ذلك فيما يلي:

  • هو ذلك الشيء المرتبطً بكل شيء
  • هو الهدف النهائي أو الرؤية الأشمل للعالم
  • هو الشعور المحيط باللامحدودية أو الشعور بالتبعية المطلقة

هذه التعريفات المبثوثة داخل القواميس والمعاجم اللغوية تهدف إلى النظر إلى موضوع الدين نظرة لغوية، تحاول من خلاله الاقتراب من المعنى، ولكنها ليست كل المعنى أو على الأقل ليست هي المعنى الوحيد. هنا أريد أن أرجع إلى الكاتب السابق لكي أثير فكرة قد أوردها في كتابه وتبدو في غاية الأهمية وهي أنه لا بد من تعريف كلمة «الدين» بصورة غير مجردة، لأن بتعبير مبسط «الدين» مصطلح ينبغي تعريفه بطرق تختلف باختلاف السياقات واستراتيجيات البحث والاستقصاء. وأيضا حينما نتحدث عن علاقة الدين بالسلطة والسياسة فهذا لا يعني أن هذه المصطلحات أحسن حالًا منه، والمفارقة أن التأريخ لهذين المفهومين هو ما سيبين جذورهما في الدين. لهذا يقترح الكاتب طريقة معينة لرؤية الدين تفيدنا في هذا السياق المتشعب. هنا يمكننا أن نشير إلى ما كتبه جون فرانسوا دورتييه في بحث له بعنوان ما الدين؟ qu’est ce que la religion[5] وهو مفيد من ناحية فهم طبيعة الدين وخصائصه المشتركة.

يؤكد فرانسوا دورتييه على حقيقة الدين ويختزله في كونه طيف واسع من المعتقدات، والمتتبع لهذا الأمر يجد بأن الدين لا يخلو من الجانب العقدي، بل لا يكاد يوجد دين دون تعصب إلى فكرة أو معتقد يحدد ماهية المتدينين، ويصيغ الفرد بطريقة يذوب فيها داخل الجماعة المؤمنة. ولولا المعتقد، لما استطاع التدين أن يؤسس سلطته على الأفراد والجماعات على حد سواء، فهو القاعدة الصلبة للإيمان. وهنا يطرح دورتييه سؤالا مهما: كيف لبني البشر أن يصدقوا ويقترفوا أشياء مماثلة؟ هنا يعتبر بأن الجواب يقتضي الإقرار بأن هذا الأمر هو لغز الدين الأكبر. وحينما نتحدث عن الطيف الواسع من المعتقدات فلا نتحدث عن دين، ونستثني دينا آخر، بل هذا هو المشترك بين كل التعبيرات الدينية، سواء كانت توحيدية كما تجسدت في الديانات التوحيدية ( اليهودية، المسيحية، الإسلام)، أو الروحانيات الشرقية (الهندوسية، التنتارية، الطاوية، البوذية)، أو الأديان التي تؤمن بالتعدد كما هو شأن الديانات القديمة. حينما نتحدث عن الطيف الواسع من المعتقدات فهذا لا يعني حسب دورتييه دوما  الإيمان بوجود قوى خارقة للطبيعة أو متجاوزة لها، فقد تطورت الصنمية خاصة في عالم اليوم لتصير دالة على أشكال من التعبد خفية ومستترة، حيث  صارت الرياضة عقيدة، والسياسة عقيدة، مما جعل الكثيرين ومنهم برايمون آرون، يعبر عن هذه الظاهرة ب “الدين العلماني” في إشارة إلى الشيوعية أو الفاشية، التي تعتبر” مذاهب تحتل في قلوب معاصرينا موضع الإيمان القديم، وتجعل خلاص البشرية ممكنا في المستقبل، لكن هنا، في هذا العالم الأرضي، وذلك في ظل نظام اجتماعي يتم إرساءه”(.

إذا كان الدين طيفا واسعا من المعتقدات فهذا يجعل منه شيئا آخر ملازما له وهو أنه بنية كونية، فماذا يعني ذلك؟ تحيلنا هذه البنية إلى ما يمكن تسميته بالمشترك الديني، فالأديان بالرغم من التباين الحاصل في بنيتها، غير أنها تحافظ على جوهر واحد، أو لنقل بشكل أدق مجموعة من القواسم المشتركة التي تعبر بها عن نفسها، وتتجسد من خلالها عبر الفعل الإنساني في واقع معين، وهي أربع سمات أساسية نجملها فيما يلي:

  • وجود عالم آخر مفارق لهذا العالم ومباين له تسكنه آلهة وأرواح.
  • وجود عبادات يتجسد من خلالها إيمان المرء وهدفها تقديس الخالق ونيل محبته ورضاه.
  • وجود قواعد أخلاقية وقيم وتشريعات تنظم حياة الناس وتحمي مصالحهم على مستوى الأفراد وكذلك الجماعات المؤمنة.
  • وجود “أخصائيين في المقدس” أو طبقة رجال الدين أو وسطاء أو متخصصين في الشأن الدين، مهمتهم تأمين الربط بين العالم الأرضي والعالم الآخر.

إذا كانت هذه هي الخصائص المميزة للدين بوصفه ظاهرة ارتبطت بالكائن الإنساني قديما وحديثا، فهذا يحيلنا أيضا إلى سؤال الهدف والغاية منه بحسب دورتييه، وهنا يمكننا أن نشير إلى أهم غاية وهي تفسير العالم، أو تقديم رؤية مغايرة لباقي الرؤى تعطي للفرد والجماعة إمكانية فهم الذات والمحيط، وكيفية التعامل معهما. لهذا اهتمت مجموعة من العلوم التي ارتبطت بصيرورة الدين وسيرورته الاجتماعية ضمن مسارها الطويل بدارسة مختلف التصورات الدينية: الألوهية، الأساطير، الرموز، المعتقدات. فعندما تقوم بفتح أي موسوعة دينية، فستلاحظ ما يلي: الديانة الاغريقية-الرومانية هي عبارة عن ضريح يضم عدة آلهة، مع ما يصاحب كل إله من خرافات وقصص أسطورية، الديانة الهندوسية تحكي قصة ثالوث ألوهي (الخالق “برهما”، الحافظ “فيشنو”، المغني “شيفا”)، مجسدا على سطح الأرض على شكل كائن يدعى “أفاتار”. وهذا يعني أن الممارس للأنثروبولوجيا الدينية، معناه أنه يتعاطى مع الأساطير المؤسسة لقبيلة الدوغون، والرؤى والأحلام الخاصة بالشامان. وحتى في عالمنا العربي فهذا الفرع المعرفي يتعاطى مع هذه الظواهر من خلال هذا المنظور، وليس بالشكل الذي تغدو فيه العقيدة هي الباب الوحيد لفهم الدين، كما تشير إلى ذلك الكثير من الأبحاث المعاصرة لخزعل الماجدي وفراس سواح وسيد القمني.

انطلاقا من هذه القائمة الهائلة من الدراسات حول التصورات الدينية، تم التوصل إلى فرضية مصاحبة لها جميعها أشار إليها دورتييه هي: أن كل ديانة، كيفما كانت، هي، في نهاية المطاف، عبارة عن سلسلة من المعتقدات الغرائبية التي تهدف إلى “تنظيم العالم” وتطويع المجهول. هذا ما نلاحظه من خلال الحضور المتكرر لكوسمولوجية معينة داخل كل دين، أي لسردية موحدة وإطار يُفسر ضمنه الكون. حتى وإن كانت غير عقلانية، فالمعتقدات الدينية تفيد في جعل كل ما هو غريب، مألوفا.

  • تعريف الدين بحسب إيفان سترينسكي:

دعونا الآن نشرح عمليا طريقة التعريف الخاص بالدين، ويسميها إيفان سترينسكي بالقوالب الستة الشائعة التي تحكم «رؤيتنا» للدين. وفيما يلي قائمته:

  • أما أول وثاني القوالب فهما زوجان من الفرضيات، كل منهما يقابل الآخر. فالقالب الأول يعتبر الدين خيرًا، والثاني يعتبره الدين شرًّا على الدوام.
  • القالبان الثالث والرابع يشكلان زوجين على نفس الشاكلة، إذ يفترض معظم الناس أن الدين مسألة معتقدات بالأساس، وليس مسألة شعائر أو ممارسات دينية.
  • أما القالب الخامس فيعتبر الدين أمرًا خاصًّا أو مسألة «شخصية جدًّا». والقالب السادس يرى الدين في جوهره مستقلا عن السلطة والسياسة.

وإذا كان هذا الاختلاف في تعريف الدين بين تيارات ومذاهب مختلفة فيحق لنا أن نتساءل هل يمكن أن نقبض على مفهوم يقربنا من الدين ولو بشكل من الأشكال. هنا نعود لإيفان سترينسكي الذي يقترح علينا تعريفا للدين قائما على سبع خصائص.

  • أولًا: تعريف الدين تعريفا براجماتيا، وعندما يقال إن مفهوم الدين ينبغي تعريفه تعريفًا براجماتيًّا؛ فإن القصد أن علينا أن نُخضِع المصطلح لاختبار يُظهر جدواه.
  • ثانيًا: يكمن جانب من إشكالية تعريف «الدين» في إثبات أن المحتوى المخصوص به «الدين» مميز، أو مختلف بدرجة كافية تبرر وجود المفهوم من الأساس.
  • ثالثا: يفضل أن يكون تعريف «الدين» على نحو مقارن ومرتبط بالسياق؛ ويعني هذا أن «الدين» سيُعرَّف في ضوء الأهداف والاستراتيجيات والسياقات المختلفة وغير ذلك.
  • رابعًا: عملية تعريف «الدين» هي عملية بنَّاءة، أي أن تعريفنا ﻟ «الدين» ينبغي أن يكون جزءا من مجهود فكري أشمل؛ وهو ما يمكن أن نعتبره «استراتيجية» تُحرك فكرنا.
  • خامسا: تعريف «الدين» ينبغي أن يكون «دقيقًا»، لكن ليس «محكمًا» من الناحية الفنية.
  • سادسا: الدين ينبغي تعريفه في ضوء علاقته بأهدافنا واستراتيجياتنا الفكرية الأعم وغيرها.
  • سابعًا: إذا أُريد لنقطة الانطلاق أن يصبح لها أرضية صلبة، فعليها أن تبدأ من الأحاديث اليومية والحس العام، لكن لا تنتهي عندهما.

[1]– سبونيفيل، أندريه كونت. الرأسمالية هل هي أخلاقية؟ ترجمة بسام جرار. بيروت، دار الساقي، ط1، 2005 , ص: 34 .

 -2 دولوز، جيل. نتشه. ترجمة أسامة الحاج. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر. ط1، 1998. ص: 101,

[3] – برنار، نويل. الموجز في الإهانة. ترجمة محمد بنيس. دار توبقال، 2017، ط1. ص: 17,

[4] – سترينسكي، إيفان. إشكالية الفصل بين الدين والسياسة. ترجمة عبد الرحمن مجدي. مؤسسة هنداوي، ط1، ص: 15 .

[5] – جون فرانسوا دورتييه. ما الدين؟ على هذا الرابط: https://www.mediatheque.mc/Default/doc/SYRACUSE/1261235/qu-est-ce-que-la-religion-jean-francois-dortier?_lg=fr-FR#:~:text=La%20religion%20ne%20se%20r%C3%A9duit,aux%20%C3%A9preuves%20de%20la%20vie.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete