تكوين
سلام عليك أينما كنت…
أكتب و أنا مشحون بحزن عميق بسبب الإعتداءات التي تُمزّق وطني سوريا بمكونها البشري و الجغرافي، وخصوصاً، ذلك الإعتداء الذي تعرضت له كنيسة مار الياس يوم ۲۰۲٥/٦/٢٢ في دمشق. و بالرغم من ذلك فإن رسالتي لن تكون شجباً لما ويجري كوني تركت هذا للجهات المسؤولة)، بل ستكون حوار أفكار يتخذ الإسلام منطلقاً ومرجعاً.
بدايةً، أَتَفَهُمُ “سَلَفِيْتَكَ” لأن لي أيضاً “سلفاً صالحاً” يُغرفون باسم آباء الكنيسة الأوائل الذين نقتضي نحن المسيحيون بأقوالهم وأفعالهم. و أدرك أن عليك التَّمثل بالسلف الصالح لأن بذور هذا المفهوم زرعت في القرآن الكريم الذي جعل من الرسول عليه السلام المثال الحي الذي يتوجب أن يُحتذى بسلوكه ويُقتدى بأحاديثه بحسب ما جاء في:
- سورة الأحزاب الآية ۲۱: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ”
- سورة النساء الآية :٥٩: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَوْلِي الأمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُول”.
- سورة النساء الآية ۸۰ : مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ َأطَاعَ الله“.
- سورة الحشر الآية : “وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .
كما أتفهم أن الآيات السابق ذكرها قد مهدت الأرضية للرسول كي يقول كلمته التي بات على المسلم الإلتزام بها، فجاءت بعض الأحاديث النبوية التي وردت على لسان النبي لتُعَزّز مكانة “السُّنة النبوية” من جهة، و لينطلق معها مفهوم “السلفية” الذي حَدَّدَ من هو “السلف الصالح الذي ينبغي على المسلم الإقتداء به من جهة أخرى:
- “إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسُنّتي”
- “عَلَيْكُمْ بِسُنّتي وَ سُنّةِ الْخُلُفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ“
- “خير الناس قرني، ثم الذين يَلُوْنَهُم، ثم الذين يلونهم“
فالحديث الأول أكد على المكانة الجوهرية لسنة النبي لدى المسلمين، بينما رفع الحديث الثاني من شأن سنة الخلفاء الراشدين لدرجة تالية لسُنَّة الرسول. أما الحديث الثالث فقد حدد من هم أجدر الناس للتمثل بهم “كسلف صالح” بناء على فترة زمنية واضحة المعالم و هي القرون الثلاثة الأولى للإسلام:
- القرن الأول: جيل صحابة الرسول الكريم.
- القرن الثاني: جيل التابعين الذين لم يلقوا الرسول وإنما صحبوا أصحابه.
- القرن الثالث: جيل أتباع التابعين الذين لم يلقوا أصحاب الرسول وإنما رأوا التابعين.
بضوء ما سبق، أتساءل:
- أولاً : أين أنت اليوم من المعاهدة التي أبرمها النبي محمد عليه السلام بذاته مع نصارى نجران و) التي ورد نصها في كتاب الطبقات الكبير لابن سعد، و دلائل النبوة للبيهقي)؟ سأذكرك بما جاء فيها “لأن الذكرى تنفع المؤمنين” سورة الذاريات الآية (٥٥): ولنجران” وحاشيتهم جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملّتهم، وأرضهم وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وبيعهم، وصلواتهم، لا يغيروا أسقفًا عن أسقفيته، ولا راهبًا عن رهبانيته؟
- ثانياً: أين أنت اليوم من السلف الصالح ، و الذي كانت “العهدة العمرية” الكتاب الذي وجهه عمر بن الخطاب رضي الله لأهل القدس والوارد نصه في كتاب تاريخ الطبري، والذي جاء منسجماً ومتوافقاً مع ما سبق وتعاهد عليه الرسول مع نصارى (نجران من أروع نتاجه؟ نقرأ فيه التالي:
“بسم الله الرحمن الرحيم،
هذا ما أعطى عبد الله عمرُ أمير المؤمنين، أهلَ إيليا (القدس) من الأمان:
أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملته أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيّزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيليا أحد من اليهود وعلى أهل إيليا أن يُعطوا الجزية كما معهم يُعطي أهل المدائن. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله ، وذمّةً رسوله، وذمّة الخلفاء، وذمّة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان. كتب وحضّر سنة خمس عشرة للهجرة.”
هل كان ليرضى النبي عليه السلام أو حتى النجاشي ملك الحبشة النصراني – الذي حفظ المسلمين الأوائل من فتك قريش
– على “سلفيتك” بضوء ما يحدث اليوم بالمسيحيين من قتل قائم على تكفيرهم؟ هذا يدفعني لأسألك: هل من مرجعية قرآنية تستند إليها في تكفيرك للمسيحي؟
أعلم أنك ستحيلني إلى الآيات التالية في القرآن الكريم:
- سورة النساء الآية ۱۷۱: “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقِّ ، إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةُ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهُ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ”.
- سورة المائدة الآية :۷۲: “لقد كفر” الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم“.
- سورة المائدة الآية :: “لقد كفر” الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة”.
إن الآيات السابقة تأخذنا إلى حقيقة قرآنية مفادها: إن أي “نصراني” من أهل الكتاب يؤمن بعقيدة التثليث” و بأن “المسيح هو الله” هو كافر. وفي هذا أُصَرِّحُ بأن هذه الآيات تُفَنِّدُ الإيمان المسيحي الذي لا و لن يخجل منه أي مسيحي. إلا أن الإكتفاء بقراءة هذه الآيات، أو الإجتزاء المقصود أو الغير مقصود لها من مجمل سياق القرآن و روح آياته يؤدي إلى تكوين تصورات ذهنية مُقَوْلَبة ومحسومة في طريقة تعامل المسلم (و) تحديداً السلفي الجهادي) مع المسيحي تفضي إلى تبديد أي أمل بعيش سلمي يجمع بينهما. لذلك، و لكوني قبلت بكل رحابة صدر أن يكون الإسلام هو المَرْجِع، فإني أضع بعهدتك النقاط التالية لتتأمل بها لعلها تصحح المسار و تبعث السلام
- أولاً هل أوصى الله تعالى على إكراه الناس و تحديداً المسيحيين ليصبحوا مسلمين؟
لقد ترك القرآن الكريم للإنسان حرية اختيار دينه والآيات التي تؤكد على هذا كثيرة، أكتفي بذكر:
- سورة البقرة الآية ٢٥٦: “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين”.
قلّة هم الذين لا يعرفون هذه الآية سواء من المسلمين أو المسيحيين. لكن ما ينبغي وضعه نصب الأعين هو سبب نزول هذه الآية الكريمة. إذ تروي إحدى الروايات التي ذكرها كبار مفسري القرآن ابن كثير و الطبري بأن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له “الحصيني” كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلماً. فقال للنبي عليه السلام: “ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله آيته “لا إكراه في الدين“…
- سورة يونس الآية :۹۹ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ“.
يخاطب الله تعالى في هذه الآية الرسول و قد أجمعت التفاسير الإسلامية على معنى واحد ، لعل أبسطها هو ما جاء في “تفسير “الوسيط” الذي أنقل منه حرفياً: “تلك هي مشيئتنا (مشيئة الله (تعالى) لو أردنا إنفاذها لنفذناها، ولكننا لم نشأ ذلك. فهل أنت يا محمد في وسعك أن تُكره الناس الذين لم يَرِدْ الله هدايتهم على الإيمان؟ لا، ليس ذلك في وسعك ولا في وسع الخلق جميعاً، بل الذي في وسعك هو التبليغ لما أمرناك بتبليغه”.
- سورة الكهف الآية :۲۹: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنُ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”
في هذه الآية الرائعة، لم يَفْرُض الله ذاته على الإنسان، بل ذهب بمحبته للإنسان لدرجة أن أعطاه مطلق الحرية في أن يَكْفُرَ به
إن شاء ذلك…
- سورة الكافرون تعكس هذه السورة ذات الآيات الست ملخصاً متكاملاً عن “الحرية الدينية: “قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدُ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين“.
ثانياً: هل أعطى الله تعالى الرسول، و من بعده المسلمين الضوء الأخضر ليَتَكفّلوا بجزاء الكفّار على كفرهم كقتلهم بحد السيف، أو بأي بطريقة أخرى، أم أنه وحده تعالى المتكفل بهذا الأمر؟ و ما هو جزاء الكافرين؟
إن الإقتصاص من الكافرين يقتصر على الله تعالى فقط الذي لم يعط لرسوله هذا السلطان، إنما اصطفاه ليتكفل بعبء نقل رسالة الإسلام للناس. و هذا ما قاله تعالى للنبي ( مع التفاسير من المراجع الإسلامية)
- سورة الرعد الآية ٤٠: “إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ“. و التفسير: “ما عليك إلا تبليغ الدعوة، وعلينا (أي على الله تعالى) الحساب والجزاء“.
- سورة آل عمران الآية :۱۲۸: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ”. و التفسير ليس لك أيها الرسول- من أمر العباد شيء، بل الأمر كله لله تعالى وحده.
- سورة الشورى الآية ٤٨: ” فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ “. تفسير الطبري: إن أعرض هؤلاء المشركون يا محمد عما أتيتهم به من الحق، فدعهم، فإنّا لم نرسلك رقيباً عليهم، و ما عليك إلا أن تُبَلِّغَهم ما أرسلناك به إليهم من الرسالة، فإذا بلغتهم ذلك، فقد قضيت ما عليك.
أما جزاء الكافر فهو نار جهنم في الآخرة و ذلك بحسب الآيات القرآنية التي تتناول هذا الأمر، منها:
- سورة آل عمران الآية :۱۲: قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلَى جَهَنَّمَ“.
- سورة آل عمران الآية ۱۳۱: “وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ”.
- سورة البيئة الآية :٦: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا“.
يتبين مما سبق بأن الكفر قرار و شأن شخصي على الكافر أن يتحمل تبعاته في الآخرة أمام الله الديان. أما المسلم، فلا يجوز أن يُؤكل لنفسه مَهَمّةٌ لم يُعطها الله أصلاً للرسول (أي أن يكون “ديانا” للناس). فالدّيان هو فقط الله تعالى و الرسول عليه السلام و عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعهدا بصون حياة النصارى، و أعراضهم ، و ممتلكاتهم عندما أبرما “المعاهدة مع نصاری “نجران” و “العهدة “العمرية من دون أن يسألوهم فرداً فرداً عن إيمانهم في “عقيدة التثليث” و “ألوهية المسيح“..
- ثالثاً: إن أراد المسلم الدعوة لنشر الإسلام، هل وضع القرآن أظراً ضابطة و ناظمة لكيفية دعوة الناس إلى الإسلام كي لا يكون هناك “إكراه في الدين”؟
يكاد لا يوجد دين لا تتملك أتباعه رغبة، و إن ضمنية، بنشره. إلا أن المشكلة تكمن في “آلية التبشير و في هذا الخصوص نجد أن القرآن لم يفسح المجال “للإجتهاد الشخصي” بل كان واضحاً وضوح الشمس بحسب الآية ١٢٥ من سورة النحل التي لم تتطرق لذِكْرِ السيف كأداة للدعوة، و لم تعط أي دور للعنف أو “المُحارَجة” في الدعوة للإسلام، إنما اكتفت بالقول: “ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي حتى أحسن و نجد صدى هذه الآية في الآية ٤٦ من سورة العنكبوت التي تخص أهل الكتاب الذين من بينهم المسيحيين): “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ“. فالجدل، بطبيعة الحال، يتطلب وجود طرفين متحاورين يتبادلان وجهات النظر باحترام متبادل مبني على عدم إقصاء رأي الآخر. وعلى هاتين الآيتين الكريمتين يمكن أن نؤسس لمفهوم “حوار الأديان”.
ولعل الآية التي تختصر في ذاتها النقاط الثلاث السابقة التي ذكرتها هي الآية ٢٠ من سورة آل عمران: فَإِنْ حَاجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ ِللَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ“.
فالتَّأني في قراءتها يوصلنا إلى نتيجة مفادها بأن دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام لا تكون إلا من خلال الدعوة الحسنة السّلْمِيّة القائمة على “المُحاجَجَة” المتبادلة بين الطرفين و هذا ما تعنيه عبارة “فإن حاجوك” التي يمكن أن تُفضي إلى قبول الإسلام أو عدم قبوله (“إن تَوَلَّوْا“). أما عدم قبول الإسلام فلا يترتب عليه أي عاقبة جزائية لأن الرسول عليه البلاغ فقط (“فإنما عليك البلاغ)، في حين أن الله تعالى هو وحده الكفيل بالحساب (“و الله بَصِيرٌ بالعِبَاد“).
- رابعاً: كيف أفهم “جهادك في سبيل الله”؟
لا جدل في أن “الجهاد في سبيل الله” هو فريضة قرآنية راسخة. فالآيات القرانية التي تحث على الجهاد في سبيله تعالى كثيرة، أذكر منها ما جاء في الآية ٤١ من سورة التوبة: “وَجَاهِدُوا” بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ“. لكن، كيف يكون جهاد المسلم في سبيل الله على أرض الواقع بضوء القرآن و الحديث النبوي؟
لقد قسم علماء المسلمين الجهاد إلى ثلاثة أقسام جهاد بالقلب وجهاد باللسان، وجهاد باليد و استدَلُّوا على هذا من خلال حديث نبوي ورد في كتاب صحيحُ مُسلم) جاء فيه: عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله قال: “ما من نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لايؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن و من جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن“.
لكن، هل يمكن للمسلم أن يجاهد بيده و لسانه إن لم يكن قد جاهد قلبه و نفسه في المقام الأول؟
لم يتركنا الرسول من دون جواب على هذا التساؤل عندما اعتبر جهاد النفس أفضل أنواع الجهاد، إذ جاء في حديث عنه: “أفضل الجهاد أن يُجاهِد الرّجل نفسه وهواه” رواه ابن النجار وصححه الألباني). و آخر مثله: “أفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل” رواه الطبراني وصححه الألباني). بناء على هذا، صار بالإمكان القول بأن هذا النوع من الجهاد هو الأقدس لأنه يُشَذَّبُ النفس و يسمو بها فوق كل ما يجعل الإنسان عبداً للإثم والنزوة. أما بعد الإنتهاء من تهيئة النفس فيصبح من السهل على المسلم الإنتقال إلى جهاد اللسان (أي الكلمة التي طيعها الإسلام للبناء لا للهدم، فجاء جهاد اللسان في الإسلام منسجماً مع مفهوم “الدعوة إلى الخير، و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” الذي دعت له الآية ١٠٤ من سورة آل عمران: “وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةً يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ َوأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ”) ، و مفهوم “إعلاء “العدل” بغض النظر عن التبعات (بحسب ما قال النبي في حديثه الذي ورد في جامع الترمذي: عن أبي سعيد الخدري، أن النبي قال: “إن” من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر“).
إن ما ذَكَرْتُه ينسجم، في المبدأ مع ما قاله الشيخ السلفي ابن القَيَّم الذي تَعْرِفُه تماماً لكونه تلميذ الشيخ ابن تيمية في الجزء الثالث من كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد): “وَلَمَّا كَانَ جِهَادُ أَعْدَاءِ اللهِ فِي الْخَارِجِ فَرْعًا عَلَى جِهَادِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ“، كَانَ جِهَادُ النَّفْسِ مُقَدِّمًا عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ فِي الْخَارِج، وأضلّا لَهُ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ أَوّلًا لِتَفْعَلَ مَا أُمِرَتْ بِهِ وَتَتْرُكَ مَا نُهِيَتْ عَنْهُ وَيُحَارِبُهَا فِي اللَّهِ لَمْ يُمْكِنَهُ جِهَادُ عَدُوِّهِ فِي الْخَارِجِ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ جِهَادُ عَدُوّهِ وَالِانْتِصَافُ مِنْهُ وَعَدُوُّهُ الَّذِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَاهِرٌ لَهُ مُتَسَلِّطْ عَلَيْهِ لَمْ يُجَاهِدْهُ وَلَمْ يُحَارِبُهُ فِي الله“.
قبل أن أنتقل إلى جهاد” اليد، عليّ أن أذَكَّرَك بالقاعدة الأساسية التي يعتمدها القرآن للتفريق بين القتل و القتال. و هنا، أستند إلى قول (ذُكِرَ في كتاب السنن الكبرى للبيهقي) للإمام الشافعي: ليس القتال مِنَ القَثل بسبيل، فقد يَحِلُّ قتال الرجل ولا يَحِلُّ
قتله بمعنى أن من يقوم بالقتل هو “قاتل“، في حين أننا لا نَصِف الجندي، مثلاً، على أنه “قاتل” (بالرغم من أنه قد يَقْتُلُ إن تَطلَّب الأمر بل نقول عنه “مقاتل”. و في القرآن الفعل الذي يرادف “جاهدوا” في سبيل الله هو “قاتلوا” في سبيل الله ليس “اقتلوا” في سبيل الله لكون القتال” يحمل طابعاً دفاعياً تجاه من يُقاتِلُكَ، بينما يَحْمِلُ “القتل” طابعاً هجوميا). و سأوَضّح كل هذا في جهاد اليد الذي هو نوعان:
- جهاد الدفع:
أ- و هو جهاد ذو طبيعة دفاعية خالصة ضد الذين: .أ. أخْرَجوا المسلمين من ديارهم بحسب الآية ۳۹-٤۰ من سورة الحج التي أذِنَتْ للمسلم أن يقاتل من أخرَجَه من دياره: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٌّ”. و هذا النوع من القتال ضد من يخرجك من ديارك هو حق شرعي كرسته كل الشرائع الدولية.
ب– اعتدوا على المسلمين أو بادروا بقتال المسلمين بحسب:
- الآية ۱۹۰ من سورة البقرة: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ“. و التفسير (بحسب تفسير الوسيط) قاتلوا في سبيل الله من يُناصِبكم القتال من المخالفين ، ولا تتجاوزوا في قتالهم إلى من ليس شأنهم قتالكم كنسائهم وصبيانهم ورهبانهم وشيوخهم.
- الآية ١٩٤ من سورة البقرة: “فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِينَ“. و هذه الآية شارحة ذاتها بذاتها.
2. جهاد الطلب:
هذا هو الجهاد الذي يُساء فَهُمُه، إذ يُظَنُّ منه خطأ بأن المسلم بإمكانه أن يُبادر إلى قتال الآخرين كالكفار) وغيرهم متى لذلك، جاءت الآية ٧٥ في سورة النساء لتوضح الشرط الذي إن تحقق، فإنه بإمكان المسلم المبادرة بالقتال: “وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله و الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً”.
و أبدأ في عرض تفسير هذه الآية باقتباس مقطع من كتاب تفسير الطبري الذي جاء فيه:
“حضّ الله المؤمنين على استنقاذهم (أي المستضعفين من أيدي من قد غلبهم على أنفسهم من الكفار، فقال لهم تعالى وما شأنكم لا تقاتلون في سبيل الله، وعن مستضعفي أهل دينكم وملّتكم الذين قد استضعفهم الكفار فاستذلوهم ابتغاء فتنتهم وصدّهم عن دينهم؟“.
لم تترك هذه الآية مجالاً لسوء التفسير أصلاً، إذ أوضحت واختصرت مفهوم “جهادالطلب” وجعلت المبادرة في القتال محكومة بشرط نصرة المستضعفين من المسلمين وتحرير أرضهم من المعتدي كي يرجعوا إليها وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي تعزز هذا التفسير. فقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري أنهما قالا: “قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من امرئ يخذل امرأ مسلماً في موضع تُنتهك فيه حرمته ويُنتقص فيه من عرضه إلا خذله في موطن يُحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته. و آخر ورد في الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة“. كما قال الرسول في حديث آخر: “ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وأخيراً، قال الشيخ ابن تيمية: نَصْرُ” آحاد المسلمين واجب بقوله عليه السلام: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً“.
إن آية سورة النساء و الأحاديث النبوية التي ذكرتها في جهاد الطلب تدعوك بشكل علني لا يعتريه الغموض إلى مقارعة عدو واحد ينطبق عليه شرط جهاد الطلب و هو العدو الإسرائيلي الذي يخطط لضم غزة و يسعى لإذلال شعبها المسلم سواء بالتهجير أو التجويع المُتَعَمِّد، كما يسعى لإقتطاع وضم جنوب سوريا بكامله و جنوب لبنان، و يُحضّر العُدّةَ لضم الضفة الغربية قريباً (بما فيها القدس والمسجد الأقصى)، وشرق الأردن لاحقاً… كما يجب ألا يثنيك عن الجهاد ضد هذا العدو كل من يُروّجُ السلام مُجحف بحق أرض إخوانك المحتلة في فلسطين و سوريا ولبنان من خلال تلاوة الآية ٦١ من سورة الأنفال: “وَإِن جَنَحُوا لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ” لأن هذه الآية لا تدخل حيز التنفيذ إلا بعد أن يسترجع كل ذي حق حقه المشروع الذي صانه الدِّين و أقرّه القانون الدولي.
هنا أتوجه إليك بسؤال مباشر: ألا ينبغي أن يَشْحَذُكَ هذا بالهِمَّة و يَستنهض وجدانك وعزيمتك لمواجهة هذا العدو بكل ما أوتيت من مُقَدّرات عسكرية و إقتصادية وسياسية بدل التفكير” “بتطبيع” علاقتك معه، و توجيه طاقاتك للإجهاز على إخوانك المسيحيين العُزّل؟
أخيراً، ما أود قوله في ختام جهاد الطلب هو محاكاة ما يجول في تفكيرك عن “غزوات الرسول و في هذا يجب التأكيد على أنه حاشا للرسول أن يكون قد “غزا” أو بادر بقتال من عاهده أو سالمه، لأن كلمة “غزا” أو (غزا العدو) تعني : هاجمه أو سار إلى قتاله في أرضه، وغَذَا الشيء: أَرَادَهُ وَطَلَبَهُ، وهذا المعنى لا ينطبق على غزوات الرسول التي كانت دفاعية و ليست هجومية. وقد كان من تناول السيرة النبوية (من أمثال الواقدي في كتابه المغازي، و ابن هشام هم من أطلق كلمة “غزوة” على المعارك التي خاضها الرسول. إذ جاء في السيرة النبوية لابن هشام عن محمد بن إسحاق المطلبي وكان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعاً وعشرين غزوة، ثم تابع ابن هشام في ذِكْرِ كل معركة من معارك الرسول على أنها “غزوة“. أما القرآن الذي من المفترض أن يكون هو المرجعية في تسمية الأشياء بمُسَمَّياتها، فلم يأتِ على ذكر كلمة “غزوة” على الإطلاق…. فمعركة بدر ذُكِرت “باسم “بدر” من دون توصيفها على أنها غزوة بحسب الآية ۱۲۳ من سورة آل عمران: “وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”. و “غزوة حُنَين” جاءت باسم “يوم حُنَيْن” في الآية ٢٥ من سورة التوبة لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنِ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثَرَتُكُمْ“. أما بقية ما يسمى بالغزوات، فقد ذكرها القرآن بإشارات غير مباشرة وليس لنا أن نستغرب هذا إن علمنا أن كلمة “غزا” قد وردت مرة واحدة في القرآن الكريم في الآية ١٥٦ من سورة آل عمران، و هذا ما يؤكد على تَوَجُهِ الوحي القرآني نحو التأكيد على الطبيعة الدفاعية لمعارك الرسول الذي لم يكن من الوارد أن ينطبق عليه وعلى أصحابه صفة “الغزاة”.
وإن لم يكن ما ذكرته مقنعاً بالنسبة إليك، فإني أحيلك إلى اللقاء الذي جمع شيخ الأزهر أحمد الطيب مع وزير الأوقاف المصري السابق محمود حمدي زقزوق في ذكرى غزوة بدر يوم الجمعة ۲۷ آب ۲۰۱۰ في ملتقى الفكر الإسلامي، والذي قال فيه الشيخ أحمد الطيب: “إن كلمة “غزوة” ليست صحيحة و أدرجها مؤرخو التاريخ الإسلامي في غير نصابها الصحيح“. وأضاف بأن هذه الكلمة تزعجه شخصياً“، موضحاً بأن النبي لم يبدأ أي عدوان و هذا ينسجم مع ما قاله الشيخ ابن القيم في كتابه هداية الحيارى عن الرسول: “وإنما كان يُقاتِلُ من يحاربه ويقاتله، وأما من سالَمَه وهادَنَه فلم يقاتله“.
- خامساً: هل من مرجعية سواء من القرآن أو من الأحاديث النبوية يستند عليها تنظيم داعش أو سواه من التنظيمات المتطرفة لتسويغ ما قاموا ويقومون به من قتل؟
يستحيل على أي مسلم أن يُقدِمَ على قتل بدم بارد ما لم يكن على قناعة كاملة وإيمان راسخ بأن ما يقوم به من قتل هو الجهاد الحقيقي في سبيل الله. لذلك، و بالرغم من شرحي المقتضب لتوضيح ملابسات “الجهاد في القرآن و الحديث النبوي، إلا أنه ما تزال هناك آيات و أحاديث أساسية لا يمكن التغاضي عنها يجب الإشارة إليها من أجل توضيحها لكونها تُشكّل حجر الأساس في التطرف الإسلامي. و أبدأ من القرآن الكريم:
- الآية ۳۳ من سورة المائدة:
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتُلُوا أَوْ يُصَلِّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذُلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ“.
يَذكر هذه الآية المتطرفون الإسلاميون الذين يحاولون أن يَستَدِلُّوا بها لتبرير مغالاتهم بأفعالهم الدموية، أو من يحاول أن يَصِمَ الإسلام بالدموية، فيتوقفون في ذكر الآية عند كلمة ” أرجلهم“. إلا أن تتمة الآية أو يُنفّوا من الأرض” تعطينا مؤشرات على أن الآية تسرد تدرجاً في جزاء من يُبادر بقتال الرسول وصولاً إلى النفي إلى مكان آخر.. فابن كثير في سياق تفسيره لهذه الآية، ذكر الرواية التالية عن ابن عباس (الصحابي الجليل، و ابن عم الرسول و التي لم تأتِ على ذكر قتل تعسفي بحق كل الناس، بل أشارت إلى من يحارب الرسول من قطاعي الطرق: عن ابن عباس في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قُتِلوا وصلبوا، وإذا قَتَلوا ولم يأخذوا المال قُتِلوا ولم يُضلَبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطِعَت أيديهم وأرجلهم من خلاف (أي اليد اليمنى مع القدم اليسرى)، وإذا أخافوا السبيل و لم يأخذوا مالا نفوا من الأرض وهذه الرواية تتوافق مع ما جاء في (تفسير السعدي).
- الآية ٤ من سورة محمد:
“فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَتُخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا”.
من السهل فهم هذه الآية على أنها دعوة إلى ضرب الرقاب (أو) قطع (الأعناق إن تَوَقِّفْنا في قراءتها عند كلمة “الرّقاب” و هذا ما يحدث في أغلب الأحيان. لكن تتمتها تُوَضّح بشكل جلي بأن هذا الفعل مرهون بوجود حرب و استمرارها. أما إذا توقفت الحرب توقف الفعل حتى تضع الحرب أوزارها).
- الآیة ۱۲ و ۱۳ من سورة الأنفال:
“سَأَلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ ذُلِكَ بِأنّهُمْ شَآقُوا اللَّهُ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ“.
كما في الآية السابقة، ضرب الأعناق هو لأولئك الذين “شاقوا” الله و رسوله” و التي معناها بحسب تفسير السعدي: “حاربوهما” وبارزوهما بالعداوة”.
- الآية ٥ من سورة التوبة
فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلِّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ“. هذه الآية معروفة باسم “آية السيف” والتي يُنظَرُ إليها على أنها نَسَخَتْ” (أي ألْغَتْ وحَلَّتْ محل) ١٢٤ آية قرآنية تخص الصَّفْحَ والسلم بين المسلمين والمشركين لكونها تضمنت أمراً واضحاً بقتل” وليس “قتال المشركين و لعل هذه الآية من أكثر الآيات التي شلخت من سياقها. و لكي نفهمها، علينا أن نعرف من هم هؤلاء المشركين و لماذا أمَرَ الله بقتلهم. و الجواب يأتينا في الآية ١٣: “ألا” تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَنُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُوا بِإِخْرَاجِ الرّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فهؤلاء هم المشركون من قريش الذين “نكثوا” أيمانهم” أي نقضوا عهدهم مع النبي و أعانوا حلفاءهم من بني بكر على قتال خزاعة حلفاء الرسول، و “هَمُّوا بإخراج “الرسول” مكة و بادروه ..القتال. هذا ما تتوافق عليه معظم التفاسير الإسلامية. أي أن أمر القتل في الآية ٥ “آية السيف” ليس تشريعاً من عاماً للمسلمين في كل زمان ومكان، بل خاصاً بهؤلاء المشركين تحديداً الذين نقضوا العهد وشكلوا تهديداً وجودياً على المسلمين فاقتضى هذا قتلهم ضمن إطار حق الدفاع عن النفس. و من ناحية أخرى، تؤكد الآية ٤ التي سبقتها مباشرة على أن أمر القتل هو فقط لأولئك الذين نكثوا العهد مع المسلمين و انقلبوا عليهم باستثناء من صان العهد منهم: “إلا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَ لَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأتِمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ“. ونقرأ بخصوص هذه الآية في تفسير القرطبي: “وقوله (لم ينقصوكم) يدل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده ومنهم من ثبت على الوفاء، فأذن الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم في نقض عهد من خاس و أمر بالوفاء لمن بقي على عهده إلى مدته وأخيراً، لكي نفهم أيضاً كيف أنه تعالى لم يُرد إنزال الأذى بشكل عشوائي إلا بالذي أراد إلحاق الأذى بالمسلمين، نقرأ في الآية ٦ التي تليها مباشرة: وَإنْ أحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ“، و تفسيرها بحسب تفسير القرطبي: “وإن أحد من المشركين ، أي من الذين أمزتك بقتالهم، استجارك (أي سأل جوارك، أي أمانك وذمامك، فأعطه إياه، ليسمع القرآن، أي يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه. فإن قَبلَ فحسن، وإن أبى فردّه إلى مأمنه و هنا أقول، لو كانت الآية ٦ تعمل بمبدأ الناسخ و المنسوخ)، كان من المفترض أن تأمر بقتل من يلتجأ المسلمين من المشركين و ليس باستضافتهم و إيصالهم إلى مأمنهم..! أو كان يجب اعتبارها “ناسخة” لآية السيف عملاً بقواعد “النسخ” بأن اللاحق ينسخ السابق…
لا عجب في أن موضوع الناسخ والمنسوخ في القرآن يستحوذ على اهتمام السلفيين الجهاديين من جهة، و أعداء الإسلام من جهة أخرى. فالجهاديون يتخذوه حجة لتبرير قتلهم للآخرين أما أعداء الإسلام فيتخذوه مدعاة كي يَكْرَة المسلمون الإسلام فيتركونه، أو دليلاً على دموية الإسلام عسى أن يُتَبّط هذا من عزيمة من يرغب أن يصبح مسلماً. لكن، هل يُعقل أن يكون القرآن قد نَسَخَ مُجْمَلَهُ بنفسه بآية واحدة؟ أو صار دين قتل و تنكيل بعد أن كان دين صفح و رحمة؟ كلا، بكل تأكيد و إن لم يلقَ ما أقول صدى عندك، فإني أحيلك إلى ما قاله شيخ له تأثير على السلفيين بصفته الأب الروحي الراحل لجماعة الإخوان المسلمين و هو الشيخ يوسف القرضاوي الذي ذَكَرَ في كتابه (فقه الجهاد): لا دليل قاطع ولا غير قاطع من الحديث النبوي كذلك لا يوجد إجماع من الأمة – التي لا تجتمع على ضلالة – على جواز النسخ ووقوعه في القرآن. و لا وجود لحديث ثابت عن الرسول يقول فيه أن الآية الفلانية في سورة كذا منسوخة، وقد بَطْلَ حُكمها، أو يقول : إن هذه الآية من سورة كذا قد أبطلت حُكْمَ آية كذا من سورة كذا.
- الآية ۲۹ من سورة التوبة
“قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ”.
إنَّ فهم هذه الآية هو غاية في الأهمية لأنها تعتبر من الآيات الأخيرة التي تناولت تحديد الإطار النهائي لتعامل المسلم مع المسيحي فهي تبدأ أولاً، بفعل “قاتلوا” وليس “اقتلوا” الذي ورد في الآية ٥ السابقة و قد شَرَحْتُ الفرق بين الأمر “بالقتال” و الأمر “بالقتل” سابقاً). فقتال المسلمين في هذه الآية هو مع من بدأهم القتال من أهل الكتاب لغاية درء خطرهم و ليس “لأسْلَمَتِهم”. فلو كانت غاية القتال هي لِجَغلهم مسلمين، لتَغَيَّرَت تتمة الآية ولأصبحت: “حتى يعطوا “الزكاة و ليس حتى يعطوا الجزية“.
و مع هذه العبارة الأخيرة حتى يعطوا الجزية)، خَتَمَ و حَسَمَ القرآن طبيعة العلاقة بين المسلم مع المسيحي المُقيم في “دار “الإسلام” أي ) في بلد إسلامي) بأن تكون قائمة على دَفْعِ المسيحي للجزية وليس على استباحة دمه لكونه كافر.
و بقدر ما أتفهم حساسية كلمة “الجزية” لدى إخوتي المسيحيين، إلا أنه ينبغي على الجميع أن يعلم بأن الإسلام لم يَبْتَدِعْ مفهوم الجزية. فالجزية موجودة في التوراة والإنجيل (في إنجيل لوقا، و في رسالة بولس لأهل رومية). إذ نقرأ في الفصل ١٦ من سفر يشوع عن غزو بني إسرائيل لأرض كنعان و
كيف تعامل بنو إفرايم (أي ، قوم إفرايم ابن يوسف الذي هو واحد من أسباط إسرائيل الإثني عشر) مع سكان أرض كنعان: ١٠:١٦ فلم يَظرِدوا بني إفرايم الكنعانيين الساكنين في جازر فسكن الكنعانيون في وسط إفرايم إلى هذا اليوم و كانوا عبيداً تحت الجزية.
أما الفصل ١٧ فيخبرنا كيف فرض بنو إسرائيل الجزية على الكنعانيين:
۱۳:۱۷ و” كان لما تشدد بنو اسرائيل أنهم جعلوا الكنعانيين تحت الجزية و لم يطردوهم طرداً.
وبالإنتقال إلى الإنجيل، نجد أن يسوع في الفصل ٢٠ من إنجيل لوقا قد تعامل بمرونة مع موضوع الجزية التي كانت مفروضة من قبل الرومان:
۲۲:۲۰ أيجوز لنا أن نعطي جزية لقيصر أم لا؟“
٢٠:۲۵ فقال لهم: أعطوا ما لقيصر لقيصر و ما الله الله“.
وكذلك كان حال بولس الرسول في رسالته لأهل رومية:
۷:۱۳ فأعطوا الجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف والإكرام لمن له الإكرام.
أما العبارة الأخيرة في الآية ٥ “و” هم صاغرون“، فقد أجمعت كل التفاسير الإسلامية على أنها تعني بالضبط ما تعنيه حرفياً، أي، أن يدفعوا الجزية و هم في حالة مَذَلّة وهوان. إلا أن تفسيراً واحداً يُنسب للقرطبي أخذ بالمعنى الرمزي للجملة و فشر كلمة “صاغرون” على أنها تعني: الإمتثال لأحكام وشرائع الإسلام العامة. و هذا التفسير، بالرغم من فرادته، إلا أني أجد فيه انعكاساً لروح القرآن التي يجب الأخذ بما تُفليه و إن كان التفسير بمقتضاها قد يتعارض، في الظاهر، مع التفسير الحرفي للنص القرآني.
و أنتقل الآن إلى الأحاديث النبوية التي أشهرها على الإطلاق، لدى المتطرفين الإسلاميين، الحَدِيثين التاليين:
- الحديث الأول :
رواه الإمام أحمد في مسنده قال: “حدثنا محمد بن زيد يعني الواسطي – أخبرنا ابن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر قال قال رسول الله عليه السلام “بعثت بالسيف، حتى يُغبَد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم“.
إن إشكالية هذا الحديث تكمن في ضُعْفِ إسناده (أي مرجعيته) لوجود إسمين يتوجب وضع علامات استفهام عليهما. فأحد المُخْبِرَين (أبي منيب الجرشي مجهول و لا يعرف عنه علماء المسلمين شيئاً… في حين أن الآخر (ابن ثوبان) قد قال فيه أحمد بن حنبل (مؤسس المذهب الحنبلي الذي تستقي منه سلفيتك) بأن أحاديثه مناكير” أي غير صحيحة و لا يُؤْخَذ بها. هذا ما يجعل الحديث المذكور – سواء بالنظر إلى إسناده (أي مرجعية المُحَدِّثِين) أو مَتْنِهِ (أي نَصَّهِ) – غير مقبول في ضوء موازين علم الحديث وقواعده الضابطة و من ناحية أخرى، إن كنا سنأخذ بأحاديث ضعيفة الإسناد مثل هذه، فلما لا نأخذ أيضاً بالحديث الضعيف الذي ورد في كتاب أخبار مكة للأزرقي الذي جاء فيه: عن أبي نجيح ، عن أبيه، عن حويطب بن عبد العزى وغيره فلما كان يوم الفتح، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت فأمر بثوب فبل بماء وأمر بطمس تلك الصور، ووضع كفّيه على صورة عيسى وأمه وقال: “امحوا الجميع إلا ما تحت يدي إن هذا الحديث يضع على كاهل كل المتطرفين الإسلاميين الذين محوا صوراً أو حطموا تماثيل لمريم و المسيح عليهما السلام، سواء في سوريا أم في خارجها، إثماً عظيماً…
- الحديث الثاني:
عن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه سمع النبي عليه السلام يقول: “أُمِرْتُ أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى.
إن هذا الحديث صحيح لا غبار عليه لأنه حديث متواتر ورد في صحيح بخاري وصحيح مسلم. لكن بالرغم ما ينقل ظاهره من عنف، إلا أننا – و بعد أن فهمنا الفرق بين القتال” الذي أمر به هذا الحديث و “القتل” الذي لم يأمر به هذا الحديث، لأنه لم يأتِ بصيغة “أمرت أن أقتل “الناس – صار حديثاً يندرج ضمن جملة الآيات القرآنية والأحاديث التي تعطي قتال المسلمين طبيعة دفاعية و هذا ما يؤكد عليه شيخ “السلفية” ابن تيمية في كتابه مجموع الفتاوى: قَوْلُ النّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أُمِرْتُ أنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ)؛ مُرَادُهُ قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ أَذِنَ اللهُ فِي قِتَالِهِمْ، لَمْ يُرِدْ قِتَالَ الْمُعَاهَدِينَ الَّذِينَ أَمَرَ اللهُ بِوَفَاءِ عَهْدِهِمْ” سأتناول موضوع “العهد” لاحقاً). أما كلمة “الناس” فلا يُراد منها عموم الناس” بل “المشركين” بالإعتماد على الروايات الأخرى لهذا الحديث و التي ذكرت كلمة “المشركين” وليس “الناس” فقد روى كل من أبو داود والنسائي هذا الحديث بقولهما: “حديث أنس مالك رضي رضي الله بن عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أُمِرْتُ أنْ أقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه“. و بناء عليه، قال ابن حجر العسقلاني الذي كان واحداً من القلائل الذين أطلق عليهم لقب “أمير المؤمنين في الحديث“): “فيكون” المُراد بالناس” في قوله (أقاتل الناس أي المشركين من غير أهل الكتاب”.
قد تظن لدى قراءتك لهذا الحديث بأن الرسول عند فتحه مكة في السنة الثامنة للهجرة، سينتقم من أهلها المشركين أشد انتقام لما فعلوه به و بأصحابه من اضطهاد و تهجیر و استیلاء على الممتلكات إلا أن الحديث الصحيح التالي الذي ورد في صحيح مسلم عن الرسول يوم فتح مكة يُثبت أنه كان مثالاً كان مثالاً في الصَّفْح حتى عن ألد أعدائه. يقول الحديث: “قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وسلَّمَ: مَن دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهو آمِنٌ، وَمَن ألْقَى السُلَاحَ فَهو آمِنْ وَمَن أَغْلَقَ بَابهُ فَهو آمن و قد كان أبو سفيان من ألد أعداء الرسول و هناك حديث ضعيف السند لكنه متداول عنه أنه قال للمشركين حين اجتمعوا في المسجد بعد دخوله مكة: “ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا خيراً أخ كريم، وابن أخ كريم :قال اذهبوا فأنتم الطلقاء“. وفي حديث آخر رواه مسلم في صحيحه قيل للرسول: “ادعُ على المشركين فقال: إنّي لم أبعث لعّاناً، وإنما بُعثتُ رحمة و بما يخص الأفراد، هناك حديث صحيح في صحيح البخاري صَفَح فيه الرسول عن عدو له اسمه ثمامة بن أثال الحنفي. أما توصيات الرسول للمسلمين في معاركهم فكانت تدعو لصون حياة كل من لم يشارك في قتال المسلمين من الشيوخ و النساء النساء والأطفال. إذ يقول في حديث له جاء في (سنن أبي داود: “انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلًا ولا صغيراً ولا امرأة، ولا تَغُلُوا، وضُمُوا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين“.
- سادساً: هل من أمل في عيش سلمي يجمعنا؟
حتى هذه اللحظة أقول: لن أفقد الأمل…
يَتَمَلَّكني اعتقاد بأن كل ما يجري من استباحة لدم “أهل الكتاب من مسيحيين وغيرهم، وكل ما نشهده من قلاقل أمنية تُهدد السلم الأهلي يعود إلى قناعة داخلية لديك تقول: “لماذا عليّ أن أسالم المسيحي و أنا أعيش في سوريا التي باتت جزء من دار الإسلام بحكم أن الغالبية العظمى من سكانها مسلمون؟ أليس من الطبيعي أن تكون شريعة الإسلام هي السائدة فيها ؟ فإن كانت المرجعية هي الإسلام، ألا يجب أن يكون التعامل مع “أهل الكتاب” قائماً على ما يُفليه القرآن و سُنَّة النبي الكريم في هذا الخصوص (أي الإعتماد على الآية ٢٩ من سورة التوبة السابق ذكرها؟ و يحُكم أن القرآن قد فَرَض على المسيحي دفع الجزية لكي يعيش في “ذمة المسلمين” مصاناً حقه في عيش كريم ، لماذا عليّ أن أسالمه و هو لم يَعْقِد معي عقد الجزية، إلى الآن لكي أبدأ بمعاملته معاملة “أهل الذمة” ما يترتب عليها من واجبات تجاهه تضمن عدم التعرض لأمنه الشخصي و لكرامته و ممتلكاته و كنائسه؟ إذاً، فحتى ذلك الحين المسيحي وكل ما له مباح لي……
قد تُفاجأ إن قلت لك : لا أستغرب على الإطلاق نمط تفكيرك هذا، فأنت مسلم سلفي جهادي، و قناعتك هذه تعكس ما تعتقد و تؤمن به و لكن علينا أن نعي جميعاً (مسلمون و مسيحيون) أنه في حال توافقنا على إحياء و إقرار الجزية اليوم – لكي يصبح المسيحيون في ذمة المسلمين” – فإن هناك سلسلة من و الواجبات التي ستترتب على الطرفين. لذلك، دعنا نستذكر معاً بعض الأمور الجوهرية المتعلقة بالجزية و أهل الذمة.
كما ذكرت سابقاً، لقد وضعت الآية ۲۹ من سورة التوبة حجر الأساس في تعامل المسلم مع المسيحي المقيم في دار الإسلام (أي) في البلاد التي يحكمها (المسلمون) و القائم على دفع أهل الكتاب مبلغاً من المال أسماه القرآن (الجزية كي يعيش المسيحي آمناً على حياته و عرضه و مقدساته و ممتلكاته في رحاب الإسلام. و قد كرّس الرسول بدوره، هذا المبدأ في حديث له ورد في صحيح مسلم (سأورده بإيجاز):
“إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكَفِّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ”.
عند قبولهم لدفع الجزية، يدخل المسيحيون مع المسلمين في عقد هو “عقد الذمة” الذي هو عقد بكل ما تعنيه الكلمة اليوم من شروط وأحكام. و عند إبرام عقد الذمة، يصبح الطرفان في حالة “عهد” و هو ما تعنيه كلمة الذّمة أصلاً في المنحى الفقهي، و المتوافق مع ما قاله المؤرخ العلامة ابن الأثير: المعاهد: أكثر ما يُطلق في الحديث النبوي على أهل الذمة، و التي تُلْزِمُ المسلم بالإلتزام الكامل إمتثالاً لما ورد في القرآن بهذا الخصوص:
- الآية ٣٤ من سورة الإسراء: “وَأوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا.
- الآية ۹۱ من سورة النحل: “وَأَوْفُوا ِبعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلًا“.
و قد كان الرسول صارماً في إلزام المسلمين بالوفاء وصون “العهد” بكافة أشكاله، إذ ورد عنه حديث في صحيح أبي داود يقول فيه: “ألا” من ظلم ،معاهداً، أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة“. و آخر عنه في صحيح البخاري: مَن” قتل معاهداً لم يَرَح رائحة الجنة“. و في البخاري أيضاً أن ابن عباس قال: “كان المشركون على منزلتين من النبي عليه السلام والمؤمنين كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا حين يقاتلونه“. كما اتَّبع الخلفاء الراشدون نهج النبي بما يخص معاملة أهل الذمة، إذ روى البخاري عن عمر – رضي الله عنه- في وصيته للخليفة بعده: “وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم ، ولا يُكلّفوا إلا طاقتهم“. في أنه شاع عن علي بن أبي طالب أنه قال عن أهل الذمة: “إنما قَبلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا أما أهم ما يميز عقد الذمة في بلاد المسلمين هو أنه يصبح ذمة كل مُسلمي ذاك البلد بدليل حديث في البخاري رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: “ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم”.
و من بعد الخلفاء، تَمَسَّكَ الفقهاء بنهج السلف الصالح في هذا الخصوص أيضاً، فأكثروا في تفسير وتوضيح موضوع الذّمة لعامة المسلمين لإزالة ما تبقى من مُلابَسات. فقد كتب الفقيه شهاب الدين القرافي في كتابه (الفروق): “إِنَّ عَقْدَ الذمة يوجب حقوقا علينا لهم؛ لأنّهم في جوارنا وفي خفارتنا، و ذِمَّةِ الله ،تعالى و ذِمَّةِ ،رسوله و دين الإسلام فمن اعتدى عليهم و لو بكلمة سوء، أو غيبة في عِزض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذيّة، أو أعان على ذلك، فقد ضيّعَ ذِمّة الله تعالى وذِمّة رسوله، و ذِمّة دين الإسلام وقد كانت الآية ۱۰۸ من سورة الأنعام “وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ”) قد سبق و تطرقت إلى إطار التعامل الأخلاقي بين المسلمين و المسيحيين، والتي فسرها القرطبي: “لا يَحِلُّ لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك لأنه بمنزلة البعث على المعصية و البعث على المعصية” تعني أن المساس بمقدسات المسيحي يمكن أن يدفع المسيحي إلى المساس بمقدسات المسلم. و أما الفقيه الأندلسي المعروف ابن حزم، فقد كتب في كتابه مراتب الإجماع): “إن من كان في الذّمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع و السلاح و نموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى و ذمة رسوله صلى الله عليه و سلم، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة“.
إن الحقائق الأخرى التي يجب التأكيد عليها ، و التي يَعْلَمُها شيوخ المسلمين سواء كانوا سلفيين جهاديين أم غير ذلك، هو أنْ دَفْعَ أهل الكتاب للجزية – منذ عصر الرسول و مروراً بعصور الخلافة – يقضي تحريم قتال المسلمين لهم أو إجبارهم على اعتناق الإسلام رغماً عنهم. كما كان يقضي إعفاءهم من الدخول في جيش المسلمين و هو ما يشبه دفع البدل النقدي لنيل الإعفاء من الخدمة العسكرية في وقتنا الحاضر). و تَذْكُرُ المراجع الإسلامية بأن الإسلام فرض الجزية على الرجال” المقاتلين” فقط، و أعفى النساء والصبيان و كبار السن و الرهبان و المصابين بعاهات. أما تحديد قيمتها فكان يعود إلى الخليفة أو لمن أوكله الخليفة بذلك.
لكن، في مقابل كل ما يُوَفِّره الحُكْمُ الإسلامي للمسيحيين من حرية دينية في ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية و حرية إجتماعية، وحرية العمل وغيرها من الخدمات التي يتمتع بها المسلم والمسيحي على حد سواء، هناك واجبات تترتب على المسيحيين. إذ يجب عليهم مراعاة الأحكام الإسلامية العامة و الإمتناع عن المغالاة أو التباهي المُتَعَمَّد في الممارسة العلنية لبعض ما سمح به دينهم وحَرَّمَهُ الإسلام على سبيل المثال لا الحصر؛ شرب الخمر و أكل لحم الخنزير في الأماكن العامة حيث يتواجد المسيحي و المسلم.
في ختام حديثي عن الجزية أقول : إن كان دَفْعُ المسيحيين للجزية ضمن الإطار السابق ذكره هو فعلاً رغبة ضمنية – أو ربما – شرط أساسي لدى السلفيين الجهاديين، و من في حُكْمِهِم، كي ينعم المسيحيون في سوريا بحياة كريمة تحفظ حياتهم و تصون أعراضهم و مقدساتهم و ممتلكاتهم، فإن هذا الموضوع يستحق وقفة تأملية من المسيحيين للقبول أو الرفض و تَقَبَّل ما يَحْمِلُه الرفض من تبعات…). و إن كان جزء من المسيحي هو على كلمة الجزية، فإن دراسة تغيير التسمية لتصبح (صدقة) بدل (الجزية) تستحق أن تُؤْخَذَ بعين الإعتبار من قبل المسلمين بضوء قبول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأخذ الصدقة) بدل (الجزية) من نصارى بني تغلب عندما اشتكوا من التسمية بحسب بعض الروايات في المصادر التاريخية الإسلامية.
أما في حال عدم قبول هذا المنحى من أي طرف كان، فإن الحل الأمثل هو في استنساخ عصري” لصحيفة المدينة أو دستور المدينة الذي وضعه النبي الكريم بذاته كأساس ناظم للحياة و التعامل بين المسلمين وغير المسلمين في المدينة المنورة، و نموذجاً للأجيال القادمة كونه صان جميع الحقوق بما فيها حق حرية المعتقد). نقرأ ما جاء فيه: “وأن يهود بني عوف أمّةً مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم“.
إن التمعن في قراءة هذا البند يكشف فِكْرَ النبي السابق لعصره، فقد جعل من اليهود والمسلمين أمة واحدة أي متساوين في المواطنة و أقَرَّ لليهود حرية المعتقد. فإن كان دستور المدينة قد ضَمِنَ الحرية الدينية لليهود و هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا بحسب الآية ۸۲ من سورة المائدة، لك أن تتخيل ما كنّه الرسول الكريم من اعتبار للمسيحيين لكونهم: “أقربهم مودة للذين آمنوا ذلك بأن منهم قسيسين و رهباناً و أنهم لا يَستكبرون” (بحسب تتمة آية المائدة المذكورة).
لكن، هل يوجد من بين دساتير العالم ما هو أشبه باستنساخ لدستور المدينة، و يُشبه الحالة السورية الراهنة (من حيث التوزع السكاني ما بين غالبية عظمى مسلمة و أقلية مسيحية)، يُمْكِنُ للسوريين أن يتخذوه نموذجاً لدستور سوري مستقبلي دائم؟
الجواب يَكْمُنُ في دستور دولةٍ تَكِنُ لها الكثير من الود والتقدير لما قَدَّمَتْهُ لَكَ من دعم ورعاية و هي تركيا. فتركيا دولة مسلمة بامتياز (بحكم الغالبية المسلمة الساحقة من مواطنيها، و يحكمها حزب العدالة والتنمية الذي يتخذ من فكر الإخوان لا المسلمين السلفي مرجعاً وسنداً. ومع ذلك، فإن دستورها الحالي يراعي حقوق الأقليات التي من بينها (المسيحية بشكل يسمح للتفريق بين المسلم و غيره في حقوق المواطنة. لذلك، فإن هذا الدستور، الجدير بالإهتمام بكل معنى الكلمة، يستحق أن تلقي، بإيجاز، الضوء على أبرز بنوده (و التي أؤردُها بشكل حرفي عن النص الأصلي).
يَكْشِفُ الدستور في ديباجته عن أن نظام الدولة هو “نظام ديمقراطي “ليبرالي” ينبغي على من يحكمها – سواء كان فرداً أم جهةً – أن يلتزم به. أما المادة ۲ فإنها تُعْلِنُ علانية بأن: “الجمهورية التركية جمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية تقوم على سيادة القانون في حدود مفاهيم السلم والعلم و التضامن الوطني والعدالة، واحترام حقوق الإنسان في حين أن المادة ٤ منه تُباغتنا ببيان لا يخطر على البال لكونها جاءت تحت عنوان: “أحكام غير قابلة للإلغاء“، إذ تقول: ” لا يجوز تعديل أحكام المادة 1 من الدستور التي تحدد شكل الدولة كجمهورية، وأحكام المادة ۲ بشأن سمات الجمهورية، وأحكام المادة ۳ ولا يجوز التقدم بمقترح لذلك” وهذا يعني أن سمات الجمهورية في المادة ٢ – من حيث كونها جمهورية ديمقراطية علمانية – هو – هو خط أحمر غير قابل للنقاش ولا يجوز المساس به… و بانتقالنا للمادة ،۱۰ نصل إلى الإعلان الحضاري التالي: جميع الأفراد متساوون أمام القانون دونما تمييز بصرف النظر عن اللغة العرق ،اللون الجنس الرأي السياسي، المعتقد الفلسفي، الديانة أو الطائفة، أو أي اعتبارات مشابهة. و للرجال والنساء حقوق متساوية، والدولة ملزمة بضمان تحقيق هذه المساواة على الصعيد العملي“.
أما المواد التالية فتختص بالحقوق والحريات:
- المادة: ١٢
يتمتع جميع الأفراد بحقوق وحريات أساسية أصيلة لا يجوز انتهاكها أو التصرف فيها“.
- المادة: ١٣
“لا يجوز تقييد الحقوق والحريات الأساسية إلا بقانون ولا يجوز أن تتعارض هذه القيود مع نص الدستور وروحه، أو مقتضيات النظام الديمقراطي للمجتمع أو الجمهورية العلمانية”.
- المادة: ۱۹
الحق في الحرية والأمان الشخصيين مكفول للجميع“.
بينما تتناول المواد التالية خصوصية الحياة الشخصية
- المادة: ٢٠
الحق في المطالبة باحترام الحياة الشخصية والعائلية مكفول للجميع ، ولا يجوز انتهاك خصوصية أي منهما. ولا يجوز تفتيش أي شخص أو أوراقه أو متعلقاته الخاصة أو مصادرة أي منها، إلا بموجب قرار سليم من قاض بداعي الأمن الوطني أو النظام العام أو منع الجريمة أو حماية الصحة العامة أو الأخلاق العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم”.
- المادة: ٢١
“لا يجوز دخول المسكن الشخصي أو تفتيشه أو مصادرة أي من محتوياته إلا بموجب قرار سليم من قاض“. أما المادة، ٢٤، و هنا بيت القصيد نجدها تنفرد بإعلان تفصيلي رائع عن حرية الدين والعقيدة
- المادة: ٢٤
“حرية العقيدة والمعتقدات والقناعات الدينية مكفولة للجميع. تُمَارَسُ الشعائر والطقوس والمناسك الدينية بحرية، شريطة عدم الإخلال بأحكام المادة ١٤ و لا يجوز إجبار أحد على عبادة أو على أن يشترك في أي طقوس أو مناسك دينية، أو على أن يُفْصِحَ عن معتقداته وقناعاته الدينية، أو أن يُلام أو تُوَجّه إليه اتهامات بسببها ولا يُسمح لأحد باستغلال الدين أو المشاعر الدينية أو المقدسات، أو إساءة استخدام أي من ذلك بأي طريقة كانت بغرض مصلحة أو نفوذ شخصي أو سياسي، أو بغرض إقامة النظام الأساسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي أو القانوني للدولة على معتقدات دينية، ولو جزئياً”.
و أخيراً، تتناول المادة ٢٥ حرية الفكر والرأي
- المادة: ٢٥
“حرية الفكر والرأي مكفولة للجميع ، ولا يجوز إجبار أحد على الكشف عن أفكاره وآرائه لأي سبب أو غرض، ولا يجوز أن يُلام أحد أو تُوَجّه إليه اتهامات بسبب أفكاره وآرائه“.
تجدر الإشارة إلى أن دساتير تركيا منذ إعلان الجمهورية عام ۱۹۲۳) و إلى الآن (دستور) ١٩٢٤) – ١٩٦١) – و دستور ۱۹۸۲ المُعْتَمَد اليوم مع تعديلاته) قد خَلَتْ بِرُمَّتِها من ذكر أنّ “دين رئيس الجمهورية هو الإسلام و اللافت بما يخص إعلاء مفهوم العلمانية في تركيا، هو أن دستور عام ١٩٢٤ – الذي حددت الفقرة الثانية منه أن “دين” الدولة هو الإسلام”، قد خضع لتعديل عام ۱۹۲۸ التغت بموجبه هذه العبارة في الفقرة ٢ بشكل نهائي إلى يومنا هذا…
فهل لنا أن نتخذ من الدستور التركي أساساً لنبني عليه دستوراً حضارياً يليق بسوريا الغد؟
في الختام، أختم رسالتي بِذِكْرِ أروع ما قَرَأْتُ عن الرسول محمد عليه السلام (و هو، للأسف، حديث نبوي قلما يأتي ذكره) يقول في حجة الوداع: ألا أخبركم بالمُؤْمِن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده و المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر الذنوب والخطايا في هذا الحديث، أخْرَجَ الرسول المصطلحات المعروفة من قوقعتها. فقد صار “خير “المؤمنين” هو “كل إنسان” يأتمنه الناس على أموالهم و أنفسهم. و “المسلم “الحق” هو من سَلِمَ المسلمون لسانه و يده (أي سلاطة لسانه عنف يده، أما المجاهد الحقيقي فهو من جاهد في طاعة الله”. و هنا يبقى لنا سؤال أخير: ما هي طاعة الله؟
إن الآية الأكثر تلاوة في القرآن الكريم من دون منازع هي الآية الأولى من سورة الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم والتي هي أيضاً الآية التي يفتتح بها المسلم تلاوته للقرآن الكريم. و لعل الله تعالى قد تعمَّد انتقاء هذين الإسمين من بين كل أسمائه الحسنى ليُذَكَّرَنا على الدوام بحقيقة كونه وحده تعالى “الرحمة المُطلَقة. كما تَعَمَّدَ إعطاء اسمه “الرحمن” أي ذو الرحمة على العالمين) الأسبقية على اسمه “الرحيم” أي ذو الرحمة على خاصته من المؤمنين و بذلك، لم تَعُد “الرحمة” صفة فقط على المسلم أن يصطبغ بها، بل أضحت نمطاً و سبيلاً و حجر أساس لعيش حياة الدنيا كما أرادها الله تعالى للبشر أجمعين . و مع نزول الآية ١٠٧ من سورة الأنبياء: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ” التي جعلت أيضاً من الرسول بحد ذاته رحمةً مرسلة للعالمين“، صار لزاماً على المسلم الإقتداء بالرسول من خلال العمل على جعل الرحمة في صميم قلبه وعقله قلبه و عقله و ضمیره و سلوكه. هذا هو نموذج “العيش” “الحق” الذي خَطَّهُ القرآن وأتَمَّهُ الرسول والذي – إن اقتدى المسلم به – يكون قد أتَمَّ “طاعة الله”
هذا هو الإسلام كما أراه، و الذي أسأل الله تعالى أن يَمَنَّهُ عليك…
أخوك المعاهد
رياض صيداوي
دمشق في ٢٠٢٥/٨/٢٠