ليس دفاعاً عن إبليس بل إنصافاً له

 تكوين

لم تغب عن العقل البشري إشكالية الشر منذ أن بدأ البشر وعي وجودهم. قد تكون بداية الوعي مرتبطة بالاستقرار عندما عرف الزراعة، ومع بدايات تشكل الوعي طرح البشر أسئلة ذات بُعد فلسفي، وإن كانت أبعادها غير واضحة المعالم في بداية طرحها. وهي أسئلة تتعلق بقضايا الوجود، والحياة، والموت، والبدء، والنهاية و…

من هذه الأسئلة الأولى: من أين أتى الشر؟ ما هو؟ هل له نهاية؟ أهو من “فطري” عند البشر لا يمكن التخلص منه؟ أم حالة طارئة عليه؟

أما قضية الشر والطبيعة والعلاقة بينهما، المعبّر عنها بالكوارث الطبيعية مثل الزلازل والطوفان، والحرائق الطبيعية و…، أهي “شر”؟ أم تعبير عن غضب إلهي على بني البشر لعدم إخلاصهم في طاعة الآلهة، أو الإله لاحقاً؟ “غضب” مصدره “عدم طاعة” الإله، فيستخدم الطبيعة كوسيلة للعقاب. تقلص مستويات “الطاعة” يؤدي إلى “غضب”، “غضب” يُعبر عنه بكارثة طبيعية، أو كوارث طبيعية، كارثة طبيعية تسبب مآسي بشرية، فيندمج الـ”غضب” ضمن خانة الـ”شر”.

طبعاً بالإضافة إلى أسئلة أخرى حول الشر تزداد تعقيداً مع توسع أفق الوعي البشري المرتبط بمرور الزمان وتطور أفكاره المرتبطة بدورها بحركة الواقع. تعقيد في الأسئلة استلزم بالضرورة تعقيد في الإجابات، أو محاولة الإجابات عليها.

تتبع تطور السؤال المتعلق بالـ”شر” وتطور الإجابات، أو محاولات الإجابة، عنه لا تكفيه أبحاث أو مقالات أو مؤلفات؛ لكونه سؤالاً ما زال مطروحاً منذ حينها إلى الآن، وكذلك محاولات الإجابات. لكن لا بد من إيجاد نقطة بداية للانطلاق منها. ومنها قد نصل وقد لا نصل إلى إجابة لارتباط الإجابة بعمق وتشبك السؤال وما يطرأ عليه من تغيرات مع تغيرات الواقع المرتبط بصيرورة الزمكان.

نقطة الانطلاق هنا ستكون “إبليس“، في الديانة الاسلامية، وتحديداً عند أبي الحسن علي بن علي الكرم المعروف بابن الأثير الجزري في الجزء الأول من كتابه “الكامل في التاريخ“.

في الديانة الإسلامية، وتتشابه هذه المسألة كثيراً مع بقية الأديان السماوية (المسيحية واليهودية)، يُعتبر ابليس ذلك “المخلوق” المتجسد فيه كافة “شرور” البشر. فهو في جوهر فكرته محاولة للاجابة عن سؤال محدد يتعلق بالـ”شر” مفاده: كيف للكمال المطلق أن يخلُق الشر؟ وما علاقة الشر بالبشر.

قبل الدخول إلى “الكامل في التاريخ” وكيف قارب ابليس، لنتعرف على الخطوط العريضة لهذا المخلوق المدعو ابليس، والمخلوق المسمى “أبو البشر”، آدم.

إبليس مخلوق لا بشري. فهو يصنف ضمن جنس المخلوقات الملائكية، والتي خُلقت كما يبدو من الروايات الإسلامية، قبل البشر وتحديداً قبل آدم “أبو البشرية”. ولا يمكن تحديد زمان خلقها لعدم تحديده فيها، وغالباً ما يكون الزمان مبهماً في الأديان لأسباب متعددة، فنحن نتحدث عن خالق خارج الزمكان ولا تنطبق عليه كافة القوانين التي نعرفها!

لم تخلق الملائكة بلا غاية، بل غاية خلقها، ما زلنا قبل خلق آدم، خدمة الإله، والخدمة في جوهرها هي “عبادة” الإله. لذا فمهمتهم الأساسية تدور حول محور واحد: عبادة الخالق وإطاعة أوامره، طبعاً هذه أيضاً المهمة الأساسية من خلق ابليس لأجلها بكون من جنس الملائكة.

كما خُلقت الملائكة من “نوره” فهي “نورانية” الجوهر، أي منزهة عن الخطيئة، بمعنى ارتكاب المحرمات أو المحظورات أو المكروهات أو… التي نهى عنها الرب. فكيف لها أن تفعل هذا وهي منزة في خلقها عن الرغبات البشرية، ومهمتها العبادة فقط، ومجاورة للخالق وتسكن أقرب مسافة ممكنة منه وتتواصل معه مباشرة من دون أي وسيط. صفات تستلزم بالضرورة أن تكون هذه المخلوقات “النورانية” منزه عن ارتكاب أي خطيئة أو أي القيام بأي فعل “مدنس”. كما أنها مخلوقات “لا مادية”، لأن “نوره” لا مادي.

كما يبدو، أيضاً، أنها مخلوقات “جوهرانية”، فلا يصيبها أي عرض يصيب المادة من: تحلل، وموت، وتوالد، ونمو وشيخوخة… وفوق أي تصنيف جنسي: فهي لا مذكر ولا مؤنث! ومن ميزتها الإضافية لا التواصل المباشر مع الخالق فقط، بل مع البشر أيضاً! فتتحول خاصية تواصلها المباشرة مع الإله والبشر إلى ذاك المخلوق “الوسيط” بين الخالق والمخلوق البشري. فأصبحت من صفاتها الأساسية: تواصل مباشر مع الإله والبشر، ولا مادية، وعبادة الخالق.

أما بالنسبة للبشري، الذي خلق من طين ويحمل في داخله “النفس” الإلهي، فهو خليط، جزء منه مادي يصاب بكل عوارض المادة من تحلل وموت وتوالد وتكاثر ومرض… عوارض تصيب جزئه المادي فقط، أما الجزء اللامادي: “النفس” الإلهي المتواجد فيه. جزء لا تصيبه أي من عوارض المادة.

ذلك المخلوق “الأول” من طين، آدم (أبو البشر)، يبدو أيضاً أنه ليس بأول مخلوق، بل هو خليط من مادي ولا مادي، بل سبقه خلق نموذج منه أو نماذج متعددة منه، وبالتالي فهو ليس المخلوق “الأول”، بل يبدو أنه النموذج “الأخير”. تعدد النماذج من “الأول” إلى “الأخير” اشارة إلى تصحيح خطأ، أو أخطاء، في النماذج السابقة، فجاء النموذج “الأخير” بأقل قدر ممكن من الأخطاء، ليقترب من كمال الصورة ولا يصل إليها. هنا يمكن العودة إلى الصورة والمادة في فلسفة أرسطو، لمن يود الغوص أكثر في هذه الإشكالية.

لماذا نُقل، وليس انتقل، ابليس من موقع “النوراني” إلى موقع “الملعون”؟ لنحاول الإجابة على هذا السؤال الإشكالي اعتماداً على ابن أثير.

كان ابليس قبل خلق آدم (أبو البشر بالمعنى البيولوجي) ليس بذلك الملاك الاعتيادي، أي يحمل صفة ملاك فقط، بل كانت رتبته “الملائكية” أعلى من رتبة الملائكة “العاديين”. ما يعني أن مجتمع الملائكة يتألف من مراكز اجتماعية يعلو فيها مركز على آخر. هرمية اجتماعية تحدد الموقع الاجتماعي لكل منهم، وهي إذا ما أُخذت على المستوى البشري تتشابه إلى حد التطابق معه. هناك “رئيس” أول، لأنه عُين، وله معاونين “مرؤوسين”، وهذا جوهر ما تقوم عليه الهرمية الاجتماعية البشرية. لن ندخل في البعد السياسي لهذه الهرمية إلا عند ضرورة التوضيح لعدم انفصال السياسي عن المجتمعي.

المركز الاجتماعي لابليس، قبل خلق آدم، كان أول الملائكة وإمامهم ورئيسهم[1]. موقع أرقى من بقية الملائكة “العاديين”، فهو أولهم، وقد يكون المقصود هنا زمنياً ليكون أكبرهم عمراً. كما أنه أعلمهم وإلا ما استحق مركز “الأمام”. فـ”الأمام”، في الديانية الإسلامية، يجب أن يكون أعلم، وبخاصة بالأمور الدينية، من بقية من يؤمهم. فحمل صفتي العمر والأكثر علماً من البقية. صفتان منحتاه مركز القيادة. ترابط هذه الصفات الثلاثة: عمر وعلم، وبخاصة بالأمور الدينية، والرئاسة في تحديد مرتبته، أو موقعه، الاجتماعية منحته التمايز عن البقية. وهذا ما نراه في هرمية المجتمع البشري، مع نسيان مسألة الغنى والفقر، لأننا نتحدث عن عالم لا وجود لهذه الطبقية فيه.

لم تنحصر صفاته بالعمر والإمامة والرئاسة فقط، بل حمل ابليس صفات إضافية أخرى منحه إياها خالقه لاستكمال تميزه في موقعه الاجتماعي. ومن هذه الصفات الإضافية والتي تضيف على قوته قوة، هي أن “الله تعالى قد حسن خلقه وشرفه وملكه على سماء الدنيا والأرض…”[2]. فاضافة الخالق عليه صفة أخرى تعتبر من أفضل الصفات، البشرية، وهي مسألة “الأخلاق”. وهي قضية ما زال البشر يحلمون ويتفلسفون ويعملون على الوصول إلى “الكمال” الأخلاقي لما لها من دور في استكمال صفة الإنسان. ويبدو أن الملائكة هي أيضاً تتفاوت أخلاقها! لذا مُنح ابليس جرعة إضافية منها وإلا ما كان لأبن أثير أن يقول “.. قد حسن خلقه…”، وأيضا جرعة إضافية من الجمال.

جرعة إضافية من الأخلاق وسعت من رئاسته، فـ”شُرف” بمنحه أن يملك “سماء الدنيا والأرض”. توسع في الصلاحيات الممنوحة له جعلت منه يقع في مرتبة “الرئيس” واسع الصلحيات، لذا كثير ما تستخدم العامة عند الحديث عنه في بداية طريقه، قبل خلق آدم، على أنه “استاذ الملائكة”، لما يحمله مصطلح “استاذ” من رفعة في الرتبة والموقع الاجتماعي عند العامة!

لكن يبدو لهذه الصلاحيات أمور أخرى إضافية تتعدى مسألة العبادة والإمامة وتعليم بقية الملائكة الأدنى معرفة من إمامهم و… فقد عين ابليس لما يحمله من صفات امتيازية عن البقية ليكون “خازناً من خزائن الجنة”[3]. “خازن” بصيغة أكثر تبسيطاً تشبه ما يستخدمه العامة في لغتهم لوصف وظيفة “أمين مستودع”. ولا بد للعامل في هذه المهنة أن يكون أميناً للتوافق صفته مع المصطلح الوظيفي. لكن الأمر الأهم في هذه المسألة “خازناً من خزائن الجنة” هو أن هذه الجملة تثير إشكاليات كثيرة ومنها: لما الخالق بحاجة لـ”خازن”، قبل آدم؟ هل هناك لصوص بين الملائكة يسرقون بعضاً من ممتلكات الخالق؟ فقسم الخالق أملاكه ليضعها في “خزائن” ولك منها “خازن”؟ وهل يمكن إحصاء “أملاك” الخالق لتوضع في “خزائن”؟ ما طبيعة هذه الأملاك أهي مادية أو لا مادية، ما دام الخالق لا مادي؟ ما حاجة اللامادي، من يملك ما في السماوات والأرض، إلى أملاك مادية؟

صفات مميزة مُنحت له، صلاحيات واسعة النطاق، أملاك مادية ضخمة لـ”يحفظها” وسعها الدنيا والسماء اغرته كل هذه المغريات المتناقضة. نعم متناقضة ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ابليس مخلوق لا مادي أغرته الأملاك المادية، مخلوق صاحب جرعة إضافية من الأخلاق وقع في فخ الاغراء السلطوي… مع عدم نسيان أن كل هذا حدث قبل خلق آدم. اغراء أدخل أبليس في تحد مع الخالق “فاستكبر على ربه وأدعى الربوبية ودعا من كان تحت يده إلى عبادته”[4].

عصيان ليس من صفة هكذا مخلوقات. فهي مخلوقة من “نوره” فكيف لإمامهما أن يعصى؟ هل العصيان وليد التنقاض بين المادي واللامادي؟ تناقض بين عالمين يعبر عنه بكلمة “شر”. فكان أبليس ذلك المخلوق المعبر عن هذا التناقض فلُبِّس كل هذا التناقض تحت مصطلح “شر”؟ وهنا يمكن القول أن الملائكة، بعامة، تنتقل في تفكيرها من مرحلة أدنى إلى أرقى لاكتسابها المعرفة من “اساتذتها”، من أمثال ابليس، ومع كل تطور في تفكيرها تجد نفسها في موقع اجتماعي يتناقض مع واقعها؟

فعلته الاعتراضية هذه، القائمة على أساس ابستمولوجي لتحديد موقعه الانطولوجي، أغضبت الخالق، وهنا نعود إلى مسألة الغضب باندماجه بالشر، فجرده خالقه من “كافة” صلاحياته، إلا صلاحية واحدة وهي أنه مخلوق لا مادي. غضب عليه خالقه “فمسخه الله تعالى إلى شيطان رجيم وشوه خلقه وسلبه ما كان خوله ولعنه وطرده عن السماوات… ثم جعل مسكنه ومسكن أتباعه في الآخرة نار جهنم…”[5].

لكن يبدو أن الطرد من السماوات لا يعني عدم العودة إليها، وتتوضح هذه المسألة عند خلق آدم. والمسألة الإضافية التي بقيت معه هي التواصل المباشر مع الخالق. امام ما يتعلق باللعن، فهي مسألة غير محسومة. لكن القضية الأبرز هي أن ابليس، بكونه استاذ الملائكة، استطاع اقناع “بعض” من تلامذته باتباعه فاتبعوه!

أما يتعلق بتسمية “الجن”، فهي ترتبط بابليس ولا تعني ذاك المعنى السلبي المستخدم حالياً. بل الجن “سموا الجن لأنهم خزائن الجنة وكان ابليس مع ملكه خازناً…”[6]. أي الملائكة المساوون لمرتبة ابليس، قبل “العصيان”، هم جن مثلهم مثل ابليس. ولا نعلم إن تأثر أحد منهم به، أم انحصر عصيانه به وببعض تلامذته.

منذ هذه اللحظة دخل العالم اللامادي صراعاً داخلياً فتعرف كل طرف على الطرف الآخر من خلال صراع التناقضات. أما ما يتعلق بالعالم المادي، وهي اللحظة التي خلق فيها آدم، فهي أيضا تمثل لحظة تشكلات الوعي بـ”الشر” التي عكسها البشر في عالمهم اللامادي.

من المتفق عليه في الدين الإسلامي هو أن الخالق أمسك حفنة من الطين ونفخ فيها من روحه فخلق آدم (أبو البشر البيولوجي)، ومن ضلعه خُلقت حواء لتكون “أنيسة” وحدته في الأعلى، وسكنا الجنة إلى أن قرر ابليس اغراءهما بالأكل من الشجرة التي نهاهما الخالق عن الأكل منها. “أكلت” منها، لأنه يبدو أن آدم قاوم الإغراء الذي وقع عليه من ابليس ومن حواء، فطُردا من الجنة لعصيان أوامر الخالق. وهنا تتقاطع قصتهما مع قصة ابليس بنقطة “معصية” أوامر الخالق. والفارق بينهما أن ابليس “فكر” بينما آدم وحواء تم إغرائهما. ونقطة التقاطع الثانية هي غضب الخالق وعقاب “المعصية” هو الطرد من الجنة. المفارقة هنا، وتحديداً في قصة آدم وحواء وطردهما هو أن آدم لم يأكل من الشجرة لكنه طُرد من الجنة لأن حواء أكلت منها!

هل يحمل آدم ذنب حواء ليعاقَب على “معصية” لم يرتكبها؟ لماذا سمح لهما الخالق بأكل ما يشتهيان من ثمار الجنة، وحرم عليهم شجرة معينة؟ أهو اختبار لطاعتهم؟ إن كان اختباراً لمدى طاعتهما فالاختبار هنا ينم عن عدم “ثقة” الخالق بمخلوقاته! وهل يمكن للكامل أن لا يثق بمخلوقاته؟ إن كانت الاجابة بنعم فهذا يعني تناقضاً جوهرياً بصفات الخالق! وهذه إشكالية أخرى!

ما رمزية الشجرة هنا؟ أهي شجرة اختبار، أم ترمز إلى أمر آخر؟ لماذا قرر ابليس اغراء كل من آدم وحواء للمعصية؟ أهو تحد؟ أم اثبات وجود؟ أم ليخبر خالقه بأن ما خلقه يحمل نقاط ضعف كثيرة؟… أسئلة ما زالت قائمة وهناك ما يزيد عن آلف الكتب في محاولة للإجابة عليها!

لنبق في حدود مسألة خلق آدم. قرر الخالق أن يخلُق آدم، وخلقه على الصورة التي نعرفها، وهي نحن. صورة تُعتبر من الصور الجميلة، وفقاً للنصوص الدينية. بعد أن خلقه “قال – أي الله – للملائكة أني جاعل في الأرض خليفة”[7].

يُستشف من هذه الجملة أن الخالق أوجد الأرض قبل آدم ليسكنها، وغاية خلقه هي أن يكون خليفته عليها. وهنا ندخل في مفارقة أخرى: إن كانت الغاية من خلقه ليسكن الأرض ويكون خليفته، فما الحاجة لكل قصة ابليس؟ فقصته هنا لا معنى لها! أما إن كانت الغاية لاحقة على الخلق لحدوث تغيرات واقعية على المخلوق، من ابليس إلى آدم، فالحاجة إلى قصة ابليس ضرورية لاستكمال الفكرة. والأرجح هو حدوث تغيرات غير متوقعة بهما!

بعد أن أبلغ الخالق الملائكة بخلق خليفة له على الأرض قالت له “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء…”[8]. تضعنا إجابة الملائكة امام احتمالات عدة ومنها: معرفة ما سوف يقوم به هذا “الخليفة” من جرائم على الأرض. كونها طرحت الفكرة، سفك الدماء قبل نزوله إليها، فهي تعلم “الغيب”. وهذا غير ممكن لأنه معرفة الغيب مسألة تخص الإله فقط. أو أن الملائكة شهدت ممارسات من نموذج سابق من “الخليفة” على الأرض وبنت طرح فكرتها اعتماداً على تجربتها السابقة!

هل “سفك الدماء” التي قام بها “نموذج” آدم “السابق” سببه اغراءات ابليس له؟ من الواضح أن الملائكة خُلقت قبل كافة نماذج آدم. و”عصيان” ابليس وتلامذته للخالق سابق لهذه النماذج أيضاً، ويبدو أنه مع كل خلق لنموذج ينعكس الخلاف بين الخالق وابليس في النموذج فيفني هذا النموذج ذاته بـ”سفك الدماء”.

من ناحية أخرى عند محاولة التعرف على النماذج السابقة لا نصل إلى أي اشارات تفيد إن كان هناك تشابه في عمليات خلقهم مع النموذج “الأخير” لآدم أم اختلفت عنه؟ هل خُلق النموذج بشكل مماثل للنموذج “الأخير” ومر بذات الأحداث؟ أم اتبع مسارات أخرى؟

لكن الواضح من التسلسل المنطقي للرواية هو أن الملائكة خُلقت ومن ثم وقع الخلاف مع ابليس وتلامذته ومن ثم خُلق آدم، المتعدد النماذج، ومنذ النموذج “الأول” ينعكس الخلاف بينهما في النموذج ويفلح ابليس في القضاء عليه!

أمر يُدخلنا في إشكالية العلاقة بين المادة واللامادة. الطين مادة، وهو مركب أساسي من تركيبات النموذج. اختلط مع المادة “النفس” الإلهي، وهو لا مادي. بينما الملائكة مخلوقات “نورانية” لا مادية. والمادة تخضع لكافة عوارض الفساد: تحلل، تغير، كبر، صغر… واللامادي لا يخضع لها. المادي له قانون طبيعي يحكمه واللامادي لا قانون طبيعي يحكمه، لأنه فوق الطبيعة… هل المادة، الطين، هو الشر باختلاطه مع اللامادة، النفس، هو الخلل الأساسي في نماذج آدم؟ يبدو أن الجواب: لا. الخلل يكمن في مكان آخر!

لو كان الخلل محصور فقط في اختلاط المادة باللامادة، لما “عصى” ابليس، المخلوق اللامادي، خالقه اللامادي. بالعودة إلى سبب “العصيان” يمكن القول أن سببه هو الصراع على “تملك” المادة والترقي في الموقع الاجتماعي.

بالعودة إلى موقف الملائكة من خلق آدم نشهد أنه في كلا الحالتين ردها على خلق “خليفة” رد بجوهره اعتراضي! فهل هذه الجماعة التي حضرت إعلان الخلق هم تلامذة ابليس؟ أم أن الملائكة التي حضرت الإعلان كان من بينها تلامذة ابليس فصرحت بالرد بصوت مسموع، فدون “القلم”، أول المخلوقات، صوتهم؟ هل كان ابليس بينهم صامتاً لأن تلامذته عبروا عن “الاعتراض”؟ كلها أسئلة لا إجابات لها!

اعتراض سجله “القلم”، المخلوق الأول، ليعود من بعده آدم إلى موقعه السابق في الجنة، لأنه ما زال في الجنة. لكن ابليس مصرود من الجنة، فكيف عاد إليها لاغواء آدم وحواء؟

يبدو أن ابليس لم يعد إلى الجنة خلال فترة حياة آدم وحيداً فيها، بل خطط للعودة منذ أن علم بخلق حواء. أو أنه حاول العودة قبل خلقها وفشلت محاولاته! لا نعلم لكن المؤكد في الروايات أنه دخلها بعد خلق حواء.

لم يتمكن ابليس الدخول من المحاولة الأولى. تكرار المحاولات يشير إلى رقي في التفكير. رقي يعتمد على تراكم المعرفة القائمة على التجربة المعتمدة على تصحيح الخطأ الناجم عن المحاولة الأولى، والتجربة هنا هي مبدأ أساسي، كما يبدو في العالمين المادي واللامادي لتشكيل تراكم المعرفة المنبثقة من أرض الواقع وديناميته.

أمر ينقلنا على المستوى الابستمولوجي، في قراءة هذه المخلوقات “النوارانية”، من أنها خُلقت للعبادة وطاعة الأوامر فقط إلى أنها مخلوقات مفكرة وتفكيرها يتطور مع مرور الزمن. وتطور تفكيرها ناجم عن تراكمية تجاربها لتطور معه معرفتها للتعامل مع المستجدات التي تولدها هذه الديناميكية.

غاية عودته إليها هي اغواء آدم، عن طريق حواء، لارتكاب “المعصية”، والمعصية هنا هي الخروج عن طاعة أوامر الخالق. ما يعيدنا وجود حلقة وصل بين الطرفين، كما في مسألة الكوارث الطبيعية “لتأديب” أو “لعقاب” بني آدم عند عصيانهم للخالق. وهنا حلقة الوصل هي حواء. وهذه مسألة تأخذنا إلى بُعد آخر يتعلق بموقع المرأة في المجتمعات الاسلامية والنظر إليها على أنا سبب طرد آدم من الجنة، فتحولت بفعلتها هذه إلى “ابليس” بصورة بشرية!

من بعض محاولاته الفاشلة، هي الدخول مباشرة إليها لكن خزنة الجنة منعته. فكر بطريقة أخرى لتنفيذ خطته فهبط إلى الأرض، كما يبدو، “فأتى كل دابة من دواب الأرض وعرض نفسه عليها أنها تحمله حتى يدخل الجنة ليكلم آدم وزوجته فكل الدواب أبى عليه”[9]. وهنا يمكن إضافة خاصية أخرى لهذه المخلوقات “النورانية” وهي التكلم مع الحيوان بلغتها. فهي مخلوقات تستطيع التواصل مع ثلاثة أطراف: الخالق والحيوان والإنسان. والحيوانات بدورها تملك من الفكر ما يكفي لمعرفة “الصح” من “الخطأ”. رفضها لم يأتي من عدم التفكير، بل هي تعرف قصته و”عصيانه” فرفضت مشاركته في “المعصية”. فالحيوان هنا يبدو وكأنه أكثر “طاعة” من المخلوقات “النوارانية” والمخلوقات “طينية – روحية”!

لكن لا يعني هذا أن كل الحيوانات “مطيعة” بل لها “ابليسها”. استمر ابليس في البحث على الأرض عن دابة لتدخله إلى الجنة “حتى أتى الحية وقال لها أمنعك من ابن آدم فأنت في ذمتي إن أنت ادخلتيني فجعلته بين نابين من أنيابها…”[10]. استطاع ابليس من إغواء الحية، ولن ندخل هنا برمزية الحية في كثير من الحضارات. اخفته بين نابين ودخلت فيه إلى الجنة. هنا أصبح متواجد في الجنة آدم وزوجته “المطيعين” وابليس والحية “العاصيان”. لتشهد الجنة مجدداً صراعاً بين نقيضين.

قصة عودته تدخلنا في إشكاليات تتعلق مباشرة بالخالق، وتحديداً بصفة أساسية من صفاته لا يملكها أي مخلوق آخر، وهي علم الغيب. من صفاته “علم الغيب”: أي يعلم بأن ابليس يخطط لكل هذا وأن الحية اخفته بين نابين ودخلت به الجنة والغاية من وراء كل هذا المخطط… فلماذا لم يخبر خزنة الجنة لمنعه؟ مها تعددت الإجابات على هذا السؤال فهي إجابات إشكالية!

خرج ابليس من بين نابي الحية وذهب إلى آدم لاغوائه بارتكاب “المعصية” وقال له: “يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين…”[11].

اغواء قائم على فكرتين أساسيتين وهما: الأولى: المُلكية، ولا يمكن للملكية إلا أن تكون مادية، والثانية: الخلود. ها هو جوهر إغواء المخلوقات الطينية الحاملة “نفس” الخالق. الاغواء الأول يبدو مشتركاً بين الطرفين، المخلوقات اللامادية والمخلوقات المادية، وما قصة ابليس إلا دليل على صراع على الملكية!

الاغواء الثاني الذي يتميز به المخلوق الطيني هو قضية الخلود. والخلود إشكالية قائمة في كافة الحضارات منذ تشكلاتها الأولى. ويبدو أن غاية الخلود هي الحفاظ على الملكية، الغاية من الملكية تحقيق الخلود ليتحول كل منهما إلى طرف مساو للآخر. لكن هنا توجد إشكالية أخرى: هل كان يعلم آدم أنه غير خالد رغم وجوده في الجنة؟ هلى معرفته بهذا نابعة من معرفته على أنه مخلوق مادي! وهل في الجنة تقاسم أملاك حتى استطاع ابليس اغوائه بالمُلكية؟

حديث ابليس كان موجهاً لآدم بحضور حواء. حاول آدم التملص من ابليس “وكان انفعال حواء لوسوسته أعظم من فدعاها آدم لحاجته فقالت لا إلا أن تأتي هاهنا فلما أتى قالت لا إلا أن تأكل من هذه الشجرة وهي الحنطة قال فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما…”[12]. أمر يعيدنا إلى وعي الحدث بعد حدوثه لا قبله، بمعنى اجراء التجربة وخلالها ومن نتائجها نعرف إن كانت صحيحة أم لا.

استطاع ابليس بجر حواء إلى جانبه لتقوم بدورها بجر آدم إليها فتم ارتكاب “المعصية” وغايتها: الملكية والخلود. أليس هذا دليل على مدى ذكاء حواء في اقناع آدم باتباعها، مع أنه يعلم بأنها “تعصى” أوامر الخالق؟ ليتبين لهما، آدم وحواء، أن وعدهما بالخلود غير صحيح، فهما مخلوقان ماديان ولا خلود للمادة! ترى معرفتهما بأنهما مخلوقات فانية لأنهما يعرفان قصة “النماذج” السابقة؟ من معرفتهما هذه أتت محاولتهما بالحصول على الخلود حتى لو كان ثمنه ارتكاب “المعصية”؟

لنحاكم أبليس وفقاً لهذه المحاولة في قراءة جزء صغير من تراثنا، إن كان بريئاً علينا أن ننصفه وإن كان مذنباً فعلينا عقابه!

_______________________________________________

المصادر:

[1] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 9.

[2] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 9.

[3] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 9.

[4] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 9.

[5] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 9.

[6] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 9.

[7] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 10.

[8] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 10.

[9] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 12.

[10] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 13.

[11] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 13.

[12] ابن أثير، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ط. 1، 1987، ص. 13.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete