تكوين

التفلسف بالعربية همّ شغل أهل الفلسفة والمهتمين بها، وشكّل دائرة واسعة من النقاشات والمواقف المحتدمة، والانقسامات الحادّة، والآراء المتناقضة، والأحكام التي تمّ إطلاقها في شأنه لامست التطرّف. نشهدُ اليوم حالاً من الإنكار الذي يُخفي وراءه جهلاً مُخيفاً، أو استهتاراً خطيراً، بما سبق أن أنتجه الفلاسفة العرب عبر التاريخ الوسيط والحديث، وما هم يقومون بإنتاجه حالياً.

ليست الفلسفة ترفاً يختصّ به أهل حضارةٍ معيّنة من دون سواهم. ولا هي برجاً يتحصّن فيه أصحاب النفوذ. كما أنها ليست عبارة عن مائدة فخمة لا يُدعى إليها إلا من تنطبق عليهم صفات تعجيزية معيّنة. لقد تمّ إقناع الكثيرين بأنه ليس للعرب، أو للناطقين بالعربية، فرصة لإبداع شيء جديد في الفكر الفلسفي، وليست لديهم الأهليّة لذلك، وما عليهم إلا استيراد الفلسفة من عند من أبدعوها، عن طريق الترجمة والتعريب، لا أكثر. في نظر هؤلاء، ردّد الفلاسفة العرب ما سبق أن أنتجه الغرب، وفي أحسن الأحوال غامروا في تأويله. للأسف، هناك من اقتنع بهذا الحكم الإيديولوجي ذي المنطلقات المشبوهة معرفيّاً، وهم اليوم يعملون على تهميش مضمون الفكر الذي أنتجه الفلاسفة العرب عبر التاريخ واستبعاده. لستُ هنا في معرض تعظيم ولا تفخيم الدور الذي لعبه المفكّرون العرب في إنتاج فكرٍ خاصٍ بهم، يعبّر عن قلقهم، وهواجسهم، وانشغالاتهم. كما لستُ هنا في معرض التقليل من أهمية الفكر الفلسفي الغربي بمختلف تيّاراته، وحقباته، ولا تهميش الفكر الفلسفي الذي عرفه الشرق الأقصى.

تسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على واقع يتخبّط فيه الفكر العربي اليوم التوّاق إلى التفلسف، وإلى إنتاج شيءٍ جديدٍ، يعبّر بقوّة عن إشكاليّاتٍ تواجه الأجيال الجديدة الساعية إلى الدخول في العالمية، ورفض التقوقع في الزوايا الضيّقة. من هنا أحاول من خلال هذه الأسئلة أن أفكّر مع المتلقّي الُمنهمّ بالفكر العربي بما يأتي: ما الذي يحول اليوم دون خوض معترك التفلسف؟ ما الذي يمنع من التجرّؤ على ارتكاب فعل النقد والتفكير الحر؟ هل هناك ما ينفي إمكانية ذلك في صميم بنية العقل؟ هل التفلسف حكرٌ على لغة من دون أخرى، أو جماعة أو حضارة من دون سواها؟ لماذا الفلسفة باقية عندنا على الهامش، وفي أفضل الأحوال سجينة بعض الأروقة الأكاديمية المحدودة؟

إقرأ أيضًا: مذهب الشك في الفكر الفلسفي القديم والحديث (خمسة نماذج)

لا تدّعي صاحبة هذا المقال أنها سوف تمسك بلبّ المشكل، وتقوم بتفكيكه، والقضاء عليه، كما أنها لا تدّعي الإحاطة بكل الأسباب التي آلت إلى هذا الواقع المأزوم على الصعيد الفلسفي. لكن، لنعتبرها محاولة نابعة من همّ حقيقي رابض على فكر كثيرين، يحملونه في كل نشاط يقومون به أو عمل فكريّ يضعونه بين أيدي المتلقّين.

نتابع، في أكثر من مناسبة، اتهام أيّ متحدّث يخرج عن السياق المعتاد في التفكير، أو يتخطّى ما هو رائج في الإعلام، بأنه متفلسفٌ، ينطق بكلامٍ غريبٍ غير مألوف في العادة. كما نلحظ إطلاق صفة متفلسف على من يصدر عنه كلامٌ يحمل نظريةً ما في الاقتصاد أو السياسة أو الدين، لا تروق للمتلقّي، فإذا به يقاطع المتكلّم مانعاً إياه من متابعة التنظير قائلاً: بلا فلسفة، أو يكفيك تفلسفاً. وكأن الفلسفة أصبحت تهمةً لمن يتحدّث خارج السرب، أو لمن يرغب في تقديم مقاربة لا تشبه ما هو سائد. كذلك نلحظ أن هناك رفضاً واضحاً للخطاب المعقّد والمنمّق الذي يدّعي الإمساك بالأمور، في حين أنه فعليّاً يتكلّم لملء الفراغ لا أكثر.

لا بدّ هنا من الإشارة إلى الدور الكبير الذي لعبه الفكر المؤدلج في هذا السياق من خلال إطلاق الأحكام المسبقة على من تجرّأ وحمل الهمّ الفلسفي بالعربية، وجعله شاغلاً يومياً لفكره. فالتطرف، دينياً كان أم سياسياً، يخشى الفكر النقدي، ويُغضبه تخطّّّي الخطوط الحمراء، والتجرّؤ على استخدام العقل. كذلك، في المقابل، يمكن أن نلحظ أن الانبهار بالفكر الغربي بعامة، وبالمعجزة اليونانية بخاصة، قد جعل البعض الآخر ينفي صفة التفلسف عمّن هم خارج المجال الذي تمّ رسمه، رغبة بضبط المنافذ المؤدّية إليه، وحفاظاً على تفوّقه، إذ من غير المسموح أن يدخل عربيّ ابن عربيّ هذا المكان المحجوز مسبقاً للآخر المختلف. من هنا يمكن أن نسأل:

هل اللغة العربية بخاصة والفكر العربي بعامة يوفّران مكاناً مناسباً وبيئة حاضنة لاستقبال التفكّر الفلسفي المنشغل بالعالمية؟ هل من استحالة تمنع المفكّر العربي من الدخول بقوّة إلى عالم الفلسفة؟ وهل للفكر الفلسفي معاهدة خاصة أبرمها مع لغة محدّدة يحصر البوح فيها من دون سواها؟ وهل لهذا التفكّر هوية متفوّقة بنرجسيّتها ترفض الاعتراف بأيّ غريب عنها، فتحجب عنه مهمّة التفلسف؟ وهل بات بديهياً القول إن لعالَم الفكر الفلسفيّ هوية معيّنة تحجّمه في أطرٍ لا يجوز أن يتمّ تخطّيها أو النظر من خارجها، الأمر الذي ينفي، بالتالي، التعاطي مع أي مقاربة فلسفية آتية من الخارج باعتبارها جديرة بالدرس والاعتراف بها؟

أسئلة شغلتني منذ أن بدأتُ في درس إشكاليات تتمحور حول الشرق/والغرب، التراث/ والحداثة، الفلسفة المجرّدة/ وعلوم الإنسان واللغة والمجتمع، الفكر الدغمائي/والفكر النقدي، وغيرها. عندما اخترتُ موضوع رسالة الماجستير في بداية تسعينيات القرن الماضي، ورحتُ أبحث في فكر محمد أركون بدأت تتكشّف أمامي مساحات نيّرة لم تكن ظاهرة من قبل، أو بالأحرى تمّ إخفاؤها في المناهج التربوية في المدارس، أو تشويهها. كذلك، عندما تابعتُ البحث خلال إعداد أطروحة الدكتوراه حول المنهج النقدي عند كل من محمد أركون ومحمد عابد الجابري، زادت قناعتي بأن هناك قارة شاسعة من اللامفكر فيه يجب التوقّّف عندها والبحث فيها. صحيح أن الواقع المعيوش في المجتمعات العربية متفاوت، والانشغال بالهمّ الفلسفي ليس أولوية، والتنظير من أجل التنظير وحبّاً به ليس هو الهدف الأسمى. لكن ذلك لا يجب أن ينسينا كلّ المجهود الذي بذله مفكّرون كثر عبر التاريخ، ولغاية يومنا هذا.

إقرأ أيضًا: الأنسنة في الإسلام: كيف توصّل محمد أركون إلى تأكيدها؟ (الجزء الأوّل)

إذا أردنا أن نرصد سريعاً ما يحيط بنا، نحن الذين نعيش اليوم في الدول العربية، نرى أن المُشكل الذي يحدّ من فعل التفلسف يمكن تشخيصه في نقاطٍ عدّة، لعلّ أبرزها:

  • انتشار سياسة التهميش والتبسيط إلى حدّ اعتماد التسخيف كنهجٍ أساسٍ، فالذي يحتلّ الشاشات الكبيرة كما الصغيرة، وما ينتشر سريعاً في وسائل التواصل الاجتماعي، ويحصد أعداداً هائلة من إشارات الإعجاب، ليس الكلام الفلسفي، ولا صاحبه  بالتأكيد. النجومية اليوم محصورة بمجالات محدّدة، وبأنماط من الظهور والكلام غريبة إلى حدٍّ بعيد عن الأجواء الفلسفية.
  •  الجو العام في مجتمعاتنا لا يحثّ على التأمّل ولا يدفع صوب التفكّر والتنظير، وصقل العقل بالنظريات، والتدريب على التفلسف. فالغرق في الهموم اليومية الكثيرة، والعمل على تأمين الحاجات الحياتية التي باتت تشكّل عبئاً يفوق طاقة الإنسان على التحمّل، أمر أجبر الشباب والشابات اليوم على الالتزام بأكثر من عمل، وعدم تكريس وقت كافٍ لا للقراءة ولا للكتابة في الفلسفة.
  • تراجعٌ ملحوظٌ بالرغبة في القراءة وبصحبة الكتاب، لصالح رغبات أخرى بات إنسان اليوم المُنهَك يرتاح إليها أكثر. فخوض غمار الفلسفة ليس بالنزهة السهلة، إنه أشبه برفع الأثقال في نادي الرياضة الذهنية، الأمر الذي يفرض تدريبات منتظمة ومحاولات متكرّرة.
  • كثرة الخضّات السياسية والأمنية والاجتماعية، الأمر الذي يُجبر أيّ مواطن عربي على أن يُعيد النظر في ترتيب أولويّات انشغالاته وانهماماته. تكفي متابعة الأحداث اليومية في أكثر من بلدٍ لكي يتولّد في النفس قلقٌ كبير، وانهمامٌ بتأمين المستقبل المجهول.
  • تراجع الوعي المعرفيّ والسعي إلى البحث عن الحقيقة، مقابل الاكتفاء بما يتمّ تقديمه في الإعلام، أو تلقينه في المدارس والجامعات، فتحوّل معظمُنا إلى متلقّين سلبيين، نقبل المادة التي تُقدّم إلينا، ونكتفي بالتعليق السريع الذي غالباً ما يكون سطحياً.
  • تقليصٌ ملحوظٌ في تنطيم الأنشطة الثقافية ذات البعد الفكري في المدن والقرى لصالح الأنشطة الرياضية، أو الاجتماعية، أو الفنية. وفي حال تنظيم أي نشاط ثقافي، ما يلفت النظر فيه، قلّة عدد الحضور من جيل الشباب. من المؤسف أن نشير في هذا السياق إلى أن معظم الأنشطة الثقافية باتت عبارة عن تلبية دعوات، من باب الواجب الاجتماعي، لحضور ندوة حول كتاب، أو حفل توقيع إصدارٍ ما لشخصية اجتماعية معروفة.
  • تقلّص عدد مراكز الابحاث، ودعم الباحثين الجديين، وتركهم يقاومون بمفردهم يواجهون كلّ الضغوط التي يتعرّضون لها، الأمر الذي يُضعفهم ويبدّد طاقتهم، ويجبرهم بالتالي على توجيه نشاطهم نحو أماكن أخرى أكثر إنتاجاً.
  • النجومية اليوم ليست للمفكر في بلادنا، إنها للسياسي، لرجل الدين، لصاحب الصوت الجميل، أو الشكل الجميل، للعرافين والمنجّمين، للمقتدرين مادياً… مقاييس الإبداع تبدّلت…نلحظ أن عبارة “داهمنا الوقت” هي الرائجة في البرامج الإعلامية، بخاصة عندما تكون المقابلة مع أحد الباحثين أو المفكرين الذين يقومون بتفكيك الواقع المأزوم. أما المحلّل السياسي، أو الفنان الذي يتمتّع بعدد كبيير من المعجبين، أو أي إعلامي صاحب برنامج شبيه بحلبة المصارعة والتحريض، فلهم كلّهم ملء الوقت، ومساحات مفتوحة من البث المباشر.
  • الشرخ الكبير بين النخب المثقفة والناس، بخاصة الشباب منهم. اللغة المعقّدة، والنمط الممل، والرغبة في فرض الرأي عن طريق تسخيف الناس والتعالي عليهم، كلّها أمور تنفّر المتلقّي وتجعله يهرب إلى واحات أخرى، لا علاقة لها بالفلسفة.
  • “الجهل المؤسّس” الذي تحدّث عنه محمد أركون في كتبه ومقابلاته، بات هو النهج المعتمد من قبل المؤسّسات التي تهتمّ بالتنشئة المدرسية والجامعية والدينية. فالحفر في العمق، والتدريب على المقاربة النقدية لا نجدهما حاضرين كما يجب في المنهاج المتفق عليه تربويّاً.
  • البعض جعل من الفلسفة شبحاً يُرعب المؤمن، ويهدّده بفقدان إيمانه، والتمرّد على التقاليد، وخسارة الموروث. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذا الخوف من إعمال العقل؟ ومن المراجعة النقدية؟ ما الذي يخيفُ الغيارى على الدين من كشفه؟ لماذا وضع الفلسفة دائماً في موقعٍ محاربٍ ومقاومٍ للدين، وكأن الأمر يتعلّق بأن يقصي واحدهما الآخر، ويتغلّب عليه، فيطرده نهائياً من مجاله العام. لماذا هذا التخيير؟ إما الفلسفة وإما الدين؟ ألا تكفي كل التجارب السابقة التي عرفها تاريخ مختلف الحضارات، والتي تشير إلى نماذج فكرية عدّة لم تفقد إيمانها، ولم تكفر بالدين عندما قامت بخوض معترك التفلسف؟ وهل كل أصبح ملحداً كان إلحاده بسبب قراءة الفلسفة والتدرّب على مناهجها؟ أم أن هناك أسباباً أخرى نتغاضى عن درسها، لكي نكتفي بجلد الفلسفة، وإنزال اشدّ العقوبات عليها؟

إقرأ أيضًا: تحقيقٌ مع المتهمِ بقتلِ الفلسفة

  • هناك في المقابل من أصرّ على أن يجعل من الفلسفة عنواناً مربكاً، ومجالاً مبهماً، وحيّزاً ضبابياً، ونهجاً معقّداً، لا يُتقنه إلا من هم في مصاف النخب، والعباقرة. هذا الأمر أسهم في طرد واستبعاد من يهوى التنزّه بين الأفكار، وسبر أغوار العقل، من دون عناء، بعيداً عن خوض المعارك الضارية. إن التعبير المنمّق، إو الصياغة المركّبة إلى حدّ التعقيد، يشكّل بحدّ ذاته إنجازاً فلسفيّاً، لكنه لا يختصر الأداء الفلسفي عبر التاريخ، ولا يصل إلى كل من يهمّه أمر التفكير الجدّي والرصين. ليس من الضروري جعل كل محاولة تفلسفٍ تحديّا فكريّاً لا يخوض غماره سوى الأشدّاء المدرّبين على حلّ المعضلات العويصة.
  • بقي التفلسف بالعربية تحدّياً جديّا على صعيد المصطلح واللغة وآليّة التعبير. ما زلنا بحاجة إلى تطوير لغة فلسفية بالعربية تحرّك وعي أكبر عددٍ من المتلقّين، وتُسهم في الوقت عينه، بالتحليق في رحاب المعنى إلى أبعد مدى. إنها ورشة تستنهض أكثر من قطاع، وأبعد من اختصاصٍ واحد. الإنتاج الفلسفي بالعربية ينتظر منا جميعاً الكثير، ونحن، كمشتغلين بالحقل الفكري بالعربية، لدينا مهام لا تحتمل التأجيل.
  • عدم انشغال القطاعات الثقافية والاقتصادية بتأمين مستلزمات الإنتاج الفكري بالعربية، وعدم السعي إلى دعمه كما يجب. نلحظ بعامة، أن هناك انشغالاً رسميّاً جدّياً بتطوير عالم التقانة، والروبوتات، والمجالات الإلكترونية، كونها أكثر إنتاجاً، وأكثر نفعاً للدورة الاقتصادية، إذ إنها تواكب الحداثة والعالمية بشكلٍ أكبر، وتحقّق الربح المنشود، على نحوٍ أسرع وأسهل. إن هذا الواقع السائد، جعل من الانهمام بالفلسفة أمراً خارجاً عن السياق العام، وعن تلبية حاجات السوق، وعن السير في النمط الاقتصادي الرائج.
  • ممارسة القمع من أكثر من جهة، والقيام بمنع إبداء الرأي النقدي، والتشكيك بخلفيّته، واعتباره خطراً داهماً، أمورٌ أثّرت سلباً على تفتّح السؤال النقدي، وتطوّر البحث الفلسفي. هناك أيضاً التصدّي لحرية التعبير والخشية من الفكر النيّر الرافض للاستعباد في مختلف مظاهره. نلحظ في هذا السياق انتشار التشدّد في فرض الرأي الواحد، والنظرة الواحدة، وإقصاء كلّ ما يختلف عنها من قريبٍ أو بعيد. كذلك هناك إمعانٌ في السيطرة على العقول ومُصادرة حقّها في التفكير حفاظاً على ما تمّ تكريسه باعتباره من الثوابت التي لا يجوز التفكير فيها، إنما تقبّلها كما هي. كلّها ممارسات تعيق العمل الفلسفي، وتخيف محبّي الحكمة، إذ تجعل حياتهم في خطر.

 

في المقابل، هل نقبل بتعداد الأسباب وتوصيف المُشكل من دون المبادرة إلى رسم طريق نحو الأفضل؟ هل نكتفي بما يقدّمه الواقع ونقبل به كأمرٍ مفروضٍ علينا؟ هل نترك اليأس يتسرّب إلى الوعي ويكبّل إرادة التغيير في واقعنا المأزوم؟

اخترتُ أن أبحث عن نماذج من داخل الدائرة العربية لكي أتلمّس كيف حصلت عمليّة التصدّي لإشكاليّات الفكر والسياسة والمجتمع. وجدتُ في سياق درسي للفكر العربي الحديث والمعاصر، أن لدينا أسماء محترمة عملت على تظهير النماذج النقدية والمشاريع الفكرية التي تحمل همّ الحداثة والتجديد، ولا تقبل بالتكرار، والاجترار، وترفض الانسلاخ عن المسار الفكري العالمي، فتواكب الحداثة، وتهضم مكتسباتها، وتسخّرها في آلية البحث والتنقيب. حاولتُ أن أقدم للقارئ العربي الأدلّة الواضحة على حضور الفكر الفلسفي، والمنهج النقدي في المجتمعات العربية. فاللغة العربية أداة غنية يمكن تطويعها لتلبية الخطوة المنهجية التي نعتمدها، أو اللمعة الفكرية التي تنجلّى في أذهاننا. التراث العربي غنيّ بمن تجرّأ وخاض عالم الفكر المجرّد وإبداع المفاهيم وطرح الإشكاليات. كذلك، الحقبة المعاصرة تشهد على أسماء سطعت في الفكر الفلسفي، ليس المجال هنا مفتوحاً لتعدادها كلها.

لن أعدّد هنا النماذج النقدية التي درستها سابقاً، أو ما زلت أدرسها في أبحاثي الراهنة، لكني سوف أشير إلى أن فعل التفكير والبحث والدخول في العالمية همّ رئيسٌ لدى عددٍ من المفكرين والفلاسفة العرب المعاصرين. القائمة تطول، وهذا دليل إيجابيّ يحثّ القارئ على المبادرة نحو قراءة مشاريع نقدية موقّعة بالحبر العربي، لها أصحابها، يتمتّع كلّ منهم بمسارٍ فكريٍّ ومنهجيٍّ خاص، أوصله إلى استنتاجات تستحقّ الدرس. هذه المشاريع ليست حكراً على بلدٍ واحدٍ، أو تيارٍ واحدٍ، أو مدرسةٍ فكريّةٍ واحدة. التعدّدية وجهتها، وسؤال النهضة والدخول في العالمية همّها.

إقرأ أيضًا: الفلسفةُ: بوابةُ الحياةِ الواعيةِ، ومعبرُ الألمِ إلى المعنى

تبقى بعض الملاحظات التي يمكن أن أدوّنها في نهاية المقال، كنت قد توصّلتُ إليها بعد درس واقعنا، ويمكن أن أضيف إليها المزيد لاحقاً.

  • نلحظ أنه أمام تطوّر الفلسفة العربية حاليّاً عوائق عدّة من الضروري العمل على معالجتها، لعلّ أبرزها التصدّي إلى النقاط التي سبق أن توقّف عندها المقال، والعمل على تبنّي قسمٍ منها، أو كلّها، من قبل الجهات الرسمية أو الخاصة التي يهمّها نهوض الشأن الفكري في المجتمعات العربية المعاصرة.
  • تواجهُ الفلسفةُ العربية تيارين: واحد يحقّرها، ويعتدي على هوّيتها، ويرميها في دائرة القصور والتكرار والاجترار، وعدم الكفاءة بالمقارنة مع الغرب. وآخر يعتبرها مُهلكة للنفوس، وضياعاً للعقول، ومدخلا مؤدّياً إلى الانحطاط والكفر.
  • من وجهة أخرى، يمكن أن نلحظ أن تراثنا يشهد على صفحات نيّرة من التفلسف المبدع فكراً ولغة، لا يجوز إغفالها، ولا التغاضي عنها، أو تهميشها، كما هو حاصلٌ بالإجمال. كذلك حاضرنا يزخر بالنماذج الفكرية المتميّزة التي تعمل بجهد  ساعية إلى تدعيم صرح الفلسفة والفكر النقدي في المجال العربي، لكن من دون الانهمام بتسليط الضوء كفاية عليها.

تجدر الإشارة في النهاية إلى أن النهضة والحداثة والتنوير والنقد والتجديد مصطلحات تفرض نفسها بقوة، إذ ما زال لها وقعُها ووهجها،ُ على الرغم من العواصف الهائلة التي تستبيح ساحة الفكر العربي وتعمل على تشويهه وإعاقته وتدميره.

أختم بهذا المقطع الذي يعبّر فيه عبد الله العروي عن خياراته في خصوص النهضة العربية، وذلك في اختتام أعمال مؤتمر “عصر النهضة: مقدّمات ليبرالية للحداثة”، في الجامعة الأميركية في بيروت، سنة 1998، قائلاً:

“أما نحن فإننا نختار تأويل أقوال جيل النهضة لأننا نودّ التصدّي لأخطر مشكلاتنا، وهو ضعف النسيج المجتمعي. قلنا إن التخلّف الحقيقي هو الجمود، الإعراض عن كلّ تفكيرٍ في مسألة الإصلاح كمشروعٍ وكمفهومٍ وحصر النقاش، أيّ نقاش، في نطاق الحكومة وآليّاتها.

هناك مجالاتٌ كثيرة نحجم طوعاً عن اقتحامها، وإذا ما أشار إليها غيرنا رميناه بالتحامل والاستعلاء، مجالاتٌ تخصّ حياتنا اليومية، مما يلتقط بالصورة ويعرض على الشاشة ويكون فيه الحكم علينا قاسياً.

لذا نقول نحن في حاجة إلى استعادة روح رجال النهضة وما تميّزوا به من جرأة وصدق وتفاؤل”.[1]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 المراجع:

[1] – عبد الله العروي، إرث النهضة وأزمة الراهن، دراسة ضمن كتاب أعمال مؤتمر في الجامعة الأميركية في بيروت تحت عنوان: عصر النهضة: مقدّمات ليبرالية للحداثة، الناشر: مؤسّسة رينيه معوّض والمركز الثقافي العربي ومؤسّسة فريدريش ناومان، الطبعة الأولى عام 2000، ص 292-293.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete