ما الحقيقة؟ من الخلاص الجمعي إلى الخُلاصات الفردية

تقديم:

واحدة من أبرع الإجابات التي قُدِّمت أو اقترحت بالأحرى على سؤال: ما الحقيقة؟ اقترحها الروائي الروسي “ليون تولستوي”[1] في رائعته الروائية (الحرب والسلم)[2]. “في العالمين، في مجموع الكون؛ تُوجد الحقيقة”. براعة هذه الإجابة تكمن في تجاوز أحد أركان ثُلاثية: 1- الأفكار. 2- الأشخاص. 3- الأشياء. كحاضنةٍ أخيرة ونهائية للحقيقة. فلا: 1- فكرة مهما كانت مصدريتها أو براعتها أو النتيجة المُتربتة عليها، ولا: 2- شخص مهما كانت قوته أو مصدرية معرفته أو مكانته، ولا: 3- شيء مهما كانت قوة موجوديته في العالَم أو حضوره في تصريف أمور الناس وقضاء حوائجهم أو تحكّمه بنواميس حياتهم؛ تمثَّلت الحقيقة في الواقع العملي بشكلٍ قاطع ونهائي، بل بقيت الحقيقة منثورة ومبثوثة، بشكلٍ مُطلق، بالأفكار والأشخاص والأشياء، وستبقى كذلك طالما أن الشرط البشري قائم أساساً على النقص الدَّائم. لكن هذا الثراء العظيم للحقيقة، وما لذلك الثراء من علاقة بتفجير مواهب البشر على الدوام، لم يمنع من رهن الحقيقة لأفكار بعينها أو أشخاص بعينهم أو أشياء بعينها، ما أدَّى إلى الإضرار بالتطوّر الحضاري للأمم والشعوب، الذي سأعمل على البسط له في المحور الأول من هذه المقالة:

المحور الأول: الفكر الخلاصي، أو المسار الهُويَّاتي للأمم والشعوب.

 

بداية أي أمّة، على المستوى المعرفي، رَحِم. ونهايتها، على المستوى الأنطولوجي، قبر. في التحضير لولادة أمة أو شعب ما، لكي يتسيد، إلى حدٍّ كبير، المشهد العالمي سياسياً وعلمياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً وفكرياً، تنفتح الأمة على مُجمل الخبرات الإنسانية السابقة لها أو عليها، فتستوعبها وتهضمها وتُدخلها إلى عقلها، وتطرح، في مرحلة متقدمة، ما هو زائد منها أو ما توقّف عن النفع أو لا يمكن الاستفادة منه، ثم تُعيد، في مرحلة أكثر تقدماً، إنتاج تلك الخبرات بما يتلاءم مع الظرف الإنساني الجديد. فالأمة العالمية، أو التي تُريد تسيِّد المشهد العالمي في مختلف المجالات، تمتلك رؤية هائلة على استيعاب تجارب كل الأمة السابقة، ثم تعمل على تجاوزها، وذلك بتقديم جديد، يعتمد في جوهره على ما سبقه، أو يُبْنَي عليه، لكنه لا يتوقف عنه، بل يتجاوزه، وهذا ما حدث مع أبرز الحضارات الإنسانية على مدار التاريخ. ففي فترة النشوء والارتقاء تطرح الأمة جُملة من الأسئلة، لكنها لا تكتفي بالإجابات التي قُدمّت على هذه الأسئلة من قبل الأمم والشعوب الأخرى، بل تعمل على اجتراح إجابات خاصة بها، تمنحها بصمتها الخاصة على المستوى الحضاري. وبتقديري فإنَّ الأسئلة ومقترحات الإجابات عليها، على مرّ العصور، ينبغي أن تتمحور حول ثُلاثية: 1- الإله. 2- الإنسان. 3- العالَم. ففي فترة طرح الأسئلة الشائقة والشائكة حول هذه الثُلاثية العريقة، تستوعب الأمة كثيراً من الإجابات وتنفتح على خيارات معرفية عدّة في هذا المجال، إلى أن تصطلح هي ذاتها على إجاباتها الخاصة حصراً. وهذا شأن الحضارات الكبرى، وهو في المجمل حقّ مشروع وغير مُعيب، لكنه يتحوّل إلى عيب ساعة تُقرُّ الأمة على إجاباتها حول ثُلاثية: 1- الإله. 2- الإنسان. 3- العالَم، إقراراً أخيراً ونهائياً؛ وتُعاقب، بشِدَّةٍ، كُل من لا يُقرّ ويستقر على تلك الصيغة من الإجابات.

في مرحلة تشكّل الأسئلة ومقترحات الإجابات عليها حول الثلاثية العريقة تصير الأمة رَحِماً تتوالد فيه النقاشات والحوارات والسجالات والمُجادلات، من قِبل أناس كُثُر ومن أصحاب اختصاصات مختلفة: دينياً وفلسفياً واقتصادياً وفنياً وأدبياً وسياسياً واجتماعياً…إلخ. وفي مرحلة الإقرار الأخير أو بالأحرى في مرحلة الانتقال من الخُلاصات المعرفية الكثيرة والعديدة التي شاركت في إنجازها حيوات كثيرة وعديدة؛ إلى صيغة الخلاص الأخيرة التي تصطلح عليها فئة من الناس تحديداً –تمتلك القوة والسلطة- وتعتبرها خلاصاً جمعياً للأمة كاملة؛ بإزاء هذه الانتقالة المصيرية تتحوَّل الأمة إلى قبرٍ يُميت الحيوات ويُعنفّها ويلعنها ويدفنها، إلى أن تأذن الأمة كاملة بالأفول والانتحار.

إذاً، في البدايات تعيش الأمة صيرورةَ أن تكون، لذا تنشط في طرح الأسئلة واقتراح إجابات على ثلاثية: 1- الإله. 2- الإنسان. 3- العالَم. وشيئاً فشيئاً تبدأ بإغلاق الأبواب التي فتحتها بدايةً، إلى أن تصل إلى الباب الأخير فتغلقه عن آخره، فتنتقل من مرحلة الصيرورة إلى مرحلة الكينونة. أي يتم تغليب الإجابات الأخيرة على الأسئلة المعرفية المُتعلقة بالثلاثية السابقة، وما يُمكن أن يُقترح تباعاً من إجابات كثيرة وعديدة على تلك الأسئلة، بطريقة تُبقي على عقل الأمة نشيطاً وحيوياً على الدوام. لكن دوام ذلك من المُحال، اقتضاءً لطبيعة نشوء وتقهقر الحضارات الإنسانية، فالبدايات تنطوي على حركةٍ دائبة ونشطة تتخللها آمال كبيرة تتحفز حيوات لا حصر لها لبلورتها وتفعيل أنساقها في الاجتماع السياسي، والنهايات تشي بثباتٍ قاتل يجترّ، كنوعٍ من النوستولوجيا لذلك الفردوس المفقود، تلك الآمال ويُحوّلها إلى آلام أكبر!

إن مطمح الانتقال من مرحلة صيرورة الأمة إذ تُطرح الأسئلة المركزية حول ثلاثية: 1- الإله. 2- الإنسان. 3- العالَم، ويتم اقتراح عدد لا حصر له من الإجابات على تلك الأسئلة، على هيئة طروحات فكرية في الدِّين والاقتصاد والسياسة والاجتماع والنفس، وأعمال أدبية مختلفة ومتعددة، وأنساق فلسفية كبرى، وأعمال سينمائية ودرامية، ولوحات فنية ومنحونات، وأعمال مسرحية، وقطع موسيقية، ومشاريع سياسية، ومهرجانات فنية، وابتكارات علمية ومخبرية، ورحلات استكشافية، ومهن يدوية ماهرة، وأعمال إنشائية، وصناعات كبيرة، ومشاريع زراعية رائدة، وحلول مناخية، ونظافة للمدن والقرى والأرياف وتنظيمها، ونظاماً تعليمياً شاملاً ورائداً، ونُظماً صحية شاملة وفائقة التطوّر، وحدائق عامة، ومكتبة في كل حي، دورات مياه نظيفة ومتطورة، وحدائق حيوانات، وشبكة متقدمة من المواصلات، واحترام للطبيعة ومواردها، ومراكز أبحاث فكرية ومخبرية، وندوات ونقاشات ومساجلات ومؤتمرات…إلخ. هذا المطمح، أعني مطمح الانتقال من مرحلة الصيرورة وتفاعلاتها الحضارية المُبدعة، إلى مرحلة الكينونة وذلك في اصطلاح نهائي على أشياء بعينها بصفتها الأصلح والأنقى والأطهر، كإجابات وحلول أخيرة للأسئلة المركزية التي طُرحت سابقاً؛ هو مطمح مشروع بلا شكّ. لكن مع إبقاء الأبواب مفتوحة لكي لا تتعفن حيوات الناس وتتآكل وتموت من ثمَّ، وذلك من خلال إكراههم، بقوة السلاح الذي تملكه السلطة السائدة، على ترديد الإجابات الأخيرة التي اصطلحت عليها الأمة أو فئة من الأمة بصفتها إجابات حافظة لهُويَّة الأمة وكينونتها من العبث والدمار. فالخطورة لا تكمن في حق الأمة مُجتمعةً في الانتقال من صيرورة كونها أمة إلى كينونةٍ تبرز قيمتها الأنطولوجية بين الأمم الأخرى، بقدر ما تكمن في انتقال فئة من الأمة بالأمة كاملة من مرحلة الحركة المعرفية إلى مرحلة الثبات الهَوَويّ. من مرحلة تعدّد الإجابات على أسئلة: الإله والإنسان والعالَم، إلى مرحلة الإجابات القاطعة والنهائية على تلك الأسئلة. من مرحلة الرؤى الكبرى للوجود الإنساني إلى مرحلة الرؤية الأحادية للأمة. بما يقف عائقاً منيعاً في وجه تدفّق الحقيقة التي ستعود بالنفع على الناس بلا شك؛ وحالة الإغلاق الوجودي التي تُرافق هذا المنع القسري. إذ يُصبح الاقتراب من ثُلاثية: الإله والإنسان والعالَم، عبر أي مقاربة معرفية جديدة ولا تنسجم مع أعراف المقاربات القارّة، اقتراباً محفوفاً بمخاطر جمّة، قد تبتدئ بالنبذ وما يرافقه من حرمان في مجالات شتّى، وصولاً إلى القتل وما يرافقه من تشنيع وتشويه اجتماعي كبير قبل اتخاذ اللحظة الحاسمة بإنهاء حياة من غامر وقدَّم طرحاً جديداً.

بين صيرورة الأمة وكينونتها، أو بين طموح الأمة الكبير في أن تصير أمة عظيمة، وبين إقرارها صيغة أخيرة لهذه العَظَمَة، تتدفق حيوات لا حصر لها، وترفد الأمة بشبكةٍ من الأفكار والتطبيقات العملية لهذه الأفكار تصنع عظمتها، لكن فئة بعينها، تتمتع بقوةٍ سياسية وأخرى عسكرية، تصطلح على صيغة أخيرة لهذه العظَمَة، وتُعمِّمها بين الناس بالقوة، بما هي صيغة هَوَويَة تمنح الأمة قوتها ومكانتها بين الأمم، لذا يجب الدِّفاع عنها ضد أي إضافة أو تعديل أو تشذيب أو تهذيب أو شطب…إلخ، تحديداً على المستوى الدَّاخلي. فتلك القوة، تختم معارف الناس حول ثُلاثية: الإله والإنسان والعالَم، وبإزاء هذه الختمة تختن عقولهم أيضاً، وتُنتج مجموعة من الأشخاص الذين يتبنون هذه (الختمة/ الختنة) للترويج لها وتعميمها بصفتها المَعْلَم الأبرز لروح الأمة وقيمتها الوجودية، التي ينبغي: 1- الحفاظ عليها من أيّ شطب أو إضافة أو تعديل أو تهذيب. 2- تهديد، بعقابٍ شديد، كل من لا يُقرّ بها أو يصطلح عليها كما هي دونما زيادة أو نقصان.

ولنا في الحضارات الإنسانية ساعة تأخذ بالأفول والانحطاط مثال بارز على ذلك. كما حدث في الحضارة العربية الإسلامية عندما أقرت صيغاً قاطعة ونهائية عن الإله والإنسان والعالَم، وأحاطتها بجُملة من التعاليم والأنظمة والشرائع القاسية، ولنا، مرة أخرى، في قصة الحسين بن منصور الحلاج[3] مثال بارز على ذلك، إذ لم يتم إعدامه فحسب، بل أتى ابن تيمية بعد 4 قرون على وفاته وكفَّره من جديد[4]، في إشارة واضحة لكلِّ من تسوّل له نفسه التفكير خارج ما اصطلح عليه اصطلاحاً أخيراً حول مفاهيم الإله والإنسان والعالَم. وكما حدث أيضاً في الحضارة الغربية إذ كان الخروج على أي مفهوم من مفاهيم الثلاثية العريقة محفوفاً بمخاطر كبرى كالحرق والقتل والنبذ والحرمان، كما حدث مع غاليليو وكوبرنيكوس وأسبينوزا…إلخ.

وعليه، مع (ختمة/ ختنة) العقول تتقهقر الأمة كاملة، وتُصبح طُرق بحثها عن حقيقة الأشياء (جاهزة/ ناجزة) منذ اللحظة الأولى. ولا يعود ثمة مجال، على المستوى الجمعي للأمة، لعمل بحثي جديد يُبْقِي على النتائج مُعلَّقة بانتظار تبيِّن أكبر قدر ممكن من البيانات والمعارف، واستقراء مضامينها لغاية الوصول إلى النتائج المُحايدة لثُلاثية: الإله والإنسان والعالَم. فالصيغ الكبرى وتفاصيلها الصغرى أنجزت بشكلٍ كامل، ولم يعد مسموحاً، تحت أي ظرف، تغيير هذه النواظم. فمصالح السلطة السائدة مقترنة ببقاء هذه النواظم كما هي دونما تغيير. تُصبح الأمة، الحال هذه، “تعيشُ في عالَمها، وليس في العالَم” على ما يقول “هيراقليطس”. إذ تخرج من أي سياق حضاري، فهي تنفعل بما يحدث في أفضل حالاتها، وفي الحالة الأسوأ يُفْعَل بها، فهي خارج أي فعل حضاري ابتداءً. والمفارقة الكبرى، تحدث ساعة تعتقد الأمة، إذ تعيش فترة إغلاق معرفي كبير، أنَّ الكُلّ يتقصد النيل من كينونتها وهُويتها، لذا يجب حمايتها بشكل أكبر، فتزيد فترة انحطاطها وتدوم إلى أجيال وأجيال.

لكن هذا المنحى الإغلاقي لعقل الأمة كاملة، وما يترتب عليه من حجب للحقيقة؛ لا يعني بأي حال من الأحوال غياب الخُلاصات المعرفية التي يُنتجها أفراد مُبدعون في حقول شتَّى: فكرية ونقدية وأدبية وفلسفية وسياسية واجتماعية…إلخ. بل ثمة حضور، عبر التاريخ كله، لتلك الأصوات الفردية، رغم إحكامات السُّلط القائمة واستحكامتها بمفاصل الحياة من صغرياتها إلى كُبرياتها، وعدم السماح بأي صوتٍ لما هو سائد وقار.

وهذا ما سأتحدث عنه في المحور الثاني من هذه المقالة، حول فرادة هذه الأصوات والأشواق التي تُعبِّرُ عنها في الإبقاء على باب الحقيقة مفتوحاً، ومُحاربة إغلاقه مهما بلغت التكلفة.

المحور الثاني: الخُلاصات المعرفية للأفراد.

في العام 1949 مُنعت رواية (الساعة الخامسة والعشرون)[5] للروائي الروماني “قسطنطين جورجيو” في مختلف دول أوروبا. فـ “يوهان موريتز” بطل الرواية الرئيسي شكَّل حالة مُضادة لكل ما هو سائد في أوروبا يومذاك، فبعد فقد عشرات الملايين من البشر في مذحبة هائلة، كان إيجاد شخص طيب، رحيم، يتوافر على ضمير حيّ، صاحب صوت مُختلف، مسألة محفوفة بالمخاطر، حتى في مجتمعات تجذرت فيها فكرة الأنوار في الثلاثة قرون الأخيرة. فـ “قسطنطين جورجيو” أتى ونقض العهد والميثاق الذي انبنت عليه أوروبا في مسرحية (فاوست)[6] لغوته كأحد الأعمال الأدبية التأسيسية في الثقافة الغربية. أو بالأحرى الصوت السُّلطوي، القوي الذي تحكَّم بمسارات أوروبا ومفاصلها الرئيسية، وكانت نتيجته الكبرى، على المستوى الدَّاخلي، حربين كبيرتين، راح ضحيتهما عشرات الملايين من الأبرياء الذي استخدموا كوقودٍ لإعلاء ذلك الصوت الهادر. لكن أتى “قسطنطين جورجيو” وأوجد شخصية لها صوت مُغاير، لذا نُبذت من الجميع. لذا، برأيي، كان “يوهان مورتينز” انقلاباً أو ثورة حقيقية في النسق الغربي، أسَّس لأوروبا مُختلفة، غير أوروبا التي كانت قائمة حتى أيام الحرب العالمية الثانية.

عندما استبصر الشاعر الألماني “غوته” خراب الروح الأوروبية في (فاوست)، لناحية هدر قيمتها الإنسانية وابتياعها من قبل الشيطان، بصفته أيقونةً للخراب والشرّ في هذا العالَم، وتنبّأ بالثمن الباهظ الذي ستدفعه هذه الروح نتيجة لانحلالها الكبير وتفسخّها وانبعاث رائحتها الكريهة، بعد أن تتعفّن من الداخل. كانت أوروبا على موعد مع هذه النبوءة المُخيفة، وذلك بقيام حربين كبيرتين، أحالتا أوروبا إلى أرض محروقة. فذاك العصر التطوّري -أو عصر الأنوار الذي حوى بين جنبيه فلاسفة وعلماء وأدباء وموسيقيين ومصلحين كبار- الذي كافح فيه الإنسان طويلاً للانفصال عن غرائزيته التدميرية، ها هو يتعرّض لأعنف اختبار، عبر انشطارات في روحه التراحمية والعودة القهقرى إلى زمن يسود فيه الدم على حساب العقل.[7]

وقد كان لمسرحية (فاوست) لـ “غوته” أن تنتظم كمقدمة ذهنية لنتيجةٍ واقعية، بانتظار انبثاق مقدمة ذهنية جديدة ونتيجة واقعية جديدة أيضاً. فـ فاوست الذي باع روحه للشيطان، سيعمل –بصفته عاكساً لروح الأمة الجمعية- على تطبيق هذه الصفقة على أرض الواقع، وستتكالب أوروبا كاملة على القصعة الفاوستية لكي تنهل منها تلك الروح الشيطانية، وتعمل على إبادة نفسها بنفسها. فما قرَّ في ذهن “غوته” الفردي ها هو يتمظهر تطبيقاً عملياً في أوروبا كاملة. إلى أن ظهرت مقدمة جديدة على يدّ “قسطنطين جورجيو” في رواية (الساعة الخامسة والعشرون)، موازية –لكنها مختلفة- لمقدمة غوته في فاوست. ولاحقاً ستظهر نتيجتها –رغم أن الرواية منعت لحظة صدورها في أوروبا كاملة- في حالة الوئام والانسجام بين الشعوب الأوروبية، وتجاوزهم لمرحلة الآلام الكبيرة التي تجرّوعوا فيها كأس السم، عبر حروب طاحنة ومدمرة، كما لو كان كأساً من ماء قراح.

فقد عمد “قسطنطين جورجيو” إلى الصعود والارتقاء بإنسان العصور الحديثة، عبر تمثّلات بطل روايته “يوهان موريتز”؛ ذلك الإنسان:

  • المكلوم بتشظيات إثنية نبذته على الدوام تحت شعار الحفاظ على رحمها من أية تلويثات خارجية. فساعة تُنزع عنه –كنوعٍ من الكيدية من قائد الشرطة في إحدى البلدات الرومانية- صفته المسيحية وتُلصق به صفة اليهودية، يُساق إلى الحرب مُرغماً وينال ويلاتها واحدة واحدة، كما لو كان ذبيحة تُقطّع على مهل ويزدرد لحمها الملوّث. وساعة يعود مسيحياً يُحارب من قبل يهودي اشتراكي، وهكذا في كل انتقالة له. بما يُؤشِّر على ما آلت إليه الرُّوح الأوروبية إبّان الحرب العالمية الثانية، وتعاملها اللاإنساني مع كل الذوات الإنسانية المُغايرة لها أو تلك التي لا توافق على اشتراطاتها المبدئية لما هو حق أو باطل، في ارتكاسة وحشية لإنسان لم يعد يملك الحدّ الأدنى من مقوّمات الاجتماع البشري.
  • الموجوع إنسانياً، فالكُلّ يرفضه ويرفض أن يتعامل معه كإنسان بما هو كذلك، فالكل يرفض الكل في أوروبا، والكلّ في طريقه إلى الانتحار ليس الإنساني فقط، بل والحضاري أيضاً. فالهوية –من جهة- التي امتاز بها الإنسان عن الحيوان، نفاها إلى العَدَم، وها هو يعيد الالتصاق بمشيمة الحيوانات الضارية والطيور الجارحة. ومنجزه الحضاري- من جهة ثانية- مُهدّد هو الآخر إلى الفناء والخراب، فالرصاص أنجز أيقونته الكبرى وأعاد أوروبا آلاف السنين إلى الوراء. ففي تلك الحرب ستتجلّى الروح التدميرية لكائنٍ كان قد أنجز الكثير من مشروعه العقلاني، عبر عصر الأنوار. لكنه لم ينجز مشروعه الأخلاقي، عبر تهذيب للنفس ومراعاتها لآلام الناس كما لو كانت آلآمها، والاشتغال على تخفيفها أو الحدّ منها؛ لذا سقط ملايين الناس دون أن يرفّ لأحد جفن أو يصحو لأحد ضمير.
  • الضائع تاريخياً فهويته التأسيسية كانت قد افتقدت، إذ لم يعد يعي أين موضعه التاريخي الأصح، وأين يكمن إرثه الماضوي. إذ اختلط الحابل بالنابل، وأصبح تائهاً في حقل ألغام ذهني، لا يفتأ ينفجر في وجهه كلما يمّم صوب فكرة ما. فالهويات التي ألصقت به مُهدّدةً من الهويات الأخرى؛ بما أحال فكرة الهوية من أساسها إلى فكرة عبثية لا معنى لها.

وهذا ما سيعمل “قسطنطين جورجيو” على بسطه في روايته، مُجمّلاً تلك الوحشية الأوروبية المُفرطة في قسوتها بنثرٍ بديع، لكي يتجاوزها تباعاً عبر شخصية بطله، أو الوعد الجديد لأوروبا الحديثة. فقد كان قد حافظ على روح بطله من الابتذال المُهين الذي لحق بالروح الأوروبية الجميعة، وأعادها إلى حظيرة الحيوانات الضارية، تنهشُ بعضها بعضاً. وذلك بإخراج بطله من سياقات أوروبا المتوحشة، ودمجه في سياق أخلاقي رحماني. فـ “موريتز” ذلك الشخص العبيط/ الطيب، سيتعرّض لكلّ أنواع المهانات الجسدية والمعنوية، لكنه سيبقى مُحافظاً على مسلكياته الإنسانية، وسط المدّ العاتي لأوروبا الشيطانية ( = نبوءة غوته)، ويتعامل بطيبةٍ حتى مع جلاديه الذي نكلّوا به، وأحالوا حياته إلى جحيم متواصل، فأفقدوه كل شيء في الحياة.

إذاً، كان صوت “قسطنطين جورجيو” بمثابة خُلاصة معرفية فردية وسط خلاص جمعي، لكن هذه الخُلاصة كانت بمثابة طوق نجاة لأوروبا كلها. وتاريخياً، لم يحدث أن صدح أحد بصوتٍ مُغاير يُنادي بغير ما تُنادي به السُّلط وجموعها الغفيرة، إلا وكان صوتاً شجاعاً وأثبت موجوديته، وأنه الأقرب إلى الحقيقة الغائبة أو المُغيّبة قسراً، إذ تشارك هذا النداء مع عدد من الأصوات عبر التاريخ، كصوت “سقراط” وصوت “الحلاج” وصوت “أبي حيان التوحيدي” وصوت “غاليليو” وصوت “ديكارت” وصوت “كوبرنيكوس” وصوت “أسبينوزا” وصوت “ميخائيل بولغاكوف”…إلخ. لكن لنفهم آليات الرَّفض المبدئي العنيف لهكذا أصوات علينا أن نفهم الجذر التأسيسي المُـتعلق بهُويَّة الأمة وكينونتها المُتعلقة بمقولات أخيرة وقاطعة ونهائية لحقيقة الإله والإنسان والعالَم، والعلاقة (الواصلة/ القاطعة) بينهما، واحتكار فئة بعينها لهذا القطع الهُويَّاتي، بصفته خلاصاً جمعياً ينبغي التقيِّد به تقيِّداً أعمى، بما يستلزم عدم السماح لأي صوت يُمكن أن يُنتج خلاصة معرفية جديدة حول حقيقة تلك الثلاثية العريقة، بالخروج والصدح في العلن.

أشرتُ سابقاً إلى أنَّ أشواق الأمة إلى أن تصير أو تُجسِّد كينونتها في الاجتماع السياسي، تقترن بتدفِّق حيوات لا حصر لها لبلورة هذه الصيرورة، لكن كما أشرتُ يمكن أن يتم الاصطلاح على كينونةٍ ما، دون إحداث (ختمة/ ختنة) للعقل الجمعي للأمة، والإبقاء على الحيوات الفردية حُرَّة طليقة في اجتراح مقاربات معرفية لثلاثية: الإله والإنسان والعالَم: تقاطعاتها وانقطاعاتها مع بعضها البعض وتأثير ذلك من ثمَّ على حياة الإنسان، وذلك للإبقاء على الأمة في حالة نشاط حضاري دائم. لكن كما أشرتُ –أيضاً- عادة ما يتم الاصطلاح على (الختمة/ الختنة) فيحدث خوف عظيم بين الناس يجعلهم يتوارون عن الأنظار، حتى لو كان لديهم مشاريع إبداعية، إذ يفضلون اجترار ما هو قائم وتكراره على أن يقدموا جديداً قد تكون حياتهم ثمناً له.

لكن التجربة التاريخية للإنسانية تُعلّمنا أن ثمة خُلاصات معرفية كبيرة ورائدة في مجالها، قُدمت في ذروة نشاط الفكر الخلاصي. فحالة الإغلاق التي فرضتها السُّلَط وأحكمت بموجبها قبضتها على أرواح الناس وعقولهم، لم تمنع بعض الفلاسفة والأدباء والمفكرين والمُصلحين والعلماء من تقديم أطروحاتهم في بيئات رافضة لها تماماً، لما تُشكله من تهديد حقيقي لوجودها. وقد شكَّلَ صوت هؤلاء حالة فريدة في مسيرة الحضارة البشرية، إذ حافظوا على قدرة الإنسان على تمثّل صوت الحق والصدح به، حتى في أقسى الظروف وأشدها قتامة ومنعاً وبطشاً. وقد حظيت الإنسانية، على مدار تاريخها، بنماذج فريدة وجريئة من عينّة هذه الأصوات. فالصِدام هو في الأساس بين نواظم كبرى شكلّت معالم الأمة وانبنت عليه كينونتها منذ زمن بعيد، وبين أصوات تقول: ثمة خطأ في هذه النواظم يُحدث اختلالات جوهرية في رؤيتنا للحياة الإنسانية.

آنياً تنتصر النواظم الكبرى، بما هي محروسة من قبل سُلط تتوافر على قوى متعددة ومُتشدِّدة، تمكنها من البطش بأي مُخالِف، لكن مع الزَّمن تنتصر الخُلاصات المعرفية التي تُصحِّح الأخطاء الجوهرية التي تنطوي عليها نواظم حالة الخلاص الجمعي، وإذا ما تعدَّدت هذه الأصوات وكثرت، وكانت على درجة من القوة المعرفية، يمكنها أن تُعيد للأمة مجدها الحضاري، كما حدث في عصور النهضة التي تنطوي على أصوات مُغايرة، لكنها عديدة، فمع الزمن تُشكِّل تياراً قوياً، لا شكَّ سيُفضي إلى تغيير حقيقي في وضع الأمة، مهما كان تشبثها بهُويتها أو كينوتها قوياً أو مُتماسكاً، ومهما كان بطش القوة التي تحميه، ففي النهاية ليس من شيء يُحمى حماية فائقة، إلا وينطوي على نقطة ضعف قاتلة. فتلك الأصوات التي تصدح بخلاصات معرفية، هي الأكثر تفهماً لطبيعة الوجود على إطلاقه، إذ لا يمكن حصره ومُحاصرته في فكرة أخيرة أو شخص أخير أو شيء أخير، بل هو حالة من التدفّق الدائم تستعصي على الإحاطة أو الإمساك، لذا هي برسم البشر جميعاً على إطلاقهم، في أي زمان وفي أي مكان، بما يُبقي على الوجود الإنساني، بما هو فرع من الوجود الكبير، في حالة دفق دائمة. فالبحث عن الحقيقة مستمر، وأي توقّف عن مُلاحقتها انتحار حضاري بامتياز.

[1]  ليون تولستوي، روائي روسي بارز، تُعدّ أعماله علامة بارزة في مسيرة الأدب العالمي كله. وُلِد في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وعاش قرابة 90 سنة. شهد حيوات كثيرة من أبرز أعماله الروائية (الحرب والسلم) و(آنا كارنينا) و(البعث)…إلخ. لمطالعة مادة مميزة عن تولستوي يمكن الرجوع إلى كتاب (تولستوي: الرجل والروائي والقديس) لهنري ترويا.

[2]  يمكن الرجوع إلى الترجمة المميزة لرواية (الحرب والسلم) التي أنجزها الدكتور سامي الدروبي.

[3]  هذه واحدة من النماذج، لكن ثمة الكثير غيرها. للإطلاع على ديوان الشعري أو بعض قصائده يمكن مراجعة الرابط التالي، الخاص بالموسوعة الشعرية:

https://poetry.dctabudhabi.ae/#/poets/631-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D8%A7%D8%AC

 

[4]  كنتُ قد بسطتُ للعلاقة بينهما في مقالة سابقة لي تحت عنوان: الحلاج وابن تيمية: الصراع على مفاهيمية الله. إذ تناولت فيها ختمة المعارف في العالم الإسلامي وتطبيقه بأثر رجعي.

[5]  يمكن الرجوع إلى الترجمة المميزة لرواية (الساعة الخامسة والعشرون) التي أنجزها “فائز كم نقش” وقدَّم لها “عبدالله إبراهيم”، وصدرت عن دار مسكيلياني في تونس.

[6]  في الأصل فاوست هي عبارة عن حكاية أسطورية من أساطير الجرمان، وقد عُولجت أكثر من مرة، لكن يبقى لنسخة “غوته” التعبير الأمثل عن هذه الحكاية. كذلك يمكن اعتبار نسخة “كريسفور مارلو” والتي تُرجمت للعربية تحت عنوان (مأساة دكتور فاوست) نسخة متطورة من الحكاية الأسطورية. ظهرت ترجمة (مأساة دكتور فاوست) ضمن أعداد سلسلة من المسرح العالمي الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت، من إنجاز “عبد الواحد لؤلؤة”، العدد 368، 2013. أما (فاوست) لغوته بترجمة “عبد الرحمن بدوي” فقد صدرت عن أكثر من دار نشر في العالَم العربي، منها من سلسلة المسرح العالمي في الكويت، ودار المدى في سوريا. وثمة دراسة وافية وكبيرة لعبد الرحمن بدوي عن هذه المسرحية الخالدة.

[7]  يمكن الرُّجوع إلى مقالتي: (الساعة الخامسة والعشرون: القيامة الجديدة لأوروبا)، جريدة الغد الأردنية، بتاريخ 27 يوليو 2017، على الرابط التالي:

https://alghad.com/Section-159/%D9%81%D9%83%D8%B1-%D9%88%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%85%D8%B3%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-482244

 

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete