ما هي المفاهيمُ الأساس التي يقومُ عليها مفهوم الدولة عند ابن خلدون؟

قديماً، قال أرسطو، في كتابه السياسة، إن الإنسانَ كائنٌ اجتماعيٌّ بطبعه، وأن أول اجتماعٍ بشريٍّ قام على أساسِ النسب، في الأسرة. وبعدهُ، سار على دربِ القولِ باجتماعيّةِ الإنسانِ، وأهمية روابطِ النسبِ، مفكرون كثرٌ، وما نفذ أحدٌ منهم إلى عمق الرّوابط تلك، ولا بيّن شدّةَ مفعولها كما فعل ابن خلدون في مقدمته، حين كشف عن القوّةِ الكامنةِ خلف روابطِ النسبِ؛ قوّةُ العصبيةِ التي يتأسّس عليها الاجتماعُ البشريّ وينتظمْ، وتقوم عليها الدولُ وتنهدمْ.

إن كان مفهومُ العصبيةِ مقترناً بنظرية ابن خلدون، في الدولة، اقتراناً وثيقاً، فهو ليس من نحت صاحب المقدمة، كما يُشير الأستاذ الجابري[1]؛ بل سادت الكلمة في اللّسان العربيّ قبل التوظيفِ الخلدونيِّ لها. تحمل العصبيةُ معاني العُصبة واللّحمة والاعتصاب؛ هذا ما ابتغاهُ ابن منظور في شرح معنى الكلمة، إذ قال: “تعصّبوا عليهم إذا تجمّعوا، فإذا تجمّعوا على فريقٍ آخر، قيل: تعصّبوا… والعُصبةُ الأقاربُ من جهة الأب، لأنهم يُعصّبونه، ويعتصب بهم أي يحيطون به، ويشتدُّ بهم… والتعصُّب: المحاماةُ والمدافعةُ. وعَصَبَة الرجل: قومه الذين يتعصّبون له”[2]. على هذا المعنى، تحديداً، أسّس ابن خلدون قولهُ في العصبية، بما هي شعورٌ بالترابط والالتحام بين أفراد جماعةٍ يشتركون في النسبِ، عينه، يناصرُ بعضهم بعضاً، ويدافعون عن بعضهم في الشّدائدِ والمحن. في إشارة نبيهةٍ يُشير ابن خلدون إلى أن وحدة النّسبِ التي قامت باسمها معاركٌ عاتيةٌ في التاريخ، “أمرٌ وهميٌّ لا حقيقة له”[3]؛ إذْ لا وجود لدماءٍ خالصةٍ تتدرّج إلى الخلفِ من السّلفِ وصولاً إلى جدٍّ أعلى، دماءُ القبائل، جميعها، مختلطةٌ، بغيرها؛ ليس الاختلاط بين الأنساب عرضاً، بل هو سنّة الله على الأرض؛ “ومازالت الأنسابُ تسقُطُ من شعبٍ إلى شعبٍ، ويلتحمُ قومٌ بآخرين، في الجاهليّةِ والإسلامِ، والعربِ والعجمِ”[4]، على حدّ تعبيرِ ابن خلدون. وعلى الرغم من ذلك، لا تنفي وهميّةُ النسبِ أهميته؛ مع أنه وهميٌّ هو أساسُ العصبية، لأنه يبثُّ في التجمُّع العصبيِّ قوّةً مأتاها من العشرةِ وطول “الصّحبة بالمربى والرِّضاع وسائرِ أحوال الموتِ والحياةِ، وإذا حصل الالتحام بذلك جاءت النّعرةُ والتّناصُرُ”[5].

يقترنُ مفهوم العصبية، عند ابن خلدون، بمفهوم العدوان اقتراناً وثيقاً؛ أدرك ابن خلدون أن الاجتماعَ البشريَّ، حضريّا كان أو بدويّاً، ليس اجتماع ملائكة؛ بل اجتماع بشرٍ، بما فيهم من خيرٍ وشرٍّ. وللنّاظرِ، في تاريخِ الفكرِ السياسيِّ، من الشواهد كثيرٌ ممّا يدلّ على اهتمام أكثر مفكّري السياسة بهذا الجانب الشرير في الإنسان؛ تيّارٌ منهم قال إنه فطريٌّ، وتيّارٌ قال إنه مكتسبٌ، وعلى اختلافهما، اشترك الاثنان في الاعتراف بوجودهِ. فطريّاً كان أو مكتسباً، هو موجودٌ، ووطأته على الاجتماعِ البشريِّ ثقيلةٌ؛ قد تُؤدي إلى نَسْفه بما ينتج عنه من فتنٍ وحروبٍ واقتتالٍ. وفي نظرِ ابنِ خلدون، الشرُّ والخيرُ طبعان من طباعِ البشرِ، غير أن “الشرّ أقرب الخلالِ إليه…؛ من أخلاق البشر الظلم والعدوان بعضٌ على بعضٍ، فمن امتدّت عينه إلى متاع أخيه امتدّت يداه إلى أخذه، إلّا أن يصدّه وازعٌ[6]. فما هو هذا الوازعُ الذي بهِ يُصَدُّ الظلمُ والعدوانُ، عند ابن خلدون؟ غنيٌّ عن البيانِ، أن ابن خلدون لا يُعوّلُ، في السياق هذا، على الوازع الذاتيّ؛ القائم على الضمير الدينيّ والأخلاقيّ، بل الوازعُ المُعوّلُ عليه، خارجيٌّ تمثله سلطةٌ عليا، أقوى من الأفراد وأهوائهم، وهو في نصّه، حلٌّ للتناقض القائم بين طبعِ الإنسان الاجتماعيّ من جهةٍ، وطبعه العدوانيّ، من جهةٍ أخرى. لهذا السبب تحديداً، يرقى المفهوم، عند العلّامة، إلى مستوى الضرورة؛ ليس الوازعُ، إذن، شيئاً آخر غير السلطة السياسية القادرة على ردعِ الأفراد بعضهم عن بعضٍ، وهي ضرورةٌ من ضرورات الاجتماعِ البشريِّ.

لا يحملُ مفهوم السلطة السياسية في المقدمة، ما يحمله في الفلسفة السياسية الحديثة؛ إن كانت المقدمة نصّاً عريقاً في تاريخ الفكر البشريّ، برمّته، فهي، كغيرها من النصوص، كُتبت في سياقٍ تاريخيٍّ لا بدّ من احترامه، عند التفكير في مفاهيمها؛ في نصّ ابن خلدون، يُشير مفهوم السلطة السياسية إلى حكم عصبيةٍ غالبةٍ حصّلت من أسباب القوة ما مكّنها من الاستيلاء على الحكم. بعد الظفر بالحكم، ينصاعُ الناس خاضعين لقوتها صاغرين؛ فتكونُ الوازعَ الذي يردع بعضهم عن أذيّة بعضٍ. غنيٌّ عن البيان أن الهدفَ الأساسَ للعصبيّة الحاكمة لا يتمثل في ردعِ العدوانِ والحفاظ على أمنِ الاجتماعِ البشريّ. هدفُ العصبية الحاكمة الأوّل هو ضمان بقائها في سُدَّة الحكم، وأثناء سعيها إلى هذا الهدفِ الأول والرئيس، تُحقّق أمن الاجتماع البشريّ بردع الشرّ والعدوان عَرَضاً لا قصداً؛ وآيُ ذلك، ما يلحق الاجتماعَ البشريّ من هلاكٍ في معركة الاقتتال على المُلك بين العصبيّات، قبل أن تظفر به العصبيّة الغالبة. أثناء الاقتتالِ ذاك، لا يتوقّفُ من المتقاتلين طرفٌ بدعوى الحفاظِ على أمنِ الاجتماعِ البشريّ والمصلحة العامّة، لا يحصُلُ التوقّف إلا بالغلبة المُؤدِّية إلى الظفر بالملكِ؛ فالملكَ، على حدّ تعبير ابن خلدون، “منصبٌ شريفٌ ملذوذٌ يشتمل على جميع الخيْراتِ الدنيويةِ والشهواتِ البدنيةِ… قَلَّ أنْ يُسلّمه أحدٌ لصاحبه إلا إذا غلب عليه”[7]، وأنهى أمر دولته، فتَدولُ وتعقبها على الحكم دولة العصبيّةِ الغالبةِ.

الدولة عند ابن خلدون، هي “الامتداد الزمانيّ والمكانيّ لحكم عصبيةٍ مّا”[8]؛ يدلّ امتدادها المكانيّ على نفوذها واتّساع رقعتها، فيما يدلّ امتدادها الزمانيّ على مختلف المراحل التي يجتازها حكم العصبيّة الغالبة، منذ انتصارها إلى يوم زوالها. للدّوَل، عند ابن خلدون، عمرٌ كالأشخاص؛ عمرُ الشخص الطبيعيّ، هو 120 سنة، قد يزيدُ أو ينقصُ، كذلك عمر الدولة. تعيشُ الدولةُ وتستمرُّ ما عاشت مشاعر وروابط اللّحمةِ والعصبيّة بين أبنائِها، وتنْفرط ما انفرطتْ روابط العصبيّة تلك، وكأن العصبيّةَ روحُ الدولة ووجدانُها؛ عمُرُ العصبيّاتِ، جميعها، أجيالٌ ثلاثةٌ؛ مدّة الجيل الواحدِ، منها، أربعون سنة. لا تكتسب العصبيةُ، في مُقدّمة ابن خلدون، من الجيل الأوّل إلى الثالثِ، تراكماً يُغنيها ويضيفُ إلى قوتها مزيداً من القوة، بل تقطع دورةً تأخذها من التأسيسِ إلى القوةِ نحو الهرم والتلاشي. فكيف تهرمُ العصبيّة وتنْهدم؟ تتلاشى العصبية، حسب ابن خلدون، حين تغيب، عند أهلها، صفات النّخوةِ والشجاعةِ والبسالةِ والسّعي الدائم إلى المجدِ. تغيبُ هذه الصفات حين تغيبُ الظروف المادية المُحفّزة لها؛ في شُحّ العيش وشظفه، يتعوّد الإنسان على الشجاعة والبسالة، ومقابل ذلك، في رغد العيش وترفه يتعوّد على الجُبنِ والتخاذلِ. ذلك أن “الإنسانَ ابنُ عوائدِه ومألوفِه، لا ابن طبيعتِه ومزاجِه؛ فالذي ألِفه في الأحوالِ صار خلقاً وعادةً تنزّل منزلة الطبيعة والجبلّة”[9].

في ما يتعلّق بالدورة التي تقطعها الدول من التوهّج نحو الفناء، قد يصادف قارئُ المقدّمة مشكلةً تتعلق بالتمييز بين مراحل الدولة عند ابن خلدون؛ فهو تارةً يتحدّثُ عن أجيالٍ ثلاثة، وتارةً يتحدّثُ عن أطوارٍ خمسة، وأخرى يتحدّثُ عن آباءٍ أربعة؛ فأي تصنيفٍ من التصنيفات السابقة يرصد بدقةٍ مراحل تطوّر الدولة عند ابن خلدون؟ الحق أن التصنيفات تلك، ترصد، جميعها، تطوّر الدولةِ، عند ابن خلدون، في مستوياتٍ ثلاثة. اهتمّ محمد عابد الجابري بهذه المشكلة في كتابه الجدير بالاهتمام فكر ابن خلدون، العصبيةُ والدولةُ. حيث ميّز بين التصنيفات تلك، بالتمييز بين مفاهيم ثلاثة: العصبيّةُ والملكُ والحسبُ[10]. وهذا ما سنوضحه في ما يلي.

حين يتحدّث ابن خلدون عن دورةٍ تقطعها الدولةُ في أجيالٍ ثلاثةٍ، لا يقصد الحاكم، وحدهُ، بل يُشيرُ إلى التغيّرات التي تطرأ على أبناء العصبيةِ، جميعهم، حكّاما ومحكومين. مستوى الأجيال الثلاثة، إن شئت القول، هو المُستوى العامّ الذي يصف حال العصبيّة الحاكمة، بإجمالٍ. الجيلُ الأولُ، الذي تولّى زمام الأمور، في الأربعين سنة الأولى من عمر الدولة، جيلٌ تعوّد على خشونة ظروفِ حياة البادية، بثّ، فيه، ضَنْكُ العيشِ من المروءةِ والنّخوةِ والبسالةِ، ما عزَّزَ روابط اللّحمة والاعتصاب بينه وبين أهل عشيرته؛ تقضي القاعدة التي كرّرها ابن خلدون في مقدمته عشرات المرات، بأن العصبيّةَ الغالبةَ التي تحظى بالملك هي الأٌكثرُ قوّةَ، وأكثرُ العصبيّاتِ قوّةً أكثرُها لُحمةَ واعتصاباً وسعياً إلى المجدِ المُشترك. لذلك يكون الجيلُ الأولُ جيل الغالبين، الظافرينَ بالملك، المؤسسينَ للدولة. ثاني الأجيال، جيلٌ وسطٌ بين منزلتينِ؛ لا هو باسلٌ بسالةَ الأوّلين ولا أرعنٌ رعونة اللّاحقين. يعود السبب، في ذلك، إلى ظروف عيشه؛ فهو جيلٌ عايش انتقال العصبيّة، بعد ظَفرها، من حياةِ البداوةِ إلى حياةِ الحضارةِ. في هذا الجيلِ الثاني، “تنكسرُ سورة العصبيّة بعض الشيء”[11]. يعود سبب انكسارِها إلى إهمالِ أبنائها المصلحةَ العامّةَ للتجمّع العصبيّ، وسعيهم، بدلاً من ذلك، نحو مصالحهم الخاصّة. بخلاف الجيل الثاني، لم يشهد الجيلُ الثالثُ شيئاً من بطولات الأسْلاف؛ ما شهد غير الفُرقة وانقسام في البيتِ الداخليِّ للعصبيّةِ الحاكمةِ؛ رَبِيَ في زمنٍ انكسرتْ فيه شوْكة العصبية وضعفت. من جهة ثانيةٍ، هو جيلُ أبناءِ القصورِ، الذين تعوّدوا على رقّةِ العيشِ، وأكسبتهم الحضارةُ صفات الجبنِ والرّعونةِ. يصفُ ابن خلدون أبناء هذا الجيل، بعباراتٍ قاسيةٍ، فيقول: “يصيرون عيالاً على الدولةِ ومن جُملةِ النساءِ والولدانِ المحتاجين للمدافعةِ عنهم. تسقطُ العصبية، بالجملةِ، وينسون الحمايةَ والمدافعةَ والمطالبة”. لا يُجيدون سوى التفنّنَ في “الزيّ وركوب الخيل وحسن الثقافة يُموّهون بها، وهم، في الأكثرِ، أجْبنُ من النسوان على ظهورها”[12]. إذا جاء من ينزعُ الملك، منهم، عجزوا عن الدفاع عنه، فيضيعُ مجدهم ويسفُلُ شأنُ عصبيّتهم بين العصبيّاتِ.

بيّنّا آنفاً، أن حديث ابن خلدون عن الدورة التي تقطعها الدولةُ في أجيالٍ ثلاثةٍ، هو وصفٌ لمُستوى الأحوال العامّة التي تلحقُ أهل العصبية، جميعهم، حكّاماً ومحكومين. بالموازاةِ مع ذلك، وصف، ابن خلدون، الدورة التي تقطعها الدولة من القوّةِ إلى الضعفِ، انطلاقاً من زاوية تصويرٍ أخرى، ترصد ما يحدثُ داخل بيتٍ، بعينه، من بيوتِ العصبيةِ الغالبة: البيتُ المالكُ؛ داخل هذا البيت المركزيّ، أو بيت صاحب الدولة، بلغة ابن خلدون، تتطوّر أحوالُ الملوكِ ثم تنحدرُ، في أطوارٍ خمسةٍ. يدلّ الطوْر في اللغة العربية، على الخُلُقِ والحالِ، يقول ابن منظور: “قال الله تعالي: وقد خلقكم أطواراً، معناهُ ضروباً وأحوالاً… أطواراً أيْ خلقاً مختلفةً كل واحدةٍ منها على حدةٍ”[13]؛ وهذا، تحديداً، المعنى الذي يقصده ابن خلدون؛ الأطوارُ الخمسةٌ أحوالٌ خمسةٌ، يكتسبُ الملوكُ في كل حالٍ منها صفات مختلفة، تؤثّر على أدائهم السياسيّ، من زاويتيْن اثنتيْن مترابطتيْن؛ تتعلّق الأولى بصورة الدولة وهيبتها في نظر العصبيّات الأخرى، فيما تتعلق الثانية بعلاقة الحاكم بأهل عصبيّته، على وجه التحديد. أولُ الأطوار “طوْر الظفر بالبغية”، يكون فيه صاحب الدولة “أسوة قومه في اكتساب المجد… لا ينفرد دونهم بشيءٍ، لأن ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلبُ”، وثانيها، طور الاستبداد والانفراد بالملك، يصُدُّ، فيها، الملك أهل عصبيته ويعزلهم عن المناصبِ السياسيةِ، ويستعيضُ عنهم بالأجانب، بهدف جعل الملك متوارثاً، حصراً، في بيته، دون بيوت غيره من أبناءِ العصبيةِ. ظاهريّاً، تبدو الدولةُ قويةً في هذه المرحلة؛ لكن من يُحقّق في بواطن الأمور، يعرف، حسب ابن خلدون، أن الحاكم، في المرحلة هذه، إنّما يدقُّ المسمار الأول في نعشِ العصبيّةِ: مسمارٌ اسمهُ المصلحة الخاصة. ولا يعرف أن قوة حكمهِ ومجدَ دولتهِ من قوةِ عصبيّتهِ، إن انهارت العصبيّة تلك ذهب بذهابها ملكُه، وصارت دولته أثراً وخبراً من أخبار التاريخ. ثالثُ الأطوار “طوْر الفراغ والدعة”، يُحصّل فيه الحاكم ثمار الملك، وينشغل بتحصيل الأموال وتخليد الآثار، ورابعُها، “طور القنوع والمسالمة”، يقنع فيها صاحب الدولة بما بناه الأوّلون، يقلّدهم حذو النعل بالنعل. وخامسُها “طور الإسراف والتبذير”، يبذّر صاحب الدولة فيها، ما جمعهُ الأوّلون، وتضيع في زمنه الدولة، جملةً[14].

تنحلُّ العصبيةُ وتتفكّك، إذن، في أجيالٍ ثلاثة، وبالتزامن مع فسادِها، تنحدرُ أحوال جميع ملوكها، أيّاً كان عددهم، في أطوارٍ خمسةٍ عامّةٍ. أشرنا إلى أن الحاكمَ في الطور الثاني، من الأطوار تلك، يسعى إلى جعلِ الحكمِ متوارثاً داخل بيته، لكن الأمر هذا صعبُ التحقيقِ؛ لأن البيتَ المالكَ؛ يفقد مكانتهُ داخل العصبية الحاكمة، بالتدريج، حين يفقد حسَبَهُ؛ والحسبُ صورةُ أهل البيتِ المركزيِّ في أنفُس بني عصبيّتهم. الحسبُ إجلالٌ واحترامٌ يكنّه أهل العصبيّة لبيتٍ من بيوتِ كبرائِهم. إنه الشرفُ المتوارثُ داخل هذا البيت المُوَقَّر، أباً عن جدٍّ، وهو يقوم على الاعترافِ؛ اعترافُ باقي أهل العصبيّة بالخلالِ الحميدةِ المتوارثةِ في هذا النسل. هذا ما قصده ابن خلدون، حين قال: “الشرفُ والحسبُ إنما هو بالخلالِ”، أيْ خصال الخير الحميدة؛ يرثه الرجل حين يعدّ، “في آبائه أشرافاً مذكورينَ، يكون له، بولادتهم إياه والانتساب إليهم، تجلّةٌ في أهلِ جلدتِه، لِما وقرَ في نفوسِهم من تجلّةِ سلفه وشرفهم بخلالِهم[15].

غير أن الحسبَ ليس مجداً يُتوارثُ إلى الأبدِ، بل تشريفٌ يُسْحب من بيوتِ الكبراء متى حادَ أخْلافهم عن طريق الشرفِ الذي سار عليه الأسْلاف؛ يُسحب منهم الاعترافُ بالشرفِ والخلالِ الحميدةِ إن همْ فرّطوا فيها. وهمْ، فيها، يُفرّطون، حين تستقرُّ في نفوسهم رعونةُ الحضارة. وحَسَبَ تقدير ابن خلدون، غالباً ما يتمّ سحب هذا الاعتراف بعد أن يرثه بالتعاقب آباءٌ أربعةٌ؛ الأولُ، “باني المجد، عالمٌ بما عاناه في بنائه، محافظٌ على الخلال التي هي أسباب كونه وبقائه”. والثاني، “مباشرٌ لأبيه، سمع منه وأخذ عنه، إلا أنه مقصرٌ في ذلك تقصير السامع بالشيء عن المعاني له”. والثالثُ، “حظّه الاقتفاء والتقليد، قصّر عن الثاني تقصير المقلّد عن المجتهد” والرابعُ، مُبدّدُ المجد مُضيّعُ الحسبِ والخلالِ الحميدةِ، “يرى التجلّة بين الناس ولا يعلم كيف كان حُدوثها، ويتوهم أنه النسب فقط… يحتقرهم، فيُنغّصون عليه ويحتقرونه” ويحتقرون أخلافَهُ، فيُخلعُ الحسبُ عن بيته بتكبّره على أهله، وتنصّله من خِصالِ أسْلافه الحميدة. قد يكون الآباءُ الأربعةُ حُكّاماً، أو مجرّد أشخاصٍ لهم قيمةٌ واعتبارٌ داخل التجمّع العصبيّ. المهم، أن الحسبَ آباءٌ أربعةٌ، قد يضيعُ قبل الوصول إلى الأب الرابع، من دونِ أن يتعدّاهُ في الغالب. حسب ابن خلدون، قد يصلُ إلى الأب “الخامس والسادس إلا أنه في انحطاطٍ وذهابٍ”[16]. أما ما يردُ بين الناس من توارث الحسبِ أباً عن جدٍّ في سلاسل طويلةٍ تتعدى الآباء الأربعة، فكلامٌ لا أساسَ له من الصحة عند صاحب المقدّمة، مردُّه إلى وهمٍ لدى أخلافِ بيتٍ ضاع حَسَبُهُ؛ “يبقى في نفوسِهم وسواسُ ذلك الحسبِ، يعدّون به أنفسهم من أشراف البيوتات… وليسوا منها في شيءٍ”. مِن أكثر مَنْ رسخ في نفوسهم وسواسُ الحسب بعد زواله، حسب ابن خلدون، بنو إسرائيل؛ “كان لهم بيتٌ من أعظم البيوت في العالم بالمنبت، أوّلاً، لما تعدّد في سلفهم مت الأنبياء والرسل… ثم بالعصبيّة ثانياً… ثم انسلخوا من ذلك، أجمع، وضربت عليهم الذلّة والمسكنة، وكُتب عليهم الجلاءُ في الأرض… ومازال هذا الوسواسُ مصاحباً لهم… مع رسوخ الذلّ فيهم منذ أحقابٍ متطاولةٍ”[17].

يصف ابن خلدون ردّ فعلِ أهل العصبيّة تجاه الأبِ الرابعِ، حين يُضيّع حَسَبَ أسلافه؛ يفقد خصالهُ الحميدة ويتكبّر على أهله، فَ”يُديلون، منهُ، سواهُ… في غير ذلك العقبِ… فتنمو فروعُ هذا، وتذوي فروع الأوّلِ، وينهدم بناء بيته؛ هذا في الملوك، وهكذا في بيوت القبائل، والأمراء، وأهل العصبيّة، أجمع، ثم في بيوت أهل الأمصار إذا تحطّمت بيوتٌ نشأت بيوتٌ أخرى من ذلك النسب[18]. يتّضح من قول ابن خلدون هذا، أن الحسبَ ليس حكراً على البيت المالك فحسْب، بل هو تشريفٌ تحوزه نُخبةٌ من بيوت الأكابر داخل العصبية، لنقاء خلالها، وتفقده، جميعها، بعد أن يتوارَثَهُ آباءٌ أربعةٌ. ولِلْحَسَبِ، عند ابن خلدون، حسبَ ما نزعُمُ، درجات، أعلاها درجةُ شَرَفِ وحَسَبِ البيت المالكِ. ممّا يَشهد على ذلك، أيضاً، قول ابن خلدون، في موضعٍ آخر: “إذا كان وجودُ العصبيّة، فقط، من غير انتحالِ الخلالِ الحميدةِ نقصاً في أهل البيوت والأحساب، فما ظنّك بأهل الملك”[19]؟! وهذا يُؤكد أن البيت الحاكم وإن نالَ أعلى درجاتِ الحسبِ، فالحسب غير محصورٍ فيه، بل تشاركه فيه بيوتٌ أخرى، داخل العصبيّةِ الواحدةِ.

قد يتبادرُ إلى ذهن القارئ، في هذا السياق، سؤالٌ مهمٌّ: بعد أن يضيع الحسبُ والخصال الحميدة من البيت المالك، هل يستمرّ توارث الملكِ فيه، أم يُخلع الحاكم ويُعزلُ من الحكم؟ وإن عُزلَ الحاكمُ لضياع حَسَبه وفسادِ خِلاله، هل تسقط بعزله الدولة؟ يُجيب الأستاذ الجابري عن هذا السؤال، بالقولِ إن “فسادَ تلك الخلال يستلزم فساد ذلك “العقد الضمنيّ” بين الشخص الحاكم وعشيرته”[20]. وهو ما يستلزم عزله عن منصبه. إن عُدت إلى المُقدّمة، تتأكد من صحّة هذا القول؛ ذلك أن ابن خلدون، يُؤكد على أن المُلْك لا يستقيم من دون مُتمِّماته، ومُتمِّماته حُسنُ الخلالِ، ويذهب إلى أبعد من ذلك فيقول، بأن وجود المُلْكِ من “دون مُتمِّماته كوجودِ شخصٍ مقطوعِ الأعضاءِ أو ظهورهِ عرياناً بين الناسِ”[21]؛ ومعنى ذلك، أن خلال الخير إذ تضيع، يضيعُ معها الحسبُ، ويسقط المُلْكُ، من دون أن تسقط معه الدولة. لا تسقط الدولة، عند ابن خلدون، حين يسقُط مُلْكُ بيتٍ من بيوتِ أشرافها، بل تسقط بالفسادِ الكلّيّ للتجمّع العصبيِّ، في أجيالٍ ثلاثةٍ، كما أسلفنا. أيْ أن التجمع العصبيَّ الغالبَ، ما لم يبلغ آخره في الجيلِ الثالثِ، يستمرّ في الحكم على غيره من العصبياتِ، حتى بعد عزل الحاكم، إذْ يعقُبُه على الحكم حاكمٌ آخرٌ، من العصبية، نفسِها، من بيتٍ آخر من بيوت كُبرائها، ذوي الشرفِ والحَسَبِ.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ سؤالٌ مهمٌّ، وهو ينظرُ في علاقة مراحل الحَسَبِ بأطوار الدولةِ: هل تتطابق مراحل الحسبِ الأربعةِ مع أطوار الدولةِ الخمسةِ؟ لم يُقدّم ابن خلدون جواباً واضحاً وصريحاً عن هذا السؤال، لكننا نزعُمُ بأن الأطوار الخمسة لا تتطابق مع مراحلِ الحسبِ، لأسبابٍ ثلاثة؛ أوّلها أن ابن خلدون أكد بشكلٍ صريحٍ أن “نهايةَ الحسبِ في العقبِ الواحدِ آباءٌ أربعةٌ”[22]؛ إن اعتبرنا أن كل طورٍ يُجسّد حكم أبٍ من الآباء الأربعة، فما منزلةُ الطور الخامسِ؟ وثانيها، أن الحسبَ ليس اعترافاً، بحُسن الخلال، يناله البيت المالك، وحدهُ، كما أشرنا آنفاً، بل هو اعترافٌ يناله عددٌ من أشراف التجمع العصبيّ وأكابره، في حين أن أطوار الدولة أحوالٌ خاصةٌ بصاحب الحكم، وحده. وثالثُها، أن ابن خلدون، في معرض حديثه عن الأطوار الخمسة، يقولُ ما يُفيد بأن أمر الأطوارِ الخمسةِ لا يتعلّق بحُكامٍ منبثقينَ من عقِبٍ واحدٍ، أيْ من بيتٍ واحدٍ، كما هي حال الحَسَبِ؛ بل تتعلق الأطوارُ تلك، بالدولة، برمّتها: “اعلم أن الدولة تنتقل في أطوارٍ مختلفةٍ وحالاتٍ متجدّدةٍ، ويكتسب القائمون بها، في كل طورٍ خلقاً من أحوال ذلك الطور[23]. ونحن نزعُمُ، بأن ابن خلدون حين تحدّث، في هذا السياق، عن وجود قائمين، بصيغة الجمع، على الدولة في كل طورٍ، قصد أن كل طورٍ قد يشترك فيه حاكمان أو أكثر.

غنيٌّ عن البيان أن الدولة الإسلامية، هي “المضمونُ الواقعيّ والتاريخيّ لنظرية ابن خلدون في أطوار الدولة… منذ بدأ التاريخ الإسلاميّ إلى عصر ابن خلدون”[24]. وإن أنتَ فحصتَ قضية الأطوار الخمسة هذه، في ضوء تعاقب خلفاء الدولة الأمويّة، مثلا، من معاوية ابن أبي سفيان (661م/680م)، إلى مروان الثاني ابن محمد (744م/750م)، تجد أربعة عشر خليفةً. وإن نظرتَ في تعاقُبِ خلفاء الدولة العباسية، – في العصر العباسي الأول قبل توغّل النفوذ التركيّ- من أول الخلفاء أبو العباس عبد الله (721م/754م) إلى هارون الواثق بالله، (842م/847م) تجد تسعة خلفاء. وهذا معناهُ، أن ابن خلدون، وإن حدّد أطوار الدولة في خمسةٍ، لم يقل بتطابق كل طورٍ مع حكمِ حاكمٍ واحدٍ؛ قد يتجسّد الطورُ الواحدُ في حكم ملكٍ أو اثنان أو أكثر، وهذا أمرٌ يختلف من دولةٍ إلى أخرى. الثابت عند ابن خلدون، في هذه الدول، جميعها، أن ملوكها، بأكملهم، تسعةً كانوا أو أربعةَ عشر، أو غير ذلك؛ يمُرّون من أطوارٍ خمسةٍ، تختلف باختلاف جملةٍ من الشروطِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والجغرافيةِ والنفسيةِ المترابطةِ، تُؤثرُ، جميعها، على أدائهم السياسيّ، فتُشرقُ شمسُ الدولةِ لتتوهّجَ قبل أن تغرب. بخلاف ذلك، تتطابق كل مرحلةٍ من مراحل الحسبِ، مع حكم أبٍ واحدٍ، لا أكثر، قد يكون ملكاً أو أميراً أو شريفاً من أكابر التجمّع العصبيّ.

غنيٌّ عن البينان أن قُدرة ابن خلدون على الغوص إلى القوانين الخفيّة التي تحكم تطوّر الدّول وانحطاطها، يعود إلى ذكائه واطّلاعه الواسع، من جهةِ، كما يعود، في جانبٍ مهمٍّ منه، إلى تجربته السياسية التي اكتسبها، من خلال المناصب التي تقلّدها، من جهةِ أخرى. في كتابه فلسفة ابن خلدون الاجتماعية؛ تحليلٌ ونقدٌ، استهلّ الأستاذ طه حسين قوله بفصلٍ، شديدِ القسْوةِ، يتحدّث فيه عن أخلاق ابن خلدون، انطلاقاً ممّا كتبَ ابن خلدون، عن نفسه، في سيرتهِ الذاتية؛ وفيه أكّد طه حسين أن العلّامة كان “سياسيّاً وافر الحكمة والبراعة. على أنه لم يستخدم براعته السياسية لتأييد دولةٍ أو أسرةٍ كما استخدمها لمنفعته الشخصية، كانت تغلب عليه عاطفة الأَثَرة، وذلك واضحٌ في ترجمته… ينبغي أن نُلاحظ أن ابن خلدون، في ترجمته، لم يحتطْ، كما فعل غيره من المؤلفين، في أن يُخفي عيوبه؛ فإنهُ لم يَدَّعِ، قطُّ، أنه حاول نيْل السلطة لخدمة المنفعة العامّة، ولم يُعْنَ بأن يُحاول تبرير عملٍ خاطئٍ بتقديم دواعٍ شريفةٍ، بل يلوحُ لنا، بأنه لم يكن ذا شعورٍ بأنه أخطأ، قطُّ”[25]. ونحن، مع تقديرنا للأستاذ طه حسين، لا نتفق معه في هذا السياق؛ نرى بخلاف ذلك، أن الذي غلب على ابن خلدون، ليس الشعور بالأثَرَة والأنانيّة، بل الصدقُ والواقعيّة التي حكمت كتاباته. إضافةً إلى ذلك نزعُمُ أن طه حسين، في حكمه على ابن خلدون، وقع في الإسقاط التاريخيّ؛ حيث أسقط معاني الدولة الوطنيّة الحديثة على واقع الدولة التي عاصرها. في مقابل ذلك، نتفق مع ما أورده غاستون بوتول في كتابه ابن خلدون: فلسفته الاجتماعية؛ حيث رَدَّ على مُتَّهِمِي ابن خلدون، بالقول: “مِنَ الواجبِ على اللّائمِ أن يضع نفسه في العصر الذي كانت تقع فيه هذه الأمور، حتى يُصدر حكماً سديداً فيها، إذا ما -عُدتَ- إلى تاريخِ ذلك العصرِ… وجدتَ الجنودَ ورجال الدولة يخدمون سيداً أو بيتاً مالكاً، لا وطناً كما في أيّامنا”[26].

المصادر:

[1] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط6 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص166.

[2] أبو الفضل ابن منظور، لسان العرب، مج 1 (قم- إيران: نَشْرُ أَدَبِ الحَوزَة، 1405ه)، ص606.

[3] عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: عبد الله الدرويش، ج1، (دمشق: دار يعرب، 2004)، ص256.

[4]  م ن، 259.

[5] م ن، ص355.

[6] م ن، ص254.

[7] م ن، ص308.

[8] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة. ص211.

[9] عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة. ص251.

[10] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة. ص220.

[11] عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة. ص335.

[12] م ن، الاقتباسان من ص236.

[13] أبو الفضل ابن منظور، لسان العرب، مج 4. ص507.

[14] عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة، الاقتباسات من ص343،344.

[15] م ن، ص263.

[16] م ن، الاقتباسات من ص269.

[17] م ن، الاقتباسان من ص264.

[18] م ن، ص268،269.

[19] م ن، ص277.

[20] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة. ص220.

[21] عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة. ص277.

[22] م ن، ص268.

[23] م ن، ص343.

[24] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة. ص217.

[25]  طه حسين، فلسفة ابن خلدون الاجتماعية؛ تحليلٌ ونقدٌ. نقله: محمد عبد الله عنان (القاهرة: مطبعة الاعتماد، 1925)، ص23،24.

[26] غاستون بوتول، ابن خلدون: فلسفته الاجتماعية. ترجمة: عادل زعيتر (دار إحياء الكتب العربية: 1955)، ص116.

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete