تكوين
المقدمة
لا أريد أن أدخل في تحديد وضعيّة الظلم القائمة بين لعبة العقم الحضاري ولعبة الوعي الحضاري، أو بين فرضيّة الكيانات القوميّة وفرضيّة الكيانات السرديّة أو اللفظيّة. مقاربتي تدخل ضمن نطاق المفهوم الاعتباطي أو الاحتمالي للظلم كتدبير لا يخضع أو ربما يخضع لحتميّات معيّنة في صورته المتكئة على صيرورة الزمن أو في بنيته المعرفيه القائمة على تفضيل صورة الوهم ولعبة الأشكال والسطوح الغارقة في الغموض أكثر من عمليّة التفكير الحرّ. طالما أنّ تاريخ البشرية هو تاريخ تطوّر آليات التفكير، فالمشكلة تكمن في كيفيّة تبلور صورة هذا التفكير الذي كنّا نعتبره أنّه حرّ ولكنّه تبيّن أنّه تفكير مقيّد وملتزم ومخطّط له، كما تكمن المشكلة في كوننا ضحايا العدالة الوجوديّة الكونيّة المسترهنة للطغاة والطغيان[1].. واستنادًا إلى ذلك، هل بإمكان المدّ الفكري مع كلّ استنفاراته وكلّ آليّاته المعرفيّة التخفيف أو التهدئة أو التبرئة من هذيان الظلم وشدّة جنوحه؟
من الأحداث ما يبدّل مسارات وقناعات ويثير الحفائظ ضمن إطار الطرح للأسئلة المصيريّة الكبرى. في كلّ مغامراتنا في هذا الوجود كنّا وما زلنا نعتقد أنّنا نحاول حماية الحياة من عجزها أو من موتها. وإذ بنا في كلّ جولة نتعجّب ونتفاجأ باستمرار من وجع الحياة وقسوتها، ولعلّ هذه المفارقة “أن تعيش الموت من دون أن تموت“، أفضل تعبير واختصار لكلّ تمظهرات مفهوم الظلم الذي لا يحدّ الكلام عنه بحدّ (indicible)، هذا القتل للعقل باسم العقل وللشعور باسم الوصاية عليه أو الرعاية له. لكن هل يمكن للفلسفة أن تعزّي الإنسان في واقع لا عزاء فيه؟
ممّا لا شك فيه أنّ الفلسفة هي مسار للتساؤل والنقد والتقييم، انطلاقًا من ذلك نراها توجّه أوّل ضربة من سهامها إلى الذات وتنهال عليها بالانتقادات، ومن شجاعة العقل أن يقف في وجه الأساطير المحبوكة عن الإنسان أو الإعلانات والشعارات التي تسيّر حياتنا وتقدّم لنا عالمًا مريحًا يمنحنا قسطًا من الأمان والراحة، لكن قد يكون ذلك من أظلم العوالم وأتعسها لأنّه يسلبنا حريّتنا. وتكمن مهمّة الفلسفة في إعلان التمرّد على هذا العالم المزيّف المؤطّر بالوهم المريح وذلك لكي تهدمه. قد تتّخذ صورة الفيلسوف عدّة أوجه ومن مهامه أن يرسم خرائط تنوّعاتها[2] . وإذا كانت الفلسفة على حدّ قول برتراند راسل هي كلّ محاولة لفهم الإجابات على الأسئلة التي لم يجد العلم إجابة عليها بعد، وإذا كان الظلم هو كلّ مجاوزة عن الحقّ والحدّ والملك، أو كلّ تموضع أو نفور قد ينجم عن زيادة أو نقصان. إلّا أنّ أنواع الظلم قد تتباين أوجهها التعسفيّة وفقًا لتحديدات ظلم الذات من داخل ذاتها وظلم الذات من خارجها. وعليه، سنتوقّف في هذا المقال عند بعض المفاصل التي تظهر صورة هذه المعاناة للذات سواء من ذاتها أو من غيرها.
ظلم الذات من داخل الذات
إنّ موضوع الظلم يتعلق إمّا بالمقاومة وإمّا بالانصياع والقبول. أولى سمات الظلم في هذا العالم بطلان مفاعيل تحقّق عدالة الراحة والاستقرار. من مفارقات الأنا أنّها مشبوهة في ماهيّتها، ومتماهية مع التماهي الكسول للفكر وروافده، هذا الفكر الذي يفكّر أكثر ممّا يستطيع التفكير. وإذا كان ما من شيء يدوم أو ما من شيء معدّ للبقاء والديمومة، فطبقًا لهذا الواقع يتمأسس اللااستقرار والآنيّة والمتعيّة والنفعيّة. في اعتقادنا أو في ظنّنا أنّنا نُمنع من الوصول إلى تحقيق ما نصبو إليه، في حين أنّنا ننسى أنّ همّنا أو قلقنا هو السبب. كما أنّ سيطرة الذات على ذاتها هي محكومة دائمًا بالنقص والعتاب ولوم الذات وتأنيب الضمير.
نحن معتادون على سماع شعارات كن شجاعًا! كن مكتفيًا! كن محبًّا! كن غفورًا! كن رحومًا! وعند البدء بتحليلها وتطبيقها ترانا نغفل عن شيء مهمّ ألا وهو أنّ موضوع الظلم هو موضوع متأصّل في الذات الإنسانيّة، ذلك أنّ الانسان يُقتل في الطفولة، وفي ظلّ هذه الظروف، فمن الطبيعي أن يغلق عليه باب العقل وباب القلب. مشاعر الطفولة التي ما تلبث أن تصطدم بالممنوعات نراها تبتلع دموعها وتحوي غضبها وتكبح فرحتها. وهذا الكبت يمارس ضغطًا صامتًا وقويًّا حتى يصبح الإنسان معذّبًا بالخوف من الإحساس والمشاعر. والذي يعزّز من ذلك لاحقًا التربية الرديئة التي تشكّل قاعدة أساسيّة في تسييد وتشييد عبوديّة الظلم على الإنسان فتصبح عادة ضروريّة، يسعفنا في هذا الإطار قول دوستويفسكي
“أعطني إنسانًا حرًّا تمامًا وسوف تراه يركض على الفور لكي يضع لنفسه قيودًا”.
لقد بات واضحًا ومعلومًا أنّ فكرة أو مفهوم الحياة هي أبعد من تصوّراتنا عنها، منذ ولادتنا وقد نعتنا بالتهمة الوجوديّة أو اللعنة الميتافيزيقيّة الكبرى، ربما كان وليام شكسبير محقًا بقوله هذا “عندما تسترجع حياتك، ستكتشف أنّ أكثر شخص أنت مدين له بالاعتذار، هو ذاتك”. الذات معتادة على حمل ذنوبها وذنوب غيرها باستمرار، قد لا يتجزّأ الظلم من طبيعة الوجود البشري، كون الحياة في جوهرها مليئة بالألم والبؤس والمعاناة، وقد تكون الإرادة هي المسؤولة عن الصراع المستمرّ وعن الرغبات التي لا تنتهي على حدّ قول شوبنهاور. نحن نفهم الظلم من مطارق النقص في الاحتمال أو الخلل في الوعود والحقوق أو الوجع من الغياب، أو هدر الطاقات، وتبدأ “اللماذات” بطرح أسئلتها فتتلقّى أجوبة مبطّنة بالخذل والتعثّر والجهل والتسليم بمسلّمات واهية وبعدها يأتي سلام التعزية من خلال اختزان الصور وأرشفتها. زد على ذلك تردادات لوازم الإخفاق المحمّلة بضعف واقعنا البشري والممثّلة بصيحات المعاناة وأشواق التمنيّات، “يا لسخرية القدر“.. نعاتبه وكأنّنا نعرف معناه، و” إلى اللقاء” وكأنّنا نمتلك سرّ العودة! ……”الموت حق” وكأنّ الحياة خطيئة وظلم. “الحبّ هو أن تصبح “الأنا أنت“… وكأننا مجبورون على هذا الذوبان والتضحية “[3]…. “كل الناس تتمتّع بحقوق إلا أنا[4]“… وغيرها من الأفعال المحمّلة بالذنوب والمآسي المفروضة على الإنسان التي تجبره على الرضوخ تحت وطأتها. وفي هذا الإطار لا يمكننا الحديث عن حريّة الإنسان إلّا من داخل حكم الضرورة وطواعية العادة وألفتها.
إقرأ أيضًا: العدالة ومسار الإنصاف في التاريخ والفلسفة: التعدد الثقافي أو إعادة الحقوق الرمزية
إنّنا نحيا بالرغم من كل الأطر والطاقات اللامتناهية التي أولاها هيغل للذات، غير أنّ السؤال الذي نطرحه مع كيركيغارد كيف لهذه الذات أن تتعلم من التجربة من دون أن تحبطها معاناة التعلق والخسارة والوجع؟ وكيف بإمكانها أن لا تتدمّر وتتذمّر من هذه الآلام المضنية؟ وإلى أيّ مدى يكون الألم وسيلة تربويّة ناجعة وليس آلة عدائيّة ظالمة لنا؟
الألم لغة الوعي الوجودي
إنّ ما نستطيع قوله هو أنّ حضورنا مثقل بأناة الألم الوجودي أو بتعبير آخر الألم هو قاعدة لوجودنا، وقد نستغرب أحيانًا كيف لا نشعر به باستمرار ؟ أحيانا نكون مستحقّين لما يحدث لنا وذلك لكي نستيقظ من ثباتنا الدوغمائي وغبائنا. ولكن كيف نميّز بين الصفعة كظلم أو بين الصفعة كيقظة وعي متأخّر ؟
إذا كان غياب الوعي لا يسبّب أيّ ألم فهذا يعني أنّ الألم هو الإدراك أو وعي الحقيقة الأكثر وضوحًا في مسرى التجربة البشريّة. نحاول دائمًا أن نتفلّت منه، لكن يا للأسف نراه يحاصرنا من كلّ الجهات. في الواقع قد يبدو عند البعض أحيانًا كمحفّز على ظهور الإبداع وتجلّي الحكمة. ثمّة الكثير من الناس لا يرونه كنقمة أو كبؤس بل كنعمة وهديّة أو كمعلم للرجاء، أو كباب للمعرفة الذاتيّة وكدافع للتغيير،على سبيل المثال الألم في المفهوم المسيحي هو تطهير للذات ونموّ للروح ووعد بالخلاص، وعند ابن عربي هو المحرّر أو الفاتح لقلوبنا لا لكي يعذّبنا فحسب بل على العكس لكي يظهر المشكلة العالقة. نحن بطبيعتنا نرفض الإصغاء إلى نداء الألم مع أنّه قد يأتي ربّما لكي يهدم الأوهام أو لكي يطيح بعبادة الصنميّة التي بنينا حياتنا على أساسها، أو ربما قد يأتي ليكشف لنا أنّ الأمان الذي كنّا نعتقد أنّنا نمتلكه هو محاولة وهميّة وليس أكثر، كما أنّ القبض على معاقل الحياة هو أمر قد يبدو مستحيلًا، والصورة التي رسمناها عن أنفسنا ربما قد تكون خاطئة من الأساس. أحيانًا يكون الألم صديقا أو مرافقًا قاسيًا لمشاكلنا وسببه عائد كوننا لا نريد أن نستنير ، بل نريد فقط أن نبقى في وهم الأمان وعبوديّة السيطرة، وفي عنجهيّة الاعتقاد وغطرسته وعناده، بالرغم من أنّنا نعرف ما يحدث في حياتنا ومع ذلك نحاول أن نحاربه ونقاومه أو نحاول إسكاته، ذلك أنّنا لو استمعنا إليه سنعيد النظر في كلّ شيء ونتخلص من الاستسلام للوهم.ونستذكر في هذا الصدد ما قاله دوستويفسكي
“من أجل أن ينصّب الإنسان نفسه حاكمًا وقاضيًا، من الواجب المترتّب عليه أن يكتسب حقّ الحكم بما يقاسي من الألم”.
بإمكاننا الاعتبار أنّ بعض السقوط هو ضروري للتغيير لأنّ بعض الصفعات قد تربّي. بناء على ذلك هل يجوز الاستبداد بالحقيقة لكي يصبح الألم هدف المعنى؟ وهل بات من الأفضل أن تقتصر مهمّتنا على السماع والإنصات فقط من دون أي استنارة معرفيّة؟ لا بدّ أن ننوّه إلى القصد الذي نشتغل عليه وكأنّنا نؤيّد أو بالأحرى نستذكر ما قاله الفيلسوف الروماني إميل سيوران:
“ما هي حاجتنا إلى الفهم وإلى نار المعرفة التي حملها إلينا بروميثيوس تلك “الهدية المشؤومة التي سرقها من الآلهة، “بروميثيوس لم يهب البشر السعادة بل اللعنة وعذاب العملقة، حين أيقظهم على نور العقل، وحين فصلهم عن منابع الحياة تلك التي كانوا يستمتعون بها دون أن يهتمّوا بتلمّس أسرار أعماقها، كانوا في غنى تامّ عن الوعي ، فإذا به يرميهم ويضطرهم إليه” [5] .
من هذا المنطلق السؤال الذي سنطرحه هل يعقل أن يكون وعي الامكانات تدميرًا للحياة؟
ظلم الذات من خارج أواصر الذات المحقة
ثلاثيّة الوجود والعالم والآخر
لا يستطيع الإنسان المنضوي تحت لواء صورة الحق مجاوزة ثلاثيّة الأنا مع الوجود ومع الآخر ، قد تضطرب علاقته بها وتتزحزح كلّما توطّدت أواصر الظلم أو اهتزّ كيان العارف من جرّاء رسم سياسات تفكير مربكة وخاطئة. ممّا لا شكّ فيه أنّ كلّ إنسان هو خطّة أو مشروع عالق بين ذاكرة وأفق، أو بين واقع موروث مفارق وواقع حديث مدجّن. بعبارة أخرى الإنسان مترنّح بين أزمة الوقائع والمواقع من جهة وبين أزمة المسارات والمسايرات من جهة أخرى. وعلى ضوء ذلك تأتي مهمّة الفلسفة لكي لا تدين الماضي فقط أو تنفيه بل لكي تكشفه وتحلّل شروطه وتحرّر الإنسان من سلطته المرئيّة وغير المرئيّة. ويسعفنا في هذا الإطار قول الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر بأنّنا لسنا فقط ما نحن عليه بل نحن ما نصنع ممّا قد فُعل بنا. وطالما أنّنا المفعول به فكيف نختار واقعنا؟
قد لا نعجب من أنّ كلّ تساؤل عن الظلم هو “متعيّن”، و”سؤال ال ” كيف” لا يعفينا من سؤال “الما هو”. الإنسان هو غريب في هذا العالم، بناء على ذلك فهو مفتوح على سرابية التيه، ومن أبواب التيه يندرج باب الظلم، ومن أولى ثماره أو مفاعيل تمظهراته “المفهوم البنكي للتعليم” (la conception bancaire de l’éducation)[6] أو التلقي السلبي للمعرفة الذي يعتبر طلاب العلم كأوعية فارغة أو كقجّة النقود (tirelire) وهذه مشكلة ظالمة وخطيرة تسمح بالاستعباد والاستلاب وفي تكريس التبعية والجهل والقمع الفكريّ بدلا من تطوير مهارات التفكير الإبداعي ومنطق التفكير النقدي الحرّ. وفي هذا السياق نرى أنّ للعديد من المفكرين صولات وجولات وبخاصّة ما طرحه ” باولو فريري (Paulo Freire) عالم الاجتماع البرازيلي في كتابه (Pédagogie des opprimés) “بيداغوجيا المضطهدين أو المستضعفين” عن موضوع التعليم الذي يجب أن يكون أداة للتحرّر وليس اللحفظ. وبما أنّ كلّ ما في الوجود هو بعث دائم للوعي فلماذا يُغلق علينا باب التفكير في الأشياء التي تساعدنا على التحرّر؟
إقرأ أيضًا: أحداث فرنسا عام 1968 تُنْتِجُ البنيوية والتفكيكية
يبدو لنا أنّ في هذا العالم لم ولن يتمكّن الإنسان من بلوغ سنّ النضوج فهذا الأمر ليس واردًا أو قد يكون مغيّبًا عن معجم الطغاة. ولكن بالرغم من أنّنا نعلم أنّهم يقايضون موتنا بالمناصب ويتمتّعون بسماع المديح والتصفيق من ضحاياهم، وهذا ما أظهرته تجاربنا الذاتيّة التي أسقطوها علينا كواقعة متشابكة تتضمّن تأثرًا وتأثيرًا وتشكلًا مع التجربة الأخلاقيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة. والحال هذه ماعلينا فعله هو أن نتأمّل أنّ في عقب كل دمعة ارتقاب لمطامع الأمل وما نحن سوى نتاج تفاعلي معقّد بين كلّ الأحداث التاريخيّة وكلّ التحوّلات الثقافيّة والتغيّرات الاجتماعيّة.
تمظهرات الظلم واللحاق بالممكنات
المعرفة هي مجموعة من المعارف، والوجود هو مجموعة من الوجودات الصغيرة، والعمل عدّة أعمال، ولكلّ صنف منها ميزاته وخصائصه. في هذا الإطار لا بدّ لنا من السعي إلى الوضوح الموضوعي في شأن كل صنف وكل مبدأ. نقول مع عبد الرحمن الكواكبي لكي تميّز الانسان الحرّ من العبد لا تنظر إلى قيوده بل إلى ما يمجّد. والحقيقة كحقيقة ما هو كائن هي شأن عصيّ على الاستهوان وهي تجد في الديمقراطيّة مجالًا واسعًا لانتشارها وتأثيرها. وإذا كان العقل هو الانزياح من المعنى العياني إلى المعنى النظري، فالسؤال الذي لا يمكن تجاهله هو السؤال عن معنى الفكر في كافة أوجه اشتغاله وتحديدًا في علاقة الإنسان بالحقيقة. لذا، فبين الحقوق والحدود والتفكير في حرية التفكير، نلاحظ أنّ الحرّ يمجّد الفكرة والعبد يمجّد الشخص. لعلّ الفهم الخاطئ لمقولة البقاء للأقوى أو للأصلح هي من أولى المعضلات أو المعاناة التي انزلق فيها تاريخ الإنسانيّة وما زال وسيبقى. وبالنظر إلى هذا الوضع، إلى أيّ مدى يمكن للحياة أن تحافظ على معنى العالم الذي تسكنه ما دام الظلم قد غيّر من حقيقته؟
إذا حلّلنا الانسان بشكل دقيق فهذا يعني أنّه ينمو مع الصداقة المحصّنة لأن الاثنين لديهما قواسم مشتركة[7] ولكن في ظلّ قاعدة الظلم كيف نحدّد مفهوم الخير والشرّ وكيف نفهمهما؟ إزاء الواقع الذي نعيشه قد نفهمهما كما صوّر نيتشه الحقيقة على اعتبار أنّها ليست نقيضًا للخطأ فقط بل هي في كثير من الأحيان طريقة وضع الأخطاء في علاقة مع بعضها البعض. وهكذا ففي قاموس الظلم يصبح الشر هو الخير الذي ينغلّ في تكوين المظاهر الوجوديّة من خلال العلاقات التشاركية. فيتمّ خنق عقول الناس وسجنها داخل نوايا وعود لا تتحقّق وخيبات الأمل لا خلاص منها . من البديهيّ القول أنّ بنية مجتمعاتنا تفرض تفاوتًا في المواقع، كما أنّ ديمقراطية الآراء تستلزم براغماتية في المعالجة[8] .. هناك هوامش نمرّ فيها وبها من دون علم منّا، ذلك أنّ ذاكرة الظلم تكتبها الجروح النازفة التي تصبح خدوشًا ونحن نرسم زمن الأشياء الذي مرّ فوقها. وإزاء هذا الوضع قد يخيّل إليه اعتبارالظلم وكأنّه شيء خارج عن الإنسان، متغافلا عن أنّ الذات تحمل الظلم في ذاكرتها وذكرياتها التي لا تموت. قد نشهد على الكثير من العناوين الناظمة والفاعلة والموقّعة على ظلم الإنسان منها:
معاينة الاحترابيّة المنسلّة في كلّ مكان لأنّ الناس مفطورة على الحرب (polemos) أو الاحتراب ، لعلّ تماهي الحرب مع مقوّماتها ومكوّناتها ، يدفعني إلى الاعتراف بأنّ السلام بين البشر هو ربما صدفة يجري تجديدها من وقت إلى آخر. أمّا الحرب فهي البداية والنهاية… والأصل بالتمام والكمال. قد يُخال للمرء أنّ الحرب هي إمكان ميتافيزيقي أو واقعة ميتافيزيقيّة تتخلل يوميّاتنا بعين تلحظ كلّ التفاصيل وبمزاج يحدّد على هواه موعد الانقضاض الآتي. قد تكون الحرب ربما حاجة بشريّة كالمأكل والمشرب وتنفّس الهواء، ولعلها الأثر الأقصى لوجود هذه الجماعات البشريّة أو تلك في هذا العالم. وبعد ذلك يمكننا القول أنّ الحرب لم تعد تطفلاً على الإطلاق بل أضحت واجبًا أو مبدأ ضرورة، إضافة إلى ذلك ثمّة عناوين أخرى أيضًا تشير إلى الظلم ومنها على سبيل المثال:
طبعًا اللاعدالة كتصوير للشرّ مع إضافة عناصر الكذب إليها، العبادة لمشاعر الصدمة، التدثّر بمظاهر الجمال والتوجّس بها، الوعد الذي تحوّل إلى استراتيجيّة للانتظار الفارغ، والأمل الذي أصبح شكلا من أشكال الخضوع، عدم وجود الفرص الواعدة، صورة اختفاء العالم وراء السطوح، الرغبة المهلكة، النوستالجيا الحارقة، التكيّف بشروط الخضوع والخنوع، البحث عن السعادة واعتبارها شيئًا خارجًا عن الإنسان وهي بالأساس غير موجودة، الألم الناجم عن فوات الأوان وما يتبعه من تغير في المفاهيم وتغيّر في الأماني، وجع الملكيّة والتملّك، القوى الناعمة المتخفيّة في صور العنف والاحتيال وتأثيرها على إرادة الآخرين وطبائعهم وأفكارهم[9].”الالتباسات والتعقيدات المحيطة بمسألة المبادئ كمسوّغات عقليّة ونقديّة. وهذا يضعنا أمام أصناف متعدّدة من المبادئ الملتوية، تبعًا لتعدّد الظواهر الحاملة لها والمحمولة بها ، ووفقًا لما لدينا من قوّة الإدراك وخصائص الموضوع. لا نعلم إذا تشاركنا الحدث الاجتماعي وإذا سلّمنا الذات لروح الحشد أو إذا انخرطنا في قلب الجماعة من خلال تذويب الذات داخل الكتلة الجماعيّة، قد نزيد من مشاعر الاضطراب والقلق أو نخفّفها ، الأمر الوحيد الذي يظهر إلى حدّ الآن ولا نستبشر فيه خيرًا أنّ حياتنا تعاني من إفراط في مشاعر الصدمات المرتدّة ونقص في مشاعر الاتّزان والتأمّل.
إقرأ أيضًا: التسامح بين ممكنات الواقع وفلسفة الاختلاف
الخاتمة
إنّ القواعد التي يتناولها التفكير الفلسفيّ تصبّ في مبادئ الوجود ومبادئ المعرفة ومبادئ الفعل، وضمن هذا الإطار يكون طرح الأسئلة بمثابة عتبات لأسئلة جديدة، وعتابات على الأجوبة المخفقة، ولهذا السبب يبقى السؤال أهمّ من الجواب ويجب الاقتناع بهذه المسألة حتى نفهم أنّ الأسئلة عن كيفيّة التدبيرات العقلانيّة الراجحة لا تكتفي بأجوبة مجهّزة أو بأنماط فكريّة معلّبة.
لكن بالرغم من كلّ المحاولات التي تتناول الحلّ لمسألة الظلم يتبيّن لنا أنّه أصبح عادة عند المحكوم وقانونًا عند الحاكم . ووفقًا لذلك تصبح الإنسانيّة من أولى ضحايا هذا الظلم، وعلى ضوء ذلك ما من داع للتحليل والكلام عند موتها، بتنا نشعر أنّنا لا نعيش لعيش هنيء مقيم أو لرغد يستعاد بل لرغد نبكيه. ووفقًا لثقافة المشاعر وضمور الحكم العقلي النقدي يختارون لنا دائما أن نكون في المنتصف الليلي المميت حيث لا نقترب ولا نبتعد، ولا نستطيع أن ننسى كما أنّنا لا نستطيع أن نتجاوز.. يمنحونا هويّة انتماء وائتمان، وما هذه الهويّة سوى الدمج الهجين الذي يتغيّر بزمن الاجتماع وحكم السياسة وصير التاريخ وتقلّباته. وهذا ما يزيد من التسفيه لصورة المظلوم الضعيف والمدح لصورة الظالم الاستفزازيّة (figure provocatrice de l’Injuste).لقد اعتدنا على الضربات المذلّة وعلى تعويل ظاهرة الخمول الذهني والتشحيب العقلي. ما يعذّبنا في هذه الحياة هو حبّنا لها الثاوي في الشوق الذي لا يرتوي وفي الحنين الذي لا ينتهي. وقد يكون من أضمن السبل لتأمين طريقة عيش أفضل في حياتنا ولكي لا نحمل ضريبة الالتزام هو التفلت من وعود البقاء، ومن هشاشة التوقّعات السطحيّة والأفكار المنمّقة. وإذا كان الأمان هو أعلى مكانة من الحبّ فعلينا ألّا نقترب بهوس من الأشياء حين نندهش بها أو حين تبهرنا بل حين نطمئن إليها فقط.
كلنا يعلم أنّ النقد هو صفة ملازمة للعقلانيّة الفلسفيّة سواء أكان موضوعها المعرفة أو أحد أنماط إنتاجها. لعلّ في هذه العمليّة النقديّة المشروطة بالتفكير الفلسفي يصبح هناك تجاوزًا للدوغمائيّة والتعسّفيّة. بالرغم من أنّ وضعيّة الفضاءات المعرفيّة التي تتناول موضوع الظلم تبقى دائمًا مفتوحة على حلّ دواله المعطّلة، يبقى حضور الظلم مخيّمًا، حتى ولو حاولنا التغلّب عليه أحيانًا إلا أنّه يبقى مسبوقًا دائمًا بفعل الإرجاء أو التأجيل، تمامًا كفعل الموت المرجأ أيضًا.
____________________________________
الهوامش والمراجع:
[1] أودّ الإشارة في هذا الصدد أنّني لا أريد الشرح عن معنى الطاغي والطغيان بالمعنى المتعارف عليه أي غياب العدالة وتوريطنا في المآزق . ذلك أنّ الوقوع في الورطة هو أشدّ إيلامًا من الظلم . الورطة تبقى دائمًا مديونة ويتجدذ دينها باستمرار، تشهد على ويلات ظلمها في كافة أطوار حياتها. سداد ديونها لا ينتهي، تظلّ نيرانها مستعرة كمحرقة دائمًا وأبدًا في قلب الطاغي وهذا عقابه ومنفاه. .
[2] Céline Spector, Éloges de l’injustice. Philosophie face à la déraison, Paris, Seuil, 2016, p.227.
[3] L’amour aime jusqu’à en mourir, usque ad mortem, et la mort est donc son ultime et seule limite”. Voir: Jankélévitch, Le paradoxe de la morale, Seuil, 1981, p. 64.
[4] “Tout le monde a des droits sauf moi” . Voir: Daniel Moreau, La question du rapport à autrui dans la philosophie de Jankélévitch, Les presses de l’Université Laval, 2009, p.168.
[5] إميل سيوران،، تاريخ ويوتوبيا، ترجمة آدم فتحي، منشورات الجمل،بيروت،2010،ص. 145.
[6] هذا المفهوم للتعليم البنكي هو مصطلح صاغه الفيلسوف البرازيلي باولو فريري (1997-1921) لينتقد فيه طريقة استعماريّة التعليم التي تتمحور حول المعلم الذي يعتبر المدبّر والمرجع الأساسي.في تسيير عملية المعرفة المرتكزة على ميكانيكية الحفظ والتلقين السلبي…..
[7] Aristote, Éthique à Nicomaque, VIII, 11.
[8] ناصيف نصار، التنبيهات والحقيقة، مقالات إضافية حول الفلسفة والديمقراطية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ، 2019 ص45 .
[9] Schopenhauer, Le monde comme volonté et comme représentation, 1819,t. A. Burdeau, PUF, Quadiige, 2003, pp. 424-426.