بين مثالية الحق الإنساني وواقع الإذلال والإقصاء!

 تكوين

  في زمنٍ مأزومٍ منغلقٍ على تراكماتٍ من التصلّب الذهني والسلوكي شبه المَرَضي، وعلى تاريخٍ طويلٍ من الاستغلال القصدي لبعض الفئات المجتمعية والحفر في محاولات تهميشها، نجدنا نستحضر “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان“، الوثيقة التاريخية التي صاغها ممثّلون من مختلف الخلفيات الثقافية والقانونية والدينية في العالم، رامين إلى أنْ تشملَ الشعوب والأمم كافة، لكأننا في حاجةٍ ماسّة –ونحن كذلك– إلى العودة ثمانيةً وسبعين عامًا نحو تلك المحطّة التي أُريد منها حماية الحقّ الإنساني الذي يَغرق اليوم للأسف في مستنقعات اللا إنسانية. فهل يُمكن راهنًا أنْ نعودَ إلى ذلك الإعلان، مع استباحة حقوق الأفراد والجماعات الذين يواجهون تهميشًا وإذلالًا ممَنهجَيْن بفرض عقودٍ من الدكتاتوريات البائدة عليهم، ومع ما لذلك من انعكاساتٍ خطيرةٍ على المستوى النفسي قد تمتدُّ إلى أجيال، حتى بعد سقوط تلك الأنظمة البربرية عبر الثورات والانتفاضات، أو عبر استفاقة العقل السياسي العالمي على وجوب التغيير؟ هل تتموضع عودتنا تلك ضمن إطارٍ منغلقٍ على مثالية ٍأو طوبيةٍ قد تفتقر إلى مرتكزات الواقع المعاش؟ وهل نُصدَم فعلًا إذا ما قارنّا بين بنود الإعلان وبين الانتهاكات الصارخة للإنسان في غالبية دول العالم؟!

أولًا: نشأة “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”

  أنشأت منظّمة الأمم المتّحدة العام 1946 لجنةً خاصة تألّفت من ثمانية عشر عضوًا أوكلتها مهمّة وضع “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”. وكان من أبرز الأعضاء: السياسية الأميركية روزفلت Eleanor Roosvelt (1884-1962)، وكانت السيّدة الأولى في الولايات المتّحدة الأميركية بين العامَين 1933 و 1945، والمحامي والدبلوماسي الكندي همفري John Thomas Peters Humphrey (1905-1995)، والفيلسوف الفرنسي ماريتان Jacques Maritain (1882-1973)، والدبلوماسي الفرنسي كاسان René Cassin (1887-1976)، والفيلسوف والأكاديمي والدبلوماسي الصيني تشانغ Peng Chun Chang (1892-1957)، والمفكّر والفيلسوف والسياسي اللبناني شارل مالك (1906-1987)، إضافةً إلى عددٍ آخرَ من الحقوقيين والدبلوماسيين.

أُطلق الإعلان في العاشر من كانون الأول 1948 في قصر شايو Palais de Chaillot، وهو نصٌّ تأسيسيٌّ للأمم المتّحدة أُعلن في باريس إثر الفظائع التي تسبّبت بها الحرب العالمية الثانية، والتي كانت طعنةً مدوّية للعدالة والضمير. وعلى رغم أنه كان بدايةً غير ملزم، إلّا أنه أصبح في الواقع ومع مرور الزمن المعيار العالمي لحقوق الإنسان. فقد اعتمدته دولٌ عِدّة في ديباجة دساتيرها، واعتبرته أخرى مرجعًا أساسًا لمنظومتها الحقوقية، وكان من الوثائق التاريخية التي توّجت بدايات الحركات المنادية بالحقّ الإنساني في العالم.

ثانيًا: الدور الريادي لفيلسوفٍ رؤيوي: شارل مالك

  من بلدةٍ لبنانيةٍ شمالية (بطرام – الكورة)، من عائلةٍ أرثوذكسية، من مقاعد الدراسة في طرابلس إلى التخصّص في الفيزياء والرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، إلى جامعة هارفرد لدراسة الفلسفة تحت إِشراف فيلسوف الواقعية المحدثة الانكليزي وايتهيد Alfred North Whitehead (1861-1947)، إلى ألمانيا حيث درس في فرايبورغ، رأى في علم الرياضيات بنواميسه وقوانينه يقينًا لا يداخله ريب، وعُرف بالمتمرّس في السياسة والدبلوماسية بالحكمة التي بناها وتبنّاها عن طريق وصله الدين بالفلسفة، وتماهي البعد العقلاني والعمق الإيماني في تفكّره العلمي-الفلسفي

كان شارل مالك إستثنائيًا في رفعه سيف الكلمة للدفاع عن الإنسان في كلّ بقاع العالم وفي لبنان، وكان “العقلُ الفاعل” “للجبهة اللبنانية” في الحرب اللبنانية (التي ضمّته إلى كلّ من الرئيس اللبناني كميل شمعون، والشيخ بيار الجميّل، والدكتور فؤاد افرام البستاني، وإدوار حنين، والشاعر الكبير سعيد عقل، والمؤرّخ الدكتور جواد بولس، والأباتي شربل قسّيس وسواهم،)، وكان المحاوِرُ والناقد والمحاضر عن وجوب حماية الحريات.

كذلك كان العربيَّ الوحيد في لجنة وضع “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، وقد أيقن ألا خروج للإنسان العربي من شرنقة جموديته المتوارَثَة إلّا بالانخراط في الثورات الفكرية والعلمية السائرة بالعالم نحو صيرورةٍ تطوريةٍ تقتحم الحدود وتخترق المفاعيل السلبية للثبوتية الذهنية.

من هذا المنطلق، آثر أنْ يجمعَ، في رؤيته الفلسفية-السياسية، بين قيم الإنسان والمرتكزات الإتيقية والتطلّعات الميتافيزيقية، محاولًا إدخال فلسفة هايدغر Martin Heidegger (1889-1976) عن الكينونة والزمن، بسلاسةٍ وعمقٍ معًا، في دفاعه الايماني-العقلاني عن المبادئ العالمية، وفي رفضه كلَّ إيديولوجيا شمولية تتسبّب بالابتعاد عن فلسفة الوجود الحقيقية المرتكزة على مقاربةٍ إنسانيةٍ بحتة لأزمات الهُوية والمصير. وأتت مؤلّفاته مزيجًا من تطلّعاته الفلسفية وإتقانه دورَ السياسيّ الرامي إلى إدراك حقيقة الذات على الطريقة السقراطية. فكان له “الحربُ والسلام” العام 1950، “مشكلةُ التعايش” العام 1955، “المسيحُ والأزمة” العام 1966، “معجزةُ الوجود” العام 1974، “إسرائيل، أميركا، والعرب: تنبّؤات من نصف قرن” العام 2002، وغيرها من المؤلّفات.

ثالثًا: من بنود الإعلان إلى ظلامية الواقع الراهن، برتران بادي و “زمن المذلولين”

  ثلاثون مادة تحمل مفرداتٍ تخاطب العقل والوجدان وتروم حماية الفرد رُوحًا وجسدا بعد مقتل ملايين الأبرياء، وتحتضن رقيًّا ونُبلًا معطوفَيْن على دقةٍ في التعابير والمعاني، الناس متساوون في الكرامة والحقوق، لا تمييز بسبب: العنصر، أو اللون، او الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي وغير السياسي، نعم للأمان، نعم للحريات والقانون وإرادات الشعوب، لا للاسترقاق والتعذيب والاعتقالات التعسّفية، نعم للحياة كما ينبغي أن تكون! لا للموت المفروض جورًا على الإنسان!

لا شكّ في أنّ هذا الإعلانَ مَثَّلَ نقطةَ الانطلاق نحو الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان، التي شهدت تقدّمًا ملحوظًا عن طريق تطوير الاتفاقيات الدولية وفتح مساحة عامة عالمية، وإتاحة دورٍ محوريٍّ للمنظّمات غير الحكومية.

ويقترحُ بعضُ المفكّرين والباحثين اليوم، ومن بينهم عالِم السياسة الفرنسي ذو الأصول الايرانية والمتخصّص في العلاقات الدولية بادي Bertrand Badie (1950- ) أنْ تُعادَ صياغة إعلان عالمي جديد يكون نتاجَ توافقٍ في الآراء بين الدول ال 193 الممثَّلة حاليًا في الأمم المتّحدة، ويؤدّي إلى تبدّلٍ جذريٍّ في خطاب الدول الأكثر قوةً تجاه الأكثر ضعفًا. كيف ذلك؟

متأثّرًا بمنهج الفيلسوف وعالِم الاجتماع الفرنسي دوركهايم Emile Durkheim (1858-1917) في التنشئة الاجتماعية –الذي يطبّقه على العلاقات الدولية– والذي يرى أنّ المجتمعَ يجذب أفرادًا عليهم التكيّف مع معاييره عبر عملية “تطبيعٍ اجتماعيٍّ” إلزامية، وعبر القناعة بأنّ الفردَ امتدادٌ للمجتمع، ما يستوجب “قيام سلطةٍ أخلاقيةٍ “1 لضبط السلوك الدولي مماثلة لسلطة الدولة في ضبطها المجتمع المحلي، فتتقلّص بذلك المظاهر المَرَضية التي تطبع النظام الدولي في غياب معايير دولية مشتركة، يدعو بادي إلى اعتماد نهجٍ مثاليٍّ يدمج المصالح الجماعية ويراعي الاختلافات بين الفاعلين، والسعي في إنجاح هذا النهج باتّباع عددٍ من التغيّرات المجتمعية: إعادة بناء النظام العالمي، تحدّي المعايير القائمة التي لا تلحظ المهمّشين ولا تنتشلهم من تهميشهم، احتضان الاختلاف في سياق الغيرية، والابتعاد عن الدبلوماسية التواطئية، التفكير إذًا في نظامٍ دوليٍّ أكثر انفتاحًا على قيم التعدّدية.

إلى ذلك، تأثّر بادي بالكاتب والباحث الفرنسي برنانوس Georges Bernanos (1888-1948) في مؤلّفه “الأطفال المذلولون” (Les enfants humiliés)، إذ يُظهر مصيرُ الأطفال انتصارَ الشرّ على الخير، والشيطان على إله المحبة، وكذلك بالكاتب وعالِم الجغرافيا السياسية الفرنسي مويسي Dominique Moïsi (1946- ) في مؤلّفه “جيوبوليتيكا العواطف” (Géopolitique des émotions) الذي يميّز بين ثقافات الخوف السائدة في الغرب، وثقافات الأمل في آسيا، وثقافات الإذلال في العالم العربي والإسلامي، ثمّ يتخيّل كيف سيكون العالم عام 2025 لو عُبِّرَ عن هذه المشاعر، ويربط ذلك بالأحداث الجارية.

فأطلق بادي كتابه: “زمن المذلولين – باثولوجيا العلاقات الدولية” (Le temps des humiliés. Pathologie des relations internationales) عام 2015، طارحًا فيه مفهوم “الإذلال” (L’humiliation) المتغلغل للأسف في صلب العلاقات الدولية، إذ يجري التقليل من شأن بعض الدول ووضعها تحت الوصاية، وإبعادها عن هيئات صُنع القرار، إضافةً إلى العمل على تشويه سمعة قادتها. وكان قد تناول هذه الفكرة في مؤلَّفٍ سابقٍ تحت عنوان: “دبلوماسية التواطؤ” (La Diplomatie de connivence) عام 2011، الذي بيّن فيه كيف نشأت “دبلوماسية النوادي” التي تجمع نخبةً مختارةً تستبعد عامّة المواطنين.

وتتبّع أصولَ هذا الإذلال الدراماتيكي وبداياته، بالاستناد إلى التاريخ وإلى علم الاجتماع السياسي، فوجده في الفتوحات الغربية في القرن التاسع عشر، وفي تصاعد النزعة الانتقامية في فترة ما بين الحربَيْن العالميّتَيْن، وكذلك في سوء إدارة عملية إنهاء الاستعمار.

وفي مقابلةٍ له بشأن كتابه، طُرح عليه السؤال الآتي: أنت ترى أنّ الإذلال أصبح سمةً من سمات العلاقات الدولية. ماذا تقصد بذلك؟ فأجاب: “الإذلال دون شكٍ، هو سمةٌ إنسانيةٌ شائعة وحاضرة في كلّ مكان. في هذا الكتاب، أردت أنْ أتعمّقَ أكثر في المسألة: فبسبب الوجود المتزايد للمجتمعات على الساحة الدولية، وبسبب العولمة، إضافةً إلى التفاوتات والتعددية الثقافية التي تميّز عالمًا إعتاد على قدْرٍ أكبر من التجانس، أصبح الإذلال أشبهَ بسمةٍ هيكليةٍ لنظامنا الدولي، وعاملًا مؤثّرًا في الدبلوماسية والسياسة الخارجية، ومصدرًا حاسمًا للصراعات الجديدة،.”2 فالغرب الذي كان يتفرّدُ في إدارة الشؤون الدولية، لا يعرف اليوم كيف يشارك في إدارة عولمةٍ لم تَعُدْ مقتصرةً على أوروبا والشمال، بل تقوم على ضرورة الشمول واحترام التنوّع. فلم يَعُدْ النهجُ الواقعي كافيًا لتفسير الأزمات العالمية ومحاولة إيجاد حلولٍ لها، بل هي المشاعرُ التي تحتلّ المكانة التي تستحقّها في هذا المجال.

وقد أدّى إنعامه النظر في الصورة العالمية القاتمة إلى الاستنتاج بأنّ عند الفرد ميلًا “إلى التقليل من شأن الآخر إرضاءً لذاته، وبهدف السيطرة وخدمة غروره، وربما حتى لإشباع انحرافه.”3 وكأنّ تاريخ العلاقات الدولية يشهد، كما اعتبر على استمرار ما سمّاه “المقولة القاتلة”4 التي لا تكفُّ عن محاولات إثبات الاختلاف بين الأنا والآخر. وقد استشهد، في كتابه، بعالِم الاجتماع والسياسة الأميركي تيلي Charles Tilly (1929-2008) الذي تحدّث “عن العلاقة الوثيقة بين تعبيريّ “بناء الدولة” و “شنّ الحرب”5، وأيضًا بالفيلسوف الألماني شميت Carl Schmitt (1888-1985) الذي رأى أنّ الإنسانَ، بوصفه خاطئًا، يُمكنه “أنْ يميلَ في أيّة لحظة إلى موقف الاستعداء.”6

وإذ تطرّق في عرض نظريته، لأمثلةٍ من التاريخ ومن الحاضر، ومن دول العالم كافة، فقد خلُص إلى تحديد أربعة نماذج للإذلال في العلاقات الدولية:

  • “الإذلال بواسطة الانتقاص L’humiliation par rabaissement
  • الإذلال بواسطة إنكار المساواة L’humiliation par déni d’égalité
  • الإذلال بواسطة الإقصاء L’humiliation par relégation
  • الإذلال بواسطة الوصم L’humiliation par stigmatisation “7

وجزم بأنّ هذا الانتشارَ الواسع للإذلال في النظام الدولي مردّه إلى ثلاثة عوامل رئيسة:

  • اللا مساواة التأسيسية l’inégalité constitutive المُنعقدة على ماضٍ استعماري، فقد انبثق النظام الدولي من تفكّك النظام الاستعماري في عمليةٍ غيرِ منضبطة وجائرة شملت أكثر من ثلثيّ الدول الحالية.
  • اللا مساواة المهيكلة l’inégalité structurante إذ لا فُرص متساوية للمشاركة في القرار الدولي ولا للحصول على الموارد.
  • اللا مساواة الوظيفية l’inégalité fonctionnelle فيها يُهيمن النظام الأوليغارشي البائد والاقصائي.”8

انطلاقًا من هذه التحديدات، نجح بادي في إخراج “الإذلال” من عده محض شعورٍ إلى توصيفه باثولوجيا اجتماعية تضرب جذورها في عمق بناء النظام الدولي، وتمكّن من الخروج من تقليدية النظرة إلى الواقع السياسي، نحو التركيز على العواملِ النفسية والسوسيولوجية للجماعات المهمّشة، والتي يدفعها الإمعان في إذلالها إلى ردَّات فعلٍ عنفيةٍ وسلوكياتٍ شديدة التوتّر والحساسيّة. وكان هدفُه، عن طريق كلِّ ما عرضه من أمثلةٍ توثّق واقع الإذلال المُعاش، أنْ يقدّمَ تشخيصًا نقديًا جدّيًا للنظام الحالي للعلاقات الدولية، بهدف تقييم أُسس تلك العلاقات تفاديًا لتداعيات الذاكرة الجماعية المكوّنة من تراكمات الاحتقان السياسي والاجتماعي.

رابعًا: حقوق الإنسان وانهيار الدكتاتوريات

  أمام المشهدية العالمية المترنّحة في ظلّ انطلاق حروبٍ تتخلّلها إجازات استراحة موسومة بالقلق على مصائر الشعوب، لا بدّ من الاشارة إلى أنّ الإذلالَ الأقسى والأقصى هو ذاك الذي تمارسه الدول في حقّ شعوبها. فتتقوقع جماعاتٌ على ذواتها ضامرةً غير ما تُعلن، رافضةً الرضوخ لعوارض العجز والضعف والخوف، ومنتظرةً الظرف السياسي الملائم لتنفض عنها حجاب التخفّي ولتنطلق إلى الحرية. فتكون ممارساتُ “الانتقاص واللا مساواة والاقصاء والوصم” التي حدّدها بادي في إطار العلاقات الدولية، أكثر إيلامًا حين تقمع الأنظمة التوتاليتارية مواطنيها وتستبدّ بهم طمعًا باستمرارية كِياناتها التسلّطية.

ولنا في منطقتنا العربية وغير العربية أكثر من مثالٍ على ما نقول، فتتحرّك القوى الدولية والاقليمية للإبقاء على نظامٍ همجيٍّ أو للتخلّي عنه تبعًا لمصالحها.

  لكنْ، بما أنّ التاريخَ لا يعود حتمًا إلى الوراء، فإنّ استشعارَ نهايات البربرية يؤذن بانطلاق فلسفة التحرّر من ربقة الرضوخ والعبودية.

صحيحٌ أنّ انهيارَ الأنظمة الدكتاتورية إلى الآن، في عديدٍ من البلدان في العالم، “لم يؤدِّ إلى القضاء على جميع المشكلات مثل: الفقر والجريمة والبيروقراطية المعقّدة وتدمير البيئة، والتي غالبًا ما تكون إرثًا للأنظمة القمعية، إلاّ أنه خفّف على الأقل معاناةَ ضحايا القمع، ومهَّدَ الطريق لإعادة بناء هذه المجتمعات على أسسٍ ديمقراطيةٍ سياسية أكبر وحريةٍ شخصيةٍ أوسع وعدالةٍ اجتماعيةٍ أسمى”9 على حدّ قول عالِم السياسة الأميركي شارب Gene Sharp (1928-2018) في كتابه “من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، الإطار المفهومي للتحرّر.” (De la dictature à la démocratie, un cadre conceptual pour la libération). لكنّ التجذّرَ العميق لمشكلة الدكتاتوريات التي استمرّت عقودًا يُعيق حكمًا الانتقال السريع والسليم إلى الديمقراطية، لأنه غالبًا ما يحوّل الشعب إلى “كتلةٍ من الأفراد المعزولين غير القادرين على العمل معًا من أجل تطوير الحريات وبناء الثقة المتبادَلَة.”10 لذا ينبغي تفعيل العمل من الداخل لقلب الطاولة وإخراج الشعوب المضطَهَدة من كبوتها. فإن لم يتحوّل الشعبُ إلى قوةٍ راسخةٍ وواثقة تمتلك إستراتيجيةً ذكيةً وأفعالًا منضبطة وشجاعة في آن، وإن لم تُدعم المؤسّساتُ المدنية لتتمكّن من بِناء مجتمعٍ مستقلٍّ خارجٍ عن سيطرة الدكتاتوريين، فلا يمكن للديمقراطيين النجاح في خططهم المستقبلية.

“إنّ خُطط إقامة حكومة ديمقراطية دستورية تضمن الحريات الفردية والسياسية الكاملة ضرورية.”11 ويجب ألا تضيع التغييرات التي تحقّقت بجُهودٍ ومثابرة بسبب غياب التخطيط، علمًا أنّ سقوطَ نظامٍ استبدادي لا يؤدّي فورًا إلى ظهور مجتمعٍ يتّسم بالمثالية. فسقوطه هو نقطةُ انطلاقٍ وشرطٌ لتعميق الاتّجاه نحو الحرية، إلاّ أنّ جهودًا طويلة المدى واجبة الحصول لإنجاح العملية الانتقالية وإرساء الحالة الديمقراطية، ولا سيّما عبر الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، “فصلًا مرِنًا” بحسب ما دعا إليه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو Charles Louis de Montesquieu (1689-1755) في كتابه “رُوح الشرائع” (De l’esprit des lois) العام 1748، وذلك تفاديًا للوقوع في الاستبداد، وتأكيدًا لصون الحقوق والحريات.

ربّما “لم يفتْ الأوان بعد لنستردّ حرّيتنا” كما يقول الفيلسوف والباحث الفرنسي أونفراي Michel Onfray (1959- ). فهو لمس وهنَ الديمقراطية الحالية وازدواجية خطابها، إضافةً إلى خضوع النُخب فيها للواقع التكنوقراطي، وهي أجواء ملائمة لاستفحال الدكتاتوريات الحديثة التي وصّفها في كتابه “نظرية الدكتاتورية” (Théorie de la dictature) “بالبِنية الخبيثة” التي تُمعن في “القضاء على الحرية، وإفقار اللغة، وشطب الحقيقة، وقمع التاريخ، وإنكار الطبيعة، وبثّ الكراهية، والتطلّع إلى الامبراطورية.”12 وفي رأيه أنّ أنظمةَ القرن العشرين الاستبدادية أسهمت في ظهور تصنيفٍ جديدٍ للدكتاتورية، “حتّى وإنْ كان جنكيز خان في الصين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وتيمورلنك في أوزبكستان وكازاخستان في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، أو حتّى كرومويل في إنكلترا في القرن السابع عشر، يشهدون على وجود الدكتاتورية في كلّ العصور وفي جميع القارّات.”13

متحصّنًا بنظرياته المبِنية على ما لديه من توجّهاتٍ فكريةٍ مادية متأثّرة خصوصًا بالأبيقورية وبالنيتشوية، رمى أونفراي، إلى جانب الدفاع عن هذه التوجّهات، أولًا إلى محاولة تبيان طبيعة “الدكتاتورية الناعمة” الحالية والتي تتخفّى خلف شعارات الديمقراطية، وتاليًا إلى توصيف عصرنا الراهن “بعصر الكراهية” حيث يخفت التسامح وتبطل النقاشات والحوارات الهادفة. ولا شكّ في أنّ الكراهيةَ الفاقعة، مضافةً إلى الاستبداد المقنّع، هما العدوّان اللدودان اللذان يكونان أرضًا خصبةً لعمليات القمع المتواصل للشعوب، وانتهاك أمنها وأمانها، وتغييب حقوقها المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. فلا يمكن التحدّثُ عن حقوق الإنسان إلاّ في حال إسقاط الدكتاتورية والعمل على التخفيف التدريجي من مفاعيلها السلبية على المواطنين. وهذا ما يتطلّب في كثيرٍ من الأحيان أمرَين أساسيين: المدى الزمني الذي يختلف بين تجرِبة وأخرى، وتقصُّد أنْ يكونَ النظام البديل تحقيقًا لانتفاضةٍ موجّهةٍ عقلانيًا في وجه أيّ مساسٍ بالحقّ الإنساني.

خاتمة

  مع تبدّل الأهداف والأولويات والتوازنات الدولية اليوم، ومع التطورات الدراماتيكية التي تطال العالم بأسره، وبخاصةٍ منطقة الشرق الأوسط الغارقة دومًا في معاناة الصراعات والحروب المدمّرة، والتوّاقة إلى شيءٍ من السلام “المفقود أبدًا”، تتحوّل “حقوق الإنسان” إلى نوعٍ من الأيديولوجيا الجامدة في التاريخ وفي الجغرافيا، محاولةً التصدّي للبقاء، فيما تتمّ إعادة هندسةٍ جديدةٍ للعالم.

“نعم” قوية لسقوط الأنظمة الهمجية التي تُمعن في اغتيال الإنسانية معتبرةً ذلك إنجازًا في سياساتها!

و “نعم” أكثر قوةً لجعل “الحقّ الإنساني” أمثولةً حضاريةً للأجيال الآتية، تلك الأجيال التي تحمل للأسف، في وعيها وفي لا وعيها، سَيْلًا من المآسي غير القابلة لا للنسيان ولا للمغفرةّ!

و “لا” لأن تتسلّل الدكتاتورية من جديد، تحت مسمّيات أخرى، إلى أنظمة الحكم المنتظرة، ليكون ما تتمنّاه الأجيال المستقبلية: مجتمعاتٌ مدنيةٌ متحرّرةٌ من لوثة الإخضاع وندم الخضوع، ومنعقدة على شرعةٍ لا مشروطة لحقوق الإنسان!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1] – Emile Durkheim, Sociologie et philosophie, Librairie Félix Alcan, Paris, 2004, p. 53.

[2] – “Le Temps des humiliés”. Questions à Bertrand Badie, Iris – Institut de relations internationales et stratégiques, www. Isis-France.org.

[3] – Bertrand Badie, Le Temps des humiliés, Pathologie des relations internationals, Ed. Odile Jacob, Paris, 2019, p. 22.

[4] – Ibid, p. 41.

[5] – Ibid, p. 43.

[6] – Ibid, p. 45.

[7] – Ibid, p. 73.

[8] – Ibid. p. 93-94.

[9] – Gene Sharp, De la dictature à la démocratie, un cadre conceptuel pour la libération, traduit par Dora Atger, Institution Albert Einstein, Ed. L’Harmattan, 2009, p. 22.

[10] – Ibid, p. 24.

[11] – Ibid, p. 107.

[12] – Michel Onfray, Théorie de la dictature, Ed. Robert Laffont, S.A.S., Paris, 2019, p.4.

[13] – Ibid, p. 3.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete