مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط إشكالية الدين والسياسة في المؤسسات الدينية المسيحية

 تكوين

 المقدمة

تُعدّ العلاقة بين الدين والسياسة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في دراسة مسارات المؤسسات الدينية وتحولاتها التاريخية، ولا سيما في السياق المسيحي الحديث، فقد برزت مؤسساتٌ عابرة للحدود مثل مجلس الكنائس العالمي بوصفها فاعلًا دينيًا يتجاوز الإطار المحلي الضيق إلى المجال العام العالمي. ويبدو حضورُ هذه المؤسسات جزءًا من شبكة تفاعلات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات اللاهوتية مع الأبعاد الاجتماعية والسياسية، ما يستدعي تحليلًا دقيقًا لمقارباتها، خاصة في تقاطعها مع مؤسسات كنسية متعددة تعمل داخل سياقات وطنية تختلف في توجهاتها الأيديولوجية وبناها القانونية وأنظمتها السياسية.

وتزداد أهمية هذا النقاش إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الدينَ، بوصفه منظومةَ قيم ومعان ورموز مؤسسة للهُوية، لا يوجد خارج التاريخ، ولا يتحرك في فراغ اجتماعي أو سياسي محايد، بل يتفاعلُ بالضرورة مع الشروط التي ينشأ ويتطور داخلها. فالدين، في كونه خطابًا ومعنًى ومؤسسة، يتأثر بالبِنى الاجتماعية والثقافية السائدة، كما يؤثر فيها في الوقت ذاته. ومن ثمّ، تصبح المؤسساتُ الدينية الحديثة ولا سيما تلك التي تتخذ طابعًا مسكونيًا أو إقليميًا موضوعًا دائمًا للمساءلة العلمية حول طبيعة أدوارها، وحدود تدخلها في القضايا العامة، ومدى قدرتها على الحفاظ على توازن دقيق بين الشهادة الأخلاقية التي تقتضيها رسالتها، والانخراط السياسي الذي قد يفرضه السياق.

في هذا الإطار التحليلي، يبرز كلٌّ من: مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط بوصفهما نموذجين دالين على الجدل البِنيوي بين الديني والسياسي. فقد نشأ المجلس الأول في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في سياق دولي اتسم بإعادة تكوين النظام العالمي، وصعود المؤسسات متعددة الأطراف، وتنامي الخطاب الحقوقي والإنساني، وتبلور منظومة القانون الدولي الحديث. أما المجلس الثاني، فقد نشأ في قلب منطقة تتسم بتشابك الهُويات الدينية مع الصراعات السياسية، التي تتداخل فيها الانتماءات العقائدية مع الاصطفافات الجيوسياسية، ضمن واقع إقليمي شديد التعقيد. ورغم اختلاف السياقين في الطبيعة التاريخية والبِنية السياسية، فإن المؤسستين تواجهان سؤالًا مفصليًا مشتركًا: كيف يُمكن لمؤسسة دينية أنْ تنخرطَ في المجال العام، وتؤدي أدوارًا أخلاقية وإنسانية، من دون أن تتحول إلى فاعل سياسي مباشر أو إلى امتداد غير مُعلن لخطابات السلطة أو المعارضة؟

لا تَهْدِفُ هذه الورقةُ إلى إصدار أحكام معيارية مسبقة، ولا إلى تبني مواقفَ سياسية مباشرة، بل تسعى في مقاربة تحليلية نقدية تُفكك نشأة المؤسستين، وتستعرض أهدافهما المعلنة، وتحولات أدوارهما، وتحلل خطابهما ووظائفهما في المجال العام، مع التركيز على آليات التفاعل بين البعد الديني والسياق السياسي. وتنطلقُ الدراسة من سؤالٍ رئيس مفاده أن العلاقةَ بين الدين والسياسة في هاتين المؤسستين ليست علاقةً طارئة أو عرضية، بل هي نتاجٌ مباشر لديناميات الحداثة السياسية، ولطبيعة اشتغال المؤسسات داخل المجال العام، وما يفرضه ذلك من تحديات تتعلق بالاستقلالية، والشرعية، والتمثيل، وحدود التأثير.

وانطلاقًا من هذا السؤال، تُصاغ الإشكالية البحثية الرئيسة على النحو الآتي:

إلى أي مدى يُمكن فهمُ انخراط مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط في قضايا المجال العام بوصفه تعبيرًا عن مواكبة أخلاقية ووظيفية للمهام المسكونية المطلوبة، لا بوصفه انزياحًا سياسيًا خالصًا؟

ويتفرع عن هذا السؤال المركزي عددٌ من الأسئلة الفرعية المرتبطة به ارتباطًا عضويًا، من أبرزها: ما السياقاتُ التاريخية والفكرية التي نشأت في إطارها كلٌّ من المؤسستين؟ وكيف أسهمت هذه السياقاتُ في تطور وظائفهما من العمل المسكوني الكنسي إلى الحضور الفاعل في المجال العام؟ وما طبيعة الخطابِ الذي تعتمده المؤسستان في مقاربتهما للقضايا السياسية والإنسانية؟ وأين يُمكن رسم الحدود بين الشهادة الأخلاقية والتأثير السياسي في هذا الخطاب؟

الكنيسة بين السياسة والدين

كانت أوروبا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر تموج بكثيرٍ من “القلاقل والاضطرابات، علامة لبداية انحدار ثقافة العصر الوسيط”(1)، إذ طالت مظاهرُ التراجع مختلف البِنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. غير أن الظاهرةَ الأبرز في تلك المرحلة تمثلت في التداخل الكثيف بين السياسة والدين، أو بالأحرى في “تدخل رجال الدين في السياسة أو تدخل السلطة الزمنية في الدين“(2). وقد أفضى هذا التداخلُ إلى أزمة عميقة في بِنية الشرعية الكنسية، وأثار تساؤلات عن حدود السلطة الرُوحية ومجالها، وأسهم في تهيئة المناخ الفكري والاجتماعي لظهور حركات إصلاحية لاحقة.

وقد كان للإصلاح الديني قبولُهُ الاجتماعي في أوروبا، لا بوصفه حدثًا لاهوتيًا فحسب، وإنما استجابةٌ لتحولاتٍ اقتصاديةٍ واجتماعية عميقة. ومن هنا برز السؤال الإشكالي الذي طرحه عددٌ من الباحثين: “أيهما صنع الآخر؟ هل الأفكار البروتستانتية هي التي أحدثت التحولات الاقتصادية أم أن التحولاتِ الاقتصاديةَ هي التي أنبتت الأفكار البروتستانتية؟” وبغض النظر عن طبيعة الإجابة، فإن الثابتَ تاريخيًا أن المذهبَ الجديد جاء ليكسر سطوة الكنيسة الكاثوليكية ذات الطابع المركزي، وليعكس في الوقت ذاته صعود الطبقات البرجوازية الساعية في قدر أكبر من الاستقلال الديني والسياسي. ومع ذلك، لم يمنع الإصلاح من “زيادة سلطة الملكيات ودعمها… فنجاح الإصلاح في ألمانيا كان يتوقف على نيل مساعدة الأمراء. وفي إنجلترا نُفذ الإصلاح عن طريق سلطة هنري الثامن القريبة من مطلقة…”(3). وهو ما يكشفُ أن العلاقةَ بين الدين والسياسة لم تُفكك بالكامل، بل أُعيد تكوينها في إطار جديد.

وقد كان المدخلُ الرئيس للإصلاح هو تأكيدُ حرية الفرد في تفسير الكتاب المقدس بعيدًا عن الوساطة الكنسية المركزية. فقد “ركَّز الإصلاحُ البروتستانتي في القرن السادس عشر تركيزًا شديدًا على الكتاب المقدس وعَدَّهُ المرجعَ الأول في شئون الإيمان والعمل… فكان من جراء ذلك أنْ ظهرَ فيضٌ من التفسيرات… ونشأت مقاربات (كنسية) شتى. وفي خضم شيوع تأويل الكتاب المقدس بين الناس وإضعاف مركزية الكنيسة انفسح المجال واسعًا أمام نشوء البدع”(4). ويعكس هذا التطور التاريخي أن العلاقةَ بين الديني والسياسي لم تكنْ علاقةَ فصل حاسم، بل علاقةٌ إعادة توزيع للسلطة الرمزية والمؤسسية.

مجلس الكنائس العالمي: النشأة والسياق التاريخي

جاء تأسيس مجلس الكنائس العالمي عام 1948 في لحظة تاريخية مفصلية اتسمت بصدمة الحرب العالمية الثانية، وما خلّفته من دمار مادي وأخلاقي واسع النطاق. وقد مثَّل تأسيس المجلس تعبيرًا عن حاجة مُلحّة إلى استعادة صوت مسيحي جامع يدعم قيم السلام والمصالحة، ويُسهم في إعادة بناء نظام أخلاقي عالمي متصدع. ولم يكنْ الهدفُ من إنشاء المجلس إقامة سلطة كنسية مركزية عابرة للكنائس، بل تأسيسُ إطار حواري وتعاوني يُتيح للكنائس المختلفة العمل المشترك مع الحفاظ على استقلالها العقائدي والتنظيمي.5

وقد انعكسَ هذا التوجُهُ في الوثائق التأسيسية التي شددت على الاستقلال الذاتي للكنائس الأعضاء، وعلى الطابع غير السلطوي للمجلس، بوصفه مساحةَ لقاءٍ وتنسيق لا سلطة فوقية. غير أن هذا الطابعَ غيرُ السلطوي لم يمنعْ المجلسَ من الاضطلاع بدور معنوي في القضايا الدولية، مستندًا إلى شرعية أخلاقية مستمدة من تمثيله طيفًا واسعًا من الكنائس.

من المسكونية إلى الانخراط العالمي

مع مرور الوقت، لم يَعُدْ عمل المجلس مُقتصرًا على الحوار اللاهوتي أو تعزيز الوَحْدة المسيحية، بل اتَّسع نطاقُ اهتمامه ليشمل قضايا عالمية ذات أبعادٍ أخلاقية وإنسانية واضحة، مثل: نزع السلاح، ومكافحة العنصرية، ودعم حقوق الإنسان، والإغاثة الإنسانية. ولم يكنْ هذا التوسعُ تعبيرًا عن تحول أيديولوجي مفاجئ، بل استجابةٌ لتحولات بِنيوية في النظام الدولي، أصبحت فيه القضايا الإنسانية جزءًا من أجندة المؤسسات متعددة الأطراف.٦ من ثم، يُمكن فهم انخراط المجلس في المجال العام بوصفه امتدادًا لمنطقه الأخلاقي، لا خروجًا عليه. فالعالم الذي أعقب الحرب لم يكنْ عالمًا لاهوتيًا بحتًا، بل فضاءٌ سياسيٌ وأخلاقيٌ معقدٌ، يستدعي حضورًا دينيًا يُعَبِّرُ عن القيم المسيحية في لغة كونية قابلة للتداول. غير أن هذا الحضورَ ظل مُحاطًا بإشكالية دائمة: إلى أي حد يُمكن للخطاب الأخلاقي أنْ يظلَّ في حدودِه القيمية، دون أنْ يُقرأ بوصفه موقفًا سياسيًا ضمنيًّا؟

وهكذا، يتضح أن مسارَ مجلس الكنائس العالمي يُمَثِّلُ نموذجًا حيًا لإعادة تعريف موقع المؤسسة الدينية في العصر الحديث، بين الانكفاء الرُوحي والانخراط الأخلاقي في الشأن العام، في ظل توتر دائم بين الرسالة الدينية ومتطلبات المجال السياسي.

مجلس الكنائس العالمي وطبيعة الخطاب الرسمي للمجلس

يتسم الخطاب الرسمي لمجلس الكنائس العالمي بطابع أخلاقي عام يتجنب من جهة، اللغةَ اللاهوتية التِقْنية ذات الطابع الاختصاصي الضيق، ويتفادى من جهة أخرى الانخراط في لغة سياسية حزبية أو اصطفافية. فيما تُظْهِرُ بياناتُ المجلس، منذ خمسينيات القرن العشرين وحتى الوقت الراهن، اعتمادًا متكررًا على مفردات معيارية جامعة من قبيل: السلام، العدالة، المصالحة، الكرامة الإنسانية، المسؤولية الجماعية، التضامن، والرجاء. وهذه المفرداتُ، وإنْ لمْ تكنْ مُحايدةً في المرجعية القيمية، فإنها لا تُستخدم بوصفها أدواتِ تعبئةً سياسية مباشرة، بل بوصفها تعبيرًا عن رؤيةٍ أخلاقية شمولية تستند إلى التراث المسيحي وتُصاغ بلغة كونية قابلة للتداول في المجال العام.٧

إذ يعكس هذا النمطُ الخطابيُ وعيًا مؤسسيًا بحدود الدور ووظيفته، كما يعكس إدراكًا لحساسية الموقع الذي يشغله المجلس بين الفضاء الكنسي والفضاء العام. فالمجلس لا يقدِّمُ برامج حكم لها طبيعية سياسية أو أيدولوجية، كما لا يُشارك في عمليات انتخابية أو تحالفات سياسية، لكنَّهُ في المقابل لا يلتزم الصمت حيال القضايا التي يرى أنها تمسُّ جوهر الكرامة الإنسانية أو تنتهك القيمَ الأساسية التي يتبناها. ومن هنا، يتبلور خيار “اللغة الأخلاقية العامة” بوصفه استراتيجيةً تواصليةً تُتيح الحضورَ من دون التورط المباشر في آلياتِ العمل السياسي. وعليه، فإن هذا الخيارَ لا يُفهم بوصفه حيادًا مطلقًا، بل بوصفه تموضعًا مقصودًا في منطقة وسطى بين الشهادة الأخلاقية والانخراط السياسي: أي منطقة يسعى فيها المجلس في الحفاظ على طابعه الكنسي المسكوني، مع الإقرار بأن المجالَ العام المعاصر لا يسمح بفصل قاطع بين القيمي والسياسي.

الإشكال التاريخي: الحرب الباردة وما بعدها

برزت دعاوى “تسييس” مجلس الكنائس العالمي بصورةٍ أوضح في فترة الحرب الباردة، حين تبنَّى المجلسُ مواقف نقدية تجاه سباق التسلح النووي، والعنصرية، وبعض السياسات الاستعمارية. وقد فُسِّرَت هذه المواقفُ، لا سيما في بعض الأوساط الغربية المحافظة، بوصفها انحيازًا سياسيًا، بل ذهب بعض النقّاد إلى اتهام المجلس بالتقارب مع معسكر أيديولوجي بعينه. غير أن التحليلَ التاريخي الدقيق يُظْهِرُ أن هذه المواقفَ لم تنبع من اصطفاف سياسي مباشر، بقدر ما صدرت عن تصور مسكوني يرى في سباق التسلح النووي تهديدًا وجوديًا للإنسانية، وفي التمييز العنصري انتهاكًا لمبدأ المساواة في الكرامة، وفي الهيمنة الاستعمارية إخلالًا بمبدأ العدالة. وبعبارة أخرى، فإن مرجعيةَ المجلس في هذه القضايا كانت أخلاقيةً لاهوتية، حتى وإن تقاطعت موضوعيًا مع أجندات سياسية معينة.

كما أن مراجعةَ مواقف المجلس في مراحل لاحقة تُظْهِرُ أنه وجَّه انتقاداتٍ إلى سياساتٍ وأنظمةٍ تنتمي إلى اتجاهات أيديولوجية متباينة، وهو ما يُضعف فرضيةَ الانحياز الثابت. إلا أن طبيعةَ الاستقطاب الدولي في الحرب الباردة جعلت كلَ موقفٍ نقدي يُقرأ ضمن ثنائية المعسكرين، ما حوَّل الخطابَ الأخلاقي إلى مادة سجال سياسي. وتستمر هذه الإشكالية، وإنْ بصيغٍ مختلفة، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث باتت قضايا مثل: العولمة الاقتصادية، والعدالة البيئية، وحقوق الأقليات. ساحاتٍ جديدةً للتوتر بين القراءة الأخلاقية والقراءة السياسية لخطاب المجلس.

بين النقد الأخلاقي والتأويل السياسي

تكمن إحدى أعقدُ إشكالياتِ العلاقة بين الدين والسياسة في أن النقدَ الأخلاقي، بحكم طبيعته، يُلامس بِنى السلطة وممارساتها، ومن ثم يُقرأ سياسيًا، حتى لو لم يُقصد به ذلك. فعندما ينتقد مجلس الكنائس العالمي سياسات تمييزية، أو يدعو إلى إنهاء نزاعٍ مسلح، أو يُطالب باحترام حقوق جماعات مُهمشة، فإنه يتقاطع بالضرورة مع مصالح سياسية قائمة، ما يجعل تلقي خطابه خاضعًا لمنطق الصراع أكثر من ارتباطه ببِنية المؤسسة. وهنا تَتَكَوَّنُ فجوةٌ بين قصد الخطاب وتلقيه. فالمجلس يقصد الشهادة الأخلاقية بوصفها امتدادًا لرسالته، في حين يتلقّى بعض الفاعلين السياسيين أو الإعلاميين هذا الخطاب بوصفه تدخلًا سياسيًا مباشرًا. وهذه الفجوةُ لا تخصُّ المجلس وَحْده، بل تُمثّل سمةً عامة لكل خطاب قيمي يعمل داخل مجال عام مُسيّس بطبيعته، تُعاد داخله صياغة المعاني وفق ميزان القوة والتنافس.

ومن منظور نظري أوسع، يُمكن القولُ إن المجالَ العام الحديث لا يعترف بسهولة بوجود خطاب “غير سياسي” إذا كان لهذا الخطاب أثرٌ في توجيه الرأي العام أو التأثير في السياسات. ومن ثم، فإن الإشكاليةَ ليست في نية المؤسسة بقدر ما هي في طبيعة البِنية التي يُنتج ويُتداول فيها الخطاب.

مجلس كنائس الشرق الأوسط: سياق إقليمي مختلف جذريًا

إذا كان مجلسُ الكنائس العالمي يعمل ضمنَ فضاء دولي تتعدد فيه المرجعيات وتتوزع فيه مراكز القوة، فإن مجلسَ كنائس الشرق الأوسط يعمل في سياق تتداخلُ فيه السياسة بالدين تداخلًا بِنيويًا عميقًا. فالشرق الأوسط ليس محض إطار جغرافي، وإنما فضاءٌ تاريخي تتشابك فيه الانتماءات الدينية مع الهُويات القومية، وتتقاطع فيه الذاكرة الدينية مع الصراعات السياسية المعاصرة. وفي مثل هذا السياق، لا يُتاح للمؤسسة الدينية ترف الحياد الكامل، لأن الصمتَ ذاته قد يُفسَّر بوصفه موقفًا، والابتعاد عن التعليق قد يُعدُّ تخليًا عن المسؤولية. ومن ثمّ، فإن أيَّ بيان يَصْدُر عن مجلس كنائس الشرق الأوسط حتى وإنْ صِيْغَ بلُغة إنسانية عامة يُقرأ غالبًا قراءة سياسية، نظرًا إلى حساسية البيئة التي يتحرك فيها.

الوظيفة الرعوية بوصفها مدخلًا إلى المجال العام

نشأ مجلسُ كنائس الشرق الأوسط أساسًا إطارًا تنسيقيًا رعويًا يَهْدِفُ إلى دعم الكنائس المسيحية في المنطقة، وتعزيز الحوار بينها، ومواجهة التحديات المشتركة، وفي مقدمتها الهجرة وتراجع الوجود المسيحي. غير أن هذه التحدياتِ ليست دينيةً محضة، ولكنها ترتبط ارتباطًا مباشرًا بأزمات سياسية وأمنية واقتصادية.

وبذلك، وجد المجلسُ نفسه منخرطًا في قضايا مثل: حقوق المواطنة، والعيش المشترك، والعنف الطائفي، والنزوح واللجوء. وهذه القضايا، بحكم طبيعتها، لا يُمكن تناولها دون الاقتراب من المجال السياسي، حتى وإن حدث ذلك عن طريق بوابة إنسانية أو رعوية. فالدفاع عن حق المواطنة، مثلًا، يستدعي الحديث عن طبيعة الدولة، ومفهوم المساواة أمام القانون، وهو ما يلامس جوهر السياسة وإن صيغ بلغة أخلاقية.

وعليه، يُمكن القول إن الوظيفةَ الرعوية نفسها تتحول، في سياق إقليمي مضطرب، إلى مدخل حتمي للمجال العام، لا بوصفه اختيارًا أيديولوجيًا، بل بوصفه استجابة لواقع يفرض تداخله الخاص بين الدين والسياسة.٨

خطاب الحذر والتوازن

يتميَّز خطابُ مجلس كنائس الشرق الأوسط بدرجة عالية من الحذر، تتجلَّى في تجنب تسمية الفاعلين السياسيين مباشرة في كثير من الأحيان، والتركيز على المعاناة الإنسانية بدل تحميل المسؤوليات السياسية صراحة، واستخدام لغة جامعة تتفادى الاصطفاف الطائفي أو الانخراط في سجالات مباشرة. غير أن هذا الحذرَ لا يعني غياب البعد النقدي، بل يُصاغ النقد في صورة أخلاقية عامة تُشير إلى البِنى المُنتجة للعنف أو التهميش دون تسمية مباشرة. وهنا يتجلى نوعٌ من “البراغماتية الخطابية” التي تُراعي هشاشة السياق، وحساسية أوضاع الجماعات المسيحية، والأسبابَ الأمنية والسياسية المحيطة.

مقارنة تحليلية: وَحْدة الإشكالية وتعدد التجليات

  1. السياق يصنع الاختلاف

تكشف المقارنةُ بين المؤسستين أن السياقَ يلعب دورًا حاسمًا في تحديد درجة الاحتكاك بين الدين والسياسة. ففي حين يستطيع مجلس الكنائس العالمي، بحكم موقعه الدولي وتعدد مرجعياته، الحفاظُ نسبيًا على مسافة من الصراعات المباشرة، يجد مجلس كنائس الشرق الأوسط نفسه في قلب أزمات لا يُمكن الانفصال عنها.

ومع ذلك، تظلُّ الإشكاليةُ الجوهرية واحدة: كيف يُمكن للمؤسسة الدينية أن تؤديَ دورها الأخلاقي دون أنْ تتحول إلى فاعلٍ سياسي مباشر، أو أن تُختزل في خطاب سياسي؟

ثانيًا. الخطاب الأخلاقي بوصفه حلًّا إشكاليًّا

يُمثِّلُ الخطاب الأخلاقي خيارًا عمليًا للتعامل مع هذه المعضلة، لكنَّهُ حلٌ غيرُ مكتمل. فهو يسمح بالحضور والتأثير في المجال العام، مع الحفاظ على هُوية دينية واضحة، لكنَّهُ لا يحمي المؤسسة كليًا من اتهامات التسييس. ومع ذلك، يبدو هذا الخيار أقل كُلفة من خيارين آخرين: الصمت الكامل، الذي قد يُفهم بوصفه تخليًا عن المسؤولية، أو الانخراط السياسي المباشر، الذي قد يُفضي إلى فقدان الطابع الكنسي الجامع.

تلقي الخطاب الكنسي بين الداخل المسيحي والنقد الخارجي

  1. التلقي داخل الأوساط الكنسية

لا يُمكن فهم إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة عن طريق تحليل الخطاب الصادر عن المجلسين فقط، ولكنْ يتطلبُ الأمر دراسةَ كيفية تلقي هذا الخطاب داخل الكنائس الأعضاء. فالكنائس ليست كتلةً واحدة متجانسة، بل تتباينُ في خلفياتها اللاهوتية، وتقاليدها الكنسية، ورؤيتها لدور الدين وموقعه في المجال العام.

في حالة مجلس الكنائس العالمي، يَظْهَرُ التفاوتُ بوضوحٍ بين كنائس تنتمي إلى تقاليد بروتستانتية ليبرالية ترى في الانخراط الاجتماعي امتدادًا طبيعيًا للإيمان، وكنائس أكثر تحفظًا تخشى أنْ يؤدي هذا الانخراط إلى تسييس الرسالة الرُوحية أو تمييعها. وقد انعكس هذا التوترُ في نقاشاتٍ داخلية متكررة بشأن حدود البيانات الصادرة، وطبيعة القضايا التي ينبغي للمجلس التعليق عليها، وآليات اتخاذ القرار داخله.

أما في حالة مجلس كنائس الشرق الأوسط، فيتأثر التلقي الداخلي بعوامل إضافية، من بينها هشاشة الوجود المسيحي، ومخاوف تتعلق بالأمن والاستقرار، والعلاقة مع السلطات السياسية. لذلك، تميل بعض الكنائس إلى دعم خطابٍ حذر يُركّز على البعد الرعوي والإنساني، في حين ترى كنائس أخرى أن الحذرَ المُفرط قد يُضعف القدرة على أداء الشهادة الأخلاقية المطلوبة.

ثانيا: النقد الخارجي: الإعلام، السياسة، والبحث الأكاديمي

على الصعيد الخارجي، يُستقبل خطاب المجلسين من زوايا متباينة. فالإعلام، بحكم منطقه القائم على الاختزال والتأطير، يميلُ إلى قراءةِ البيانات الكنسية قراءةً سياسية مباشرة، فيُبرز ما يراه مواقف أو انحيازات، ويتجاهل السياق اللاهوتي أو الأخلاقي الذي صيغت فيه هذه البيانات. وهكذا، يتحوَّل الخطابُ الأخلاقي في التداول الإعلامي إلى موقف سياسي صريح، حتى وإن لم يكنْ كذلك في قصد المؤسسة.

أما الفاعلون السياسيون، فيقاربون الخطاب من زاوية المصلحة والتأثير. فإذا انسجم مع رؤيتهم، اعتُبر شهادة أخلاقية مشروعة، وإذا تعارض معها، وُصف بالتسييس أو التدخل في الشأن الداخلي. ويعكس هذا النمط من التلقي منطق السياسة أكثر مما يعكس طبيعة الخطاب الديني ذاته.

في المقابل، قدَّمَ البحث الأكاديمي مقارباتٍ أكثر توازنًا، سعت في فهم انخراط المؤسسات الدينية في المجال العام ضمن إطار تحولات الدين في العصر الحديث. وبرزت في هذا السياق مفاهيمُ مثل: “الدين العام” و”اللاهوت العام”. التي تحاول تجاوز الثنائية الصارمة بين الديني والسياسي، عبر الاعتراف بإمكان حضور الدين في المجال العام بوصفه فاعلًا قيميًا لا سلطة سياسية بديلة.

وبذلك، يتضح أن إشكاليةَ العلاقة بين الدين والسياسة في مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط لا تكمنُ في وجود انخراط في المجال العام من عدمه، بل في طبيعة هذا الانخراط، وحدوده، وكيفية تأويله وتلقيه. إنها إشكاليةٌ بِنيوية ترتبط بطبيعة المجال العام الحديث ذاته، أكثر مما ترتبط بخيارات ظرفية أو نوايا مؤسسية معزولة.

الكنيسة الأرثوذكسية القبطية وتفاعلها مع المجالس المسكونية في سياق الدولة والسياسة

يكتسبُ تفاعل الكنيسة الأرثوذكسية القبطية مع كلٍّ من مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط أهمية خاصة، بوصفه نموذجًا حيًا لدراسة العلاقة المركبة بين الدين والسياسة في إطار المؤسسات الدينية الجامعة، وفي ظل تقاطعاتٍ مذهبية وسياسية متعددة المستويات. فلم تكنْ الكنيسة القبطية محض عضوٍ صوري في هذه المجالس، بل أدَّت دورًا فاعلًا في توجيه الخطاب المسيحي العام، بما ينسجم مع خصوصيتها العقائدية وسياقها المحلي، مع الحرص في الوقت ذاته على التماهي مع المبادئ المسكونية المشتركة.

ويبدو واضحًا أن تطورَ علاقة الكنيسة القبطية بمجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط، كان مرتبطًا إلى حدٍّ كبير بمجمل التحولات السياسية التي شهدتها مصر والمنطقة. ويُمكن تتبع هذا التطورَ عبر ثلاث مراحل رئيسة، تتقاطع مع الحقب البابوية لكلٍّ من البابا كيرلس السادس، والبابا شنودة الثالث، والبابا تواضروس الثاني. دون إغفال الدور المحوري الذي اضطلع به الأنبا صموئيل، بوصفه شخصيةً مركزية في صياغة خطاب الكنيسة بشأن قضايا السلام والحرب، وفي بلورة علاقتها بالمجالس المسكونية، وكذلك في إدارة التفاعل مع مواقف الدولة المصرية إزاء هذه القضايا. وقد أسهم تداخل هذه العوامل مجتمعة في صناعة استراتيجية الكنيسة القبطية داخل الفضاء المسكوني.

تعود البدايات الأولى لانخراط الكنيسة القبطية في الحركة المسكونية إلى منتصف القرن العشرين، في سياقٍ عالمي أعقب الحرب العالمية الثانية، أعادت فيه الكنائسُ التقليدية، ولا سيما الأرثوذكسية الشرقية، النظرَ في موقعها داخل الخطاب المسيحي العالمي. وقد أدركت القيادة الكنسية المصرية آنذاك أن المشاركةَ في مجلس الكنائس العالمي لا تُمثل فقط حضورًا رمزيًا، وإنما تُتيح فرصةً استراتيجيةً للحفاظ على الصوت القبطي داخل الحوارات المسيحية الدولية، وطرح قضايا الكنيسة المصرية ضمن سياق كوني أوسع.

غير أن التفاعلَ في مرحلة البابا كيرلس السادس ظل محدودًا نسبيًا، وتُركِّز بالأساس على الأبعاد الرُوحية والحوار الأخوي بين الكنائس، دون انخراط مباشر في القضايا السياسية. وجاء هذا التوجه مُتناغمًا مع السياق السياسي المصري في عهد جمال عبد الناصر، الذي اتسمت الدولة فيه بمركزية قوية، وكان المجال العام—بما في ذلك الشأن الديني—خاضعًا بدرجة كبيرة لرؤية الدولة ومحدداتها.٩

وفي هذه المرحلة، حرصت الكنيسة القبطية على:

تطوير علاقات كنسية متينة مع الأطر المسكونية، خاصة في المجالات التعليمية والإنسانية.

تجنب الخطاب السياسي الصريح، مع الحفاظ على حضور أخلاقي واضح في الوثائق والبيانات المسكونية.

دعم المبادرات الدولية المرتبطة بالسلام والمصالحة، مع التأكيد المستمر استقلاليتها العقائدية.

مع تولي البابا شنودة الثالث، دخلت الكنيسة القبطية مرحلةً أكثر فاعلية، وإن اتسمت بدرجة عالية من الحذر. فقد تزايد وعي الكنيسة بدورها بوصفها حارسًا للهُوية المسيحية في مصر، في ظل تحولات سياسية عميقة شملت حقبتي الرئيسين: أنور السادات وحسني مبارك.

وفي هذه المرحلة:

اتَّسع نطاقُ التفاعل مع مجلس الكنائس العالمي في مجالات محددة، مثل: قضايا حقوق الإنسان والمبادرات الإنسانية، مع رفض الانخراط في سياسات خارجية مباشرة أو نزاعات دولية بعينها.١٠

برز مجلس كنائس الشرق الأوسط بوصفه قناةً أساسية للتنسيق مع كنائس المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بقضايا العيش المشترك، وحماية الوجود المسيحي، ومواجهة الضغوط الطائفية.

وقد لعب الأنبا صموئيل دورًا محوريًا في هذه الحقبة، إذ اضطلع بمسؤولية صياغة المبادرات المسكونية والتواصل مع المجالس الدولية، مُركّزًا على:

تعزيز الحوار بين الكنائس دون المساس بالهُوية القبطية.

طرح مبادرات سلام ذات طابع إقليمي، خاصة في قضايا لبنان وفلسطين.

متابعة السياسات المصرية تجاه النزاعات الإقليمية، بما يضمن توافق الخطاب الكنسي مع المصالح العامة للدولة، دون التفريط في البعد الأخلاقي.

وتكشف هذه المرحلة بوضوح عن الأثر المباشر للسياقين المحلي والإقليمي في طبيعة التفاعل المسكوني، فقد اضطرت الكنيسةُ القبطية إلى موازنة خطابها الأخلاقي مع هواجس التدخل في السياسة الداخلية، أو توظيف الخطاب الدولي على نحو قد يضر بموقعها داخل الدولة.

أما جهودُ الأنبا صموئيل في مجال الوساطة والحوار، فتبرز بوصفه أحدَ أهم الفاعلين الأخلاقيين داخل الحركة المسكونية. فقد سعى بمشاركاته الدولية في توسيع النقاش بخصوص مفهوم السلام في الشرق الأوسط، دون الانزلاق إلى دعم طرف سياسي بعينه، واعتمد خطابًا جامعًا يُناهض العنف الطائفي، مع الحرص على التنسيق بين المبادرات المسكونية والبرامج الإنسانية للدولة المصرية، بما يُعزز فاعلية التدخل الأخلاقي ويحدُّ من التوترات السياسية المحتملة.

وقد أسهم هذا النهجُ في تعزيز مصداقية الكنيسة القبطية داخل المجالس المسكونية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقة متوازنة مع الدولة المصرية، التي نظرت إلى الكنيسة بوصفها شريكًا مُهمًا في إدارة البُعد الديني والاجتماعي، دون أنْ يُمَثِّلَ ذلكَ مصدرَ نزاع سياسي مباشر.

ومع تولي البابا تواضروس الثاني، دخلت الكنيسة القبطية مرحلة من الانفتاح الجزئي الأكثر انتظامًا في مشاركاتها المسكونية، مع استمرار الحرص على التوازن السياسي. فقد اتسمت هذه المرحلة بـ: تعزيز خطاب السلام، والعيش المشترك، وحقوق الإنسان.

توسيع الانخراط في المبادرات المسكونية الداعمة للحوار بين الأديان.

الحفاظ على مسافة واضحة بين الشهادة الأخلاقية والانخراط السياسي المباشر.

وفي هذا السياق، استمر تأثير مدرسة الأنبا صموئيل الفكرية، عن طريق:

صياغة مبادرات مسكونية تتناول السلام الإقليمي من منظور أخلاقي.

توجيه الخطاب الكنسي بما يدعم الاستقرار الإقليمي دون التدخل في الشأن السياسي الداخلي.

التنسيق مع مؤسسات الدولة لضمان توافق المبادرات الدينية مع الرؤية الوطنية لمفاهيم السلام والحرب.

ويعكس هذا المسارُ إدراك الكنيسة القبطية العميق لديناميات الدولة والمجتمع الدولي، إذ يُعاد تعريفُ الخطاب الأخلاقي بوصفه أداةً للحوار والتأثير الإيجابي في المجال العام، دون تجاوز الحدود السياسية التي تفرضها السياقات الوطنية والإقليمية.

الكنيسة الأرثوذكسية والاندماج في الحوار المسكوني

تزامنت حبرية البابا كيرلس السادس مع سيامة أول أسقف للخدمات الاجتماعية والعلاقات المسكونية، وهو المتنيحُ نيافة الأنبا صموئيل. وفي سنوات حبرية البابا كيرلس السادس، التي امتدت حتى عام 1971، بدأت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية برامج مسكونية تمثَّلت في أنشطة “المؤتمر المسيحي بالصعيد”، الذي كان يَعقد مؤتمرًا اجتماعيًا سنويًا. كما شاركت الكنيسة، في أوائل عقد الستينيات، في فعاليات “أسبوع الصلاة العالمي السنوي من أجل الوَحْدة المسيحية”.

وتأسس أيضًا “المجلس الاستشاري المسكوني للخدمات الكنسية”، وكان من روّاد هذه الأنشطة أصحاب النيافة المتنيحون: الأنبا صموئيل، والأنبا غريغوريوس، والأنبا أثناسيوس، إلى جانب بعض الكهنة مثل: القُمص أنطونيوس أمين، والقمص يوسف عبده. وبعض العلمانيين: مثل المهندس فايز رياض الديري، والأستاذ ميلاد غرباوي، والدكتور صادق أنطونيوس بقطر. وفي عهد قداسته، عُقدت الجمعيةُ العامة الثالثة لمجلس الكنائس العالمي في نيودلهي – الهند، في ديسمبر 1961م، وقد أوفد قداسته وفدًا رفيعًا يُمثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. كما شاركت الكنيسة القبطية، في عهد البابا كيرلس السادس، في أعمال عديدٍ من المؤتمرات المسكونية بشأن قضايا الشرق الأوسط، منها الندوة العالمية للمسيحيين من أجل فلسطين التي انعقدت في بيروت في مايو 1970م، وقد حضرها المتنيح الأنبا أثناسيوس، والمتنيح الأنبا غريغوريوس، والدكتور وليم سليمان قلادة.

كذلك شاركت الكنيسةُ في أعمال “الحلقة الاستشارية بخصوص قضية اللاجئين”، التي نظمها مجلس الكنائس العالمي، وعُقدت في قبرص في الفترة من 29 سبتمبر إلى 4 أكتوبر 1969م. وقد مَثَّل الكنيسة في هذه الحلقة المتنيح الأنبا غريغوريوس، والمهندس الراحل فايز رياض، والدكتور الراحل صادق أنطونيوس بقطر. وفي عهد قداسته أيضًا، تأسست عدة لجان مسكونية في حضن الكنيسة الأرثوذكسية، من بينها “اللجنة المسكونية للشباب” عام 1969م.

الأنبا صموئيل

يُعَدُّ المتنيح الأنبا صموئيل أحدَ أبرز العلامات المرتبطة بتاريخ الكنيسة الأرثوذكسية، خاصة فيما يرتبط بالحوار المسكوني ومجلس الكنائس العالمي، منذ حبرية الأنبا يوساب وصولًا للحظة غيابه في حادث المنصة بجوار الرئيس السادات في عام 1981.

الأنبا صموئيل: سيرة ذاتية

الأنبا صموئيل المولود مطلع القرن الماضي والذي استقال من عمله الوظيفي المدني بغرض الالتحاق بالكلية الإكليركية كان راغبًا في الالتصاق بحياة التكريس*. استكمل دراسته في منتصف الأربعينات بينما التحق بالجامعة الأمريكية ليتخصص في علوم التربية، ثم أُنتدب للعمل مدرسًا في الإكليريكية بأديس أبابا في الفترة من 1944 إلى 1946، وكان معه في الانتداب نفسه حافظ داود (المتنيح القمص مرقس داود). ولكنْ، نتيجةَ بعض الاضطرابات السياسية التي حدثت في إثيوبيا في تلك الفترة، عاد إلى مصر، وعاد إلى خدمة مدارس الأحد بالجيزة.

لكنَّهُ ما لبث أن اتخذ قرارًا تاريخيًا هو الرهبنةُ، فتوجّه لمقابلة أبيه الرُوحي القمص مينا المتوحد (المتنيح القديس البابا كيرلس السادس) في كنيسته بمصر القديمة، وتمت رسامته راهبًا باسم “الراهب مكاري”، وكان ذلك في شهر آذار (مارس) 1948. وظل في كنيسة مارمينا بمصر القديمة لمدة ثلاث سنوات، وبعدها أرسله القمص مينا المتوحد إلى دير الأنبا صموئيل المعترف. وعندما رفض المجمع المقدس الاعتراف برهبنة هذا الدير، توجّه إلى دير السريان وأصبح اسمه “الراهب مكاري السرياني”.

تمثيل الكنيسة في مجلس الكنائس العالمي

نظرًا لإجادته التامة للغة الإنجليزية، فضلًا عن عقليته المنفتحة، اختاره المتنيح البابا يوساب الثاني لتمثيل الكنيسة القبطية في المؤتمر الثاني لمجلس الكنائس العالمي المنعقد في إيفانستون (Evanston) في شهر آب (أغسطس) 1954، وكان معه في الوفد نفسه كلٌ من القمص صليب سوريال، والدكتور عزيز سوريال عطية (وهو الوفد الذي عُرف في كتب التاريخ بـ “الثلاثة S – The Three S”).

ثم جاءت فرصة عمره لإشباع رغبته في الدراسة العلمية، إذ حصل على منحة دراسية من جامعة برنستون. وقد شجَّعه قداسة البابا يوساب الثاني، الذي طالما اشتهر بحبه للعلم، على هذه الخُطوة، وبالفعل حصل الراهب مكاري السرياني على درجة الماجستير في التربية، وكان موضوع الرسالة: “التربية المسيحية في الكنيسة القبطية”. وقد رتَّب نفسه للحصول على درجة الدكتوراه بعدها، لكنَّ الظروفَ لم تُمهله، إذ طلبت منه الكنيسة العودة إلى الوطن نظرًا لحاجة الكلية الإكليريكية إليه. فعاد إلى أرض الوطن وعمل مدرسًا بالكلية ومشرفًا على القسم الداخلي بها.

ومن الجدير بالذكر أن للمتنيحِ القمص مكاري السرياني جهودًا جبّارة في سرعة نقل الكلية الإكليريكية من مهمشة إلى الأنبا رويس، بالتعاون مع كل من:

  1. القمص صليب سوريال،
  2. الأستاذ فؤاد باسيلي (المتنيح القمص بولس بولس فيما بعد)،
  3. الأستاذ نظير جيد (المتنيح قداسة البابا شنودة الثالث فيما بعد).

ومع تأسيس معهد الدراسات القبطية في عام 1954، تولّى القمص مكاري السرياني رئاسة قسم الدراسات الاجتماعية بالمعهد، ودعمه بعديدٍ من كبار أساتذة التربية في مصر. كما أنشأ معهد ديديموس للمكفوفين، وجهّزه بمكتبة خاصة بطريقة “برايل”.

كما أسّس ما يُعرف بـ “الدياكونية الريفية” في صيف عام 1959، وتوجّه بكل قلبه لخدمة القرية وتنميتها رُوحيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.

الأنبا صموئيل والبابا كيرلس السادس

استدعاه قداسة البابا كيرلس السادس ليكون ضمنَ سكرتاريته الخاصة، فكان مسؤولًا عن استقبال الضيوف، وترتيب لقاءاتهم، ومتابعة التعاون مع كنائس العالم، والمشاركة في المؤتمرات العالمية.

وفي 30 سبتمبر 1962، جاءت النقلة الكبرى والمؤثرة في حياته، إذ اختير أسقفًا عامًا للخدمات العامة والاجتماعية باسم “الأنبا صموئيل”. وكان معه في الرسامة نفسها للقمص أنطونيوس السرياني (المتنيح قداسة البابا شنودة الثالث)، ليكون أسقفًا للتعليم الديني والتربية الكنسية والمعاهد الدينية باسم “نيافة الأنبا شنودة”.

لقد كانت رسامة نيافته نقلة كبرى في تاريخ الخدمة الاجتماعية في الكنيسة القبطية، فقد امتد نشاطُ الأسقفية طولًا وعرضًا داخل مصر وخارجها.

الأنبا صموئيل والعمل المسكوني

أما عن خدمته في العمل المسكوني، فلقد كان نيافته رائدًا في هذا المجال منذ مشاركته في مجلس الكنائس العالمي بمؤتمر إيفانستون عام 1954. ولكنّ لنيافته جهودًا أخرى في هذا المجال، نذكر منها:

  1. تأسيس مجلس كنائس الشرق الأوسط، وظل نيافته حتى نياحته رئيسًا لهذا المجلس.
  2. مجلس كنائس كل أفريقيا، فقد كان نائبًا لرئيسه لفترات طويلة، وفي عام 1976 اجتمع المجلس في القاهرة والإسكندرية، ومن مقر الكنيسة المرقسية بالإسكندرية أصدر بيانًا يُعلن فيه تطلعه إلى كنيسة الإسكندرية تطلُّعَ الكنيسة الرائدة للكنائس الأفريقية.
  3. شارك نيافته في عديدٍ من المؤتمرات الوطنية
  4. شارك مراقبًا في أعمال مجمع الفاتيكان الثاني بروما، وكان عضوًا بارزًا في لجنة الحوار بين الكنيسة القبطية والفاتيكان، وكذلك في لجنتي التعاون بين الكنيسة القبطية وكلٍ من الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الإنجيلية في مصر.
  5. اهتم نيافته بتأسيس كنائس قبطية في بلاد المهجر لخدمتهم هناك.
  6. وضع نيافته القانون الأساسي الذي تُقام بمقتضاه الكنائس وتلتزم به، ليظل ولاؤها الأول لمصر والوطن. وفي سبيل تفعيل تلك الخُطوة، أنشأ دوريةً باسم “أبناؤنا في الخارج” لربطهم بالكنيسة الأم وتراثها العريق.

شهادة الأنبا غريغوريوس عن الأنبا صموئيل

وحول الدور المسكوني لنيافته، يذكر المتنيح الأنبا غريغوريوس في كلمة رثاء له بعنوان: “المُتنيح الأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة والاجتماعية في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاده”، عندما قال:

“كان نيافته شُعْلة نشاطٍ وعمل متواصل في الداخل والخارج، ليس له في كنيستنا من يفوقه في ذلك. في كل أمرٍ أو مشكلةٍ، كان الأنبا صموئيل يتحرَّكُ من نفسه أو بتكليف من البابا البطريرك للاتصال بالمسؤولين في الدولة، وكم من مشكلة حُلَّت على يديه في هدوء وصمت وسكون… كان يُمَثِّلُ الكنيسة القبطية في المؤتمرات العالمية، وكان عضوًا بارزًا في مجلس الكنائس العالمي. ولأهميته، صار عضوًا في اللجنة الدائمة للمجلس واللجنة التنفيذية”.

ويتابع: “لم يكنْ عمله في مؤتمرات مجلس الكنائس العالمي قاصرًا على أحاديثه ومداخلاته وتعليقاته، بل كان عملُ الأنبا صموئيل الأكبر والأهم خارج قاعات المجلس الرسمية، أعني هذه الاتصالات المُثمرة التي كان يعقدها مع الشخصيات الكبيرة ذات الثِقل في مجلس الكنائس العالمي. ولذلك، واعترافًا بمكانته وأهميته، أصبح له مركزٌ مرموق في مجلس الكنائس العالمي وفي المؤتمرات المسكونية، بل صار هو الممثلُ الرسمي لمجلس الكنائس العالمي في مصر، حتى ارتبط اسمه بهذا المجلس، وصار كلٌّ منهما يُذكر بالآخر. ولقد كسب الأنبا صموئيل بهذه المكانة المرموقة التي احتلها في المجالس العالمية وفي الحركة المسكونية، مكاسب كثيرة لكنيسته القبطية، ولمصر كلها، رُوحية وأدبية واجتماعية ومادية. وبفضل جُهوده، كانت تأتي المعونات في الأزمات للاجئين والمهجرين من الفلسطينيين والمصريين وغيرهم من المنكوبين بسبب الحروب”.

ويُضيف في موضع آخر: “إن اندماجَ الأنبا صموئيل في الحركة المسكونية جعله في فترة زمنية من زعمائها وقياداتها. فإذا تعرضت الحركة المسكونية إلى نقد أو هجوم، كان الأنبا صموئيل هو الذي يتلقّى هذا النقد والهجوم، فلا يهدأُ حتى يدافع عن الحركة بقلمه ولسانه وشخصه… لقد كان يؤمنُ بفوائد جليلة للحركة المسكونية، فوائد معنوية ورُوحية قبل أي فوائد مادية، تعود بالنفع على مصر عمومًا، والقبط خصوصًا”

بعثات التبشير ومجلس الكنائس العالمي:

يُعد التفاعل بين الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والمؤسسات المسكونية الحديثة واحدًا من أكثر الموضوعات إثارة للجدل ضمن مسار الحركة المسكونية، لا سيما في ضوء الإرث التاريخي الذي تركته بعثات التبشير الغربية في الأراضي الأرثوذكسية. فقد شهدت أراضي الإمبراطوريات الأرثوذكسية، وخصوصًا روسيا، والبلقان، وجغرافيا الشرق الأوسط، نشاطًا تبشيريًا متصاعدًا منذ القرن التاسع عشر، قامت به مؤسساتٌ بروتستانتية وكاثوليكية، غالبًا تحت رعاية أو دعم مباشر أو غير مباشر من القوى الاستعمارية الغربية. ولم تقتصرْ هذه الحملات التبشيرية على نشر الإنجيل بين غير المسيحيين، وإنما استهدفت المؤمنين الأرثوذكس أنفسهم، ما عدته الكنائس الأرثوذكسية خَرْقًا للوَحْدة الكنسية والتقليد الرسولي، ومحاولة لتقويض استقلالها اللاهوتي والثقافي. وقد تركت هذه التجرِبة أثرًا عميقًا في الوعي الأرثوذكسي، إذ ارتبط التبشير الغربي بمشاريع الهيمنة والعلمنة القسرية التي رافقت الاستعمار، ما رسَّخ شعورًا بالحذر تجاه أي مؤسسة مسكونية غربية المنشأ أو بروتستانتية الطابع.

الحركة المسكونية ومجلس الكنائس العالمي: الجذور والتطور

كما تُعَدُّ الحركةُ المسكونية نتاجًا إيمانيًا وفكريًا يسعى في تعزيز الحوار والوَحْدة بين الكنائس، وليس محض إطارٍ تنظيمي أو اتفاق مكتوب بين مؤسسات كنسية. فهي تتأسس على تجاوب حقيقي مع الدعوة الإلهية، ويشمل هذا التجاوب البُعد الرُوحي والذهني والعملي معًا، إذ يُنظر إلى الحوار المسكوني بوصفه ممارسةً حية للوَحْدة المسيحية تتجاوز الاتفاقات الشكلية، ويشمل مشاركة قلبية وفكرية وإيمانية. بل ظهر العمل المسكوني في بدايات القرن العشرين، تحديدًا في عام 1907، عن طريق حوار بين الكنائس الإنجيلية بهدف تقديم رسالة المسيح للأمم ونشر الإنجيل، مع التركيز على طباعة الكتاب المقدس وترجمته إلى لغات متعددة. وشهدت الحركة أول تجمع مسكوني لها في القدس، قبل أنْ تتبلور مبادرة موسعة في عام 1948 بتأسيس مجلس الكنائس العالمي في جنيف، ليكون إطارًا للتعاون المسكوني على المستوى الدولي، بعيدًا عن الانقسامات العقائدية التقليدية، مع الحرص على الاحتفاظ بالمرجعية اللاهوتية لكل كنيسة عضو.

وعليه، انضمّت لاحقًا الكنائس الأرثوذكسية تدريجيًا إلى الحوار المسكوني، فشارك السريان الأرثوذكس منذ عام 1960 في مجمع كنائس الشرق الأدنى، الذي أُعيد تنظيمه لاحقًا ليصير ما يُعرف اليوم بمجلس كنائس الشرق الأوسط، بمشاركة الكنيسة القبطية والأرمنية والكنائس الإنجيلية. وقد تجمعت هذه الكنائس تحت شعار “حاضر رسالتنا المشتركة”، مؤكدين مسؤولية إعلان الإيمان والعمل المشترك وفق وصايا المسيح، وهو ما يعكسُ الجمع بين البُعد الرُوحي والبعد العملي في الحركة المسكونية.

الحذر الأرثوذكسي تجاه المجلس: التاريخ والتوترات اللاهوتية

على الرغم من إسهام الكنائس الأرثوذكسية لاحقًا في تطوير خطاب المجلس، ظل التوترُ قائمًا بين الرغبة الأرثوذكسية في الحفاظ على تراثها اللاهوتي والليتورجي، والرغبة في الانخراط في الحوار المسكوني. فقد عَبَّر عن هذا التوتر بوضوحٍ الموقف الرسمي للكنيسة الأرثوذكسية الروسية في مذكرة عام 1971، التي أكدت ضرورة ألا تتحول الحركة المسكونية إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة اللاهوتية الغربية أو فرض المعايير البروتستانتية على الكنائس الشرقية. كما أبدت الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية تحفظها تجاه بعض الممارسات المسكونية، خصوصًا المتعلقة بالليتورجيا والتعليم اللاهوتي، وانسحبت الكنيسة الأرثوذكسية الجورجية عام 1997 احتجاجًا على ما عدته “نهجًا عقائديًا نسبيًا”.

تجسد هذا الحذر في رؤية الأرثوذكس للكنيسة على أنها “جسدُ المسيح”، قائم على التقليد الرسولي والإفخارستيا المشتركة، وليس محض وَحْدة اجتماعية أو جمعية إيمانية، كما تتعامل معها بعض التوجهات البروتستانتية. ومن هذا المنطلق، أُدخلت تعديلات تنظيمية داخل المجلس، مثل إنشاء اللجنة المشتركة الأرثوذكسية، لتأمين مشاركة عادلة وفاعلة للكنائس الشرقية.

بعثات التبشير في مصر: الخلفية التاريخية

ظهر النشاطُ التبشيري في مصر بوضوح في منتصف القرن التاسع عشر، وخصوصًا في عهد الوالي محمد سعيد باشا، مُستفيدًا من الدعم الغربي ونفوذ الامتيازات الأجنبية بعد معاهدة 1840. وصلت الإرساليات الأمريكية من دمشق عام 1854، وانطلقت المدارس التبشيرية لتكون نقطة دخول للمجتمع المحلي، خصوصًا الأقباط. وقد ارتبط نجاح هذه البعثات بالاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، فقد استُغلت الاختلافات العقائدية بين الكنائس لكبح الحركة الوطنية وتقوية النفوذ الاستعماري، في ظل استغلال الإمكانات التربوية والدينية للتأثير في المجتمع المسيحي المحلي.

مجلس الكنائس العالمي والكنائس الشرقية: أبعاد المشاركة

يُعد مجلسُ الكنائس العالمي إطارًا مسكونيًا أساسيًا يَهْدِفُ إلى جَمْع الكنائس في مساحة حوار وتعاون، وتنسيق الشهادة المشتركة وخدمة قضايا الإنسان. وقد منح حضور الكنائس الشرقية (الأرثوذكسية البيزنطية والشرقية غير الخلقيدونية، بما في ذلك الكنيسة القبطية) المجلس بُعدًا ليتورجيًا ولاهوتيًا عميقًا، مع توفير حساسية تجاه القضايا الجوهرية، مثل:

طبيعة الوَحْدة المسيحية: هل تتمثل في شركة إيمانية وأسرار مشتركة، أم في تعاون وشهادة عملية؟

العبادة المشتركة: حدود المشاركة في الصلوات والليتورجيا داخل اللقاءات المسكونية.

آليات اتخاذ القرار: ضمان عدم تهميش التمثيل الشرقي أو فرض الرؤية البروتستانتية السائدة.

وقد انعكست هذه الحساسيةُ بوضوح في اعتراضات أرثوذكسية لاحقة على بعض الممارسات داخل المجلس، ما يدلُّ على استمرار الحاجة إلى ضبط التوازن بين المشاركة المسكونية والحفاظ على الخصوصية اللاهوتية الشرقية.

التحليل: التوازن بين الانخراط والمسؤولية اللاهوتية

يُظْهِرُ هذا السياق أنّ التفاعلَ بين الكنائس الأرثوذكسية والمؤسسات المسكونية الحديثة يتسم بالديناميكية المستمرة بين:

الرغبة في الإسهام بالحوار المسكوني بما يَخْدم وَحْدة المسيحيين والشهادة المشتركة.

الحفاظ على الخصوصية اللاهوتية والليتورجية ومنع أي اختزال للكنيسة إلى محض جمعية اجتماعية أو إطار إداري.

إن هذا التوازنَ يُمَثِّلُ تحديًا مستمرًا، إذ يتطلب القدرة على الانخراط في الحركة المسكونية مع الالتزام بالتراث الأرثوذكسي والسرّيات اللاهوتية، والحذر من أي محاولة لتسييس الحوار أو فرض معايير غربية على الكنائس الشرقية.

2) أزمة المشاركة الأرثوذكسية والإصلاحات (1998–2002)

مَثَّلت الجمعيةُ الثامنة لمجلس الكنائس العالمي عام 1998 محطةً مفصلية في مسار العلاقة بين المجلس والكنائس الأرثوذكسية، وذلك عن طريق إنشاء “اللجنة الخاصة” المكلفة بمعالجة قضايا مشاركة الكنائس الأرثوذكسية داخل المجلس. إذ تراوحت عضوية اللجنة من ممثلين أرثوذكس وممثلين عن الكنائس الأخرى مناصفةً، وهو ما يعكس وعيًا مؤسسيًا بضرورة ضمان التمثيل المتوازن واحترام الخصوصيات اللاهوتية والليتورجية للكنائس الشرقية. في حين قدمت اللجنة تقريرها النهائي إلى اللجنة المركزية عام 2002، مُتضمنًا توصياتٍ أساسيةً ركّزت على ثلاثة محاور رئيسة:

هيئة العبادة المشتركة: مع مراعاة تقاليد الكنائس المختلفة، بما يحقق الانفتاح المسكوني دون تقويض الخصوصيات الليتورجية الأرثوذكسية.

آليات التمثيل والتصويت: لضمان توازن الحضور بين الكنائس الأرثوذكسية وبقية الكنائس الأعضاء، وتفاديَ تهميش الأقلية الشرقية.

مفهوم “الشركة داخل المجلس”: ويَهدف إلى الحفاظ على وَحْدة العمل المسكوني دون فرض صياغاتٍ لاهوتية قسرية، مع إبقاء المجلس منصة للحوار والشهادة المشتركة بدل أن يتحول إلى أداة هيمنة عقائدية.

تدلُّ هذه المرحلة على أن العلاقةَ بين الكنائس الشرقية والمجلس لم تكنْ مستقرة دائمًا، بل مرت بمراحل توتر وشد وجذب، أعقبها سعي مستمر في إصلاح مؤسسي يعالج الإشكاليات التنظيمية واللاهوتية.

  1. الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: العضوية والدور

تتمتع الكنيسةُ القبطية الأرثوذكسية بوزن تاريخي وموقع حساس داخل مجلس الكنائس العالمي. فيما يتعلق بالعضوية، ثمة تباين بين المصادر، إذ تُشير صفحة المجلس الرسمية إلى أن العضوية تعود إلى عام 1948.

ويذكر بيانُ المجمع المقدس القبطي (يونيو 2025) أن العضويةَ بدأت عام 1954. وعلى المستوى الأكاديمي، يُمكن التعامل مع هذا التباين عبر صياغة دقيقة، مثل: “العضوية موثقة رسميًا منذ أواخر الأربعينيات/الخمسينيات”، مع الإحالة إلى كلا المصدرين.١١

  1. حقبة البابا كيرلس السادس (1959–1971)

ومن ثم، يُمكن وضع هذه المرحلة في سياقها المسكوني العام، إذ تزامنت مع اتساع أطر العمل المسكوني عالميًا وبداية حضور أوسع للكنائس الشرقية ضمن المؤسسات الدولية، دون الحاجة إلى الإشارة إلى أدوار تفصيلية غير موثقة. ويُظهر هذا السياق أن الانخراطَ الأرثوذكسي في العمل المسكوني كان يحدث بحذر، مع محاولة الموازنة بين المشاركة والحفاظ على الخصوصية اللاهوتية.

  1. البابا شنودة الثالث: حضورٌ مؤسسي وثقل قبطي

فيما تُعَدُّ فترة البابا شنودة الثالث (1991–1998) أبرز مرحلة توثيقية لإسهام الكنيسة القبطية داخل مجلس الكنائس العالمي، إذ تولى فيها منصب أحد رؤساء المجلس، ما يعكس ثقل الكنيسة القبطية داخل المؤسسة ومسؤوليتها القيادية في دعم مسار الحوار المسكوني، إلى جانب تأكيد التمثيل الفاعل للكنائس الشرقية في قرارات المجلس وآلياته.

  1. عهد البابا تواضروس الثاني: محطتان بارزتان

أ. الجمعية العامة الحادية عشرة (كارلسروه 2022)

انعقدت الجمعية في الفترة من 31 أغسطس إلى 8 سبتمبر 2022، وشهدت مشاركة وفد الكنيسة القبطية برئاسة البابا تواضروس الثاني، مما يؤكد استمرار حضور الكنيسة القبطية في آليات المجلس والتزامها بالعمل المسكوني على المستويين الدولي والإقليمي.

ب. المؤتمر العالمي السادس للإيمان والنظام (مصر 2025)

انعقد المؤتمرُ في وادي النطرون بمركز “لوجوس” البابوي قرب دير الأنبا بيشوي، في الفترة من 24 إلى 28 أكتوبر 2025، وهو مؤتمرٌ أكاديمي الطابع قائم على أوراق بحثية، ولم يُصدر عنه قراراتٌ رسمية أو اتفاقات ملزمة، وإنما بياناتٌ إعلامية فقط. وقد أشارت المصادر القبطية إلى أن فعالياتِ المؤتمر، من ناحية التحضيرات واللجان وفرق العمل، امتدت زمنيًا على نحو أوسع في شهر أكتوبر، مما يعكس حجم الاستعدادات وحرص الكنيسة على تنظيم المؤتمر وفق المعايير الأكاديمية المسكونية.

التحليل: تاريخ التفاعل مقابل تاريخ الاندماج

يُمكن تلخيص العلاقة بين الكنائس الشرقية، لا سيما الكنيسة القبطية، ومجلس الكنائس العالمي بأنها تاريخُ تفاعلٍ أكثر منها تاريخ اندماج كامل. إذ تشمل التعاون في قضايا:

إنسانية: مثل دعم التعليم والرعاية الاجتماعية والخدمات الإنسانية.

لاهوتية ومسكونية: فيما يخص الشهادة المشتركة والحوار بين الكنائس.

حساسية تنظيمية: تتعلق بالعبادة المشتركة، اللغة اللاهوتية، وآليات التمثيل داخل المجلس.

ثم إن لجانَ المجلس وتقاريرَهُ، مثل لجنة الأعوام 1998–2002، تعكسُ فيما يبدو وعيًا مؤسسيًا بالحساسية اللاهوتية والثقافية، وسعيًا مستمرًا في تطوير آليات العمل المسكوني بطريقة تحترم الخصوصية الأرثوذكسية وتضمن مشاركة فاعلة ومتوازنة.

إلى ذلك هدفت الورقة بسكل رئيس نحو الكشف عن  مسارات التأثير  بين الدين والسياسة من خلال تتبع نشأة وتأسيس وتوجهات وسياقات عمل مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط من خلال سنة التأسيس وسياقه ونطاقات العمل والتأثير والتوجهات الفكرية والسياسية والاقتصادية التي صاحبت كل من المجلسين خلال العقود الفائتة فضلا عن الكنائس المشاركة وطبيعتها وبنية توجعاتها والطبقة السياسية في بلادها وتداعيات ذلك على تفاعلها مع المجلسين.

جاء ذلك كله  من خلال سؤال رئيس انطلقت منه الدراسة نحو أن انخراط كل من مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط   في قضايا المجال العام لا ينبغي النظر اليه من زاوية واحدة  بوصفه انعطافا سياسيًا مباشرًا ففط  بل بوصفه نتيجة لتحوّلات بنيوية طالت عمل المؤسسة خاصة مع انعطاف ذلك في توجعات العالم الحديث بعد الحرب العالمية الثانية وما تبع ذلك من تغيرات دولية وإقليمية طيلة عقود منتصف القرن العشرين.

نحو ذلك كشف التحليل التاريخي أن تأسيس  كل من المجلسين ” مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط ”  ارتبط بجملة من المحددات  السياسية والايديولوجية الأمر الذي أسهم  بشكل رئيس في توجيه أولويات كل منهما  وخطابهما المباشر وظائفهما فضلا عن تحرك مجلس للكنائس العالمي بدأب نحو الارتباط المباشر  والفاعل بعدد من الكتائس الكبرى خاصة الكنيسة القبطية نظرا لما تمثله من ثقل روحي وديني وتاريخي  .

جاء تأسيس مجلس الكنائس العالمي في سياق دولي أعقب الحرب العالمية الثانية، حيث برزت افكار محددة خاصة   السلام بين الدول والشعوب ومفاهيم حقوق الإنسان والمنظمات الدولية باعتبارها أطرًا معيارية للعمل المشترك بين الدول والشعوب إقليميا ودوليا. أما مجلس كنائس الشرق الأوسط فقد نشأ لاحقا في وسط مناخ إقليمي مختلف ويتسم بجملة من السمات المشتركة في بيئة مختلفة ، الأمر الذي جعل القضايا الرعوية والوجودية مرتبطة بصورة فاعلة و مباشرة بأسئلة المواطنة والاستقرار والصراع.

كما أوضح تتبع  تحليل الخطاب أن المجلسين يعتمدان لغة معيارية عامة تتجنب الاصطفاف الضيقة ، وتتمحور حول مفاهيم وقضايا عامة مشتركة بين الشعوب والدول كافة مثل قيم السلام والعدالة والكرامة الإنسانية. غير أن هذا الطابع المعياري لا يمنع احيانا تداول الخطاب او اسنخدامه وتوظيفه بما يحمل إشارات سياسية ، نظرًا إلى أن تلك المفاهيم  والقيم  أرتبطت في وقت سابق  ببنى السلطة والسياسات العامة لعدد من النظم السياسية الفاعلة. ومن ثمّ، فإن المسافة الفاصلة  بين الشهادة الأخلاقية والتأويل السياسي يتسق مباشرة  بطبيعة المجال العام ذاته أعمق وأكثر مما يرتبط بنيّة مؤسسية معلنة.

في المقابل يأتي التدقيق بين المؤسستين ليكشف أن الاختلاف بينهما  يتبدى  في درجة الاحتكاك بالسياق السياسي لا في طبيعة الدور المعلن. ففي حين يتحرك مجلس الكنائس العالمي ضمن فضاء دولي متعدد المرجعيات، يعمل مجلس كنائس الشرق الأوسط في بيئة أكثر اختلافا وأقل تنوعا وتمايزا بين الدول المشاركة والفاعلة .

بناءً على ذلك، يمكن الإجابة عن الإشكالية الرئيسة بالقول إن انخراط المجلسين في قضايا المجال العام يُعدّ امتدادًا وظيفيًا لمفهوم المسكونية في سياق محدد، وليس انزياحًا نحو الفعل السياسي الخالص والصافي والمباشر بيد أن  هذا الامتداد يظل محكومًا بحدود الفعل والتأثير في المجال العام المعاصر، حيث يصعب الفصل التام بين القيم  والسياسة، وتبقى مسألة التوازن بين الديني والسياسي فيما بين الاستقلالية الكنسية والتوظيف المؤسسي تحديًا بنيويًا مستمرًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

* الأنبا صموئيل: هو “سعد عزيز”، وُلد في 8 ديسمبر (كانون الأول) عام 1920، وتدرّج في مراحل التعليم المختلفة حتى حصل على ليسانس الحقوق عام 1942. عمل عقب تخرّجه في البنك الأهلي المصري، لكنَّهُ ما لبث أنْ قدَّم استقالته لرغبته الشديدة في حياة التكريس. والتحق بالكلية الإكليريكية (القسم النهاري الجامعي)، وكان من أوائل دفعة الطلاب الجامعيين. وكان معه في الدفعة نفسها كلٌ من: وهيب زكي، المتنيح القمص صليب سوريال، المهندس يسي حنا. وقد تخرَّجوا جميعًا عام 1944

1) كرين برينتون، تشكيل العقل الحديث، (ترجمة شوقي جلال)، سلسلة عالم المعرفة عدد (82)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1984، ص 79.

(2) جورج سباين، تطور الفكر السياسي، الكتاب الثالث، ترجمة د. راشد البراوي، دار المعارف، مصر، 1971، ص 494.

(3) جورج سباين، المرجع السابق، ص 495.

(4) ما هي الصهيونية المسيحية الأصولية؟، نشرة صادرة عن مجلس كنائس الشرق الأوسط، 1991، ص 16.

(5) الموقع الرسمي لمجلس الكنائس العالمي: إضغط هنا

(6) الموقع الرسمي لمجلس الكنائس العالمي، مرجع سابق: إضغط هنا

(7) ماجد عزت، مجلس الكنائس العالمي، النشأة والتطور، بحث غير منشور.

(8) نبيل منير، أحد مؤسسي مجلس كنائس الشرق الاوسط، مقابلة شخصية.

(9) سليمان شفيق، باحث قبطي راحل، مقابلة شخصية.

(10) كمال زاخر، باحث قبطي، مقابلة شخصية.

(11) ماجد عزت، مرجع سابق

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete