محمد أركون مدافعا عن الإنسان

 تكوين

تمهيد:

تحل عينا هذه الأيام الذكرى الخامسة عشر لوفاة المفكر الجزائري الكبير محمد أركون، وإن غيّب الموت أركون-الشخص، إلا أنه لم يزد أركون– النص إلا حضورا واهتماما من قبل المشتغلين بالفلسفة والفكر في العالم العربي الإسلامي وفي العالم أجمع، هذا الاهتمام لم يكن بهذا الزخم إلا لأن الراحل ترك مدونة نصية جديرة بالدراسة شرحا وتحليلا وتقييما لما اتسمت به من ثراء وتعقيد، ولما طرحته في ساحة التداول من مفاهيم ومناهج ولما تضمنته من أشكلة وإعادة مفهمة لموضوعات عدت في السابق من قبيل المعلوم الواضح البين، ولما أثارته من نقاشات وجدل حاد حول مواقفه وأطروحاته، نتيجة تعدد مرجعياته وتنوعها، يقول مترجم أحد كتبه: “ولا يصح أبدا ان يصنف مستشرقا ولا أوروبيا ولا عربيا ولا إسلاميا، وإنما يمكن أن يجمع أطرافا من كل ذلك في آن واحد تثري عالميته وإنسانيته”[1].

وقد حظي المشروع الفكري الذي نظّر له أركون بالعديد من الدراسات والبحوث الأكاديمية في مختلف بقاع العالم، ولعل الملاحظة الأبرز حول مجل هذه الدراسات-التي اطلعنا عليها طبعا-اهتمامها بالجانبين النظري والمنهجي من هذا المشروع على غرار الاهتمام بنقد العقل الإسلامي أو الإسلاميات التطبيقية أو منهجه في قراءة التراث العربي الإسلامي وكذا تنظيراته المتعلقة بإعادة قراءة القرآن الكريم، وبالرغم من أهمية هذه الدراسات إلا أنها في اعتقادنا لم تغط مختلف الورشات التي افتتحها أركون، من ذلك، تركيزها على الجانب المنهجي والمفاهيمي والنظري للمشروع عموما، وإغفالها للجانب العملي أو الشق الاجتماعي –السياسي لهذا المشروع، وهو شق مهم جدا بالنظر لارتباطه بالواقع المعيش مباشرة، وسعيه للكشف عن مواطن التأزم ومكامن الحرج وكذا مسارات التدخل النقدي لتجاوز هذه الأخلال والأغلال التي تكبل الإنسان العربي المسلم، ولأن الهدف الأسمى للمشروع هو تغيير أوضاع الإنسان العربي المسلم وتغيير تصوراته لذاته وللتاريخ والعالم بما يتلاءم مع معطيات التفكير الحديث، فإننا سنتوقف عند هذا الشق المتعلق بإشكالية الإنسان ودعوة أركون لتكريس نزعة الأنسنة، فكيف يتصور أركون هذه الأنسنة؟ وما علاقتها بالتراث العربي الإسلامي؟ ثم ما هي الآليات أو الشروط التي يقتضيها تأسيسها وتدعيمها؟

أولا: ورشات أركون المفتوحة:

منذ أعماله الأولى لم يسلك أركون الطريق السهلة التي تتحقق معها الطمأنينة والراحة النفسية ولو على حساب الحقيقة التاريخية، بالركون إلى الإجابات الجاهزة والاكتفاء بما هو موجود، بل اختار لنفسه طريق السؤال والشك والنقد والتمرد بكل جرأة، وظل طوال حياته مسكونا بهواجس التغيير والتجاوز، فكان سؤاله الأكبر: كيف يمكن أن نكون مسلمين جديرين بلحظة الحداثة بشقيها المادي والعقلي وبتمظهراتها السياسية والعلمية والفنية؟ كيف يمكن إعادة ربط العالم الإسلامي بماضيه أثناء فترة ازدهاره في القرون الهجرية الخمسة الأولى؟ وكيف يمكن ربطه، في الوقت نفسه، بحاضر غيره المتقدم على مختلف الصعد، والذي يزداد تطورا يوما بعد يوم منذ ثلاثة قرون أو أزيد؟ فكان المشروع الفكري الذي نظّر له أركون تحت مسمى: نقد العقل الإسلامي أو الإسلاميات التطبيقية والذي طرحه عبر أعماله العديدة واقعا بين قطبي التراث والحداثة؛ الموضوع هو التراث الإسلامي في كليته (سني، شيعي، إباضي، مدون، شفوي…الخ)، المنهج هو توليفة منفتحة على أحدث الأدوات المنهجية المتبناة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، والهدف هو حاضر الإنسان العربي المسلم بكل أزماته وتعقيداته.

فتح أركون ضمن مشروعه الفكري ورشات عديدة، حتى أنه يبدو في كتاباته كمن يحفر في كل الاتجاهات، محاولا أشكلة مختلف القضايا بما فيها تلك التي تبدو واضحة بينة، الشق الأول من مشروعه نظري وأولى ورشاته هي الدعوة إلى إعادة قراءة القرآن الكريم وفقا للمنهجيات الجديدة في علوم اللغة والإنسان والمجتمع، أما الورشة الثانية -كتكملة للأولى- فهي إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي في كليته –السنة الإسلامية الشاملة- قصد تجاوز الرؤية الاستشراقية للتراث الإسلامي أو الإسلاميات الكلاسيكية كما يسميها، وكذا الرؤية الغالبة لدى المسلمين حول تراثهم، لذلك فقد خصص ورشة لنقد الإسلاميات الكلاسيكية أو الاستشراق، وتكملها ورشة لنقد العقل الغربي (التنوير، الحداثة، ما بعد الحداثة)، وأخرى لنقد العقل الإسلامي، أما الورشة المعبرة عن الشق الثاني من مشروعه، أو الشق العملي فهي ورشة العلمنة ودراساته العديدة حول العلاقات بين الدين والدولة والمجتمع المدني، وتبقى الورشة الأهم، في هذا السياق، باعتبارها تستهدف الغاية القصوى للمشروع ككل، هي ورشة الأنسنة التي دشنها في أطروحته للدكتوراه وكانت حول “الأنسنة العربية بين القرنين الرابع والخامس للهجرة: مسكويه فيلسوفا ومؤرخا”·، وواصل البحث في الموضوع نفسه من خلال كتابيه: “معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية(2001)” و”الأنسنة والإسلام(2010)”، محاولا بعث هذه النزعة الجريئة والمتحررة في الدفاع عن الإنسان في المشهد العربي الإسلامي الراهن وفقا لمقتضيات هذا الراهن، وتماشيا مع مستجدات الفكر الحديث.

ثانيا: في الموقف الأنسني ومقتضياته:

يعد مفهوم الأنسنة واحدا من المفاهيم الأساسية المشكلة للشق العملي في المشروع الأركوني، وواحدا من الأطر الاجتماعية الضرورية من أجل الحرية والإبداع والتطور، بما يحيل إليه من تكريس وحماية لحقوق الإنسان، وما يقتضيه من فتح المجال للحوار والتسامح والاحترام المتبادل للآراء والتعايش والحق في الاختلاف..الخ، يؤكد أركون أهمية وضرورة تأسيس الموقف الأنسني الكوني قائلا:” لا ريب أننا في حاجة إلى نزعة إنسانية واسعة تصلح لجميع البشر والبحث عنها ملح وضروري”[2]، والمقصود بالأنسنة لديه هو عملية تثبيت لإنسانية الإنسان ولماهيته، وهي “تتجاوز حدود الأديان والطوائف والقوميات والأعراف لكي تصل إلى الإنسان في كل مكان، وإلا فلن تكون هناك نزعة إنسانية حقيقية، فهي إذا ما استثنت إنسانا واحدا من نعيمها تكون قد فقدت إنسانيتها”[3]، هذا المعنى، يستوحيه أركون من الأنسنة التي تشكلت في التاريخ الإسلامي بفضل شخصيات متميزة كالجاحظ والتوحيدي ومسكويه وغيرهم، غير أنه لا يتوقف عند هذا المعنى، بل يدعو إلى تجاوزه نحو أفق كوني يشمل الجميع، فمع كونه يشيد بآراء التوحيدي والجاحظ ومسكويه وغيرهم، ويثمن البعد الأنسني الذي مثلوه، إلا أنه يعتبر مواقفهم آنذاك مؤقتة وضيقة بالنظر إلى إطارها الزمكاني (الدولة الإسلامية -القرون الوسطى) في حين لا تكون الأنسنة حقيقية -في نظره- إلا إذا تعلقت بالإنسان أيا كان وفي أي مكان.

واستعمال أركون لمصطلح الأنسنة بدل مصطلحي النزعة الإنسانية وحقوق الإنسان، مرده كون المصطلح الأول يسجننا ضمن التاريخ الغربي الذي نشأت فيه هذه النزعة وقد عمل الفكر الغربي على نوع من “الاحتكار” لهذا المصطلح، وبالتالي، “منع” غير الأوروبيين من استعماله، في حين أن المصطلح الثاني -وهو الأكثر انتشارا وتداولا -فقد أصبح مفرغا من محتواه -بالنظر لمعطيات الراهن- نظرا للتوظيف الإيديولوجي الذي تعرض له حيث أصبح ذريعة تستعمله الدول العظمى للضغط على الآخرين أكثر مما تتقيد به في تعاملها معهم، والأمثلة على ذلك كثيرة خاصة تدخلات الدول الغربية المتزايدة في العديد من الدول العربية والإسلامية على وجه الخصوص.

وبالنظر إلى التطورات الحالية في الفكر الإنساني الحديث والمعاصر، التي أفرزت الموقف الثقافي الذي وصلت إليه الحداثة الغربية عندما اتخذت مسافة نقدية من الموقف الدغمائي المؤسس على الحقيقة الواحدة، المطلقة، التي تنفي ما يخالفها**، فإن تكريس الأنسنة في السياقات الإسلامية الراهنة يتطلب الانفتاح على الثقافة الحديثة والاعتراف بالتعددية المذهبية والثقافية واللغوية، الذي هو صفة من الصفات الأساسية والتأسيسية للموقف الإنساني”[4]، وهو موقف يلتقي فيه أركون مع إدوارد سعيد الذي يعتبر “الأنسنية وسيلة تساؤل وإقلاق وإعادة صياغة للكثير مما يقدم لنا أنه يقينيات مسلعة، معلبة، مغلقة على النقاش ومشفرة على نحو غير نقدي”[5].

هناك إذن ضرورة للعمل على إعادة الاعتبار للإنسان وللنزعة الإنسانية في المجتمعات الإسلامية التي تشهد وقائع وأحداث كثيرة على خلوها من الحريات، وعلى الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان، سواء تعلق الأمر بأسباب خارجية، أقصد تدخل القوى العظمى في الدول العربية والإسلامية أو أسباب داخلية تتعلق بالأنظمة الحاكمة والقوانين سارية المفعول في دولنا، ويؤكد أركون أنه “ينبغي علينا أن نعترف عندما نفتح أعيننا على المجتمعات الإسلامية والعربية أنها خالية من الحريات، فحرية التعبير مفقودة وحرية الصحافة كذلك، وحرية التعليم والتربية ولا شيء مضمون فيما يخص حقوق الإنسان”[6]، والسبب الرئيس القابع خلف هذا الوضع المزري هو غياب المفهوم الحديث للدولة، أي دولة القانون التي تعامل أفرادها كمواطنين لا كرعايا معزولين عن الحياة السياسية، وغير مشاركين في وضع القوانين واتخاذ القرارات المتعلقة بتسيير شؤونهم، فالأنسنة في عمقها مرتبطة بمفهومي المواطنة والمجتمع المدني، المرتبطين بدورهما بمفهوم الديمقراطية، فالمواطنة هي الوصف السياسي لأفراد المجتمع المنضوين تحت دولة-وطن تتبنى الخيار الديمقراطي كنظام للحكم والتسيير، وهي وضعية تسمو على الجنسية وتجعل العلاقة مع الدولة علاقة شراكة في الوطن، بمعنى أنها تشاركية وليست تبعية مثلما هو الشأن في ظل الأنظمة الاستبدادية والإقطاعية التي يعتبر فيها الأفراد رعايا لا مواطنين.

فدولة القانون هي أداة حماية الحريات الفردية من خلال ضمان معادلة الحقوق والواجبات، والحقوق هنا لا تقتصر على الحقوق المادية البسيطة-مع أن الكثير يفتقدها في بلداننا- بل الأهم هو الحقوق المعنوية والفكرية، خاصة ما يتعلق بحركة التفكير والتعبير والبحث المستمر عن المعنى والحقيقة دون قيد أو شرط، فمفاهيم الحداثة والحرية والعلمنة والأنسنة كلها تلتقي في فكر أركون عند مسألة أساسية وهي أنها تعبر عن نضال الإنسان في مواجهة مشكلة المعرفة وبالتالي مشكلة الحقيقة، هذه الحقيقة التي تعمل أنظمة متعددة سياسية ودينية على فرضها وتأبيدها في قوالب ثابتة وتمنع الاقتراب منها بأي صورة كانت، لأنها تمثل رأسمال رمزي يمكنها من الهيمنة والاستمرار في تحقيق الامتيازات بشتى أنواعها.

غير أنه من الضروري التنبيه على أن التحول إلى سيادة دولة القانون ينبغي أن يترافق مع تحول آخر لا يقل أهمية عنه، ونقصد به الانتقال من الفرد-الرعية إلى الفرد-المواطن، وهو ما عرفته المجتمعات الغربية خصوصا منذ إعلان ميثاق حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا سنة 1789، فالمواطنة كشعور بالانتماء مفهوم محوري في قيام دولة القانون، وشرط أساسي للتحول الديمقراطي مثلما هي شرط أساسي في بناء المجتمع المدني.

هذا الشعور بالانتماء ينعكس في نوع من المسؤولية التي تُشعر الفرد بضرورة المشاركة الإيجابية الفعالة تجاه القضايا المطروحة في المجتمع الذي ينتمي إليه، من هنا فإن الانتقال الإيجابي يقوم أساسا على تحرير الإنسان وإطلاق طاقاته كقوة أساسية في المشاركة والتغيير، وهذا ما يتطلب في نظر أركون ضرورة احترام حقوق الإنسان أو ما يدعوه بـالموقف الأنسني، ففي ظل الحداثة “من باب اللامقبول أن نرفض للفرد حقا من حقوقه الحياتية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية”[7]. ويضيف في موضع آخر: مؤكدا وموضحا أن “الاعتراف بالتعددية المذهبية والثقافية واللغوية هو صفة من الصفات الأساسية والتأسيسية للموقف الإنساني”[8]، وواقعنا يؤكد عكس ذلك تماما، فكثير من الحقوق غائبة وبعضها يهضم كل يوم، دون أن تكون للمواطن العربي والمسلم حتى القدرة على المطالبة بحقوقه بالطرق السلمية والقانونية.

ثالثا: الأنسنة بين الذات والآخر:

يربط أركون مفهوم الأنسنة بالعلاقة بين “الأنا” و “الآخر”، أو الصورة التي يشكلها كل طرف عن الطرف الآخر، صورة الإسلام لدى الغرب وصورة الغرب لدى المسلمين، ملاحظا أنه على الرغم من أهمية هذا الموضوع لم يحظ بالاهتمام اللازم في السياقات الفكرية المعاصرة، وإن تم ذلك فإنه يتم في دوائر ضيقة لدي بعض المفكرين الأكاديميين الذين لا تصل أصواتهم إلى الجماهير، ولا تؤثر مواقفهم كثيرا في تغيير الصور النمطية المشوهة المتبادلة بين مختلف الأطراف، وهذا لطغيان الخطاب الإعلامي- السياسي المتسرع ذو الأهداف الإيديولوجية على حساب الخطاب الأكاديمي الهادئ ذو الأهداف الإنسانية.

يبدأ أركون مناقشته لموضوع الذات والآخر من خلال رصده لمجموعة نصوص من الكتب المقدسة (التوراة، الإنجيل، القرآن)، ونصوص أخرى لكبار الفلاسفة على غرار كانط، سارتر، ليفيناس وبول ريكور..وغيرهم، تتقاطع هذه النصوص جميعها في كونها تتضمن إشارة إلى كيفية التعامل مع الآخر، ويلاحظ أركون أنه على الرغم من أهمية هذه النصوص وكثرة الاستشهاد بها(لاسيما النصوص المقدسة) إلا أنها لم تستطع تجاوز الإشكاليات المطروحة حول مسألة الأنا والآخر، وما ترتب عنها من عنف وصراع وإقصاء لأطراف يُنظر إليها بصورة دونية، لأن هناك دوما فجوة بين النظرية والتطبيق العملي في أرض الواقع، يقول في هذا السياق: “طيلة قرون وقرون راحت الفلسفة واللاهوت يتحدثان بإسهاب على الإنسان، والعقل، وشروط بلورة المعرفة النقدية ونقلها إلى الآخرين أيضا، كما تكلما عن كيفية تشكيل المجتمع البشري المثالي أو المدينة الفاضلة، ولكن من دون دمج للمرأة فعليا، ومن دون دمج الغريب البعيد، ثم بشكل أخص من دون دمج العبد الرقيق”[9].

بالإضافة إلى هذه النقائص، التي، ربما تداركتها الحداثة ولو نسبيا، هناك إشكاليات جديدة أفرزتها هذه الحداثة نفسها، لاسيما الحروب غير المتكافئة بدءا من إلقاء القنبلة النووية الأمريكية على الأراضي اليابانية، وصولا إلى تدخل القوى المتطورة تكنولوجيا في مختلف المناطق من العالم الذي تمت شيطنته والنظر إليه باعتباره الشر المطلق أو “محور الشر”، فهنا تحديدا –والقول لأركون- ينبغي”أن نبحث عن الأسباب العميقة لانتشار ظاهرة الإرهاب بصفتها ردا على هذه الحروب غير المتكافئة”[10]، هذا لا يعني البتة تبرير الإرهاب والعنف مهما كانت صيغتهما وصورهما، إنما يعني بالدرجة الأولى إعلان الحاجة الماسة لبلورة فلسفة جديدة تسمح بالقبول الفعلي للآخر، وجعل الطرفين المتصارعين على قدم المساواة من حيث المسؤولية، سعيا لتغيير الأفعال وردود الأفعال من العنف إلى السلم وتقبل الآخر المختلف والتعايش معه، فالغرب لا يمكنه أن يستمر في الإعلان عن كونية قيمه من دون أن يدمج الآخر-المسلم في تصوره للكونية، ويكف عن اعتباره الشر المطلق، ويكف بنفس الدرجة عن إرادته في الهيمنة والبطش والدوس عن قيم الآخرين. أما الطرف الثاني؛ أي الجهة الإسلامية فينبغي أن تكف هي الأخرى عن شيطنة الغرب والنظر إليه ككتلة واحدة كلها شر، وأن تكف عن تغذية العنف والتحول إلى توعية الجماهير وتعليمها وتحسين ظروف معيشتها.

إقرأ أيضًا: محمد أركون: مشروع القطيعة التاريخية

وضمن الظروف المعيشة حاليا، يبقى العقل (ومن ثم الإنسان) مأخوذا كرهينة في كلتا الجهتين، الأصوليات والإيديولوجيات ذات المزعم الكوني، وهي في الحقيقة تشتغل لصالح إرادات القوة والهيمنة التي تلغي كل العمل النقدي المؤدي إلى “تحولات المعنى والقيم” على الصعيد العالمي[11]. وقد آن الأوان يقول أركون، في صرخة طوباوية يائسة “للخروج من هذه الحلقة الجهنمية للعنف والعنف المضاد، لقد آن الأوان للخروج من عهد الأكاذيب السياسية لتبرير فوضى الحروب، آن الأوان للتخلي عن السياسة القائمة على القوة المحصنة، آن الأوان للخروج من تلك الحلقة المبتذلة للتفجيرات الإرهابية من جهة وللرد الهائل المفرط عليها من جهة أخرى”[12]. لقد أصبح الإنسان العدو الأول للإنسان، في ظل الشيطنة المتبادلة بين الإسلام والغرب، ومن ثم لابد من تدارك الوضع قبل ضياع الإنسان، وإعادة الاعتبار للموقف الأنسني القائم على احترام الإنسان والأديان، والمهموم بإرادة المعرفة ومقارعة الحق بالحق للحق كما يقول المتصوفة.

هذا الموقف يستلزم إعادة تشكيل صورة الآخر وإعادة رسم علاقة الذات مع هذا الآخر، و”ما دمنا لا نعامل الآخر وكأنه ذات، أي كأنه مثلنا، لا يمكن أن توجد نزعة إنسانية، ينبغي أن يتحول الآخر إلى ذات، أو الذات إلى آخر، لكي يحصل التناغم والانسجام في المجتمع والعالم كله”[13]. ولكن الواقع يؤكد أننا وفي ظل معطيات الراهن بعيدون كل البعد عن هذا الموقف الأنسني الذي يدعو إليه أركون-سواء نحن العرب والمسلمون أو غيرنا- لهذا وصَفْنا موقف أركون بأنه صرخة طوباوية وليس أكثر من أفق للانتظار، فكم من الوقت يلزم حتى يقتنع الجميع بهذا الموقف الأنسني ويجسدوه في سلوكهم؟ وكم سيبلغ عدد ضحايا المواقف اللاإنسنية حتى ينتشر الموقف الأنسني؟ من المؤكد أن الانتظار سيطول، لكننا لا نملك غير التفاؤل والانتظار على أمل تغير الأوضاع، فالطوباويات تبقى ضرورية في حياة الأفراد والمجتمعات، باعتبارها تعبر عن آمال البشر وتطلعاتهم لغد أفضل.

خاتمة:

من خلال ما سبق يمكننا القول أن الدفاع عن الإنسان والسعي لتأسيس الموقف الأنسني في السياقات العربية الإسلامية شكل أحد الأهداف الرئيسة للمشروع الفكري لمحمد أركون في شقه العملي، وقد اقترح بعض الآليات التي من شأنها الإسهام في ترقية وضعية الإنسان، وتعزيز قيمته وصيانة كرامته وتدعيم حريته، فالأنسنة كما يدعو إليها أركون هي ترسيخ للحرية في التفكير والتعبير واحترام للاختلاف والتعددية، وهذا الموقف الإنساني يغتني ويتدعم من خلال توفير فرص التثقيف الحديث وفتح آفاق التبادل المبدع مع مختلف الثقافات، دون تفضيل لثقافة على أخرى، كما يتطلب الموقف الأنسني الإيمان بفضائل الإنسان وفتح آفاق الحوار والتبادل بين المواطنين، وجعلهم ينفتحون على المعنى الجديدة من أجل بناء نظام إنساني محرر من العنف وأساليب الهيمنة والنبذ المتبادل، وكذلك محرر من أنواع النفي والرفض للآخر.

غير أن هذه الدعوة تبقى مجرد أمل وأفق ننتظره، والغالب أن انتظارنا سيطول، طالما أن ما نراه يحدث أمامنا كل يوم وفي مختلف بقاع العالم، يؤكد البون الشاسع بين ما هو موجود وما ينبغي أن يكون، فهناك أنساس يعملون بطرق مختلفة وبصورة مستمرة على تدمير واضطهاد أنسان آخرين، وأصوات المدافعين عن الإنسان، إما أنها تدافع عن إنسان بعينه، لا الإنسان في المطلق، وإما أنها أصوات مهمشة ومقموعة لا تحرك ساكنا ولا تسكن متحركا، لذلك، يبقى سؤال الإنسان ينظر التفاتة جدية من الإنسان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات:

[1] محمد أركون: الأنسنة والإسلام، ت: مصطفى عزب، بيروت: دار الطليعة، ط1، 2006، مقدمة المترجم، ص 08.

  • Mohammed ARKOUN : Contribution à l’étude de l’humanisme arabe au 4-5 siècle. Miskawayh philosophe et historien, Paris :J.Vrin ,1970.

[2] محمد أركون: معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، ت: هاشم صالح، بيروت: دار الساقي، ط1، 2001، ص 84.

[3]  محمد أركون: نزعة الأنسنة في الفكر العربي، ت: هاشم صالح (بيروت: الساقي، ط1، 2004)، 29.

**  نتحدث هنا عن الموقف النظري والفكري الذي نظرت له الحداثة ثم ما بعد الحداثة، لا على الممارسات التي آل إليها المشروع الغربي، والتي ابتعدت كثيرا عن الوعود النظرية التي انطلقت منها، خصوصا في تعاملها مع الآخر غير الغربي، وهذا نتيجة الهيمنة المتصاعدة للسياسي والعسكري والمالي على الفكري والفلسفي وبالتالي الإنساني.

[4]  محمد أركون: معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، مصدر سابق، ص14.

[5] إدوارد سعيد: الأنسنية والنقد الديمقراطي، ت: فواز طرابلسي، بيروت: دار الآداب، ط1، 2005)، ص 48.

   محمد أركون: العلمنة والدين، ت: هاشم صالح، بيروت: دار الساقي، ط1، 1996)، ص 97[6]

[7] فتحي التريكي- رشيدة التريكي: فلسفة الحداثة، بيروت: مركز الإنماء القومي، ط1، 1992، ص72.

[8] محمد أركون: معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، ص 14.

[9]  حمد أركون: نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ت: هاشم صالح، بيروت: دار الساقي، ط1، 2011، ص 320.

[10]  محمد أركون: نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، مصدر سابق، ص 321.

[11]  المصدر نفسه، ص 338.

[12] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[13]  المصدر نفسه، ص 337.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete