عندما نفتح ملفات الذاكرة الإسلامية، نجد أنفسنا أمام أسماء لامعة لفقهاء كبار ملأوا الدنيا علما وفقها وعاشوا واشتهروا بين الناس بفقههم وعلمهم ودأبهم في البحث والتحصيل وتدقيق النظر و التفكير، ولمكانتهم الكبيرة في عقول وقلوب الناس استحقوا أن يحملوا في حياتهم، وبعد مماتهم لقب (إمام) .. وهو لقب أطلقه عليهم مشايخ وعلماء عصرهم وتلاميذهم، ثم استمر هذا اللقب مستقرا في الضمائر ومستحقا في الأجيال التالية وحتى يومنا هذا.. فلقب (إمام) لم يكن صكا تمنحه السلطة، بل كان “استفتاءً شعبيا عابرا للقرون” ،حيث التقت براعة الاستنباط مع استقلال الضمير.

ومهما كان حجم الاتفاق أو الاختلاف مع هؤلاء الكبار في بعض الاجتهادات والفتاوى إلا أننا لا ننكر -ولا نريد أن نفكر مجرد تفكير في ذلك- أنهم كانوا أئمة مجتهدين وأصحاب مناهج في الفقه الإسلامي، وكانوا علماء يستنبطون الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، محاولين دائماً فك الشفرات الكبرى لنصوص القرآن الكريم والسنة لمواجهة تحديات عصورهم.

وإذا كان هؤلاء الأئمة قد  قدموا لنا “تنوعاً مذهلاً” في طرق الاستنباط وآليات التفكير والاعتماد على أدلة معينة ، وهو تنوع يشبه في فرادته “بصمة الإصبع” التي لا تتكرر، إلا أن  المتأمل في مساراتهم الإنسانية يكتشف “قاسماً مشتركاً” يثير الدهشة والتأمل.. فنحن هنا لسنا أمام سير ذاتية منفصلة، بل نحن أمام “قانون تاريخي” حكم حياة هؤلاء الكبار. فمعظم هؤلاء الفقهاء -إن لم يكن كلهم- وجدوا أنفسهم في لحظة ما في “مواجهة مكشوفة” مع مراكز القوى السياسية و العلمية في عصورهم.. ولم تكن المسألة مجرد اختلاف في الرأي، بل كانت “أزمة إرادات” تحولت في كثير من الأحيان إلى “محنٍ قاسية” واضطهادات اتسمت أحياناً بـ “ضيق الأفق” وأحياناً أخرى بـ “البطش الغاشم” وانتهى كثير منها إما بالعزلة أو بالسجن أو بالموت ومغادرة الحياة.

و تتجلى إشكالية العلاقة بين المؤسسة الفقهية وسلطة الحكم في التاريخ الإسلامي من خلال تجربة الأئمة الأربعة، إذ عكست المحن التي تعرضوا لها صراعا محتدما حول استقلالية الخطاب الفقهي عن التوجيه السياسي.

و أي محاولة لقراءة “دراما العلاقة” بين الفقيه من ناحية و الحاكم و مراكز القوى من ناحية أخرى، لابد و أن تتوقف أمام تجربة الأئمة الأربعة ، حيث لاقى كل واحد منهم التعذيب والتنكيل على أيدي أصحاب السلطة، فقد سجن أبو حنيفة لرفضه تولي القضاء أيام بني العباس (1).. ولم يكن سجنه مجرد عقوبة لرفض منصب “القضاء”، بل كان قراراً سياسياً بهدف كسر “هيبة الفقيه” الذي رفض أن يتحول إلى “موظف” في دواوين بني العباس، مفضلاً حرية الرأي على قيود المنصب.

أما الإمام مالك فقد تعرض للتضييق والاضطهاد لأنه أفتى بأن يمين المكره لا تلزمه (2)، واعتبر السادة الذين في السلطة أن في ذلك إسقاطا على أيمان البيعة للخلافة التي كانت تؤخذ قسرا و يقسم بها الناس مجبرين و مكرهين.. ومن المفارقات أن الإمام مالك كان ضد مبدأ الخروج على الحاكم، و يؤكد على ذلك الشيخ محمد أبو زهرة قائلا أنه :” كان لا يألو نصحا للولاة والخلفاء، ويأخذ عطايا الخلفاء”.(3)

و على الناحية الأخرى هناك روايات تقول أن مالك بإصراره على ترديد هذا الحديث ”  ” كان يحرض على بيعة محمد بن عبد الله النفس الزكية وأنه أفتى الناس بمبايعته، فلما قيل له: إن في أعناقنا بيعة المنصور، رد عليهم قائلا: إنما كنتم مكرهين وليس لمكره بيعة.. وعلى ذلك بايع الناس محمد بن عبد الله ، ولزم مالك بيته.(4)

وفي سياق متصل، لم يكن الإمام الشافعي بمنأى عن هذه التجاذبات السياسية، حيث تعرض لمحنة قاسية في اليمن (5) اتهم فيها بالتشيع (الرفض) وممالأة العلويين ضد السلطة العباسية. وقد سيق مكبلاً بالأغلال إلى بغداد في عهد هارون الرشيد فيما عُرف بمحنة العلويين عام 184هـ، إلا أن قدرته على المحاجة والإقناع أسهمت في إنهاء هذه الأزمة ، إضافة إلى شهادة القاضي محمد بن الحسن الشيباني في حقه. ولولا ذلك  ربما أخذت الأمور مساراً تراجيدياً آخر.

وفي المقابل، مثلت محنة الإمام أحمد بن حنبل في قضية “خلق القرآن” ذروة الصدام بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية، إذ لم يكن الخلاف مجرد نزاع عقدي مجرد، بل كان محاولة من السلطة العباسية لفرض “أيديولوجية رسمية” وإخضاع الضمير الفقهي لتوجهات الدولة المركزية.

في تلك القضية “خلق القرآن” واجه ابن حنبل ما يمكن وصفه بـ “محاكم التفتيش” الفكرية، و محاولات قولبة الوعي الديني وفق إرادة السلطان، وهو ما قاومه ابن حنبل بصلابة جعلت من محنته ملحمة في الصمود الإنساني فرضت هيبتها على الجميع.

والحقيقة أن ابن حنبل لم يكن يدافع عن نص مقدس فحسب، بل كان في حقيقة الأمر يمثل (المقاومة الشعبية) ضد (استبداد السلطة) التي حاولت فرض فكرها النخبوي (المعتزلة) بقوة السياط.. فإذا بنا أمام مشهد استثنائي، انحنى له خصومه احتراما، قبل أن يرفعه محبوه تقديرا وإعزازا.

وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل ثلاث تجارب تاريخية لمحنة الفقيه مع السلطة، ليس من قبيل السرد التاريخي التقليدي، وإنما لاستكشاف المنطق الهيكلي الكامن وراء الصدام الحتمي بين حرية الفكر الفقهي وشمولية وإكراهات السلطة السياسية في ذلك السياق التاريخي.

– محنة  الإمام سعيد بن المسيب:

واحد من كبار التابعين ، من الطراز الأول ، وهو قرشي من ” بني مخزوم” ، جمع إلي شرف نسبه علم الحديث والفقه والزهد والعبادة، حتى قال فيه عبد الله بن عمر :

” لو رأي هذا رسول الله  لسره “. (7)

جاء في البداية والنهاية لابن كثير أنه :

“سيد التابعين علي الإطلاق”.(8)

و بسبب مكانته تلك ، تقول لنا المصادر التاريخية أنه لما أراد  عبد الملك بن مروان أن يبايع لابنه الوليد  سنة خمس وثمانين من الهجرة خطب له بنت سعيد بن المسيب.(9)

ولم يكن هذا السعي وراء ذاك النسب من قبيل المصادفة، بل كان استثمارا لمكانة سعيد في نفوس العامة، إذ رأى عبد الملك في هذه المصاهرة جسرا يعبر به إلى قلوب الناس، وضمانا لرضاهم عن بيعة ابنه ، فمُباركة ابن المسيب تعني في عرف الناس صك المشروعية والولاء.

و هنا نصل إلى ذروة التوظيف السياسي للمصاهرة في فكرعبد الملك بن مروان ، فالرجل – وهو (المهندس الأول) للدولة الأموية – لم يكن يتحرك بعاطفة الأب، وإنما بمنطق (رجل الدولة) الذي يدرك قيمة (الرمز) وأهميته في التأثير.

وكان لابن المسيب رأي سلبي وموقف غير ودي من بنى مروان ، والواقع أن موقف ابن المسيب من بني مروان لم يكن مجرد خصومة فقهية عابرة، بل كان في جوهره رفضاً مبدئياً لشرعية القوة ، فقد أدرك الرجل بحدسه النافذ أن الأمويين قد استبدلوا ‘منطق الشورى’ بـ ‘منطق السيف’. ومن هنا، آثر ابن المسيب أن يضع مسافة كافية بينه وبين قصر الحكم.

وهذا يفسر لنا رفض ابن المسيب أن تخطب ابنته لابن الخليفة، و لم يكتف بذلك، بل فضل عليه رجلا آخر وهو ” أبا وداعة ” و كان طالب عالم في حلقته فقير الحال. و يحكي أبو داعة القصة بنفسه: ” كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: هلا أخبرتنا فشهدناها، ولما أردت أن أقوم قال: هلا حدثت امرأة غيرها. فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال: إن أنا فعلت تفعل؟ قال نعم. ثم حمد الله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم وزوجني (ابنته) على درهمين”.(10)

وندرك هنا أن المسألة  لم تكن مجرد اختيار أبٍ لزوج ابنته، بل كانت – في عمقها –  مواجهة سافرة بين سلطة الروح وسلطة الحكم.

لقد وقف ابن المسيب أمام بريق التاج الأموي موقف النبل و الشموخ، ولم ير فيه إلا إغراءً ماديا وسلطويا لا يصمد أمام جوهر القيمة.

وبدلاً من أن تذهب (فلذة كبده) إلى قصور دمشق لتكون رقما في صراعات الخلافة، قرر الرجل – بوعي تاريخي مذهل – أن يزوجها لطالب علمٍ فقير، لا يملك من عرض الدنيا شيئاً، لكنه يملك – وفقا لحسابات بن المسيب- ما هو أثمن.. لقد انحاز الرجل هنا للمستقبل لا للمنصب، وللإنسان لا لكرسي الحكم.

فلما بلغ عبد الملك ذلك حقد علي ” ابن المسيب” أشد الحقد ، وأسخطه أن يؤثر ” أبا وداعة ” أشد السخط ، ثم مضي فيما أراد من المبايعة لابنه.

ونحن هنا أمام لحظة كشف إنسانية وسياسية بامتياز، فعبد الملك بن مروان، الذي كان يمسك بخيوط اللعبة من دمشق، لم يَرَ في رفض سعيد بن المسيب مجرد رفض لعرض زواج ، بل رآه تحدياً مكشوفاً لشرعية المشروع الأموي في معقله الروحي بالمدينة.

وعلى الفور أرسل عبد الملك إلى أهل المدينة يأخذ منهم البيعة لـ ” الوليد ” ، ثم من بعده لابنه ” سليمان “، ليكونا وليي عهد  المسلمين، فبايع أهل المدينة كلهم ، وأبي ” سعيد بن المسيب” أن يبايع ، وكان والي المدينة هشام ابن إسماعيل ، فكتب إلي عبد الملك :

” إن أهل المدينة قد أطبقوا علي البيعة لـ” الوليد” و “سليمان ” إلا ” سعيد بن المسيب”.

فكتب إليه عبد الملك :أن اعرٍضه علي السيف، فإن مضي فاجلده خمسين جلدة وطف به في أسواق المدينة “.(11)

عند هذا الحد بلغت الأزمة  ذروتها حين وصلت التقارير من المدينة إلى مكتب “عبد الملك بن مروان” في دمشق، تؤكد أن الجميع قد خضعوا لترتيبات “الخلافة الوراثية” إلا رجلاً واحداً هو سعيد بن المسيب. وهنا، نلمح في رد فعل عبد الملك طبيعة السلطة الأموية في تلك المرحلة، فقد كان الأمر بمثابة “اختبار قوة” لا يحتمل المناورة، فجاءت تعليماته صريحة وحادة:  اعرضوا هذا المعارض على السيف أو الجلد والتشهير.

وتقول الروايات أنه لما قدم كتاب ” عبد الملك ” دخل  سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن المسيب.

وقالوا :”جئناك في أمر، قد قدم كتاب عبد الملك ” إن لم تبايع ضربت عنقك ” ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثة  فأعطنا إحداهن، فإن الوالي قد قبل منك أن يُقرأ ( أمر البيعة)عليك ، فلا تقل : لا ، ولا نعم ” فقال لهم : يقول الناس : بايع ” سعيد بن المسيب” .. ما أنا بفاعل ذلك.

فقالوا له :” فتجلس في بيتك ولا تخرج إلي الصلاة أياماً” ، فقال لهم: ” فأنا أسمع الأذان فوق أذني” حي علي الصلاة، حي علي الصلاة “.. ما أنا بفاعل.(12)

فقالوا له : ” فانتقل من مجلسك إلي غيره، فإنه يرسل إلي مجلسك فإن لم يجدك أمسك عنك ”

فقال لهم :” أخوفا من مخلوق ؟ … ما أنا بمتقدم شبراً ولا متأخر”.

فلما أبي عليهم ذلك كله خرجوا من عنده، وخرج بعدهم إلي صلاة الظهر، فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه، فلما صلي الوالي بعث إليه فأتي به، فقال: ” إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع  ضربنا عنقك “. (13)

فقال سعيد: ” نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين ” وقيل إنه أبي وقال :لا حتي أنظر. وقيل أنه قال : “لا أبايع وعبد الملك حي”.

والمثير للاهتمام هنا، هو ذلك “الحوار الدرامي” الذي دار خلف الكواليس بين ابن المسيب وأصدقائه من كبار الفقهاء. لقد حاولوا، وبمنطق “فن الممكن” و”البراجماتية السياسية “، أن يجدوا له مخرجا آمنا عبر ثلاث سيناريوهات:

– الصمت الخادع: أن يُقرأ عليه كتاب البيعة فلا يرفض ولا يقبل.

– الاحتجاب السياسي: أن يلزم بيته ويتغيب عن المشهد أياما.

– تغيير الموقع: أن ينتقل من مجلسه المعتاد لتفادي “الصدام المباشر”.

إلا أن “ابن المسيب” كان يرى ما لا يراه غيره، كان يدرك أن “الموقف” هو شرفه ورأسماله الوحيد، فرفض كل الحلول الوسط بكلمات تقطع الطريق على أي مناورة: “أخوفاً من مخلوق؟.. ما أنا بمتقدم شبراً ولا متأخر”.

و نتيجة هذا الرفض الحازم ، يتعرض ابن المسيب لأقسى أنواع الضغط، وفي مشهد “تراجيدي” في يوم شتوي قارص، يمارس ضد هذا الشيخ “عنف مؤسسي” لم يقصد منه القتل بقدر ما قصد منه “الاغتيال المعنوي”، حيث طيف به في الأسواق، وصُب عليه الماء البارد، في محاولة لإهانته وكسر هيبته أمام الجماهير.

والمبهر في هذه اللحظة، هي سيكولوجية ابن المسيب نفسه.. فقد كان يتوقع “الصلب” – كأقصى درجات العقاب – فارتدى ثياباً خشنة ليضمن ستر جسده، في إشارة إلى أن كرامته الشخصية كانت هي شاغله الأخير وسط هذه المعركة السياسية.

وحين عُزل بعد ذلك ومنع الناس من مجالسته، لم يمارس دور “الضحية”، بل تسامى بأخلاق الفرسان ، فكان  من ورعه إذا جاء إليه أحد يقول له قم من عندي، كراهية أن يضرب بسببه.(14)

لقد كان يطرد زواره و مريديه حين يأتون للاطمئنان عليه ، خوفاً عليهم من بطش السلطة، مفضلاً أن يتحمل ثمن “كلمة الحق” وحيداً، في عزلة أرادها أن تكون شهادة حق خالدة لا مجرد غياب عابر.

أخيرا، فإن تلك الأزمة بين عبد الملك بن مروان وسعيد بن المسيب، تكشف للمتأمل عن خلل بنيوي في فهم السلطة آنذاك لمفهوم “الشرعية السياسية”. لأن البيعة لا تكون صحيحة إلا عن رضا واختيار، ولا يصح أن يقهر أحد عليها ، لأنها إذا جاءت بالقهر تكون باطلة ، وما كان لعبد الملك أن يتشبث ببيعة سعيد إلي هذا الحد ، لأن البيعة تصح باتفاق أكثر الناس ، ولا يجب أن تكون بإجماع منهم.

وعلى العموم فجوهر “الفعل السياسي” لا يستقيم إلا بالإرادة الحرة والرضا الاختياري.

وهنا يبرز سؤال: لماذا تشبث عبد الملك ببيعة “رجل واحد” رغم أن الأغلبية الساحقة في المدينة قد خضعت لقرار دمشق؟

والإجابة تكمن في أن “سعيد بن المسيب” لم يكن مجرد رقم، بل كان “بوصلة الأخلاق” في عاصمة الرسول.. كان عبد الملك يدرك أن بيعة العوام هي “بيعة عددية”، أما بيعة سعيد فهي “بيعة شرعية” تمنح النظام صك الغفران التاريخي.

لقد كان “ابن المسيب” يمارس ما نسميه اليوم بـ “المعارضة السلمية”، فهو لم يحمل سيفاً، ولم يدع لثورة، بل مارس حقه في “الامتناع الواعي”.

ولو أن عبد الملك استوعب دروس التاريخ المبكرة – وتحديداً تجربة أبي بكر الصديق – لأدرك أن الحكمة السياسية تقتضي احتواء المعارض لا سحقه وإذلاله.

– محنة الإمام مالك:

ولد الإمام مالك سنة 93 هجرية ، ومات سنة 179هـجرية ..

وبهذا يكون قد عاصر الدوليتين : الأموية والعباسية.. وكل دولة منهما كانت تحكم باسم الخلافة، بينما كانت الحقائق على الأرض تشير إلى شيء آخر تماما: نحن أمام “نظام ملكي وراثي” متكامل الأركان، حيث “الشرعية” تُورّث كما تُورّث العقارات، دون أدنى اعتبار لـ “الإرادة الشعبية” أو “معايير الكفاءة”.

مثل هذا الطريقة في الحكم كان من الطبيعي أن لها كثير من المعارضين والمخالفين.. وانقسمت المعارضة إلى:  معارضة سلمية بالكلمة والقلم واللسان والوعي، ومعارضة مسلحة باليد والسيف، وهذه المعارضة الأخيرة – يعني المسلحة – أخذت تكبر شيئا فشيئا مثل كرة ثلج تبدأ صغيرة ثم تكبر وتتسارع وتيرتها و تتدحرج بسرعة فائقة لتطيح بالعرش الأموي في لحظة تغيير جذرية لصالح العباسيين.

والمثير للدهشة، أن “النظام العباسي الجديد” لم يأتِ ليصحح الأخطاء، بل جاء ليحكم القبضة ، فاشتد الحكام الجدد مع معارضيهم على أساس أن هذا يضمن حفظ وبقاء السلطة!!

في هذا الوقت كان الإمام مالك ممن لا يخوضون في السياسة و كان لا يحرض على الثورات و لا يرضى عن الفتن (15).. باختصار كان ضد الخروج على الحكام وإن كانوا ظالمين بسبب المضار والمفاسد العظيمة التي تترتب على هذا الخروج.

في الوقت نفسه لم يكن مالك مداهنا لخليفة ولا أمير، بل كان محايدا ملتزما الجماعة والطاعة.

الغريب والعجيب إنه رغم رفض وكره الإمام مالك للثورات والتحريض عليها، فالمقادير كانت تخبئ له شأنا آخر، فلم يسلم من نار الثورات وشررها فاكتوي بنيران فتن لم يشعلها، وواجه شرر ثورات كان هو أول الداعين لإخمادها!

والمصادر كلها تجمع أن الإمام مالك لم يكن مجرد فقيه، بل كان يمتلك كاريزما طاغية منحته وضعاً استثنائياً ومكانة رفيعة، لا في ردهات القصور فحسب، بل وفي قلب الشارع ..إلا أن هذا “الوضع الاستثنائي”، سرعان ما أثار قلق  وهواجس ما نسميهم “مراكز القوى التقليدية” في الوسط العلمي فوشوا به عند أمير المدينة جعفر بن سليمان في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، وذلك سنة 147هـ.

وفي هذا تقول الرواية الأكثر شهرة في محنة الإمام مالك والتي يرويها ابن جرير الطبري في ( تاريخ الأمم والملوك)  بأن مالكا كان يحدث بحديث (لا طلاق لمُكْرَه) وكان ذلك أثناء ثورة محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية ضد العباسيين.

وبخبثهم أقنع أهل الوشاية أبا جعفر المنصور بأن مالك كان يقصد من وراء إثارة هذا الحديث حض الناس على البيعة للنفس الزكية، وأنه ليس عليهم حرج في نقضهم لبيعة أبي جعفر المنصور لأنهم بايعوه مكرهين وبيعة المكره لا تجوز كما لا يجوز طلاق المكره.

وهنا تتدخل السلطة وتصدر التعليمات للإمام مالك ألا يحدث الناس بهذا الحديث، وبهذه الفتوى، فلم يستجب مالك لهذه الضغوط، ولم يسكت ، فقد كان يرى في السكوت خيانة لأمانة العلم الشرعي وكتمانا لأمر لا يرضى الله له أن يكتم.

وفي هذا الوضع وجد الإمام مالك نفسه في مواجهة “اشتباك تأويلي” شديد الحساسية مع السلطة، فحين أفتى بأن “يمين المكره لا تلزمه”، لم يقرأها أصحاب القصور كفتوى فقهية، بل كـ “قنبلة سياسية” تهدد شرعية “أيمان البيعة” التي كانت تُنتزع من الناس قسراً. وهنا تبرز المفارقة ، فمالك الذي كان يرفض “الخروج على الحاكم” كمنهج استقراري، لم يشفع له ذلك لدى السلطة التي رأت في استقلاله الفكري نوعاً من “التمرد الصامت”.

وكانت نتيجة عدم استجابته لأوامر السلطة أن أتى به جعفر بن سليمان والي المدينة  جلده حتى كادت كتفه تنخلع (16) ، وأهانه وتعمد إسقاط هيبته ومنزلته بكل هذه الوقاحات.. وكان كل ذلك بعلم وأمر من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور.

وعن واقعة الجلد ينقل الذهبي في (تاريخ الإسلام ) قول مالك : ضربت فيما ضرب فيه سعيد بن المسيب، ومحمد بن المنكدر، وربيعة، ولا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر.(17)

بعد الضرب، انفجر اللغم الذي لم يحسب والي المدينة حسابه ، فقد غضب أهل المدينة لما جرى للإمام مالك من إهانة ، وتطاولوا على الوالي، بل وعلى الخليفة نفسه ، فقد رأوا بأعينهم ما قد  تسببت فيه هذه القسوة والوحشية من عجز كبير في ذراع الإمام مالك لدرجة أنه لم يقدر بعدها على رفعها إلا بمساعدة ذراعه الأخرى، وقد جلس في بيته حزينا مكسورا..

إن ذراع مالك التي عجزت عن الحركة بفعل القسوة المفرطة، أصبحت هي “الوثيقة الحية” على وحشية السلطة، وصار انكسار الرجل في بيته حزناً بمثابة “استفتاء صامت” ضد شرعية النظام.

وشعر أبو جعفر المنصور بمرارة ما فعل وأحس بغضب الناس.. فأرسل إلى الإمام مالك يعتذر إليه، ويتنصل مما فعله واليه جعفر بن سليمان.. وتقول الروايات أنه لما جاء المنصور إلى الحجاز حاجًا أرسل إلى مالك، واجتمع معه، وبالغ له في الاعتذار في خطوة ربما كانت احتواءً للأزمة لأجل خاطر العامة قبل خاطر الإمام نفسه.

– محنة الإمام الشافعي واتهامه بالتشيع:

إنه المؤسس لواحد من المذاهب الفقهية السنية الكبرى ، وهو الرائد الذي كان أول من نقل وقطع بأن الحكمة هي السنة، موثقا ذلك في كتابه ( الرسالة)، وهو أول كتاب صنف في علم أصول الفقه. مع ذلك لم يسلم من الاتهام بالتشيع !!

وهي تهمة – في حقيقتها – باطلة لا تصمد أمام أي فحص دقيق، إذ لم تكن سوى استناد لقرائن واهية وأسباب هشة، وكأنها قدرٌ لهذا النوع من الاتهامات التي تُلقى جزافا، في استمرارية مدهشة بدأت من أيام الشافعي وتمددت بظلالها حتى يومنا هذا.

من هذه الأسباب ما رواه البيهقي في ( مناقب الشافعي) أن الإمام يحيى بن معين قد رماه بالتشيع لأنه – أي الشافعي- حين كتب في قتال الفئة الباغية لم يحتج إلا بعلي بن أبي طالب ! وقد رد عليه الإمام أحمد بن حنبل في ذلك قائلا : يا عجبا لك ! فبمن كان يحتج الشافعي بقتال أهل البغي ؟ فإن أول من ابتلي من هذه الأمة بقتال أهل البغي هو علي بن أبي طالب، وهو الذي سن قتالهم وأحكامهم.(18)

سبب آخر مضحك ، ولعله من قبيل المفارقات الساخرة في التاريخ ، أن يُتخذ من فيض محبة الشافعي لآل بيت النبي الكريم  دليلا لاتهامه بالتشيع، استناداً إلى أبياتٍ لم تكن إلا تعبيراً عن وجدانٍ سليم.. فقد روى السبكي في طبقاته بسنده المتصل إلى الربيع بن سليمان المرادي – صاحب الإمام الشافعي – قال خرجنا مع الشافعي من مكة نريد منى، فلم ينزل واديا ولم يصعد شعبا إلا وهو يقول:

يا راكبا قـف بالمحصب من منى             واهتف بساكن خيفها والناهض

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى             فيضا كملـتطم الفرات الفائض

إن كان رفضـا حب آل محـمد                   فليشهد الثقلان أني رافضــي

والقصة موجودة بنفس النص في كتاب (مناقب الإمام الشافعي) لابن كثير.

و مرة أخرى يتهم الشافعي بالتشيع لأنه حين كان في اليمن وكان بها والٍ مستبد ظلوم، كان الشافعي ينتقد سياساته القاسية، وكان الجو العام متوترا ، حيث كان العباسيون يعدون العلويين خصومهم الأقوياء الذين ينازعونهم الملك والسيادة  ، لأنهم مثلهم يستندون إلى نسبهم الشريف، فضلا عن أن للعلويين ميزة الرحم الأقرب لرسول الله (ص).

ولذا كانوا إذا رأوا دعوة علوية قضوا عليها وهي في مهدها، ويأخذون في ذلك بما يمكن أن نسميه “قانون الاشتباه” حيث كانت السلطة تتحرك لوأد أي دعوة علوية وهي لا تزال في مهدها، دون حاجة إلى أدلة قاطعة أو براهين ثابتة.

وتأسيسا على هذا اتهم هذا الوالي الغاشم  الشافعي بأنه مع العلويين، فأرسل إلى الرشيد: إن تسعة من العلويين تحركوا، ثم قال في كتابه: إني أخاف أن يخرجوا، وأن ها هنا رجلاً من ولد شافع المُطلبي، لا أمر لي معه ولا نهي، فأرسل الرشيد كما في رواية ابن كثير في ( مناقب الإمام الشافعي)  أن يحضر أولئك  النفر التسعة من العلويين مثقلين بالحديد ، ومعهم الشافعي .. وقد  قتل التسعة، ونجا الشافعي بقوة حجته وذكائه الفائق، وشهادة محمد بن الحسن، أما قوة حجته فكانت بقوله للرشيد – وقد وجه إليه التهمة بين النطع والسيف: مهلا يا أمير المؤمنين فإنك الراعي وأنا المرعي وأنت القادر على ما تريد مني.. يا أمير المؤمنين! ما تقول في رجلين: أحدهما يراني أخاه، والآخر يراني عبده، أيهما أحب إليَّ؟ قال: الذي يراك أخاه، قال: فذاك أنت يا أمير المؤمنين، إنكم ولد العباس، وهم ولد علي، ونحن بنو عبد المطلب، فأنتم ولد العباس تروننا إخوتكم، وهم يروننا عبيدهم. (19)

وأما القاضي محمد بن الحسن ، فقد أثنى على الشافعي حين سأله الرشيد عن حاله ، فقال: له من العلم حظ كبير، وبرأه من التهمة المنسوبة إليه قائلا : إنها ليست من شأنه.. فقال الرشيد : فخذه إليك، حتى أنظر في أمره (20). وبهذا نجا الشافعي من القتل وانتهت تلك المحنة..

انقضت فصول تلك المحنة وطويت صفحتها، ولكن الواقع الذي يجب أن نواجهه هو أن أمثالها من المحن لم تنته – ولعلها لن تنتهي – من تفاصيل حياتنا.. وكأن القدر قد أراد لهذه الأمة أن تظل في صراع دائم ومفتوح بين حرية الكلمة وسطوة القرار.

هذه كانت مجرد استدعاءات وإضاءات لتجارب تاريخية قديمة  تراكمت طبقة فوق أخرى، لكي تؤكد لنا حقيقة كبرى ظلت قائمة عبر العصور، وهي أن “سلطة الفكر” كانت دائماً هي المنافس الوحيد لـ “سلطة السيف”، وأن هؤلاء الأئمة لم يكتسبوا لقب “الإمامة” ببراعة الاستنباط فحسب، بل بامتلاكهم الشجاعة النادرة للوقوف في “منطقة الخطر” دفاعاً عما يؤمنون به ، ليبقى أثرهم صامداً بينما تذهب عروش الطغاة إلى طي النسيان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر ومراجع المقال:

1- الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك (تاريخ الأمم والملوك)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط2، القاهرة: دار المعارف، 1967م، ج7، ص619.

2- الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، إشراف: شعيب الأرنؤوط، ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1981م، ج8، ص80.

3- محمد أبو زهرة، مالك: حياته وعصره – آراؤه وفقهه، القاهرة: دار الفكر العربي، ص75.

4- المصدر نفسه، ص 77.

5- محمد أبو زهرة، الشافعي: حياته وعصره – آراؤه وفقهه، (القاهرة: دار الفكر العربي)، ص 32-35.

6-  ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، القاهرة: دار هجر للطباعة والنشر، 1997م، ج14، ص211 وما بعدها.

7- ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، (بيروت: دار صادر، 1900)، ج 2، ص 375.

8- ابن كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، القاهرة: دار هجر للطباعة والنشر، 1997م، ج9، ص 99.

9- ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، (بيروت: دار صادر، 1900)، ج 2، ص 377.

10- الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، إشراف: شعيب الأرنؤوط، ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1981م، ج4، ص233 . و الأصفهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله ، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. القاهرة: مطبعة السعادة، 1394هـ/ 1974م. ج2، ص 167.

11- الأصفهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله ، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. القاهرة: مطبعة السعادة، 1394هـ/ 1974م. ج2، ص 171.

12- المصدر نفسه، ص 171

13- المصدر نفسه، ص172

14- ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، (بيروت: دار صادر، 1900)، ج 2، ص 117.

15- محمد أبو زهرة، مالك: حياته وعصره – آراؤه وفقهه، القاهرة: دار الفكر العربي، ص75.. و عبد الغني الدقر، الإمام مالك بن أنس: إمام دار الهجرة، (دمشق: دار القلم، ط3، 1998م)، ص  371.

16- الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، ط 11 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1417هـ – 1996م)، ج 8، ص 80 – 81.

و ينظر كذلك جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي، صفة الصفوة، تحقيق: أحمد بن علي، (القاهرة: دار الحديث، 1421هـ/2000م)، ج2، ص 178.

17- المصدر نفسه، ص 95.

18- البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، مناقب الشافعي، تحقيق: السيد أحمد صقر، ط1، (القاهرة: مكتبة دار التراث، 1970م)، ج1، ص451.

19- ابن حجر العسقلاني، توالي التأنيس بمعالي ابن إدريس، تحقيق: عبد الله محمد الكندري، ط1 (بيروت: دار ابن حزم، 2008م)، ج 1، ص 163.

20- ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله (ت 463هـ)، الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء: مالك والشافعي وأبي حنيفة، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، (حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، ط1، 1417هـ/1997م)، ص 155.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete