مذاهب الأئمة: الفرز والاِستقطاب في الموروث الثقافي العربي

 تكوين

يُمَثِّلُ الاِنتماءُ إشكاليةً فكريةً متشعبةً، خاصةً في الفكر العربي. ويعود تشعبها إلى صعوبة وجود اِستقرار اِجتماعي وسياسي، إلى جانب تداخل مفهوم الاِنتماء مع العقيدة. وبالنظر إلى المرجعية العقدية التي يتأسس عليها العقل العربي غالبًا، فإن الاِنتماء يظل إشكاليًّا، لأننا نتحول غالبًا من الأفكار إلى العقائد. والتعامل مع الاِنتماء بوصفه عنصرًا ثابتًا، لا يعكس حقيقة الاِنتماء مُتعدد المعاني ولا طبيعة الفرد في التفكير القائم على التطور المستمر.

وفي جهة مقابلة يتجلى المذهب بوصفه مفهومًا مُركبًا، نظرًا إلى أننا إزاء تعدد في المذاهب عند المسلمين وصعوبة في تقبل الاِختلاف داخلَ المذاهب وخارجها. والتعدد قد يُسبب تعطيلًا في التقدمِ إذا لم يوجد فكرٌ قادر على اِستيعاب المختلف واِستثماره في التواصل. ولعلَّ هذه القضيةَ مطروحةٌ في الفكر العربي الإسلامي بسبب واقع الصدام المستمر والعجز عن إيجاد أرضية مشتركة للحوار. وتُعد المذاهبُ مساحةً فكريةً لدراسة طبيعة الفكر السائد ومعرفة العناصر المكونة له. وسننظر في هذه الإشكالية بناءً على ثلاثة عناصر، تتجلى في

  • خُطوة الكشف عن آليات عمل الأئمة
  • ثم ضرورة مراجعة آليتي: الفرز والاِستقطاب
  • وختامًا الحاجة إلى إعادة النظر في الموروث الثقافي العربي في ظل التعددية الثقافية.

فعند الحديث عن الموروث الثقافي، فنحن إزاء سلوك أو عادة متوارثة تختلف من فرد إلى آخرَ، وَفْق التنشئة الاِجتماعية والمرجعية الفكرية، إلى جانب دور الاِستقرار الاِقتصادي في تضييق مساحة الإنتاج أو توسيعها.

التراث والموروث

فنحن إذن إزاء مسألة متعددة المشارب والاِتجاهات ويمكن معالجتها من أكثر من زاوية. وسنحاول التطرق إلى أهم القضايا التي تُثيرها. وقبل ذلك لا بُدَّ من رصد الفرق بين التراث والموروث، فالتراث هو “كل ما خلَّفهُ السلفُ من آثارٍ علمية وفنية وأدبية، سواء مادية مثل: الكتب والآثار وغيرها، أم معنوية مثل: الآراء والأنماط والعادات الحضارية المنتقلة جيلاً بعد جيل، مما يُعَدُّ نفيسًا مقارنة بتقاليد العصر الحاضر ورُوح التُّراث الإسلاميّ/ الثَّقافيّ/ الشَّعبيّ“[2]

ويعني الموروث “مجموعةً من العادات والأعراف يُنظَر إليها بوصفها سوابقَ تُمَثِّلُ الجزءَ الأساسيَّ المؤثِّرَ على الحاضر (…) خصائصَ موروثةٍ: سمات طبيعيّة تنتقل من الوالدين إلى الذُّريّة بواسطة الجينات مثل: الصَّلع ولون العين“[3]

ويبدو أننا إزاء لفظين أحدهما عام وآخر على درجة من الخصوصية، لأنه يهم مجموعة بشرية معينة والحدود الجغرافية هنا لها دور في ضبط الفروق، وإن كانت بسيطة. فالتراث يتضمن الموروث وأحدهما لا ينفي الآخر، وإنما يعزز وجوده. ويدفع إلى التفكير في مقاييس الاِنتماء إلى العائلة، المجموعة، المجتمع، ثم الشعوب. وكأنها حلقات متسلسلة ومترابطة. ويرتبط هذان اللفظان بمذاهب الأئمة ارتباطًا مباشرًا، لأننا إزاء مصادرَ معرفيةٍ مُضَافة إلى النص القرآني والسُنّة، فنجد الكتبَ والآثار العلمية وكل ما خلَّفه السلف من علوم. وربما أمام الإمام والباحث عمومًا طريقتين سائدتين: هما الأخذ بالتراث في مطلقه أو رفضه في مطلقه.

وغالبًا ما يذهب الأئمة في اِتجاه الطريقة الأولى، أما الموروث الثقافي فهو إنتاجُ متفرعٌ عن التراث. ويتجلى الموروث في العادات المُتَوارَثة والتي غالبا ما تكون في مجالين ضيقين، ديمغرافي وجغرافي. ويتم تبني التراث أو الدفاع عن الموروث في سياق العمل على المحافظة على النظام السائد والعادات المألوفة، في مقابل التوجس من كل حديث (وافد)، يُمكن أن يحمل أهدافًا “تبشيرية” أو “تغريبية” قد ينساق وراءها المجتمعُ العربي. ويضيع بذلك هدفُ تحقيق وَحْدة المسلمين في أمة واحدة.

العلماءُ ورثةُ الأنبياء

وللأئمة مكانة اِجتماعية وعقدية في المجتمع العربي الإسلامي، نظرًا إلى توارث المقولة السائدة “العلماءُ ورثةُ الأنبياء“. وإن كان التراثُ الفقهي قائم غالبًا على النقل، فنحن إزاء حفظة قرآن وحديث بالدرجة الأولى.

وجاء في تعريف الإمام أنه “مَنْ يُقتَدى به، من رئيس أو من غيره، سواء أكان الاِقتداء في الخير أم في الشر، ولهذا أَطلق اللهُ على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أنهم أئمةٌ إذ يجب على الخلق اِتباعهم قال عز وجلّ: وجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِناَ” (لأنبياء/ 73). وفي الاِقتداء بالشرّ قال عزّ وجلّ: “فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفْرِ” (التوبة/ 12)” [4]

ويبدو الأئمةُ بناءً على ذلك صنفين: أحدهما يُقْتَدى في الخير والآخر في الشر. ويرجح ذلك أننا إزاء طبيعة بشرية نسبية في الحالتين. ويُعَرَّف المذهب أنه ” الذهابُ: السير والمرور، ذهب يذهب ذهابًا وذهوبًا فهو ذاهب وذهوب. والمذهب: مصدر (…) والمذهب: المُعتقد الذي يذهب إليه، وذهب فلان لذهبه، أي: لمذهبه الذي يذهب فيه”[5]

ويوحي التعريفُ بأن المذهبَ ليس اِختيارًا جازمًا أو مُسبَقًا. فالمذهبُ إذن اِختيارٌ فرديٌّ نظريًا ولا يضرّ إن ذهب في طريق غيره. وذلك ما يُشير إليه التعريف عمومًا. وإذا ما وصلنا مفهوم المذهب بالإمام، سنجد أننا إزاء تصورات أحادية، يكون الإمامُ مصدرَ إنتاجها ومصدرَ رفضها أو اِستبعادها.

فذاكرة الحفظ، هي وسيلةٌ لنقلِ المعرفة قصد حفظها من النسيان أو التلف أولًا وقصد اِستفادة اللاحقين من اِجتهاد السابقين. ولكن هذه الاِستفادةَ لا تكون عشوائيةً، وإنما تُوجَّه من وسطاء، قد يكونون محدِّثين، فقهاء أو مفكرين. والوسطاء في نقلِ المعرفة في هذه الحالةِ، هم الأئمة. وغالبًا ما يتم نقل المعرفة بصفة اِنتقائية، نظرًا إلى أن العقلَ البشريَّ نتاجُ الزمن الذي يعيش فيه، بظروفه وهواجسه وتطلعاته. ويتعذر أن يكون العقلُ ناقلًا مطلقًا للمعرفة دون تحيين أو تفسير للمنقول من زاوية نظر محدودة.

الشافعي وأحمد بن حنبل

وإذا ما قاربنا إشكالية المقال من زاوية أهل السنة: نجد أننا أمام أربعة مذاهب وأربع أئمة مختلفين. ولعلَّ من أكثرِ الأئمةِ تأثيرًا تاريخيًا هما: الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل.

أهل الرأي وأهل الحديث

ولهاذين المذهبين تأثيرٌ ميدانيٌّ واِفتراضيٌّ في الفكر المعاصر، نظرًا إلى تأسيس الشافعي لأصول الفقه، أما الإمام أحمد بن حنبل فقد اِرتبطت شخصيته بالخلاف الذي حدث بين أهل الرأي وأهل الحديث في مسألة خلق القرآن في عهد الخليفة المأمون (170-218ه). فتعرض الإمام أحمد بن حنبل للامتحان من الخليفة المأمون وسجنه وعذَّبهُ (وَفْق الرواية التاريخية السائدة) وتوفي بعد خروجه من السجن في عهد المتوكل، قدَّم الإمامُ اِبن حنبل في صورة ضحية تاريخية لاِستبداد الساسة. ولهذه الإشكاليةِ زوايا نظر مختلفة، يُمكن مقاربتها من داخلها، دون تبني موقف التعاطف تجاه أحد أطراف الخلاف.

فقد ظهرت بعد هذا الحدث سردياتٌ ورواياتٌ عديدةٌ مدافعة عن الإمام، خاصة وأن أغلبها تعامل مع “الخلاف” على أنه “محنةٌ”، بما يتضمنه هذا اللفظ من تعاطف وتحيز لأحد الطرفين. واِنتهت “المحنة” بوفاة أحمد بن حنبل في عهد المتوكل، وقيل إنَّ الوفاةَ نتيجةٌ لآثار التعذيب الذي تعرض له[6].

علوم السلف وعلوم الخلف

وعند البحث في مكونات الفكر العربي القديم، خاصة بعد تأسيس أصول الفقه وإغلاق باب الاِجتهاد، نجد سياقَ المعرفة وأهدافها تغيرت، من جهة قيامها غالبًا على التقليد والتكرار. وكأن ما سبق قد اِستكمل أركان المعرفة وما أتى بعده سيكون تحت مُسمَّى التفسير والتحليل أو ما يُمكن تسميته بكتب الهوامش أو الحواشي. فصُنفت المنتجات العلمية بناءً على نظام تفاضلي، إلى “علوم السلف” وعلوم “الخلف”.

ولا يمكن أن نستبعد الإضافة المعرفية التي قدَّمها السلفُ في فترة ما من التاريخ، وإلى الآن يُعتَبَر مرجعًا علميًا مُعتمدا، لدعم أطروحات السلف أو نقدها وتقييمها. فتطور العقل البشري واِرتباطه بالزمن، يجعل الاِرتباط بالصيرورة التاريخية ومتابعة المستجدات عامة شرطين مُلزِمين للاِنخراط في العصر الحديث أو المعاصر. وتوقف الزمن أو توقيفه، هو تدخلٌ بشري قسري ويحتمل الخطأ غالبًا. فتوقف الزمن أو العودة إلى الماضي وإلى عصوره الذهبية، مطلبٌ مشروعٌ نظريًا، لكنه عمليًا يخالف طبيعة الزمن وحركته في التقدم.

تنقية التراث والحفاظ عليه

وفي هذا السياقِ ظهرت عديدٌ من الدعوات، لتنقية التراث والحفاظ على صفائه في ظل تعدد العناصر الفكرية الدخيلة، سواء كانت غربية أو عربية. وتكون هذه الدعواتُ غالبًا مشروطةً بعدم المساس بالأصول والثوابت (مع أنها إنتاجٌ بشري في زمن لاحق للوحي). وقد تُسْتدْعَى نظرية المؤامرة في حالة العجز عن السيطرة على مسار الأفكار وتطورها بطريقة متشعبة وسريعة. فسعي بعض التيارات الفكرية في المحافظة إلى حماية التراث واِستعادة العصور الذهبية وتقدير بعض المنتجات العلمية للسلف والاِعتراف بفرادتها، يجعلنا نطرح جُملة من الأسئلة التي قد لا تحتاج أجوبةً مباشرة، بقدر الحاجة إلى إعادة التفكير في الفكر السائد وهواجسه وآفاق تطوره:

  • لماذا نفترض أن الماضيَ مثاليٌّ ويتعذر أن يكون الحاضرُ والمستقبلُ كذلك؟
  • لماذا هناك فرقة ناجية واحدة، في حين أن معيار التمييز بين المؤمنين هو التقوى (مثلما ورد في القرآن)؟
  • لماذا يعتقد المسلمون أنهم خيرُ أمّة أخرجت للناس، في حين أن أغلبَ الوقائعِ التاريخيةِ غلب عليها الصراعات والأمر ممتد إلى الحاضر بصور أكثرِ حدّةٍ؟

والدوافع لطرح هذه الأسئلةِ ليس التفضيل بين تيار فكري، وإنما التفكيرُ في القضايا المطروحة بعيدًا عن الاِنتماء العقدي أو الإيديولوجي. والنظرُ في الإشكالية من زوايا مختلفة يُمكن أن تكشف حقائق أكثر من تثبيتها أو تكريس مركزيتها.

الفرز والاِستقطاب

وسنحاول تفكيك هذه المعطياتِ بناءً على ثنائيتي الفرز والاِستقطاب. فالفرز عملية يُمكن أن يتم بصفة فردية أو جماعية، أما الاِستقطاب فهو عملية تتطلب طرفين في حالة تجاذب مستمر. ولأن آليتي: الفرز والاِستقطاب يصدران عن فكر يؤمن بالمركزية ويستبعد وجود حقيقة أخرى خارج المركز، فإن الفردَ أو المجموعةَ قد يبحثان عن مقومات الوجود التي تعزز شرعية أحد أطراف التجاذب.

السنة والإجماع والقياس

ومن الأصول التي مثَّلت مساحةً لمراجعة مفهومي التفاضل والتراتبية الفكرية والاِجتماعية، نذكر السنة والإجماع والقياس. وتُعد هذه العناصرُ مادةً للاِختلاف بين المذاهب الفكرية، في مستوى الأخذ ببعض السنة وترك البعض، إضافة إلى تصنيف الجماعة والأخذ عنهم مأخذ الصدق تبعًا لمقاييس مضبوطة (الصحابة، التابعين، الاِنتماء القبلي، الحفظ، التمكن من التحديث، المكانة الاِجتماعية، الإسهام في الفتوحات أو الغزوات…)

ونظرًا إلى اِختلافِ معاييرَ الاِجتماع الفقهي من مذهب إلى آخرَ، فإننا سنجد أننا أمام تعدد في الموروث الثقافي. فصيغة الأصول الحاسمة والدعوة إلى الاِلتزام بها، قد تقابلها مرونة في يوميّ المسلم ومعاملاته، من ملبس ومأكل ومشرب وغيرهم من الأنشطة التي لا يحدُّها نصٌّ أو فتوى. وينطوي بذلك الإسلامُ على تعدد في التراث وتوسع في الموروث الثقافي، ممّا يرسخ فكرةَ أن الإسلامَ واحدٌ ومتعددٌ.

وظل أمرُ التعددِ هاجسًا عند بعض التيارات الفكرية التي كان همها الخوف على وَحْدة المسلمين وتشتتهم في ظل تعدد قراءات النص أو السنة وغيرهم من كتب التفسير. ولمعالجة هذه المسألة لا بُدَّ من النظر في الإشكالية من زاويتين:

  • الأولى، ترتبط بتنزيل الإشكالية في فترة نشأتها وتطورها ومحاولة فهم الدوافع والأهداف وغيرهما من الشروط المكوِّنة لأصول الفقه.
  • الثانية، فهي زاوية بعدية زمنيًا، تنطلق من الحاضر لاِستقراء الماضي. وقد نجد في هذه الرؤيةِ عديدًا من المآخذ التي يُمكن أن تُسَجَّل على الفقهاء والأئمة.

فقد كان الفقهاء “في كل زمان ومكان متأثرين بالبيئة التي يعيشون فيها، وبالظروف التي تُحيط بهم، وهي ظروفٌ كيفت في كثيرٍ من الأحيان آراءهم الفقهية، مما جعل الفقهَ على اِختلاف مذاهبه يحتفظ بنصيب وافر من الحلول المتنافرة التي طبعت فترة الإسلام البدائي”[7]

أما من زاوية زمنية مُتقدمة في الحاضرِ، فإن تقييمَ أصولُ الفقه يُمكن أن ينبهنا إلى الحدود التي وُضِعت، لتسييج النصِّ القرآني وضبطِ مقاييس فهمه وتأويله. وعملية التسييج هذه تبيُّن “إلى حدٍّ كبيرٍ أثرَ العمل المحوري الذي أنجزه الشافعي، ومدى تأثيره في الفقه الإسلامي برُمَّتِه، فإذا قمنا بمقارنة بين الفقه الإسلامي قبل رسالة الشافعي وبعدها، لوقفنا على فروق جوهرية أبرزها طريقة التعامل مع النص الذي كان تعاملًا حُرًّا ومباشرًا طيلة القرنين الأولين، فأصبح تعاملًا مُقَنّنا ولا يستطيع القيام به إلا “العلماء” وَفْق القوانين الأصولية بقطع النظر عن قبول أصل أو ردّه“[8].

وما يمكن تحصيله من هاتين الزاويتين، أن أحدهما لا تلغي الأخرى، وإنما تكمِّلها، لأننا إذا عزلنا الوقائعَ عن زمن حدوثها، يُعَدُّ ذلك اِختزالًا واِقتطاعًا تاريخيًا للأحداث، أما إذا درسنا الحدثَ من زاوية الحاضر، مصحوبًا بمقاييسه الحديثة والمعاصرة، فإننا غالبًا سنقع في الإسقاط التاريخي. لذلك لا بُدَّ من مراعاة الأبعاد الزمنية والتاريخية والثقافية لمأسسة أصول الفقه. وفي الحالتين يفترض أن يكون العقلُ متسلّحًا بالنقد والاِستقراء والمراجعة.

ولعل تعامل الفقهاء الحاسم مع الأصول، دفع بعضُ المسلمين إلى اِتباع المنهج ذاته مع أقوال السلف وأفعالهم. وإذا ما وضعنا الأقوالَ والأفعالَ تحت المراجعة، سنجد أنها مُنجزات بشرية نسبية. ولكن طابعَ القداسةِ الذي أُضْفِيَ عليها، من زاوية الاِنتماء الاِجتماعي أو القبلي، جعل لها مصداقية مطلقة.

وإذا ما وضعنا مفهومَ “التابع” قيد الاِستقراء، سنجد أنه مفهومٌ مركبٌ في تعريفه وفي ضبط حدوده الزمنية. وجاء في معناه أنه “من لقي الصحابي، وهذا مُتعلق باللُّقيا، وما ذُكِر معه إلا قيد الإيمان به، فذلك خاصٌّ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلّم. وهذا هو المختارُ، خلافًا لمن اِشترط في التابعي طول الملازمة، أو صحبة السماع والتمييز“[9].

ويتضمن هذا التعريفُ إشكاليةً ترتبط بنقل أقوالِ الصحابة المنقولة عن الرسول. ويمكن أن يُطرَح سؤالٌ هنا يتصل بمقياس الاِنتماء إلى التابعين، والمشروط باللقاء المصحوب بالإيمان، وهل أن لقاء الصحابة كافٍ لنقل أقوالهم، مع التساؤل عن مدّة اللقاء غير المذكورة في التعريف. فقد تكون مدةٌ زمنيةٌ محدودةٌ جدًّا وغيرُ كافيةٍ للنقلِ. وكأننا إزاء معيارية في تعريف “التابع”. ويطرح ذلك إشكاليةً مُتشعبة، هي معاييرُ الاِنتماء إلى التابعين وحدوده الزمنية. ولعلَّ الأمرَ نفسه يُمكن أن يُطبَّق على مفهومِ “الصحابي”.

وربما الإشكالية الأساسية لا تتعلق أساسًا بالاِنتماء وشروطه، وإنما بالأحاديث المنقولة وحدود مصداقيتها. ويتعلق ذلك بالتراث الفقهي الذي تضمَّن أصنافًا مختلفة من الأحاديث، منها الصحيح والضعيف والموضوع وغيرهم. ويختلف الأخذ بهذه الأحاديثِ وتصنيفها من مذهب إلى آخرَ. فقد يكون الحديثُ الضعيفُ عند مذهبٍ صحيحًا عند مذهبٍ آخرَ (مثل حديث مصافحة النساء مثلًا).

وتكمن الإشكالية غالبًا في الموروثِ الثقافي[10]، فالإمام الشافعي أسَّسَ أصولَ الفقه. ولا يعني تأسيسه العمل الموحد بالأصول عند كل المذاهب. فلنا أن نأخذ مثلًا مفهومَ الإجماع، الذي يشترط اِجتماع فئة معينة حتى يتم الاِتفاق على حكم أو رأي. والمألوف عن الإمام مالك أنه جعل الإجماع مقتصرًا على أهل المدينة. وهذا التعريفُ يضعنا أمام معضلة شروط أهل المدينة وحدودهم الجغرافية.

وضبط الشروط والحدود بذلك لا يتعلق بالتراث الفقهي، وإنما ينضوي تحت مُسَمَّى الموروث، الذي يجري بالاِتفاق بين المسلمين على رقعة جغرافية محددة. لهذا بدا المفهومُ مادةً للتأويل ومنفتحًا على قراءات مختلفة.

ولئن كان “الأحناف يوسعون عدد المجمعين، فإن ما هو معروف عن مالك أنه قصر الإجماع على أهل المدينة، وأصبحت أعمالهم وعاداتهم مصدرًا من مصادرِ التشريع”[11].

وما يمكن اِستنتاجه من ذلك أن العادات والتقاليد وُظفت، لسدِّ فراغ التعميم في المفاهيم السائدة. وبما أن العاداتَ متعددةُ المصادر، فإن ذلك سيؤدي إلى تضارب في اِستخدام العادات. وقد لا يضر الدين في شيء، بما أننا إزاء أعراف لا أصول. فيتجلى نظام العادات بوصفه نظامًا اِنتقائيًا في اِختيار العادات، وقد يتحول إلى نظامٍ تفاضلي أحيانًا.

وختامًا، تُظْهِرُ المؤسسةُ الفقهية مساحةً للاِختلاف المُقنَّن، وإن بدت في ظاهرها متجانسة. وإضفاء الغطاء الإسلامي على الأحكام والشرائع والعادات والتقاليد والأعراف، كان غاية أغلب الأئمة والفقهاء، قَصْدَ توجيه جمهور المؤمنين نحو رؤية موحدة للإسلام وسعيًا في تحقيق هدفٍ مأمول هو جمعهم في أمة واحدة.

وعند مراجعة أهم الإشكاليات التي تم الخلاف بشأنها بين الأئمة، نجد أنها تتعلق بالفروع وبالمظاهر الدالة على الاِنتماء إلى الإسلام لا الدالة على الاِنتماء ذاته. ونذكر منها: اللباس، الشراب، طرق الصلاة، المعاملات اليومية. وهذه المسائلُ غالبًا تقديرية ولا تُعَدُّ قضايا مُهمة، لظهور الخلافات بين المذاهب والأئمة.

ويرجح ذلك أن “اِختلافاتِ المسلمين تتعلق بالفروع لا بالأصول. وأن فيها توسعة على المؤمنين، لا ما يقدح في صحة دينهم ومعتقدهم”[12].

وإلى جانب الإشارة إلى الخلافات بخصوص الأصول والفروع، لا بُدَّ من التنبيه إلى أن قوانينَ الاِجتماع البشري قد تطورت. وضُبطت صيغٌ جديدةٌ للتواصل والتعايش مع الاِختلاف، فتحول من المجال القبلي المفتوح جغرافيا وفكريًا إلى المجال الحضري. ولعل الاِختلافات الفقهية التي كرَّست الفرز والاِستقطاب لا ترجع إلى الاِختلاف في “قبول أصلٍ فقهي أو رفضه وخاصة القياس (…) بل إن أهم أسباب الاِختلافات يعود في نظرنا إلى تغير المجتمعات التي نشأ فيها مذهبٌ فقهيٌّ ما، بل إن المناطقَ الحضريةِ تختلف اِختلافًا جوهريًا عن المناطقِ البدويةِ في البلاد الواحدة”[13].

فثنائية الفرز والاِستقطاب إذن آليةٌ فاعلةٌ نظريًّا وبقدر ما تكشف عن المقاصد وعن عناصر الخلاف، فإنها تفتح الأفق للتفكير في المسكوت عنه والمُستَبْعَد من إطار الفكر السائد. وإن كان الفقه مجالًا خلافيًّا في الفكر العربي، إلا أنه قد تكون له مزاياه في الكشف عن آليات التفكير والتبرير التقليدية. فالاِختلاف إذن مزية يُمكن تثمينها في التواصل والتفاعل بين الأفراد والجماعات، وتطوره إلى خلاف يكشف عن رؤية اِختزالية، قد توضح زاويةً مختلفةً يُمكن ألا توضحها الرؤية النقدية.  لذلك لا يسعنا إلا أن نثمن كل الرؤى الفكرية السائدة أو المخالفة للمألوف، لأن لكلٍّ منها إضافةٌ يقدمها. وتحتاج إلى درجة من الوعي والتركيز لاِستيعاب دور الجزئيات الفكرية في تجديد المعرفة وتحديثها.

وإذا ما وصلنا مسألة الاِختلاف بين الأئمة بعصر الرقمنة والذكاء الاِصطناعي، سنجد أننا إزاء سرعة في جمع المعرفة وتوزيعها والتفاعل معها. فالفرد أمام زخم من المعلومات والعقائد حول المذاهب يُمكن أن تكرس الخلاف أكثر، نظرًا إلى أن المسافةَ الممكنةَ قديمًا بين الأئمة، مسافةٌ فكريةٌ يُخاض فيها عن طريق المقالات والردود الورقية المُوَثَّقة، أما الآن فنحن إزاء ضرب إضافي يتجلى في المسافة الاِفتراضية. وهذه المسافةُ يمكن التحكمُ فيها عبر وسائطَ مختلفةٍ وفاعلةٍ مثل: الخطاب الإعلامي، وسائل الاِتصال السمعي والبصري ووسائل التواصل الاِجتماعي وغيرهم. وهو ما يُمكن أن يُكرِّسَ مفهومَ الأصولية في صيغة أكثر توسعًا وتأثيرًا. لذلك ما يهمنا من آليات التفكير، سواء كان غايتها توحيد المسلمين أو تكريس ثقافة القطيعة، هو وجودُ عقلٍ قادرٍ على اِستيعاب الاِختلاف وفرز ما يُمكن أن يفيده باِعتباره كائن اِجتماعي، منفتح، متمكن من بناء نفسه، ومن تحقيق تطلعاته الفعلية من الدين، بما أن الاِنتماء عمومًا عامل داعم للفرد وجوديًّا واِجتماعيًّا وثقافيًّا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القائمة البيبليوغرافية:

– أبو عبد الله البخاري، الجامع الصحيح، قام بشرحه وتصحيحه وتحقيقه: محي الدين الخطيب، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه واِستقصى أطرافه: محمد فؤاد عبد الباقي، نشره وراجعه: قصي محي الدين الخطيب، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة/ مصر، ط1، 1980، ج1، كتاب الصلاة، ص 139

– اِبن منظور، لسان العرب، النسخة الرقمية

– أبو المنذر المنياوي، الشرح الكبير لمختصر الأصول من علم الأصول، المكتبة الشاملة، مصر، ط1، 2011

  • عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط2، 2008
  • نادر حمامي، إسلام الفقهاء، دار الطليعة للطباعة والنشر، رابطة العقلانيين العرب، بيروت، لبنان، ط 1، 2006
  • معجم المعاني الرقمي، لفظ “تُرَاثْ”، الموقع الإلكتروني: almaany.com

 

[1]  أستاذة باحثة في الحضارة العربية الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة، تونس

[2]  معجم المعاني الرقمي، لفظ “تُرَاثْ”، الموقع الإلكتروني: www.almaany.com

[3]  المرجع نفسه، لفظ “مَوْرُوثْ”

[4]  أبو عبد الله البخاري، الجامع الصحيح، قام بشرحه وتصحيحه وتحقيقه: محي الدين الخطيب، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه واِستقصى أطرافه: محمد فؤاد عبد الباقي، نشره وراجعه: قصي محي الدين الخطيب، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة/ مصر، ط1، 1980، ج1، كتاب الصلاة، ص 139

[5]  اِبن منظور، لسان العرب، جذر (ذهب)، باب الذال، الجزء، ص 49، النسخة الرقمية للسان عن موقع:  www.islamweb.net

[6]  يمكن العودة إلى كتب التراجم لبيان تطور السيرة التاريخية للإمام أحمد بن حنبل وصورته بين الواقع والتاريخ. وما يهمنا في هذا السياق هو اِستقرار مذاهب الأئمة ودورهم في تكريس آليتي الفرز والاستقطاب

[7]  نادر حمامي، إسلام الفقهاء، دار الطليعة للطباعة والنشر، رابطة العقلانيين العرب، بيروت، لبنان، ط 1، 2006، ص 83

[8]  المرجع نفسه، ص ص 122-123

[9]  أبو المنذر المنياوي، الشرح الكبير لمختصر الأصول من علم الأصول، المكتبة الشاملة، مصر، ط1، 2011، ص 52

[10]  يمكن اِعتبار ثراء الموروث الثقافي وكثافته متنفسا اِجتماعيا وثقافيا، قد يعمل بالشيء ونقيضه ويقبل ويرفض دون تبرير
أو تفسير. وقد يكون ذلك رد فعل على حزم الأصول وشدتها في بعض المواضع.

[11]  نادر حمامي، إسلام الفقهاء، ص 69

[12]  عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط2، 2008، ص142

[13]  نادر حمامي، إسلام الفقهاء، ص ص 84 -85

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete