تكوين
مقدمة
لم تتشكل التيارات الجهادية في العالم العربي بمعزل عن السياقات السياسية والاجتماعية التي نشأت فيها، بل جاءت نتيجة تفاعل مركب بين انسداد المجال السياسي، وتجارب القتال العابرة للحدود، وتوسع تأويلات فقهية خاصة بمفاهيم التكفير والمفاصلة والصراع[1]. ومع انتقال هذه التيارات من فضاءات القتال الخارجي إلى المجال الداخلي، دخلت في مواجهة مباشرة مع الدولة، وهو ما أفضى إلى موجات اعتقال واسعة، جعلت من السجن فضاءً مركزياً لإعادة تشكيل هذه الحركات، ليس فقط على مستوى بنيتها التنظيمية، بل في صميم بنيتها الفكرية، حيث يتحول من فضاء للضبط إلى لحظة اختبار حاسمة، يُعاد فيها إما تفكيك القناعات أو إعادة إنتاجها بصيغ أكثر صلابة[2].
مع ذلك فإن اعتبار السجن فضاءً لإعادة التشكيل لا يحيل إلى مسار واحد أو نتيجة حتمية، بل إلى وضعية مركبة، تتداخل فيها عوامل التفكيك وإعادة الإنتاج. ففي بعض الحالات، يشكل السجن لحظة مراجعة نتيجة الصدمة أو العزلة أو الاحتكاك بخطابات مغايرة، بينما يتحول في حالات أخرى إلى فضاء يعزز القناعات القائمة عبر إعادة تدوير الخطاب داخل الجماعة المغلقة. وهو ما يجعل من الصعب التعامل مع السجن بوصفه آلية منتجة للمراجعات، بل باعتباره سياقا يفتح إمكانات متباينة، تتحدد نتائجها وفق عوامل أخرى، منها طبيعة التأطير، ومستوى التكوين المعرفي، وشكل العلاقة مع الدولة.
في هذا السياق، برز في الأدبيات مفهوم “المراجعات” بوصفه أداة تفسيرية للتحولات التي عرفتها هذه التيارات، حيث استُخدم للإشارة إلى مواقف أو وثائق أعلنت من خلالها بعض القيادات التخلي عن العنف أو إعادة النظر في مبرراته. غير أن هذا المفهوم، رغم شيوعه، يظل إشكالياً من حيث دلالته، إذ يجمع تحت مظلته أنماطاً متباينة من التحول، تتراوح بين مجرد التخلي عن العنف، وبين إعادة بناء التصورات الفكرية التي تؤطره.[3]
ويظهر هذا التباين بدرجات متفاوتة واضحا في التجارب العربية. ففي الحالة المصرية، ارتبطت المراجعات ببنية تنظيمية سمحت بإنتاج خطاب مؤطر، بينما جاءت في الجزائر نتيجة تحولات ميدانية فرضها اختلال ميزان القوة، دون أن يصاحبها إنتاج نظري مماثل. أما في ليبيا، فقد ارتبطت بمسار تفاوضي مع الدولة، أفضى إلى إنتاج نصوص سعت إلى إعادة ضبط مفاهيم الجهاد والتكفير[4]. وفي المقابل، تبرز تجارب أخرى، كما في المغرب، يصعب إدراجها ضمن هذه النماذج، بسبب غلبة المبادرات الفردية وغياب الإطار التنظيمي.
يطرح هذا التعدد إشكالاً مفاهيمياً يتجاوز الوصف، ليطال تعريف الظاهرة نفسها: هل تشير “المراجعات” إلى تحول فكري عميق، أم إلى مجرد إعادة تموقع سلوكي تفرضه السياقات؟ وهل يمكن التعامل معها باعتبارها ظاهرة موحدة، أم باعتبارها أنماطاً مختلفة يجمعها توصيف واحد؟
انطلاقاً من ذلك، تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن ما يُصطلح عليه بـ”المراجعات” في التجارب الجهادية العربية لا يمثل مساراً واحداً، بل يحيل إلى أنماط متعددة من التحول، تختلف من حيث العمق والدوافع والمآلات. ومن ثم، فإن تحليل هذه الظاهرة يقتضي تفكيك مفهومها، ثم دراسة تجلياتها في السياقات المختلفة ومآلاتها، قبل تقييم آثارها.
إشكال مفهوم “المراجعات” وعلاقته بـ “فك الارتباط“
يطرح مفهوم “المراجعات” في الأدبيات الجهادية العربية إشكالاً مفاهيمياً يرتبط باتساع دلالته، بحيث يشمل تحولات متباينة في طبيعتها، دون تمييز واضح بين مستوياتها التحليلية. فالمصطلح لا يحيل إلى تعريف مضبوط، بل يُستخدم لوصف طيف واسع من التغيرات، تتراوح بين التخلي عن العنف، وإعادة بناء المنظومة الفكرية التي تبرره. ويؤدي هذا الاتساع إلى إضعاف القدرة التفسيرية للمفهوم، إذ يُسقط الفوارق بين أنماط مختلفة من التحول.
لا يقتصر هذا الإشكال على البعد النظري، بل يمتد إلى طريقة توظيف المفهوم في الخطاب الأمني والإعلامي، حيث يُستخدم غالباً بوصفه مؤشراً على نهاية العنف، دون تمييز بين مستوياته المختلفة. ويؤدي هذا الاستعمال إلى خلط بين التحول السلوكي والتحول الفكري، مما يضفي على بعض الحالات طابع “المراجعة” رغم أنها لا تتجاوز مستوى فك الارتباط[5].
تاريخيا، يرتبط هذا الوضع بالسياق الذي نشأ فيه المفهوم، إذ لم يتبلور داخل حقل نظري مستقل، بل ظهر في سياق أمني وسياسي لتوصيف التحولات التي طرأت على بعض الفاعلين بعد الاعتقال. وقد أدى هذا الاستخدام الوصفي إلى إدماج أنماط مختلفة من التحول تحت تسمية واحدة، دون ضبط حدودها.
في هذا الإطار، يصبح التمييز بين “المراجعة” و”فك الارتباط” ضرورياً. إذ تشير الأدبيات المعاصرة إلى أن فك الارتباط يعني التخلي عن العنف أو الانسحاب من التنظيم دون تغيير في القناعات، في حين تشير المراجعة إلى تحول في البنية الفكرية نفسها [6].
كما أن هذا التمييز لا يقتصر على الجانب المفاهيمي، بل له آثار تحليلية مباشرة، إذ يسمح بإعادة تقييم عدد من التجارب التي اعتُبرت ناجحة في تفكيك التطرف، في حين أنها لم تمس إلا مستوى السلوك. فغياب التحول المعرفي يجعل هذه الحالات عرضة لإعادة إنتاج نفس التصورات في سياقات مختلفة.
انطلاقاً من ذلك، يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات تحليلية. يتمثل المستوى الأول في المراجعة السلوكية، حيث يقتصر التحول على التخلي عن العنف. أما المستوى الثاني، فيتعلق بالمراجعة الفقهية، حيث يتم إعادة تأويل النصوص لضبط شروط العنف وحدوده، كما في التجربتين المصرية والليبية[7]. أما المستوى الثالث، فيتمثل في المراجعة المعرفية، حيث يتم نقد المنظومة الفكرية ذاتها، بما في ذلك أسس التأويل والاستدلال.
يسمح هذا التمييز بإعادة تقييم ظاهرة “المراجعات”، إذ لا يمكن اعتبار كل تخلي عن العنف تحولاً فكرياً، كما لا يمكن اعتبار كل إنتاج فقهي مراجعة عميقة بالضرورة. ومن ثم، فإن تحليل هذه الظاهرة يقتضي تحديد المستوى الذي ينتمي إليه كل تحول.
غير أن الإشكال لا يتعلق فقط بطبيعة التحول، بل أيضاً بشروط إنتاجه. ففي عدد من الحالات، ارتبطت المراجعات بسياسات تقوم على الحوافز، حيث يتم ربط الإفراج أو تحسين شروط الاعتقال بإبداء مواقف معينة، وهو ما يجعل من الصعب التمييز بين التحول الناتج عن قناعة، وذلك الناتج عن التكيف مع السياق[8].
كما تلعب البنية التنظيمية دوراً حاسماً في شكل المراجعات ومداها. ففي الحالات التي تتوفر فيها هذه التيارات على تنظيم مركزي، يمكن أن تتحول المراجعات إلى خطاب جماعي مؤطر، بينما تظل في غياب هذا الإطار مبادرات فردية لا تؤدي إلى تحول جماعي واضح.
انطلاقا من ذلك، يتضح أن مفهوم “المراجعات” لا يمكن التعامل معه بوصفه مفهوماً بسيطاً، بل باعتباره مفهوماً مركباً، يتداخل فيه البعد السلوكي بالمعرفي، ويتقاطع فيه الذاتي بالمؤسساتي، وهو ما يبرر الانتقال إلى تحليل أنماط هذه المراجعات في التجارب العربية.
أنماط المراجعات في التجارب الجهادية العربية
يكشف تحليل التجارب الجهادية في العالم العربي عن أن ما يُصطلح عليه بـ”المراجعات” لا يحيل إلى مسار واحد متجانس، بل إلى أنماط متعددة من التحول، تتباين تبعا لاختلاف البنية التنظيمية، والسياق السياسي، وطبيعة العلاقة مع الدولة. ومن ثم، فإن مقاربة هذه الظاهرة تقتضي بناء تصنيف تحليلي يميز بين أنماطها، من حيث شروط إنتاجها ومستوى عمقها، بدل التعامل معها كمفهوم عام[9].
أولاً: المراجعات التنظيمية المؤطرة
يقوم هذا النمط على وجود تنظيم مركزي قادر على تأطير التحول وتحويله إلى خطاب نظري مكتوب، يُعاد توزيعه داخل الجماعة. وتُعد التجربة المصرية المثال الأبرز في هذا الصنف، حيث أعلنت الجماعة الإسلامية وقف العمليات المسلحة سنة 1997، قبل أن تنتقل إلى إنتاج السلسلة المعروفة ب “تصحيح المفاهيم”، التي اشتغلت على قضايا التكفير والخروج والعلاقة مع المجتمع والدولة[10] .
وقد سعت هذه النصوص إلى إعادة تأويل المفاهيم المؤسسة للخطاب الجهادي، بما يسمح بإضفاء مشروعية على التحول داخل نفس الإطار المرجعي. غير أن هذا الاشتغال ظل محكوماً بالبنية الفكرية الأصلية، مما يجعله أقرب إلى إعادة ترتيب داخلي منه إلى قطيعة معرفية.
وفي السياق نفسه، قدم سيد إمام الشريف في كتابه “ترشيد العمل الجهادي” نقداً لاستخدام العنف داخل المجال الوطني، مع الدعوة إلى ضبط شروطه الشرعية[11]. غير أن هذا الطرح لم يتحول إلى مرجعية داخل التنظيم بشكل واسع، مما يعكس حدود القدرة التنظيمية على فرض المراجعة.
أما في الحالة الليبية، فقد أصدرت الجماعة الليبية المقاتلة “الدراسات التصحيحية”، التي أعلنت التخلي عن العمل المسلح، وأعادت تأصيل مفاهيم الجهاد والحسبة[12]. وقد جاءت هذه المراجعات في سياق حوار داخل السجن، وهو ما يجعلها مرتبطة بشروط التفاوض أكثر من كونها تعبيراً عن تحول فكري مستقل[13].
ثانياً: المراجعات الميدانية السياسية
يتميز هذا النمط بغياب الإنتاج النظري، وارتباط التحول بتغيرات ميدانية تفرض إعادة تموقع عملي. وتُعد الحالة الجزائرية المثال الأبرز في هذا الصنف، حيث أعلن الجيش الإسلامي للإنقاذ وقف إطلاق النار سنة 1997، في سياق تراجع قدرة التنظيم على الاستمرار في المواجهة المسلحة[14].
وقد أدى هذا القرار إلى تقليص العنف بشكل كبير، دون أن يصاحبه إنتاج نظري يعيد بناء التصورات التي قامت عليها التجربة. كما كرّس “ميثاق السلم والمصالحة الوطنية” هذا التحول، من خلال ربط العفو بالتخلي عن السلاح، دون اشتراط مراجعات فكرية مؤطرة.
ويكشف هذا النمط عن أن إنهاء العنف قد يتحقق نتيجة اختلال ميزان القوة، دون أن يواكبه تحول معرفي، وهو ما يبدو منسجما إلى حد بعيد مع مفهوم فك الارتباط الذي يميز بين التخلي عن الفعل العنيف واستمرار مبرراته.
ثالثاً: المراجعات الموجهة من الدولة
يقوم هذا النمط على تدخل الدولة في توجيه عملية المراجعة، عبر برامج مؤسساتية تستهدف إعادة تأهيل المعتقلين.
في هذا السياق، اعتمدت السعودية برنامج “المناصحة”، الذي يقوم على محاورة المعتقلين وإعادة تأهيلهم دينياً واجتماعياً[15]. وقد أظهرت تقارير دولية أن هذه البرامج ساهمت في تقليص العنف المباشر، لكنها لم تمنع بشكل كامل عودة بعض المستفيدين إلى النشاط الجهادي[16].
وفي المغرب، يندرج برنامج “مصالحة” ضمن هذا الإطار، حيث تسعى المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج إلى إعادة تأهيل المعتقلين عبر مقاربة متعددة الأبعاد[17]. غير أن محدودية الإنتاج الفكري المرتبط بهذه البرامج، وارتباطها بمنطق الحوافز، يجعل من الصعب اعتبارها مراجعات معرفية عميقة.
رابعاً: المراجعات الفردية غير المؤطرة
يمثل هذا النمط الحالات التي تتم خارج أي إطار تنظيمي أو مؤسساتي، وتبقى مرتبطة بمسارات فردية متباينة. وفي هذا السياق، لا تتحول المراجعة إلى خطاب جماعي، بل تظل تجربة معزولة، لا تملك آليات للانتقال أو التعميم داخل التيار.
وتظهر المعطيات أن غياب التنظيم المركزي يؤدي إلى غياب البنية التي تسمح بإنتاج مراجعات مؤطرة أو نقلها، وهو ما يجعل أثر هذه التحولات محدوداً بطبيعته[18]. غير أن هذا الطابع الفردي لا يعني تجانس هذه المسارات، بل يخفي تبايناً داخلياً يمكن التمييز فيه بين أكثر من مستوى.
ففي مستوى أول، تظهر حالات الثبات، حيث يظل الفاعل محافظاً على بنيته الفكرية، رغم تغير موقعه أو خطابه. وفي مستوى ثانٍ، تبرز حالات فك الارتباط، حيث يتم التخلي عن العنف دون تفكيك مبرراته، وهو ما يجعل التحول سلوكياً أكثر منه معرفياً. أما في مستوى ثالث، فتظهر حالات محدودة من المراجعة المعرفية، حيث يتم الانخراط في نقد أعمق للمنظومة الفكرية.
غير أن هذه المستويات، رغم اختلافها، تشترك في غياب الإطار الذي يسمح بتحويلها إلى مرجعية داخل التيار، مما يجعلها غير قادرة على إحداث أثر ممتد. وهو ما يؤكده عدد من الدراسات التي تبرز أن التحولات الفردية، في غياب التنظيم، تظل محدودة الانتشار، حتى عندما تبلغ مستوى عالياً من العمق[19].
ويطرح هذا النمط إشكالاً منهجياً يتعلق بحدود مفهوم “المراجعات”، إذ يفقد هذا المفهوم دلالته الجماعية في غياب البنية التي تسمح بتحويل التحول الفردي إلى خطاب قابل للتداول. ومن ثم، فإن إدراج هذه الحالات ضمن مفهوم المراجعات يظل مشروطاً بالتمييز بين التحول كمسار فردي، والمراجعة كظاهرة جماعية.
يُظهر هذا التصنيف أن المراجعات في التجارب الجهادية العربية لا تمثل ظاهرة واحدة، بل أنماطاً متعددة تتراوح بين التكيف السلوكي والتحول المعرفي. كما يكشف أن العوامل البنيوية والسياسية تلعب دوراً حاسماً في تحديد طبيعة هذه التحولات، وهو ما يفسر تباين مخرجاتها تبعاً لاختلاف السياقات[20].
تحولات السلفية الجهادية بالمغرب: تمايز المسارات وحدود مفهوم المراجعة
تكشف دراسة تحولات السلفية الجهادية بالمغرب عن إشكال منهجي يتصل بحدود مفهوم “المراجعات” نفسه، إذ لا تتوافر في هذه الحالة الشروط التي يفترضها هذا المفهوم في صيغته الكلاسيكية، والمتمثلة في وجود إنتاج نظري مؤطر، وتحول جماعي قابل للتداول داخل بنية تنظيمية. وبدل ذلك، تبرز الحالة المغربية باعتبارها مجالاً لتفكك هذا النموذج، حيث تحل المسارات الفردية محل التحولات الجماعية، وتصبح المواقف المعلنة بديلاً عن النصوص المرجعية.
في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع ما جرى باعتباره “مراجعات” بالمعنى الدقيق، بل بوصفه تمايزاً في المسارات، يفرض التمييز بين مستويات مختلفة من التحول. ولا يستند هذا التمييز إلى تصنيف نظري مجرد، بل إلى معطيات قابلة للرصد، تتعلق بالخطاب والممارسة والمواقف المعلنة.
في المستوى الأول، يظهر نمط الاستمرار داخل نفس البنية المرجعية، كما يتجلى في حالتي عمر الحدوشي وحسن الكتاني. ولا يتعلق الأمر هنا بغياب المراجعة فقط، بل برفضها المعلن، حيث يؤكد الحدوشي، في أكثر من مناسبة، عدم وجود ما يقتضي التراجع[21]، وهو موقف لا يبقى في حدود التصريح، بل يجد امتداده في خطابه اللاحق، الذي يواصل استعمال نفس القاموس الجهادي في توصيف المخالفين[22].
ويتجلى هذا الاستمرار بشكل أوضح في الممارسة الخطابية، حيث يُعاد إنتاج التصنيفات التكفيرية في توصيف الفاعلين داخل المجال العام، بما في ذلك فاعلون إسلاميون أو سياسيون، وهو ما يعكس بقاء البنية العقدية التي تؤسس لهذه الأحكام دون مراجعة[23]. كما يتجلى هذا الاستمرار في مواقفه العامة من النظام السياسي ومؤسساته، دون أن يصاحبه تحول في الإطار المفاهيمي الذي يؤطر هذه المواقف[24] .
ولا تختلف حالة حسن الكتاني عن ذلك من حيث الجوهر، إذ يكشف تتبع مواقفه بعد الإفراج استمراراً واضحاً لنفس التصورات المرتبطة بالحاكمية والتكفير، سواء في علاقته بالحركات الإسلامية، أو في توصيفه للمخالفين، أو في مواقفه من النظام السياسي[25]، ولا يقتصر هذا الاستمرار على مستوى الموقف العام، بل يمتد إلى تفاصيل الممارسة الخطابية اليومية، حيث يعاد إنتاج نفس القاموس السلفي المتشدد في توصيف الفاعلين داخل المجال العمومي، من خلال توسيع دائرة التكفير أو التفسيق لتشمل فاعلين حقوقيين وفكريين، بل وسياسيين من داخل الحقل الإسلامي نفسه²، وهو ما يعكس بقاء البنية العقدية المؤسسة لهذه الأحكام دون مراجعة فعلية.
كما يتجلى هذا الثبات في الموقف من الديمقراطية، التي يستمر توصيفها باعتبارها نظاما علمانيا لا يصلح للمسلمين[26]، وهو موقف يتجاوز النقد السياسي إلى الرفض المبدئي، بما يعكس استمرار الاشتغال داخل نفس الإطار المفاهيمي المؤسس لخطاب الحاكمية. ويوازي ذلك حضور لغوي حاد في توصيف المخالفين، حيث تُستعمل أوصاف من قبيل “الانحراف” و”الانتكاس” و”النفاق” في سياقات سجالية مرتبطة بقضايا فكرية أو دينية[27]، وهو ما يكشف عن استمرارية نفس البنية التصنيفية التي تقوم على الفصل الحاد بين “الحق” و”الباطل”.
ومن جهة أخرى، يبرز هذا الاستمرار أيضا في الحضور الميداني، من خلال تأطيره المنتظم لعدد من الوقفات المرتبطة بملف المعتقلين الإسلاميين[28]، وهو حضور لا يقتصر على التضامن الحقوقي، بل يتداخل فيه البعد الدعوي مع إعادة إنتاج خطاب المظلومية المرتبط بالتيار الجهادي. كما يظهر في مواقفه من عدد من القضايا الثقافية والدينية، بما في ذلك موقفه من بعض التيارات الأمازيغية أو من الطرق الصوفية، حيث يستمر منطق المواجهة العقدية[29]، بدل أي محاولة لإعادة بناء خطاب أكثر انفتاحا.
ولا ينفصل ذلك عن مواقفه المرتبطة بالسياق الإقليمي، خاصة بعد اندلاع الأزمة السورية، حيث عبّر في أكثر من مناسبة عن تعاطف مع فصائل ذات مرجعية جهادية، واعتبرها امتدادا لما يسميه “الطائفة المنصورة”[30]، بما يدل على استمرار البنية التصورية المؤطرة للخطاب وطبيعة تمثله للصراع. بل إن انخراطه في بعض المبادرات المرتبطة بتوحيد الفصائل الجهادية، وتواصله مع بعض قياداتها، يقدم مؤشرا إضافيا على هذا الامتداد[31].
غير أن ما يمنح حالة الكتاني بعدا إضافيا لا يقتصر على الاستمرار، بل يتعلق بطبيعة المسار ذاته، إذ تشير معطيات متعددة إلى أن تجربته داخل السجن لم تكن لحظة مراجعة، بل شكلت في بعض جوانبها لحظة إعادة بناء لاختياراته على أسس أكثر تشددا، خاصة مع إعادة قراءته لكتابات ابن تيمية[32]، وهو ما يفسر انتقاله من موقع كان يُنظر إليه سابقا داخل التيار السلفي باعتباره أقل حدة، إلى موقع أكثر انسجاما مع أطروحات التيار الجهادي.
على مستوى فك الارتباط، تبرز تجربة محمد الفزازي بوصفها حالة انتقال من خطاب تكفيري صريح إلى خطاب داعم للدولة ومؤسساتها، مع إعلان واضح لرفض العنف والانخراط في المجال العام[33]. ويظهر هذا التحول أيضا في مواقفه من المشاركة السياسية، حيث انتقل من رفضها واعتبارها شكلا من الشرك إلى خطاب أكثر قبولا لفكرة الانخراط في الحياة العامة، بل والتفكير في تأسيس إطار سياسي والمشاركة في الانتخابات[34]، كما تجلى ذلك في تعبيره المتكرر عن إيمانه بمؤسسات الدولة، خاصة الدينية منها، بعد أن كان يعتبرها في مرحلة سابقة امتدادا لما يسميه “الطواغيت”.
وقد تعزز هذا المسار من خلال اندماجه في البنية الدينية الرسمية، حيث أصبح عضوا في المجلس العلمي المحلي، وخطيبا بأحد المساجد الكبرى، في سياق إعادة تأهيل الدولة لعدد من الفاعلين السابقين داخل الحقل السلفي، وهو ما تُوّج بأداء الملك محمد السادس صلاة الجمعة خلفه، في حدث حمل دلالات رمزية قوية على مستوى إعادة الإدماج السياسي والديني[35].
غير أن هذا التحول، رغم وضوحه على مستوى الممارسة، لا يستند إلى مراجعة نظرية للمقولات السابقة، إذ لا يصاحب هذا التحول تفكيك صريح للنصوص المؤسسة لخطابه قبل الاعتقال، ولا مراجعة منهجية للمقولات التي كانت تؤطر هذا الخطاب، ولا نقدا صريحا للمفاهيم التي كانت تبرر العنف، خاصة ما يتعلق بمقولات الحاكمية والتكفير. بل إن تتبع مواقفه اللاحقة يكشف استمرارا لنفس التصورات المرتبطة بتطبيق الشريعة وحدود العلاقة مع المخالف، سواء من خلال دفاعه عن التصورات التقليدية للعقوبات الجنائية، أو في مواقفه من بعض القضايا الفكرية، حيث يستمر في تبني نفس الأصول السلفية في التعامل مع الاختلاف[36].
ويتجلى ذلك أيضا في لغته السجالية تجاه بعض مخالفيه، من خلال توظيف نفس القاموس السلفي الحاد في توصيفهم، خصوصا في ردوده على محمد عبد الوهاب رفيقي، وفي مواقفه من قضايا مثل المساواة في الإرث، وهو ما يعكس استمرار البنية الذهنية رغم تغير موقعه داخل الحقل[37].
وفي هذا المستوى، يتأكد التمييز الذي تقرره الأدبيات المتخصصة بين التخلي عن العنف بوصفه ممارسة، والتخلي عن مبرراته بوصفها بنية فكرية، وهو تمييز يسمح بفهم هذا النمط من التحولات باعتباره فك ارتباط لا مراجعة.
في المستوى الثالث، تبرز حالات محدودة يمكن إدراجها ضمن المراجعة المعرفية، حيث لا يقتصر التحول على تغيير الموقف من العنف، بل يمتد إلى نقد الإطار المرجعي نفسه. وتندرج تجربة محمد عبد الوهاب رفيقي، بوصفها حالة فردية ذات طابع استثنائي داخل هذا السياق، ضمن هذا الإطار، حيث يمثل الحالة الوحيدة التي تقدم سردية مفصلة حول مسار المراجعة، وأسبابها ودوافعها، سواء في لقاءاته الإعلامية أو في كتاباته المتفرقة[38].
وإن كان رفيقي يصر على التأكيد على مظلوميته وعلى براءته من التهم التي حوكم بسببها، وعلى كونه لم يكن يوماً منخرطاً في الدعوة إلى العنف، إلا أنه لا يتردد في إبراز التحولات التي طرأت على تصوراته خلال فترة السجن، بل يصرح مراراً بتخليه عن عدد من المقولات السلفية، وخروجه عن النسق السلفي، وانخراطه في نقد بنيته الفكرية، وهو ما عرضه لانتقادات شديدة من محيطه السابق، وصلت إلى حد التخوين والتكفير[39].
ويُرجع رفيقي هذا المسار إلى سياق أوسع، يرتبط بطبيعة التنشئة الفكرية التي خضع لها جيله، في ظل سياسات عمومية ساهمت في انتشار الفكر السلفي، سواء عبر المؤسسات الدينية الرسمية أو من خلال التأثيرات الخارجية المرتبطة بالمشرق، خصوصاً في سياق الحرب الأفغانية وما رافقها من تعبئة إيديولوجية، وهو ما جعله، بحسب تعبيره، نتاجاً لتلك المرحلة قبل أن ينخرط في مسار نقدها وتجاوزها[40].
ولا يظهر هذا التحول دفعة واحدة، بل يتدرج عبر مراحل، بدأت داخل السجن من خلال إصدار بيانات فردية وجماعية تدين العنف، ثم من خلال مبادرة “أنصفونا” التي أطلقها سنة 2009، والتي شكلت محاولة أولى لإعادة صياغة موقف جماعي من قضايا التكفير والعلاقة مع الدولة داخل التيار السلفي[41]، قبل أن يتطور هذا المسار بشكل أوضح بعد خروجه من السجن، حيث اتخذت مراجعاته طابعاً أكثر صراحة واتساعاً.
وتتجلى هذه المراجعات في مواقفه اللاحقة، التي تدعو إلى مراجعة التراث الإسلامي، ونقد الفقه المنتج للتطرف، وإعادة النظر في عدد من القضايا المركزية، من قبيل العلاقة بين الدين والسياسة، والدفاع عن حرية الاعتقاد والحريات الفردية، وإعادة النظر في قضايا مثل الإرث وحقوق المرأة، والدعوة إلى عقلنة الخطاب الديني وتنقيته من الخرافة، والتمييز بين ما هو ديني وما هو مدني في تنظيم الحياة العامة[42].
ويمثل هذا المسار انتقالاً من داخل المرجعية إلى مساءلتها، ومن الانخراط في إنتاج خطاب سلفي إلى تفكيكه، وهو ما يميزه عن باقي الحالات التي يظل فيها التحول محصوراً في مستوى السلوك أو الموقف. غير أن هذا التحول، رغم عمقه، يظل معزولاً نسبياً، ولا يتحول إلى خطاب جماعي، بسبب غياب إطار تنظيمي أو فكري يسمح بتداوله أو تعميمه داخل نفس الحقل.
وإلى جانب ذلك، تكشف المعطيات أيضاً عن وجود تمايزات سابقة لفترة الاعتقال، خاصة في الموقف من المشاركة السياسية، حيث دعا بعض الفاعلين إلى الانخراط في العملية الانتخابية، في حين رفضها آخرون واعتبروها غير مشروعة، وهو ما يعكس تبايناً بنيوياً داخل نفس المرجعية، لا يمكن اختزاله في أثر تجربة السجن فقط، بل يرتبط بالخلفيات الفكرية التي حكمت تشكل كل حالة.
كما تظهر محاولة محدودة لتأطير هذا التباين في شكل خطاب جماعي، من خلال وثيقة مشتركة تضمنت مواقف عامة حول التكفير والعلاقة مع الدولة، دون أن ترقى إلى مستوى مراجعة نظرية مكتملة، وهو ما يعكس حدود القدرة على إنتاج خطاب جماعي داخل هذا التيار، خاصة في ظل غياب إطار تنظيمي جامع يسمح بتحويل المبادرات الفردية إلى مرجعية مشتركة[43].
انطلاقاً من ذلك، يتضح في ضوء الحالات المدروسة أن الحالة المغربية لا تقدم نموذجاً موازياً للتجارب التي عرفت مراجعات مؤطرة، بل تكشف عن حدود هذا المفهوم نفسه، في غياب الشروط التي تسمح بتحول المسارات الفردية إلى دينامية جماعية. وهو ما يجعلها حالة تحليلية خاصة، لا لفهم المراجعات بوصفها ظاهرة، بل لفهم شروط إمكانها وحدودها.
ويكشف تحليل البنية اللغوية للخطاب عن معطى إضافي يتجاوز مجرد توصيف المواقف، إذ لا يتعلق الأمر بما يُقال وحده، وإنما بكيفية قوله. فاستمرار بعض الفاعلين في توظيف مفردات من قبيل “الردة” و”الكفر” و”الانحراف” في توصيف المخالفين، لا يعكس مجرد اختلاف في الرأي، بل يدل على بقاء بنية تصنيفية ثنائية، تقوم على الفصل الحاد بين “حق” و”باطل”، دون مساحات وسيطة. ويظهر هذا بوضوح في استعمال أوصاف قدحية في حق فاعلين إسلاميين أو مثقفين، بما يكشف أن التحول، حيث وُجد، لم يمس آليات إنتاج الحكم، بل اقتصر على مجالات تطبيقه.
ولا يقف الأمر عند حدود المفردات، بل يمتد إلى بنية الخطاب نفسها، التي تظل قائمة على نزع الشرعية عن المخالف، بدل محاورته، وهو ما يضعف إمكانية الانتقال نحو مراجعة معرفية، لأن هذه الأخيرة تفترض الاعتراف بتعدد التأويلات، لا حسمها من داخل نفس المرجعية. وهو ما يفسر أن بعض الخطابات، رغم تراجعها عن العنف، تستمر في إنتاج نفس المنطق الإقصائي، مما يجعلها أقرب إلى إعادة تموضع داخل البنية، لا خروجاً منها.
من جهة أخرى، يبرز تحليل التناقض بين المواقف السابقة واللاحقة عنصراً حاسماً في تقييم طبيعة التحول. فبعض الحالات التي انتقلت إلى خطاب أكثر اعتدالاً، لا تقدم في المعطيات المتاحة، سردية تفسيرية لهذا الانتقال، ولا تعيد النظر في مواقفها السابقة، مما يجعل التحول منفصلاً عن مسار فكري واضح. ويظهر ذلك في غياب أي مراجعة للنصوص التي كانت تؤسس للخطاب السابق، أو أي نقد صريح للمفاهيم التي تم التخلي عنها عملياً[44].
ويعني ذلك أن الانتقال لا يتم عبر تفكيك البنية، بل عبر تجاوزها عملياً، وهو ما يجعله انتقالاً هشاً، لأنه لا يستند إلى إعادة بناء معرفية. وفي المقابل، فإن الحالات التي تقدم نقداً صريحاً لمرجعيتها، وتعيد النظر في علاقتها بالنصوص، تظل محدودة، لكنها تمثل مؤشراً على أن المراجعة، حين تقع، لا تكون جزئية، بل تمس الأسس التي يقوم عليها الخطاب.
كما يكشف هذا التباين أن السجن، رغم كونه تجربة مشتركة، لا ينتج بالضرورة نتائج متشابهة، إذ يتوقف أثره على كيفية استيعابه داخل البنية الفكرية للفرد. ففي الوقت الذي يتحول فيه عند البعض إلى لحظة مراجعة، يتحول عند آخرين إلى لحظة تعزيز للهوية، وهو ما يفسر التباين الحاد بين المسارات، رغم تشابه الظروف.
العوامل المحددة لتحولات السلفية الجهادية بالمغرب
تتحدد تحولات السلفية الجهادية بالمغرب من خلال تفاعل مجموعة من العوامل البنيوية والسياقية، التي لا تنتج مساراً واحداً، وتفسر التباين الواضح بين حالات الاستمرار، وفك الارتباط، والمراجعة المعرفية. ويقتضي تحليل هذه العوامل تجاوز التفسير الأحادي، نحو مقاربة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة التيار، وتجربة الفاعلين، وشروط تدخل الدولة.
- يتمثل العامل الأول في غياب البنية التنظيمية المركزية، وهو ما يفسر غياب المراجعات الجماعية. فالتجارب التي عرفت مراجعات مؤطرة، كما في مصر أو ليبيا، كانت تستند إلى تنظيمات قادرة على إنتاج نصوص مرجعية، وهو ما لا يتوافر في الحالة المغربية، حيث تتشكل السلفية الجهادية في صورة شبكات غير متماسكة، تقوم على رمزية الأشخاص، لا على وحدة تنظيمية[45] .
ويترتب عن ذلك أن كل تحول يظل رهيناً بمسار فردي، غير قابل للتعميم، وهو ما يظهر في التباين بين مواقف الفاعلين، رغم اشتراكهم في نفس السياق، دون أن يؤدي ذلك إلى إنتاج مراجعة جماعية.
- العامل الثاني يتمثل في تجربة السجن، التي تشكل لحظة مفصلية في مسار الفاعلين، غير أن أثرها لا يتخذ اتجاهاً واحداً. ففي بعض الحالات، يؤدي الاعتقال إلى إعادة تأكيد القناعات، كما يظهر في استمرار بعض الفاعلين في تبني نفس الخطاب بعد الإفراج، ورفضهم الصريح لفكرة المراجعة.
وفي حالات أخرى، يشكل السجن لحظة انتقال نحو فك الارتباط، حيث يتم التخلي عن العنف، دون مراجعة الأسس الفكرية التي كانت تبرره، وهو ما يظهر في التحولات التي تركز على تعديل السلوك، دون إعادة بناء التصور.
وتنسجم هذه الحالات مع التمييز الذي تقترحه الأدبيات بين فك الارتباط والتحول المعرفي، حيث يمكن أن يتحقق الأول دون الثاني[46].
- العامل الثالث يرتبط بتدخل الدولة، التي تمارس دوراً مركباً في توجيه هذه التحولات. ففي الحالة المغربية، لا يقتصر هذا التدخل على المقاربة الأمنية، بل يشمل آليات لإعادة إدماج الفاعلين داخل المجال العام، سواء من خلال العفو، أو من خلال برامج التأهيل[47] .
غير أن هذا التدخل، رغم تأثيره، يظل موجهاً نحو ضبط السلوك، أكثر من كونه منتجاً لتحول فكري، إذ لا يصاحبه إنتاج نظري صادر عن الفاعلين، ولا يؤدي إلى بناء خطاب بديل داخل التيار.
- العامل الرابع يتمثل في البنية الفكرية للفاعلين، التي تحدد طبيعة استجابتهم لهذه العوامل. إذ تكشف الحالات المدروسة أن بعض الفاعلين يحتفظون بنفس الإطار المرجعي، بينما يختار آخرون إعادة تموضع داخله، في حين تنخرط حالات محدودة في نقده. وهو ما يدل على أن التحول لا يتحدد فقط بالشروط الخارجية، بل يتشكل أيضاً من داخل البنية المعرفية للفرد.
- العامل الخامس يرتبط بعلاقة الفاعلين بالمجال العام، إذ يفرض الانخراط الإعلامي والدعوي إعادة ضبط الخطاب، بما يجعله أكثر قابلية للتداول. غير أن هذا التكيف لا يعني بالضرورة تحولاً في المضمون، بل قد يظل في حدود الشكل، وهو ما يظهر في بعض الخطابات التي تنتقل من الحدة إلى الاعتدال الظاهري، دون مراجعة المفاهيم المؤسسة.
انطلاقاً من ذلك، يتضح أن تحولات السلفية الجهادية بالمغرب لا تنتج عن عامل واحد، بل عن تفاعل معقد بين بنية التيار، وتجربة السجن، وتدخل الدولة، والبنية الفكرية، وعلاقة الفاعلين بالمجال العام. غير أن هذا التفاعل لا يؤدي إلى إنتاج مراجعات جماعية، بل إلى مسارات متباينة، تعكس حدود الشروط التي يفترضها مفهوم المراجعة في صيغته الكلاسيكية.
غير أن الوقوف عند تعداد هذه العوامل لا يكفي لتفسير تباين المسارات، إذ يظل السؤال المركزي هو: لماذا تنتج نفس الشروط نتائج مختلفة؟ ولماذا يؤدي السجن، أو تدخل الدولة، إلى تثبيت القناعات في بعض الحالات، وإلى تفكيكها في حالات أخرى؟
لفهم ذلك، ينبغي الانتقال من مستوى “العوامل” إلى مستوى “كيفية اشتغالها”، أي إلى تحليل الطريقة التي يتم بها استيعاب هذه العوامل داخل البنية الفكرية للفاعلين. فالسجن، مثلاً، لا يعمل بوصفه متغيراً مستقلاً، بل بوصفه تجربة يعاد تأويلها، وهو ما يفسر أن أثره لا يكون موحداً[48]. ففي الحالات التي تمتلك بنية فكرية مغلقة، قائمة على اليقين العقدي، يتحول السجن إلى لحظة تعزيز للهوية، حيث يُعاد تفسير الاعتقال بوصفه دليلاً على صحة الموقف، لا على خطئه، مما يؤدي إلى مزيد من التماسك الداخلي بدل الانفتاح على المراجعة.
وفي المقابل، حين تكون البنية الفكرية أكثر قابلية للمساءلة، يمكن أن يتحول نفس الحدث إلى لحظة تفكيك، حيث يُعاد النظر في المسلمات، وتُطرح أسئلة حول العلاقة بين النص والواقع، وهو ما يفتح إمكانية التحول المعرفي. ويعني ذلك أن السجن لا ينتج المراجعة في حد ذاته، بل يكشف عن حدود البنية التي يستقبله داخلها.
ينطبق الأمر نفسه على تدخل الدولة، الذي لا يمكن اختزاله في كونه عاملاً ضاغطاً أو موجهاً، بل يجب فهمه من خلال نوع الأثر الذي ينتجه. فإذا كان هذا التدخل يركز على تعديل السلوك دون مساءلة التصورات، فإنه يساهم في إنتاج تحولات شكلية، تظل مرتبطة باستمرار شروطها. أما إذا انفتح على أفق فكري يسمح بإعادة بناء العلاقة مع النصوص، فإنه قد يساهم في إنتاج مراجعات أعمق، وهو ما يظل محدوداً في الحالة المغربية، حيث يغلب منطق الضبط على منطق التحويل[49] .
ويكشف تحليل علاقة الفاعلين بالمجال العام عن منطق مماثل، إذ لا يؤدي الانخراط في الفضاء الإعلامي بالضرورة إلى مراجعة المواقف، بل قد ينتج نوعاً من “تكييف الخطاب”، حيث يتم تعديل الأسلوب دون المساس بالمضمون. ويتجلى ذلك في الانتقال من خطاب حاد إلى خطاب أكثر اعتدالاً من حيث الصياغة، مع الحفاظ على نفس البنية المفاهيمية، وهو ما يجعل هذا التحول مرتبطاً بشروط التداول، لا بتحول في القناعة.
ويطرح هذا المعطى إشكالاً منهجياً، يتمثل في صعوبة التمييز بين التحول الحقيقي والتحول الظاهري، إذ لا يكفي رصد تغير في الخطاب للحكم بوجود مراجعة، بل ينبغي تحليل ما إذا كان هذا التغير يمس الآليات التي تنتج الحكم، أم يقتصر على مخرجاته.
من جهة أخرى، يكشف تباين المسارات عن دور حاسم لما يمكن تسميته بـ”الاقتصاد الداخلي للمعرفة”، أي الطريقة التي يُبنى بها الفهم داخل المرجعية نفسها. ففي الحالات التي تقوم على قراءة حرفية للنصوص، يصعب إنتاج مراجعة، لأن البنية لا تسمح بتعدد التأويل، بينما تفتح القراءات التي تقبل السياق والتأويل إمكانية إعادة النظر في المواقف. وهو ما يفسر أن التحول، حين يقع، لا يكون جزئياً، بل يمس مجمل العلاقة مع النص.
كما أن غياب فضاء تداولي داخلي، يسمح بنقاش هذه التحولات، يحد من إمكانية تحولها إلى ظاهرة. ففي غياب هذا الفضاء، تبقى المراجعات، إن وُجدت، محصورة في نطاقها الفردي، ولا تتحول إلى خطاب جماعي قادر على إعادة تشكيل التيار. وهو ما يعزز الطابع المجزأ لهذه التحولات، ويمنع تراكمها في اتجاه مراجعة عامة.
ويؤدي هذا التفاعل بين العوامل إلى نتيجة أساسية، تتمثل في أن التحولات لا تخضع لمنطق السببية المباشرة، بل لمنطق الاحتمال، حيث يمكن لنفس العامل أن ينتج نتائج متعارضة. فالسجن، مثلاً، قد يؤدي إلى المراجعة، وقد يؤدي إلى التصلب، تبعاً لطبيعة البنية الفكرية التي يستقبله داخلها.
ويعني ذلك أن تفسير التحولات لا يمكن أن يقوم على ربط خطي بين السبب والنتيجة، بل يقتضي تحليل السياقات الوسيطة التي تعيد تشكيل أثر هذه العوامل. وهو ما يفسر أن بعض الفاعلين، رغم خضوعهم لنفس الظروف، ينتهون إلى مواقف متباينة، تصل أحياناً إلى حدود التعارض.
كما يكشف هذا المعطى أن المقاربات التي تراهن على عامل واحد، سواء كان أمنياً أو فكرياً، تظل قاصرة عن تفسير الظاهرة، لكونها تتجاهل الطابع المركب للتحولات، الذي يجعلها نتيجة تفاعل مستمر بين مستويات متعددة.
انطلاقاً من ذلك، يتبين أن العوامل المحددة لتحولات السلفية الجهادية بالمغرب لا تشتغل وفق علاقة سببية خطية، بل تتفاعل مع البنية الفكرية للفاعلين، ومع شروط المجال، لإنتاج نتائج متباينة. وهو ما يجعل تفسير هذه التحولات رهيناً بتحليل هذا التفاعل، لا بتعداد العوامل فقط.
مآلات المراجعات وحدودها: بين التحول الظاهري واستمرار البنية
تطرح تحولات السلفية الجهادية بالمغرب سؤالاً يتجاوز توصيف المسارات إلى مساءلة طبيعتها: هل تعكس هذه التحولات مراجعات عميقة، أم أنها لا تتجاوز حدود إعادة التموقع داخل نفس البنية المرجعية؟ ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال إعلان المواقف، بل عبر تحليل ما إذا كانت هذه التحولات قد مست الأسس الفكرية التي أنتجت الخطاب الجهادي، أم اكتفت بتعديل تمظهراته.
في هذا السياق، تكشف المعطيات أن جزءاً مهماً من هذه التحولات لا يرقى إلى مستوى المراجعة، بل يظل محصوراً فيما يمكن تسميته بالتحول الظاهري، وهو ما ينسجم مع ما تشير إليه بعض الأدبيات في دراسات نزع التطرف، حيث يتم التخلي عن العنف أو عن الخطاب الصدامي، دون تفكيك المقولات التي كانت تؤسسه. ويظهر هذا بوضوح في الحالات التي انتقلت إلى خطاب أكثر اعتدالاً، مع الحفاظ على نفس التصورات المرتبطة بالحاكمية، وحدود العلاقة مع المخالف، ومركزية تطبيق الشريعة بصيغتها التقليدية.[50]
ويعني ذلك أن التحول لم يمس البنية العميقة للخطاب، بل اقتصر على مستواه التداولي، وهو ما يجعل هذا التحول في الغالب عرضة للانتكاس، خاصة في حال تغير السياق الذي فرض هذا التكيف. فحين يكون التحول نتيجة ضغط خارجي، لا نتيجة مراجعة داخلية، يظل هشاً، وقابلاً للعودة إلى مواقعه الأصلية.
وتتأكد هذه الهشاشة في حالات الاستمرار، التي تكشف أن السجن، رغم كونه لحظة مفترضة للمراجعة، لم يؤد إلى تفكيك الخطاب، بل إلى إعادة إنتاجه، أحياناً بشكل أكثر وضوحاً. ويظهر ذلك في استمرار استعمال القاموس التكفيري، وإصدار أحكام حادة على الفاعلين داخل المجال العام، بما يعكس بقاء نفس المنظومة العقدية دون تغيير[51].
ولا يقتصر الأمر على الاستمرار، بل يتجاوزه في بعض الحالات إلى ما يمكن وصفه بإعادة التشدد، حيث تتحول تجربة السجن من لحظة مراجعة إلى لحظة تعزيز للهوية، وهو ما يجعل التحول في الاتجاه المعاكس، لا نحو المراجعة، بل نحو مزيد من التصلب[52].
في مقابل ذلك، تظهر حالات فك الارتباط بوصفها النمط الأكثر حضوراً، حيث يتم التخلي عن العنف والانخراط في المجال العام، دون مراجعة الأسس الفكرية. غير أن هذا النمط، رغم أهميته من حيث نتائجه العملية، يظل محدوداً من حيث عمقه، إذ لا ينتج خطاباً بديلاً، ولا يعيد بناء العلاقة مع النصوص المؤسسة، مما يجعله أقرب إلى استراتيجية للتكيف منه إلى تحول معرفي[53].
وهنا يبرز التمييز الحاسم بين التحول السلوكي والتحول المعرفي، إذ يمكن للأول أن يتحقق في غياب الثاني، لكن غيابه يجعل التحول فاقداً للاستقرار، وقابلاً لإعادة التشكل وفق تغير السياقات[54]. وهو ما يفسر أن بعض الخطابات التي تبدو معتدلة في سياق معين، يمكن أن تستعيد حدتها في سياق آخر.
أما الحالات التي تنخرط في مراجعة معرفية، فتبقى محدودة ومعزولة، ولا تنتج أثراً ممتداً داخل التيار. ويرتبط ذلك بغياب الإطار الذي يسمح بتحويل هذه المراجعات إلى خطاب جماعي، مما يجعلها غير قادرة على إعادة تشكيل المجال، رغم عمقها النظري[55].
ويكشف هذا المعطى أن المراجعة، لكي تتحول إلى ظاهرة، لا يكفي أن تكون عميقة، بل يجب أن تكون قابلة للتداول، وهو ما لا يتوافر في الحالة المغربية، حيث تظل التحولات حبيسة مسارات فردية، لا تنتج دينامية جماعية.
إلى جانب ذلك، يطرح تدخل الدولة إشكالاً إضافياً يتعلق بطبيعة هذه التحولات، إذ يجعل جزءاً منها مرتبطاً بمنطق الحوافز، لا بمنطق القناعة. وفي هذه الحالة، يصبح التحول مشروطاً باستمرار هذه الحوافز، وقابلاً للتراجع في حال زوالها، وهو ما يضع حدوداً واضحة لما يمكن أن تنتجه هذه المقاربات من مراجعات مستقرة.
كما أن غياب الإنتاج النظري المصاحب لهذه التحولات يجعلها غير قابلة للفحص أو للنقد من داخل التيار، مما يعزز طابعها الفردي، ويحد من قدرتها على التحول إلى مرجعية. وهو ما يفسر أن الخطاب الجهادي، رغم هذه التحولات، يظل قادراً على إعادة إنتاج نفسه، في غياب بديل نظري واضح[56].
انطلاقاً من ذلك، يتضح أن ما يُقدَّم بوصفه مراجعات في الحالة المغربية لا يشكل، في أغلبه، تحولاً معرفياً عميقاً، بل يعكس أشكالاً مختلفة من التكيف مع السياق، تتراوح بين الاستمرار، وفك الارتباط، والتحول المحدود. وهو ما يفرض إعادة النظر في استعمال مفهوم “المراجعات”، أو على الأقل تقييده بشروطه، بدل تعميمه على كل تحول.
وفي هذا الإطار، لا تكشف الحالة المغربية عن نجاح نموذج المراجعات، بقدر ما تكشف عن حدوده، إذ تظهر أن غياب البنية التنظيمية، وغياب الإنتاج النظري، وطبيعة تدخل الدولة، كلها عوامل تحول دون تشكل مراجعات بالمعنى الدقيق، وتُبقي التحولات في مستوى جزئي، لا يرقى إلى إعادة بناء الخطاب[57].
الخاتمة
تكشف هذه الدراسة أن مقاربة “المراجعات” داخل السلفية الجهادية بالمغرب لا يمكن اختزالها في سرد تحولات فردية أو إعلان مواقف لاحقة لفترات الاعتقال، بل تقتضي إعادة نظر في المفهوم نفسه وحدوده. فالتحليل الذي انتظم في هذا البحث، انطلاقاً من التأطير النظري، مروراً ببناء النماذج، وانتهاءً باختبارها في الحالة المغربية، يبيّن أن ما يبدو مراجعة في المستوى الظاهري لا يرقى في كثير من الحالات إلى تحول معرفي يمس البنية التي أنتجت الخطاب الجهادي.
لقد أظهر التفكيك المقارن أن النماذج التي عُدّت مرجعاً في أدبيات “نزع التطرف” ارتبطت، في سياقات أخرى، بوجود تنظيمات قادرة على إنتاج نصوص مرجعية وتأطير التحول جماعياً. أما في الحالة المغربية، فإن غياب هذه البنية التنظيمية، إلى جانب محدودية الإنتاج النظري الصادر عن الفاعلين أنفسهم، يجعل التحولات أقرب إلى مسارات فردية متباينة، لا تتحول إلى دينامية جماعية قابلة للتداول. ومن ثم، فإن الحديث عن “مراجعات” بالمعنى الدقيق يظل إشكالياً، ما لم تُستحضر الشروط التي تجعل من التحول خطاباً لا مجرد موقف.
كما بيّن تحليل المسارات أن التباين لا يقتصر على درجات التحول، بل يمتد إلى طبيعته: فبين حالات الاستمرار التي تعيد إنتاج نفس البنية المرجعية، وحالات فك الارتباط التي تقتصر على تعديل السلوك دون مساءلة التصورات، وحالات محدودة تنخرط في مراجعة معرفية أعمق، يتشكل طيف واسع من التحولات لا يمكن اختزاله في نموذج واحد. ويعني ذلك أن وحدة المرجعية لا تنتج بالضرورة وحدة في المآلات، بل تتيح قراءات متعارضة، تتحدد وفق مسارات الأفراد وقدرتهم على مساءلة ما يعتبرونه يقيناً.
وفي هذا السياق، أظهر تحليل العوامل المحددة أن السجن، وتدخل الدولة، وعلاقة الفاعلين بالمجال العام، لا تعمل بوصفها أسباباً مباشرة للمراجعة، بل بوصفها شروطاً يعاد تأويلها داخل البنية الفكرية لكل فاعل. وهو ما يفسر أن نفس التجربة قد تفضي إلى نتائج متناقضة، تبعاً لطبيعة هذه البنية. فحين تكون مغلقة، يتحول الضغط إلى عامل تثبيت، وحين تكون قابلة للمساءلة، يفتح أفقاً للتحول. وبذلك، ينتقل التفسير من منطق السببية الخطية إلى منطق التفاعل المركب، حيث لا يكفي وجود العامل، بل تتحدد نتائجه بكيفية اشتغاله داخل النسق المعرفي.
وتقود هذه النتائج إلى خلاصة نقدية أساسية، مفادها أن كثيراً مما يُصنّف ضمن “المراجعات” لا يتجاوز في الغالب حدود التحول الظاهري، المرتبط بتغير السياق أو بشروط الاندماج في المجال العام، دون أن يمس آليات إنتاج الحكم أو منظومة المفاهيم التي تؤطره. وهو ما يجعل هذه التحولات قابلة لإعادة التشكل، بل وللانتكاس، في غياب تفكيك معرفي حقيقي. وفي المقابل، فإن الحالات التي تنخرط في مراجعة عميقة، رغم أهميتها، تظل معزولة، لغياب إطار يحتضنها ويحولها إلى خطاب جماعي.
انطلاقاً من ذلك، لا تبدو الحالة المغربية في الواقع نموذجاً ناجحاً أو فاشلاً للمراجعات، بقدر ما تبدو حالة كاشفة لحدود هذا المفهوم. فهي تبيّن أن المراجعة، لكي تتبلور كظاهرة، لا تحتاج فقط إلى تحول فردي، بل إلى شروط بنيوية ومعرفية وتنظيمية تضمن انتقال هذا التحول من مستوى التجربة إلى مستوى الخطاب. وفي غياب هذه الشروط، تبقى التحولات مجزأة، غير قادرة على إعادة تشكيل التيار أو إنتاج بديل نظري مستقر.
ويفتح ذلك أفقاً لمقاربة بديلة، لا تتعامل مع المراجعات بوصفها نهاية لمسار التطرف، بل باعتبارها طوراً من أطواره، قابلاً لإعادة إنتاجه في صيغ متجددة. فغياب إعادة بناء العلاقة مع النصوص، ومع التراث، ومع المجال العام، يجعل الخطاب قابلاً للتحول دون أن يفقد بنيته، وهو ما يسمح له بالاستمرار في أشكال مختلفة. ومن ثم، فإن التحدي لا يكمن في رصد التحولات، بل في تحليل عمقها، وفي تحديد ما إذا كانت تمس الأساس الذي يقوم عليه الخطاب، أم تكتفي بتعديل تمظهراته.
وعليه، فإن الإسهام الذي تقترحه هذه الدراسة لا يتمثل في تقديم حكم نهائي حول نجاح أو فشل المراجعات، بل في الدعوة إلى إعادة تعريفها، وضبط استعمالها، وربطها بشروطها، حتى لا تتحول إلى مفهوم فضفاض يختزل كل تحول في نفس الدلالة. وهو ما يجعل من الحالة المغربية مدخلاً لإعادة التفكير في أدوات التحليل نفسها، بقدر ما هي موضوع للتحليل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
أولاً: الكتب والدراسات
The De-Radicalization of Jihadists: Transforming Armed Islamist Movements، عمر عاشور، Routledge، لندن، 2009.
Walking Away from Terrorism: Accounts of Disengagement from Radical and Extremist Movements، جون هورغان، Routledge، لندن، 2009.
Deradicalization and Counter-Radicalization Programs، International Peace Institute، نيويورك، 2010.
Jihad: The Trail of Political Islam، جيل كيبل، I.B. Tauris، لندن، 2002.
ثانياً: نصوص الحركات الجهادية
تصحيح المفاهيم، الجماعة الإسلامية، مصر، 2002.
الدراسات التصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس، الجماعة الليبية المقاتلة، ليبيا، 2009.
ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم، سيد إمام الشريف، 2007.
ثالثاً: وثائق رسمية
ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، الجزائر، 2005.
رابعاً: مقالات صحفية
الشيخ حسن الكتاني يروج انتصارات بنصر طالبان، موقع Agora، 16 غشت 2021.
القاعدة لن تتخلى عن أميرها الجديد ولن يتراجع أو يسقط، موقع Al-Akhbar، 31 أكتوبر 2017.
موجة غضب ضد السلفي عمر الحدوشي بسبب شماتته في وفاة الصحافي صلاح الدين الغماري، موقع Alaoual، 12 دجنبر 2020.
الحدوشي يهاجم أبو حفص ويصفه بالداعية الذي يخطب ود الملحدين، موقع Al3omk، 21 أبريل 2017.
ملك المغرب يصلي الجمعة مع شيخ سلفي سجن 9 سنوات، موقع Alarabiya، 29 مارس 2014.
الفزازي يصف أبو حفص بالعدو، موقع Alyaoum24، 24 يناير 2018.
حملة تكفير ضد سلفي مغربي سابق يدعو إلى المساواة في الإرث، موقع France 24، 25 أبريل 2017.
أبو حفص: تنظيم داعش يتغذى من فقه سني ينتج التطرف، موقع Hespress، 21 غشت 2014.
الديمقراطية نظام علماني لا يصلح، موقع Hespress، 19 يوليوز 2013.
هل أفسد السلفيون فرحة الانتقال الديمقراطي على الشعوب الثائرة، موقع Hespress، 8 دجنبر 2012.
الشيخ حسن الكتاني يهاجم شيخ الطريقة الكركرية بالناظور ويتهمه بالتشيع، موقع Hespress، 8 شتنبر 2017.
رفيقي: ظلم النساء يلبس الدين وعصيد: مساواة الإرث ديمقراطية، موقع Hespress، 6 يوليوز 2017.
16 ماي 2015: تعيد المطالبة بالكشف عن المدبر الحقيقي لأحداث 16 ماي 2003 الأليمة، موقع Howiya Press، 16 ماي 2015.
الشيخ محمد الفزازي: مشكلة العلمانيين مع الإسلام، موقع Italian Telegraph، 13 شتنبر 2020.
الكتاني يصفها بالمخرفة وأبو حفص يدافع عنها، أسماء المرابط تثير الجدل، موقع Kifache، 20 مارس 2018.
منتدى الكرامة يقدم مبادرة أنصفونا للمعتقلين أبو حفص والكتاني، موقع Maghress، 9 مارس 2010.
الشيخ محمد الفزازي يدعو من وجدة إلى التوازن في الحياة ويصف المتشددين بالمجانين، موقع NadorCity، 28 غشت 2014.
محمد الفزازي يستعد لتأسيس حزب سياسي بالمغرب، موقع NadorCity، 3 فبراير 2012.
الشيخ الحدوشي يخلد ذكرى التفجيرات الإرهابية للدار البيضاء بالمطالبة بفتح التحقيق فيها، موقع Presstetouan، 16 يونيو 2013.
الشيخ حسن الكتاني يكفر أحمد عصيد، موقع Yennayri، 23 أبريل 2013.
خامساً: مواقع إلكترونية
برنامج مصالحة، المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، تم الاطلاع عليه بتاريخ: 28 أبريل 2026. اضغط هنا
سادساً: مواد سمعية بصرية
كيف دخلت السلفية إلى المغرب، محمد عبد الوهاب رفيقي، قناة Nostik، YouTube، 2020.
سابعاً: مقابلات
مقابلة شخصية مع حسن الكتاني، الدار البيضاء، 2009.
الهوامش:
[1] Kepel، Jihad: The Trail of Political Islam، ص: 219–240
[2] Horgan، Walking Away from Terrorism، 2009، ص: 83–90
[3] Omar Ashour، The De-Radicalization of Jihadists: Transforming Armed Islamist Movements، Routledge، 2009، ص: 1–10
[4] Ashour، ص: 117–140.
[5] Ashour، ص: 27–35
[6] John Horgan، Walking Away from Terrorism، Routledge، 2009
[7] Ashour، The De-Radicalization of Jihadists، ص 73–95؛ 117–140
[8] International Peace Institute Reports on Deradicalization، ص: 10–18.
[9] Omar Ashour، The De-Radicalization of Jihadists: Transforming Armed Islamist Movements، London: Routledge، 2009، ص: 6–9
[10] كرم زهدي، ناجح إبراهيم، مبادرة وقف العنف: رؤية واقعية ونظرة شرعية، ضمن سلسلة تصحيح المفاهيم، القاهرة، 2002، ص: 15–28
[11] سيد إمام الشريف، ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم، 2007، ص: 41–52
[12] الجماعة الليبية المقاتلة، الدراسات التصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس، طرابلس، 2009، ص: 67–89
[13] Omar Ashour، 2009، ص: 121–125
[14] الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، “ميثاق السلم والمصالحة الوطنية”، 2005.
[15] وزارة الداخلية السعودية، “برنامج المناصحة”، الموقع الرسمي: https://www.moi.gov.sa، تم الاطلاع عليه بتاريخ: 12 أبريل 2026
[16] International Peace Institute, Deradicalization and Counter-Radicalization Programs, New York, 2010.
[17] المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، “برنامج مصالحة”، الموقع الرسمي: https://www.dgapr.gov.ma، تم الاطلاع عليه بتاريخ: 12 أبريل 2026
[18] . John Horgan, Walking Away from Terrorism, Routledge, 2009, pp. 18–19.
[19] Omar Ashour، The De-Radicalization of Jihadists، 2009، ص: 30–32
[20] Omar Ashour، 2009، ص: 28–31
[21] عمر الحدوشي، “الشيخ الحدوشي يخلد ذكرى التفجيرات الإرهابية للدار البيضاء بالمطالبة بفتح التحقيق فيها”، موقع Presstetouan، 16 يونيو 2013،
متاح على الرابط: https://presstetouan.com/news7782.html،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[22] “الحدوشي يهاجم أبو حفص ويصفه بـ«الإمعة» الذي يخطب ود الملحدين”، موقع العمق المغربي، 21 أبريل 2017،
متاح على الرابط: https://al3omk.com/167174.html،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[23] “موجة غضب ضد السلفي عمر الحدوشي بسبب شماتته في وفاة الصحافي صلاح الدين الغماري”، موقع الأول، 12 ديسمبر 2020،
متاح على الرابط: https://alaoual.com/رئيسية/228237.html،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[24] “هلْ نغَّصَ السلفيُّونَ فرحةَ “الانتقال الديمقراطي” على الشعوب الثائرة؟”، موقع Hespress، 8 دجنبر 2012،
https://www.hespress.com/هلْ-نغَّصَ-السلفيُّونَ-فرحةَ-الانتق-108906.html،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[25] “الشيخ حسن الكتاني يكفر أحمد عصيد”، موقع يَنّايري، 23 أبريل 2013،
http://yennayri.com/news.php?extend.205.14،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[26] هسبريس،
“الكتاني: الديمقراطية نظام علماني لا يصلح”،
19 يوليوز 2013،
https://www.hespress.com/الكتاني-الديمقراطية-نظام-علماني-لا-يصلح-134792.html،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[27] “الكتاني يصفها بالمنحرفة وأبو حفص يدافع عنها.. أسماء المرابط تثير الجدل”، موقع كيفاىش، 20 مارس 2018،
https://kifache.com/الكتاني-يصفها-بالمنحرفة-وأبو-حفص-يداف/،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[28] “وقفة 16 ماي 2015: تعيد المطالبة بالكشف عن المدبّر الحقيقي لأحداث 16 ماي 2003 الأليمة”، موقع هوية بريس، 16 ماي 2015،
http://howiyapress.com/8591-2/،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[29] “الشيخ الكتاني يهاجم شيخ الطريقة الكركرية بالناظور ويتهمه بالتشبه بالبوذيين”، موقع أريفينو، 8 شتنبر 2017،
https://www.ariffino.net/nador-live/الشيخ-الكتاني-يهاجم-شيخ-الطريقة-الكرك،
تم الاطلاع عليه بتاريخ : 26 أبريل 2026.
[30] “‘الشيخ حسن الكتاني’ يروج انتشاءته بـ«نصر طالبان»”، موقع أكورا بريس، 16 غشت 2021،
https://www.agora.ma/2021/08/16/الشيخ-حسن-الكتاني-يروج-انتشاءته-بنصر/،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[31] “«القاعدة» لن يتخلّى عن «إمارة إدلب»: الجولاني يترنّح ولا يسقط”، صحيفة الأخبار، 31 أكتوبر 2017،
https://www.al-akhbar.com/Syria/239922،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[32] مقابلة شخصية مع حسن الكتاني، سجن عكاشة، الدار البيضاء، 2009
[33] “الشيخ محمد الفزازي يدعو من وجدة إلى التوازن في الحياة ويصف الداعشيين بالمجانين”، موقع NadorCity، 28 غشت 2014،
https://nadorcity.com/الشيخ-محمد-الفزازي-يدعو-من-وجدة-إلى-التوازن-في-الحياة-ويصف_a24655.html،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[34] “محمد الفزازي يستعد لتأسيس حزب سياسي بالمغرب”، موقع NadorCity، 3 فبراير 2012،
https://nadorcity.com/محمد-الفزازي-يستعد-لتأسيس-حزب-سياسي-بالمغرب_a11670.html،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 26 أبريل 2026.
[35] “ملك المغرب يصلي الجمعة مع شيخ سلفي سجن 9 سنوات”، موقع العربية نت، 29 مارس 2014،
https://www.alarabiya.net/north-africa/2014/03/29/العاهل-المغربي-محمد-السادس-يصلي-الجمعة-مع-إمام-سلفي،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 27 أبريل 2026.
[36] “الشيخ محمد الفزازي: مشكلة العلماني مع الإسلام”، موقع إيطاليا تلغراف، 13 سبتمبر 2020،
https://italiatelegraph.com/news-49143،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 27 أبريل 2026.
[37] “الفزازي يصف أبو حفص بـ«العدو»”، موقع اليوم 24، 1 يناير 2018،
https://alyaoum24.com/1013259.html،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 27 أبريل 2026.
[38] “حوار رمضاني مع الرمضاني”، قناة Kifache tv على YouTube،
https://www.youtube.com/watch?v=6B_H7yXZZXU،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 27 أبريل 2026.
[39] “حملة تكفير ضد سلفي مغربي سابق يدعو إلى «المساواة في الإرث»”، موقع France 24، 25 أبريل 2017،
https://www.france24.com/ar/20170425-حملة-تكفير-سلفي-مغربي-سابق-المساواة-الإرث-رفيقي،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 27 أبريل 2026.
[40] “كيف دخلت السلفية إلى المغرب؟ || ذ. محمد عبد الوهاب رفيقي”، قناة Nostik على YouTube،
https://www.youtube.com/watch?v=cPOqVjW6MnQ،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 27 أبريل 2026.
[41] سناء كريم،
“«منتدى الكرامة» يقدم مبادرة أنصفونا للمعتقلين أبو حفص والكتاني”، موقع التجديد (منشور عبر Maghress)، 9 مارس 2010،
https://www.maghress.com/attajdid/56714،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 27 أبريل 2026.
[42] انظر:
“أبو حفص: تنظيم داعش يتغذى من فقه سني ينتج التطرف”، موقع هسبريس، 21 غشت 2014،
https://www.hespress.com/أبو-حفص-تنظيم-داعش-يتغذى-من-فقه-سني-ي-183575.html؛
“رفيقي: ظلم النساء يلبس الدين .. وعصيد: مساواة الإرث ديمقراطية”، موقع هسبريس، 6 يوليوز 2017،
https://www.hespress.com/رفيقي-ظلم-النساء-يلبس-الدين-وعصيد-مسا-369567.html؛
“أبو حفص يدعو إلى فتح نقاش حول الإرث”، قناة YouTube،
https://www.youtube.com/watch?v=Zp2tDEm3YJg،
تم الاطلاع على جميع الروابط بتاريخ: 27 أبريل 2026.
[43] انظر وثيقة «أنصفونا» المشار إليها أعلاه.
[44] Horgan, 2009
[45] Omar Ashour، The De-Radicalization of Jihadists، 2009، ص: 121–125
[46] John Horgan، Walking Away from Terrorism، 2009، ص: 20–21
[47] “برنامج مصالحة (Moussalaha Program)”، الموقع الرسمي للمركز،
https://www.centremoussalaha.gov.ma/program/moussalaha-program/،
تم الاطلاع عليه بتاريخ: 27 أبريل 2026.
[48] Tore Bjørgo & John Horgan, Leaving Terrorism Behind, Routledge, 2009
[49] انظر برنامج «مصالحة» المشار إليه أعلاه.
[50] Olivier Roy, Globalized Islam: The Search for a New Ummah, Columbia University Press, 2004
[51] Gilles Kepel, Jihad: The Trail of Political Islam, Harvard University Press, 2002
[52] Fawaz A. Gerges, The Far Enemy, Cambridge University Press, 2005
[53] John Horgan, Walking Away from Terrorism, Routledge, 2009
[54] Tore Bjørgo & John Horgan (eds.), Leaving Terrorism Behind, Routledge, 2009.
[55] Quintan Wiktorowicz, Radical Islam Rising, 2005
[56] Roel Meijer (ed.), Global Salafism, Columbia University Press, 2009
[57] Olivier Roy, Jihad and Death, Oxford University Press, 2017