مراجعات تاريخية: الإسلام المصري…مناقشة في نظرية الهيمنة الثقافية عند جرامشي

 تكوين

لماذا جرامشي الآن؟

هل لا يزال بإمكاننا الآن الحديثُ عن الأسلمة والعروبة بفهمهم حالةَ هيمنةٍ ثقافية، بمعنى أن البِنية المصرية “الأصلية” لا تزال حاضرة وواعية بذاتها، لأنها تشعر بالوجود الإسلامي العربي بوصفه وضعية وافدة وغريبة وقابلة للانزياح؟ هل تسبب هذه الحالة توترًا على مستوى الوعي بالهُوية، وتُثير نوعًا من القلق السياسي والاجتماعي، أو تُطلق موجة من المقاومة الظاهرة أو المضمرة؟ أم أنها -الآن- بفعل التراكم التاريخي ثقافة نهائية قارة، محت تمامًا أيَّ وعي مضاد، بطريقة يُمكن بها توصيف الإسلام والعروبة فى مصر أنها وجهٌ أصليٌّ ثابتٌ للمجتمع كُله، وعلى مستوى الذات الداخلية للفرد؟

ماذا عن الحضور الراسخ للكتلة المسيحية القبطية، التي تُكرس وعيها بذاتها/حقوقها “السياسية” في ظل الدولة الوطنية الحديثة، والتي يتفاقم وعيها بذاتها/هُويتها “الدينية”، لتكون ردَّ فعلٍ لتمادي التطرف الأصولي السلفي؟

هل يُمكن الحديث عن هيمنة ثقافية -وهي وَفْق جرامشي فعلٌ أيديولوجيٌّ واعٍ لسلطة سياسية حاكمة- في ظل غياب “دولة إسلامية” بالمعنى التاريخي المعروف فى مصر، أعني في ظل وجود دولة وطنية ذات دستور مدني يقوم على المواطنة والقانون؟ كيف تتقاطع في السياق المصري حالة الهيمنة “الدينية” السائدة مع حالة الهيمنة “السياسية”، الفجة التي تُمارسها الدولة ذات الإطار المدني المُعلن؟

وماذا عن التيارات الفكرية والسياسية ذات التوجيه الحداثي، التي تُعيد النظر في مسألة الهُوية على أُسسِ الدستور، وتجادل في صلاحية الفقه الموروث وفي مشروعية الإسلام السياسي. والتيارات السياسية والفكرية التي تُعَوِّلُ على المخزون التاريخي السابق على المسيحية والإسلام. وتستدعي النموذج المصري/الفرعوني القديم والمُشرب بنزعات متوسطية وغربية متأخرة؟

بعض هذه التيارات يتحدث -صراحة- عن الهيمنة الإسلامية في مصر بوصفها وضعية احتلال “أعرابي”، طويلة المدى، نتجت عن “غزو” عسكري مباشر، واستطاعت أن تطور أدواتها عبر الزمن حتى بعد زوال الدولة الدينية والتحول إلى النموذج الدولة الوطنية. وبحكم التداخل العضوي بين العروبة والإسلام، تمكنت من توظيف “القومية العربية” بمعناها السياسي الحديث لتكريس حضورها الثقافي، قبل أن تتحول بفعل المد الأصولي إلى أيديولوجيا سياسية زاعقة تنشط في مواجهة الحداثة. الناتج النهائي لهذه الوضعية هو ثقافةٌ “بدوية” خشنة مُستمدة من ظروف الصحراء العربية في القرن السابع، التي حولها الفقه إلى دين. وهي ثقافةُ مخاصمة للعلم والحرية، وتُمثل العائق الرئيس الذي يحول بين المجتمع وحركة التقدم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

وأخيرًا، ماذا عن “إسلام الشارع المصري”، أعني عن نمط “التدين الشعبي” الذي لا يتطابق أصلاً مع النسخة النظرية/الرسمية للديانة؟

عمليًا -وكما في جميع السياقات الدينية- لا يلعب الشارع دورَ المتلقي السلبي حيال الثقافة الرسمية التي يروجها الفقه، بل يُعيد إنتاجها بآلياته العملية التي تُحركها الغرائز والحاجات اليومية المباشرة. يفرض الشارع عادةً فهمه الطبيعي الفج للدين، ويستبعد كثيرًا من عناصر العنف والكراهية ونفي الآخر، الثابتة في صلب المدونة الدينية. واقعيًا، لا يستوعب التدين الشعبي تفاصيل المدونة بحمولاتها الحصرية الصدامية، وبالنتيجة يبدو الجمهور مُتخففًا من مشاكل الدين الكتابي التاريخية التي صنعها الكهنة والفقهاء. وهي ظاهرة يلزم استصحابها ونحن نقرأ الهيمنة الثقافية قراءةَ الغرضِ الأيديولوجي الموجه سياسيًا، إذ يظل تحقق الغرض محكومًا بطبيعة الشارع التي تحركها قوانين الاجتماع الخام.

-2-

نظرية الهيمنة

السؤال المركزي الذي انطلق منه جرامشي هو: كيف تستمر السلطة في الحكم دون الاعتماد على العنف فقط؟ والجواب الذي انتهى إليه، هو أن السلطة لا تقوم على القهر وَحْده، ولكنْ على القبول الاجتماعي، ومن ثم يلزم تحويل السيطرة إلى هيمنة ثقافية دائمة أو طويلة المدى، عن طريق التعليم واللغة والمؤسسات العضوية، ليُمكن للطبقة الحاكمة أن تجعل المجتمع يتبنى رؤيتها للعالم بوصفها رؤية طبيعية وبدهية. تَكوَّنت النظرية عند أنطونيو جرامشي (وهو مفكر إيطالي ماركسي تُوفي 1938 م) في ظل تنامي الفاشية في إيطاليا. كان نجاح الثورة البلشفية في روسيا قد فتح الباب لتوقع ثورات مماثلة في أوروبا، لكنَّ هذا التوقعَ لم يحدث رغم تفاقم الأزمات الاقتصادية، لأن الدولة استطاعت بدعم الملكية والكنيسة أن تخلق وعيًا قوميًا “مزيفًا” يُعيد خلق الثقافة بالسيطرة على التعليم والإعلام، وخلق طبقة من “المثقفين العضويين” الذين يروجون لهذه الرؤية دون أن يكونوا بالضرورة واعين بدورهم الخدَميُّ المباشر للدولة.

(وَفْق جرامشي، كانت الدولة في روسيا ضعيفة لافتقارها إلى سند ثقافي، في حين كانت الدولة فى الغرب تتوفر على مجتمع مدني قوي يتمثل في الكنيسة/المدارس/الصحافة/النقابات). وفي السياق الإيطالي استلهم جرامشي من الكنيسة الكاثوليكية، كيف يُمكن صناعة الهيمنة واستمرارها دون القوة العارية، بل عن طريق اللغة والطقوس والتاريخ برؤيتها عناصرَ قوةٍ ناعمةٍ، الهيمنةُ إذن طبق جرامشي، مفهومٌ سياسي يقوم على ركنين: القسر والرضا، ويقاس نجاحه بمدى استغناء السلطة عن العنف أو غياب العنف داخل المجتمع.

-3-

“هيمنة” قلقة أم “تحول” نهائي

واضحٌ أن الهيمنة كما يطرحها جرامشي بوصفها فعلاً سياسيًا واعيًا من السلطة الحاكمة، يَهْدِفُ إلى شرعنة النظام بمزيج من القمع والقبول الاجتماعي، هذا القبول ضروري، لكنَّهُ يظل في حاجة إلى بعض القسر، كي يستمر النظام.

والسؤال الآن هو: إلى أي مدى يُمكن إسقاط هذا المفهوم الجرامشي على حالة الأسلمة والتعريب التي بدأت في مصر بقوة الغزو وسلطة الدولة، ثم تفاقمت واستقرت لتكون ثقافةً عامة رغم تراجع قوة الدولة الدينية، وحتى بعد زوالها بالتحول إلى نموذج الدولة الوطنية؟ أم أن هذه القوة لم تَغِبْ قطُّ في أي مرحلة تاريخية، فقد بقي هناك على الدوام ظلٌّ لسيف السلطة التي تحمي الثقافة الدينية وتوظفها لغرض سياسي، وهو ما ينطبق على الدولة الوطنية الحديثة في مصر، التي ورثت مفاهيم الحكم الإسلامي التاريخية المقننة فقهيًا، بما في ذلك مفهوم حراسة الدين؟ هل يصحُّ الحديث، بدلاً من مفهوم “الهيمنة الثقافية” بحمولته الوقتية القلقة عن ذوبان أو “تحول ثقافي” نهائي، يفرض وجوده بقوته الذاتية مُستغنيًا عن قوة السلطة؟ (ينطوي الدين على قوة تثقيف ذاتية، قادرة على خلق القبول وتثبيته بفكرة “المقدس” وآليات العرف).

يبدو طرح جرامشي للهيمنة محدودًا بالمدى الزمني القصير أو المتوسط الذي يستغرقه عمر نظام سياسي في ظل الدولة القومية الحديثة، فيما يُشير مفهوم “التحول الثقافي” إلى تكون تراكمي بطيء على مدى زمنٍ طويل، ينتهي بتلاشي الثقافة السابقة من الذاكرة الجماعية، وسيادة رؤًى كُلية مُغايرة، تشتغل اشتغالاً طبيعيًا يبدو أصليًا وقديمًا منذ بداية التاريخ.

(تبقى ظلال من الثقافات السابقة في صور فولكلورية كامنة، تعمل عملَ المُثيرات اللا واعية، لكنها لا تتوفر على قوة التوجيه المباشرة داخل العقل الجمعي).

على المدى الزمني الطويل، يُمكن رصد التحولات الثقافية الكبرى وفهمها، عن طريق القراءة الكلية لتاريخ الفكر وتطور الوعي عند شعب بعينه، فيما يصعب ذلك في المدى الزمني القصير. وفي هذا الإطار يُمكن رصد الانتقال إلى المسيحية فى مصر على حساب الثقافة المصرية/الفرعونية القديمة، عبر عملية تحول ثقافي بطيئة استغرقت نحو ستة قرون (لم يبدأ التحول بغزو عسكري، بل بتبشير ديني هادئ في القرن الأول الميلادي، لكنه تفاقم بقوة الدولة/الرومانية بعد القرن الرابع، واكتمل ثقافيًا في القرن السادس، مع استمرار اللغة المصرية/القبطية).

وفي الإطار ذاته يُمكن قراءة الانتقال إلى الإسلام على حساب الثقافة القبطية في عملية تحول استغرقت نحو أربعة أو خمسة قرون (بدأ التحول بغزو عسكري فى القرن السابع، وتفاقم بسلطة الدولة/العربية في القرنين الثامن والتاسع، واكتمل ثقافيًا في القرنين العاشر والحادي عشر، مع تراجع اللغة القبطية وسيادة العربية).

-4-

من الغزو إلى الهيمنة إلى التحول الثقافي

مقارنة بالتحول إلى المسيحية فى مصر، جرى التحول إلى الإسلام بإيقاع أسرع زمنيًا بسبب الغزو المبكر، لكنَّهُ أعمق على المستوى الثقافي بفعل التطور اللغوي الجسيم.

تاريخيًا، ومع الحضور الكثيف لسلطة الدولة الدينية، يُمكن تحقيب التحول الإسلامي العربي عبر مراحل ثلاث مراحل:

  • 1- مرحلة الغزو (بامتداد القرنين السابع والثامن م):

العرب قوةُ احتلال عسكري صريحة، والأقباط شعب مُحتل دون قوة تمثيل سياسية، لكنَّهُ يحتفظ بديانته المسيحية ولغته المصرية القبطية، مع وجود أقلية يهودية ضئيلة. تجري الإشارة إلى حالات تعاون فردي مع القوات الغازية، لكنْ لا يوجد أي تحول ديني أو لُغوى. (بمصطلح جرامشي، نحن هنا حيال سيطرة أو قوة عارية، دون هيمنة ثقافية).

  • 2- مرحلة الهيمنة (فى القرنين التاسع والعاشر م):

بدأ الإسلام يظهر داخل المحيط القبطي خصوصًا في المدن، بفعل تفاقم القهر الضريبي الممثل في الجزية، والقهر اللُّغوي الممثل في فرض العربية لتكون لغة للإدارة والقضاء. رسميًا، لا يُجْبَرُ القبطي على الدخول في الإسلام بقوة السيف، لكنَّ هذا الدخول صارَ يُمَثِّلُ آلية ضرورية للتخلص من القمع الإداري والضريبي (الزكاة التي يدفعها المسلم أخف من الجزية والخراج)، وآلية للترقي وتجاوز الأفق الاجتماعي المغلق، (بمصطلح جرامشي، نحن حيال الحقبة المبكرة) للانتقال من السيطرة إلى الهيمنة الثقافية، حيث صارت تظهر النتائج المباشرة “للقسر اللُّغوي”، مع تحول العربية من لغة إدارة إلى لغة تعليم وتجارة، يتفاقم حضورها على مستوى الشارع، وفي أوساط الكنيسة ذاتها، إذ تكتب المؤلفات الكنسية باللغة العربية مثل: أعمال ساويرس بن المقفع (وفقًا لجرامشي: كل هيمنة ثقافية في جوهرها هيمنة لُغوية، لأن اللغة ليست محض أداة للتواصل الفردي، وإنما حمولةٌ مكثفة من المفاهيم، وصانعٌ ضمني للرؤية والذاكرة الجمعية).

  • 3- مرحلة استقرار التحول (بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر):

يصبح الإسلام دينَ الأغلبية بوضوح، وتبدو الثقافة العربية هُويةً عامةً وقارةً في المجتمع المصري. لم يَعُدْ الإسلام ببساطة ديانة (لاهوت/ طقوس)، ولكنْ مظلةٌ ثقافية منظمةٌ تُمَثِّلُ إطارًا للرؤية والسلوك وأنساق التفكير الاجتماعي (أسماء إسلامية/ملابس عربية/تقاليد ومفردات فقهية). من تحت هذه المظلة يَتَكَوَّنُ “الحس المشترك”، ويُعاد تفسير التاريخ بمصطلحات الفقه، فالإسلام ليس ثقافة غازية، بل نعمة وهداية، وما قبله كفر وظلام، والعودة إلى مناقشة ذلك ليست مقاومة للاحتلال، بل فتنة ومعصية. صارت الرواية الإسلامية تطرح لتكون حضورًا طبيعيًا بدهيًا لا يلزم تبريرية. أي أن الهيمنة لم تَعُدْ في حاجة إلى العنف، بل هي تُعيد إنتاج ذاتها عبر اللغة في التعليم والعرف والذاكرة.

-5-

في تفكيك التحول: جدلية التعريب والأسلمة

يُشير المقريزي في الخُطط إلى أن “الدواوين في مصر كانت تُكتب بالرومية (يقصد اليونانية)، فأمر عبد الملك بن مروان (الخليفة الأموي) بتعريبها فعُرِّبت، وبَطُلَ استعمال القبطية في الدواوين”. هذه الواقعة، وهي محلُّ اتفاق بين المصادر العربية والقبطية، تؤكد أن عملية “التعريب” بدأت بقرار سياسي مباشر من الدولة في أواخر القرن السابع، أي قبل عملية “الأسلمة”، التي ستبدأ في الظهور مع أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع، لا بتدخل سياسي مباشر، بل بعوامل الدفع الضمنية التي ترجع في نهاية المطاف إلى قهر السلطة. زمنيًا، كان التعريب أسبق من الأسلمة، ولعب الدور الرئيس في توسيعها إلى جانب القمع الضريبي المُمثل في الجزية والخراج. ومع ذلك سيؤدي انتشار الإسلام لاحقًا إلى تعميق حضور العربية بوصفها لغةَ النصوص والطقوس، على حساب اللغة القبطية التي ستتراجع تدريجيًا لتنحصر في الكنيسة قبل أن يختفي استخدامها، لغةً شعبيةً يوميةً عند القرن الثالث عشر. (إلى القرن 8: ظلت القبطية لغة المصريين الغالبة خصوصًا في الريف. في القرن 9: تبدأ العربية تُهيمن في المدن وتتراجع في الريف. في القرن 15: الغالبية تصبح ثنائية اللغة. القرن 11: تراجع واضح في اللغة المحكية. بحلول القرن 12: تكاد القبطية تنقرض على مستوى الشارع العام).

هذا التحليل -المبني على الوقائع- يدحض الرواية الإسلامية المتأخرة التي تقول بأن الإسلام انتشر على نطاق واسع قبل التحول الشعبي إلى العربية هنا يلزم التمييز بين “التعريب” و”التعرب”، فالواقع هو أن عملية التعريب بوصفها إجراءً رسميًا من الدولة، بدأت قبل ظهور بوادر التحول إلى الإسلام. أما التعرب بوصفه فعلاً، فلم يكتمل في صورته الشاملة إلا في وقت لاحق بعد أن كان الإسلام قد أخذ في الانتشار (استغرق استقرار العربية حوالي 500 سنة) وهنا أيضًا يَظْهَرُ التأثير الطبيعي المتبادل بين التعرب و”التأسلم” ظهورَ الفعلين المتداخلين على المستوى الشعبي.

في الرواية الإسلامية المتأخرة يُقرأ التحول الإسلامي -بأثر رجعي- بفهمه لحظةً نظريةً مطلقة، أي بمعزل عن الدوافع السياسية والاجتماعية المزامنة، التي يُتجاهلُ فيها “القسر اللغوي” و “القمع الضريبي” كونهما دافعين مباشرين للتحول، إلى جانب أساليب القهر الإداري غير المباشرة التي تصدر عن السلطة، وصور الضغط الاجتماعي الضمنية التي تدفع إلى الالتحاق بالثقافة المنتصرة. وهو ما يدحض بدوره مقوله الانتقال السلمي التي تطرح التحول إلى الإسلام بوصفه خيارًا شعبيًّا حرًا، تم بفضل الخصائص الذاتية للديانة، وعدالة الدولة التي حُكمت باسمها.

مبدأيًّا، لا يُمكن الحديث عن اختيار حر في ظل الغزو العسكري والحضور المتواصل للسلطة، صحيح أن الإسلام لم ينتشر بإكراه رسمي مباشر من الدولة، لكنَّهُ -أيضًا- لم يصدر في سياق يرشح للاختيار الحر، بل عبر ضغوط سياسية ثقافية مُصنعة، وهو ما يُسميه بورديو بالقمع الرمزي أو الإكراه الهادئ “Soft Constraint”.

-6-

ومع ذلك، يبقى التحول المصري “لافتًا” بالنظر إلى حجم التطور الديني وعمق التطور اللغوي. أعني لا يزال في حاجة إلى تفسير سياسي اجتماعي؛ لماذا يبدو وكأن الهيئة الثقافية تمَّت بسهولة مقارنة بالمناطق المجاورة. التي تعرضت للفتح العربي الإسلامي؟ (في فارس مثلاً، تم الفتح بعد معارك دامية، وأسفر عن انتشار بطيءٍ للإسلام، لكنه لم يؤدِّ إلى إزاحة اللغة الفارسية. وفي المغرب جرت مقاومات عنيفة للفتح، ورغم التحول الديني الظاهر، حدث تحول لُغوي ضعيف، فقد ظلت الأمازيجية حاضرة حضورَ اللغة الشعبية الحية وموازية للعربية، ولا تزال حتى الآن تترك بصمتها على طريقة الأداء اللُّغوي للعربية المحكية. أما في الشام فالمسألة تختلف نسبيًا بحكم التداخل الجغرافي والقرابة اللُّغوية السامية، فقد تعرضت المناطق الشامية إلى موجات تعرب مبكرة سابقة على الفتح الإسلامي. مع ذلك وفي وجود تعدد لُّغوي، يبدو وكأن الآرامية صمدت أمام العربية لمدة أطول من القبطية).

لماذا لم تصمد اللغة القبطية أمام العربية (الإسلامية) كما صمدت أمام اليونانية/واللاتينية (المسيحية)؟ هل يُمكن الحديث عن ضعف بِنيوي في هذه اللغة المنحدرة من المصرية القديمة؟ أو عن قرابة بِنيوية بينها وبين اللغة العربية رغم جذورها السامية، أو عن احتكاك لُغوي سابق على الغزو الإسلامي؟ أم أننا لسنا حيال مشكل لُغوي بحت، بل حيال مشكل اجتماعي سياسي أوسع: ضعف عام في بِنية المجتمع، سهَّل مُهمة الاحتلال في فرض الهيمنة الثقافية لتنتهي عمليًا إلى تغيير اللُّغة والديانة، أي إلى تحويل الهُوية.

تاريخيًا، بدأ الاحتلال العربي لمصر واشتغل في ظل ظروف محلية مواتية لفرض وتصعيد التحول:

كان قد مرَّ ألف عام على آخر “دولة” مصرية مستقلة. انتهى العصر الفرعوني رسميًا بسقوط الأسرة الثلاثين (الملك نخنتنبو الثاني) أمام الفرس الإخمينين سنة 343 ق.م، ثم انتقلت السيادة في مصر إلى الحكم اليوناني البطلمي سنة 305 ق م، ومن ثم إلى الحكم الروماني سنة 30 ق.م، حتى جاء الفتح العربي سنة 642.م.

كان غياب الدولة يعنى عدم وجود قوة سياسية تُمَثِّلُ المجتمع وتحمي هُويته الثقافية: في المراحل السابقة على الفتح العربي، ورغم وجود الاحتلال اليوناني والروماني، ظلت الثقافة المصرية حاضرة في اللغة القبطية التي بقيت تُمَثِّلُ لغة الشعب ولغة الطقوس، وفي المسيحية التي اكتسبت إيقاعًا مصريًا مذهبيًا خاصًا. وفي هذا السياق يُشار إلى الدور المحوري للكنيسة القبطية التي حملت بمفردها عبء الحفاظ على الهُوية بدلاً من الدولة، لكنَّ الاحتلال العربي سيسفر عن تحول هُوياتي جسيم (فقدان کاملٌ للغة، وفقدان واسع للديانة)، فهل غابت فكرة الهيمنة الثقافية في ظل الاحتلال اليوناني والروماني؟ أم كانت أضعف من الهيمنة العربية؟ أين يكمن الفارق بين الحالتين؟ هل في قسوة الاحتلال العربي مقارنة بالاحتلاليين الغربيين؟ أم في وضعية المجتمع المصري ودرجة هشاشته عندما واجه الاحتلال العربي في القرن السابع؟

عند القرن السابع، كان المجتمع المصري كُتلة سكانية ريفية، لا تتوفر على نخب سياسية، ومعتادة على الخضوع لحكم أجنبي: لغة غريبة مفروضة لتكون لغة للإدارة، وجباية باهظة مفروضة بالقهر. وبمقياس النتائج تبدو الهيمنة العربية أوسع وأعمق من الهيمنة اليونانية الرومانية.

عملية التعريب والأسلمة صادفت فراغًا سياديًا قديمًا وراسخًا، أي قابلت هُوية ثقافية منهكة ومجردة من سلاح الحماية الأول وهو السلطة السياسية. (حضور الدولة يعنى عند الهوية وجود ممثل رسمي لصد الغزو ابتداءً، أو وجود نخب سياسية قادرة على خلق مقاومة منظمة ضد الهيمنة الثقافية). فى مصر لم تَعُدْ الدولة حاضرةً حضورَ مُمثلٍ للهُوية، وتُركت الكنيسة بمفردها للقيام بهذا الدور دون حماية سياسية، فتحولت إلى ملجأ رُوحي خالص، وظلت تُمارس نوعًا من المقاومة السلبية بامتداد العصرين البطلمي والروماني، حتى أصابها الإرهاق فى ظل الصراع اللاهوتي المذهبي، وصارت عاجزة عن مقاومة الهيمنة العربية فأعادت تكييف نفسها سياسيًا مع الإدارة الجديدة.

لكنها، رغم ذلك، نجحت جزئيًا فى الإبقاء على هُوية مسيحية قبطية مجاورة. هُوية مزاحمة لا تزال تفرض نوعًا من الازدواجية داخل المجتمع، وتفرز موجات من القلق الثقافي.

في ظل الدولة القومية الحديثة، عادت الدولة لتعمل عملَ مُمثلٍ للهُوية الوطنية. لكنها هنا هُوية ذات طابع جغرافي قانوني، يقوم على فكرة الأمة بالمعنى السياسي الحديث. رسميًا، يغيب الدين بوصفه مصدرًا لشرعيةِ السلطة، لكنه يظل حاضرًا ضمن مكونات الهُوية الشعبية. أما اللغة فتظل حاضرة حضورَ المكون الأصلي للهُوية. تفرض الثقافة الإسلامية العربية نفسها فرضَ المُعطى الرئيس المُدعم بالنصوص الدستورية، أما الثقافة القبطية -التي تعربت لُغويًا- فتحضر حضورَ العنصر الثانوي الكامن الذي لا يزال يعتمد على الكنيسة، والتي لا تزال بدورها تُكيف نفسها مع السلطة.

الدولة القومية الراهنة فى مصر، لم تولد مكتملة لتكون دولة مدنية بشروط الحداثة السياسية، بل هي دولةٌ مهجنةٌ أو نصف مدنية.

ورغم سماتها العلمانية المعلنة، ورثت مفاهيم الحكم “الإسلامي” التقليدية ذات الطابع الشمولي، وتقمصت دور الدولة الحارسة للدين لتحقيق أغراض سياسية. وهو ما يشرح لماذا استمرت الهيمنة بطابعها الإسلامي العربي في ظل ما يفترض أنه نظام علماني مدني حديث.

يتبع

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete