مراجعات تاريخية: مشروع النهضة المصرية.. جدل الحداثة والإسلام الأصولي..الجزء الخامس

 تكوين

تَكوّن النخبة والتصعيد الحداثي: نموذج الطهطاوي

-1-

موضوع هذه المقالة هو «النخبة الفكرية» الجديدة التي أخذت تظهر في مصر منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، وصارت تحمل إلى جانب الدولة عبْءَ الترويج للحداثة وتسكينها في الوعي المصري: كيف تكوّنت هذه النخبة بفعل الخُطوات التحديثية المبكرة التي بدأها محمد علي؟ وكيف عادت فأسهمت في تطوير هذه الخُطوات وتصعيد أهدافها من الغرض السياسي الضيق المحصور في خدمة الدولة، إلى أفق «ثقافي اجتماعي» أوسع يشمل تغيير بِنية المجتمع؟ إلى أي مدى تجاوزت النخبة في طرحها التجديدي النظري أغراض الدولة ذات الطابع العملي، وكيف انعكس ذلك على علاقتها بالدولة؟ وإلى أي مدى تجاوز هذا الطرح منظومة الفقه التراثي السائدة، وكيف انعكس ذلك على علاقتها بالقوى التقليدية المحافظة وخصوصًا الأزهر؟

بالتداعي الاجتماعي الطبيعي، كانت النخبة الجديدة تُولد من رحم النخبة التراثية القديمة، وهي تحتك بالمثيرات الحداثية، ثم صارت تتطور من داخل مصادرها «المدنية» الخالصة، لتكوّن تيارًا ثقافيًّا موازيًا للتيار التراثي العام بطابعه الفقهي الجامد. ويمثل الطهطاوي النموذج الأول لعملية الانتقال في طورها المبكر؛ نموذج التحول من «فقيه» أزهري إلى «مثقف» نخبوي بالمعنى الفني الحديث.

-2-

إنتاج النخبة

الجيل الأول من النخبة المصرية نشأ نتيجة لعملية تصنيع مقصودة من الدولة. لم يهدف محمد علي إلى تكوين نخبة تمارس التفكير نيابة عن الدولة، أو إلى إطلاق حراك ثقافي عام، بل كان يهدف إلى خلق كوادر فنية وإدارية لازمة لخدمة مشروعه السياسي الطموح، وهو الهدف الذي كان يوجه آلياته التحديثية المبكرة:

1ـ البعثات العلمية إلى أوروبا:

وهي الآلية الأولى التي وفرت فرصة مباشرة للاحتكاك بالحداثة الغربية. أطلق محمد علي البعثة الأولى إلى إيطاليا سنة 1809، ثم تتابعت البعثات ما بين 1813 و1847، وبلغ عدد الموفدين خلال هذه الفترة 319 موفدًا. الرحلات المبكرة (1813 ـ 1825) توجهت إلى ليفورنو وميلانو وفلورنسا وروما لدراسة العلوم العسكرية وبناء السفن والهندسة، ثم تحولت إلى فرنسا وإنجلترا لدراسة الملاحة والميكانيكا، وفن الطباعة وسبك الحروف.

ثم بدأت مرحلة البعثات الكبرى:

  •  الأولى (1826 ـ باريس ـ 44 طالبًا) لدراسة: الإدارة والحقوق/العلوم الحربية/الملاحة والهندسة البحرية/المدفعية وصناعة الأسلحة/الزراعة وهندسة الري/التاريخ الطبيعي والمعادن/الكيمياء والطباعة والميكانيكا.
  • الثانية (1828 ـ24 طالبًا): للتخصص في الهندسة والرياضيات، وجزئيًّا في العلوم الطبيعية والطب.
  • الثالثة (1829 ـ58 طالبًاـ فرنسا، النمسا، إنجلترا): وهي بعثة ذات طابع صناعي تِقْني، تغطي تخصصات حرفية دقيقة: صناعة الساعات، الجواهر، النسيج الحريري، صناعة الخزف، صب المدافع، والآلات الفلكية والهندسية.
  • الرابعة (1832 ـ12 طالبًاـ فرنسا): وهي بعثة طبية خالصة، تم اختيارها من أوائل خريجي مدرسة الطب بأبي زعبل، لإتمام دراساتهم العليا في باريس والتأهل للتدريس في مدرسة الطب المصرية.
  • الخامسة (1844 ـ أكثر من 70 طالبًا): بينهم أفراد من الأسرة الحاكمة مثل الأمير إسماعيل (الذي سيصبح خديو مصر)؛ وهي بعثة مخصصة للعلوم العسكرية مع بعض التخصصات الجانبية في التعدين والطب البيطري وطب الأسنان.
  • السادسة (1845 ـ النمسا): للتخصص في طب العيون، والكيمياء الصناعية.
  • السابعة (1847): وهي بعثة تضم 5 من طلبة الأزهر لدراسة الحقوق والمحاماة.
  • الثامنة (1847): 21 من التجار الحرفيين لممارسة بِناء الفنون الحربية.
  • التاسعة (1847 ـ25 طالبًاـ إنجلترا، فرنسا): وهي مخصصة لدراسة الميكانيكا.

2 ـ المدارس الحديثة:

أنشأ محمد علي منظومة تعليمية جديدة بعيدًا عن الأزهر بشواغله التقليدية وبِنيته النقلية البالية: مدرسة الألسن (1835) لتخريج المترجمين عن اللغات الأوروبية، ومدرسة الطب بأبي زعبل ثم القصر العيني، ومدرسة الهندسة والمدفعية، ومدرسة الزراعة. وبغض النظر عن الغرض البراجماتي التِقْني، لم تُنتجْ هذه المدارس مجرد عدد من الفنيين والتكنوقراط، بل كانت نافذة للتفاعل مع العلوم والمناهج الحديثة، ومدخلاً لإعادة تقييم الواقع مقارنة بالعالم المتطور.

لاحقًا ستتطور منظومة التعليم خصوصًا في عهد الخديو إسماعيل، الذي توسع في نشر المدارس الابتدائية والثانوية، وأنشأ مدارس للبنات لأول مرة في مصر، مع تواصل حركة البعثات العلمية إلى أوروبا.

3ـ المطبعة وحركة الترجمة:

أسس محمد علي مطبعة بولاق (1820)، وكانت بمنزلة البِنية التحتية لحركة الفكر في مصر، خصوصًا بعد تأسيس مدرسة الألسن وظهور نتائج البعثات الغربية، إذ تصاعدت حركة الترجمة تصاعدًا واسعًا وممنهجًا.

تُرجمت عديد من كتب القانون والفلسفة والتاريخ والاقتصاد السياسي. وتدريجيًّا لعبت الترجمة دورها الطبيعي في تطوير الوعي الثقافي، موضوعيًّا، وعلى مستوى المنهج وطريقة التفكير. ومع عوامل التحديث المساعدة تكوّنت البِنية النظرية للتيار الحداثي، مقابل المنظومة الفقهية السائدة. ولم يَعُدْ الوعي المصري أسيرًا للأحادية الثقافية التراثية، وأخذت تظهر بوادر الثنائية المركبة (وأحيانًا المهجنة) التي ستميز الثقافة المصرية في المراحل التالية.

4- الصحافة:

صدرت أول صحيفة مصرية سنة 1828 باسم “الوقائع المصرية”، لكن الصحافة ستزدهر على نطاق واسع بدءًا من عهد إسماعيل، إذ ستنتشر الجرائد والمجلات الخاصة، وستصبح الجسر الذي يصل بين أفكار النخبة والجمهور العام، وميدان المواجهة بينها وبين الأفكار التقليدية المحافظة.

– 3 –

رفاعة الطهطاوي

دور النخبة: الحدود السياسية والشرعية

نظريًّا، يمكن للدولة أن تبدأ في إحداث تغيير ما، من خلال تحريك نقطة اجتماعية بعينها. لكنها لا تستطيع التحكم في التداعيات الكلية اللاحقة، التي تحكمها قوانين الاجتماع الطبيعي، وهي أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. بالنتيجة لم تستطع الدولة حبس النخبة داخل الدور التِقْني الخدمي الذي رسمته لها منذ البداية، وتحولت -بطبيعة الفكر- إلى ممارسة دورها النقدي التنويري في مواجهة المجتمع والدولة.

هذا التحول يظهر بوضوح في الحراك الثقافي المبكر الذي أطلقه رموز النخبة الأوائل بدءًا: من رفاعة الطهطاوي، ثم محمد عبده، وقاسم أمين، وهو يتجاوز بنتائجه الحدود السياسية التي تسمح بها السلطة، والحدود الفقهية التي يحرسها الأزهر؛ الطهطاوي نفسه لم يكنْ مبعوثًا من الدولة لدراسة علم الاجتماع أو النظم السياسية، بل كان مجرد عنصر مساعد في البعثة العلمية الكبرى إلى باريس (1826) للقيام بمهمة الإمام في الصلاة، لكنه تحول بجهوده الذاتية إلى مراقب وباحث للمجتمع الفرنسي، وخرج بأعماله الفكرية المثيرة التي تصف الحياة السياسية في فرنسا، وتناقش العقد الاجتماعي، والمشاركة الشعبية، والحريات الفردية (تخليص الإبريز في تلخيص باريز 1834)، وتقدم تبريرًا نظريًّا لفكرة “الوطنية” بوصفها مركزًا لهُوية المجتمع والدولة، مع طرح تربوي، اقتصادي، وسياسي عام لآلية الحُكْم (مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية 1869)، وتستدعي ضمنيًّا -لكن بوضوحٍ- فكرة “الأمة المصرية” الخالصة بأصلها الفرعوني العريق، أي بوصفها أمة ذات عمق تاريخي سابق على الإسلام (مواقع الأفلاك في وقائع تلمساك، وهو رواية تاريخية للطهطاوي تحاول نقل الأفكار الحساسة في أسلوب أدبي جديد)، وأخيرًا تدعو صراحة إلى تعليم المرأة وإشراكها في الحياة العامة (المرشد الأمين في تربية البنات والبنين 1872).

في شقه السياسي، صار طرح الطهطاوي يفتح النقاش على مشروعية الدولة القائمة بطابعها الاستبدادي الحديث، الأمر الذي لم تكنْ الدولة مجهزة له عند منتصف القرن التاسع عشر. ففي سنة 1850 أصدر عباس الأول قراره باستبعاد الطهطاوي إلى السودان بحُجة الإشراف على مدرسة منشأة حديثًا، لكن الواضح بحسب معظم الباحثين أن القرار جاء ليكون رد فعل على أفكاره المثيرة حول الفكرة الوطنية وما يترتب عليها من حقوق قانونية وحريات سياسية.

لم يتغير فكر الطهطاوي موضوعيًّا بفعل النفي، لكنه سيعود في عهد سعيد بمنهجية طرح أكثر حذرًا. لم يكنْ الطهطاوي تنويريًّا ثوريًّا، فهو لم يُقدم نقدًا مباشرًا للنظام السياسي القائم في مصر، بل عرضًا مفصلاً للنظام السياسي المقابل في فرنسا، بالآلية التي تكفل مشاركة الشعب وحماية الحريات الشخصية. عمليًّا، ظل الطهطاوي يشتغل من خلال الدولة، بمبدأ “التوازن المرن” الذي يقول بأن الإصلاح التدريجي “الممكن”، أفضل من التغيير الثوري “المستحيل”. وهو المبدأ الذي سيظل يحكم علاقة النخبة بالدولة في إطارها العام؛ تناغم جزئي ينطوي على توتر مكتوم: تحتاج الدولة إلى النخبة لشرعنة النظام وبرنامجه التحديثي، وتحتاج النخبة إلى الدولة للحماية والموارد، وترويج البرنامج ذاته. لكنّ التوتر يظهر كلما زاد حماس النخبة للتطوير السياسي.

– 4 –

دور تأسيسي

يستحق الطهطاوي موقعه المتقدم في تاريخ التحديث المصري لسببين؛ الأول: إسهامه العملي الهائل في مجال الترجمة.

الثاني: إنجازاته الفكرية «الرائدة» التي قدمها خصوصًا في كتبه الثلاثة الرئيسة: «تخليص الإبريز»، و«مناهج الألباب»، و«المرشد الأمين».

ترجم الطهطاوي وأشرف على ترجمة أكثر من مئة كتاب في الجغرافيا، والتاريخ، والقانون، وفي الرياضيات والهندسة والعلوم (من أهمها قاموس جغرافي لأوروبا وآسيا وأفريقيا، وأجزاء موسعة من تاريخ الدول الأوروبية، والثورة الفرنسية. ومن أبرز إنجازاته في هذا المجال ترجمته لقانون نابليون المدني «Code Civil») ومن خلالها دخلت المفاهيم القانونية بمعناها الاصطلاحي الحديث إلى اللُّغة العربية لأول مرة، مثل مفهوم العقد، والملكية، والمسؤولية المدنية. والأهم أنها أسهمت في تكريس فكرة «القانون» ليكون جزءًا من بِنية الدولة، ونظامًا اجتماعيًا «وضعيًا» منفصلًا عن سلطة الفقه.

نحت الطهطاوي لـ «Constitution» مصطلح «الدستور»، ولـ «Liberte» مصطلح «الحرية» بمعناهما السياسي الحقوقي، ولـ «nation» مصطلح «الأمة» بمعناها السياسي القومي، ولـ “Civilization” مصطلح “الحضارة” بمعناها المدني الحديث. في سياقها الثقافي “الانتقالي” لم تكنْ الترجمة مجرد نقل، بل عملية كاملة لإعادة بِناء العقل ونسق التفكير من داخل اللُّغة. وهو الإسهام التحديثي الأهم للطهطاوي، رغم أنه لا يحظى بالتقدير اللازم مقارنة بأعماله الفكرية المشهورة.

تخليص الإبريز في تلخيص باريز

كتب الطهطاوي هذا الكتاب في أثناء إقامته في باريس (1826 – 1831)، ونشره بعد عودته بثلاث سنوات في مطبعة بولاق. اللافت أن مقدمة الكتاب تشير إلى أنه صدر “بأمر المقام العالي لمولانا ومُحْسِنَنَا صاحب السعادة محمد علي باشا، وقد رأى سعادته نشر هذا الكتاب ليعم نفعه وتعلم منه العباد ما يحتاجون إليه من أحوال الإفرنج وأوضاعهم وتقدمهم في العلوم والصنائع…”.

الكتاب ينشر بقرار رسمي من الدولة، والغرض من نشره إطلاع المجتمع على الحياة الحديثة في الغرب وتقدمه العلمي الصناعي. والمعنى هو أن محمد علي يدرك -بالحس السياسي العملي- أن مشروعه التحديثي لبناء الدولة يحتاج إلى حامل ثقافي. ويدرك -أيضًا- أن الاطلاع على الغرب الثقافي يحتاج إلى “دفعة” تمرير رسمية تشرعن عملية النقل عن الآخر المخالف دينيًّا عند مجتمع تراثي محافظ، ولذلك فهو يتقدم لـيكسر حاجز الارتياب من الغرب، ويقدم ذلك من خلال مسلم “أزهري، تقليدي”، مما يسهل قبوله على المستوى العام.

يحظى كتاب الإبريز بمكانة تاريخية، بوصفه أول وثيقة مصرية تتناول “الغرب” بمنهج تحليلي مقارن، أي موضوعًا للبحث ومصدرًا متاح للاقتباس، لا مجرد خَصْمٍ ديني يُوصف فقهيًّا بـ “دار الكفر”. لا يقدم الطهطاوي عملاً تقليديًّا في أدب الرحلات، بل دراسة وصفية للمجتمع والدولة في فرنسا عبر ثلاثة أجزاء:

  • الأول: يعرض للجغرافيا الطبيعية والسكانية، ولعادات الفرنسيين اليومية في الطعام والأزياء وطرق التخاطب.
  • الثاني: يتناول النظام السياسي الفرنسي: الدستور، (الشارتر الملكي)، البرلمان، القضاء، الحكومة، ممارسات الحرية السياسية، علاقة التفاعل بين الدولة/الحاكم والفرد/المحكوم.
  • الثالث: يعالج منظومة التعليم، وحركة العلوم والفن والأدب الفرنسي، ويتضمن ترجمة لمواد من الدستور مع التعليق عليها.

في الأجزاء الثلاثة يضع الطهطاوي عينًا على المجتمع الفرنسي والعين الأخرى على المجتمع المصري، وشيئًا فشيئًا يتجاوز موقف الفضولي المنبهر، إلى موقف الناقد المقارن، الذي صار يدرك حجم التراجع في واقعه المحلي ومدى حاجته إلى الاقتباس والتعلم من الآخر.

أهمية الكتاب تأتي من أسبقية طرحه للأفكار التي ستصبح لاحقًا من أسس التحديث المصري: فكرة الدستور، الحريات السياسية، فكرة الوطنية لتكون إطارًا للدولة، فكرة المصرية لتكون هُوية أصلية، وفكرة تحرير المرأة.

في فرنسا قرأ الطهطاوي روسو وفولتير ومونتسكيو، وشهد تجسدًا عمليًّا لفكرة الملكية الدستورية وصراع الملك مع البرلمان، وانتهى إلى القول صراحة بأن «الحرية السياسية والمساواة أمام القانون هما سر تقدم الفرنسيين»، إذ الفرد ليس مجرد «رعية»، بل «مواطن» يناقش القوانين ويعارض الحكومة، ويرى في الدفاع عن بلده واجبًّا ذاتيًّا تفرضه الوطنية، وليس التزامًا تجاه الملك.

دون تصريح مباشر، يتضمن طرح الطهطاوي إسقاطًا نقديًّا على الفقه التراثي الشمولي، وعلى النظام السياسي القائم بطابعه الأوتوقراطي. هذا الإسقاط الأخير لم يتم التنبه له في مرحلة محمد علي المبكرة، وسيظهر لاحقًا في عهد عباس الأول المعروف بميوله المحافظة، وسيدفع الطهطاوي ثمنه بالنفي إلى السودان. لكنه سيعود تدريجيًّا ليُسهم في تعزيز التطور السياسي الحداثي الذي انتهى إلى شكل من أشكال «الدولة الدستورية الوطنية».

– 6 –

الوطنية بوصفها مفهومًا سياسيًا

التنظير لهذا المفهوم من أهم «أسبقيات» الطهطاوي الفكرية، فهو يعاصر مرحلة التحول التدريجي المبكرة من الدولة التقليدية الفقهية إلى نموذج «الدولة الوطنية». وإسهامه في هذه العملية واضح، لا من خلال جلب الأفكار الحداثية الفرنسية فحسب في كتاب «الإبريز»، بل بالتنظير لها سياسيًّا، وتطبيعها مع الثقافة التراثية في كتبه اللاحقة وخصوصًا «مناهج الألباب».

عبر كتاب الإبريز استحضر الطهطاوي مصطلح “الوطن” إلى الاستخدام العام، لكنه لم يَعُدْ يفهم بوصفه مجرد حنين عاطفي لمكان الميلاد، بل أخذ يكتسب معنى سياسيًّا عمليًّا يرتبط بفكرة “المصلحة المشتركة”، فـ”الوطن هو الذي ترتبط به مصالح الإنسان ويتعلق به قلبه”، وفي مناهج الألباب يستكمل الطهطاوي تأصيله النظري للوطنية بوصفها مفهومًا قانونيًا تقوم عليه الدولة الحديثة، وذلك بالتأسيس على فكرة “العقد الاجتماعي” المنقولة عن روسو، فالوطن بها هو “عقد” بين أفراد المجتمع، يشير إلى علاقة إرادية ترتب حزمة من الحقوق والالتزامات المتبادلة، فيما بين الأفراد من جهة، وفيما بينهم وبين الحاكم/الدولة من جهة ثانية.

في هذا السياق يطرح الطهطاوي فكرة “المساواة” بين المواطنين في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الديانة، ما يعني عدم التفرقة بين المسلمين والأقباط، وهي فكرة جريئة، بل تبدو ثورية بمقاييس الثقافة السياسية التراثية السائدة.

وفي السياق ذاته سيزرع الطهطاوي فكرة “المصرية” لتكون إطارًا للهُوية الوطنية، وذلك بالحديث عن الوجود التاريخي العريق لمصر الفرعونية، في مناهج الألباب، وتفصيلًا في كتابه “مواقع الأفلاك”. عبر هذا الحديث يستدعي الطهطاوي -ضمنيًّا- إطارًا جامعًا للمصريين أقدم من المسيحية والإسلام معًا، وهي بدورها فكرة جريئة بمقاييس الثقافة الفقهية السائدة التي تختزل مصر حضاريًّا في تاريخها الإسلامي العربي، وتربطها سياسيًّا بفكرة الخلافة الأممية الجامعة.

-7-

تطور مفهوم الوطنية بين الدولة والنخبة

كان الطهطاوي يقدم طرحه النظري لأسس “الدولة الوطنية”، كما استقرت في سياقها الغربي الفرنسي، أي بوصفها مفهومًا سياسيًا حديثًا بشروطه القانونية، وهو طرح لا يطابق تمامًا أهداف محمد علي، لكنه يتقاطع معها جزئيًّا: لخدمة مشروعه السياسي الطموح. احتاج محمد علي إلى توظيف الوطنية المصرية لتعزيز توجهاته الاستقلالية عن التاج العثماني الذي لا يزال يرفع شعار الخلافة الجامعة، وفي هذا السياق يفهم اعتماده في تكوين الجيش على الجنود المصريين، وتحفيزهم بنوع من الشحن الوطني (مصر وطن له تاريخ حضاري عريق، والجندية والخدمة العامة واجب يفرضه الانتماء له)، لكنه رغم نشاطه التحديثي لم يكنْ بصدد التحول إلى “دولة وطنية” بالمعنى الدستوري الحديث، ولم يستوعب الوطنية بوصفها مفهومًا قانونيًا حقوقيًا، يرتب التزامات على الدولة حيال المواطن، تتعلق بالحريات والمساواة وسيادة القانون.

بدءًا من عهد إسماعيل (1863 – 1879)، وبتداعيات التحديث المتسارعة سيتطور الوعي بهذا المفهوم، وتدريجيًا ستظهر ملامح أولية لـ “دولة وطنية حديثة” (في هيئة برلمان ممثلًا في مجلس شورى النواب/جهاز إداري متطور/نشاط صحافي واسع).

إسماعيل، المعروف بتوجهاته الأوروبية الجامحة، كان يسعى إلى شرعنة استقلاله عن الخلافة العثمانية الضعيفة أمام الغرب وأمام المصريين أنفسهم. وفي هذا السياق بدت الظروف مواتية للحظة توافق ثقافي نادرة بين الدولة والنخبة (التي يمثلها الطهطاوي)، لاحقًا، وبقوة الدفع الاجتماعي الطبيعي، سيتطور في مصر نموذج صريح لدولة وطنية بالمعنى الدستوري الحديث (برلمان يضمن المشاركة الشعبية/نظام قضائي مدني/حكومة منتخبة/نظام حزبي يقنن فكرة المعارضة/منظومة صحفية ناشطة) وقبل ذلك كله نظام قانوني يكفل الحريات العامة والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن الدين والوضع الطبقي.

وهو النموذج الذي سيبلغ ذروته بعد دستور 1923 فيما يعرف بالحقبة الليبرالية، حينما تصاعد الوعي العام بالوطنية المصرية، وصار الأقباط جزءًا من الزخم السياسي والثقافي القائم، لم تَعُدْ الوطنية عبارة مستحدثة أو مفهومًا طارئًا يحتاج إلى تبرير فقهي، بل فكرة طبيعية راسخة داخل الوعي المصري، ومفردة شائعة من مفردات المعجم السياسي. والآن رغم الانتكاسة الأصولية الواسعة، لا تزال الدولة ببنيتها “الوطنية” الدستورية تُمَثِّلُ أهم مكاسب الحداثة: مظهرها الأول، والأكثر قدرة على مقاومة الهجوم السلفي الارتدادي.

-8-

منهج الطهطاوي: إصلاح توفيقي لا قطيعة مع التراث

تحسب للطهطاوي ريادته الفكرية بجلب المفاهيم الحداثية الثلاثة: الحرية السياسية، الوطنية المصرية، تحرير المرأة. لكنه ظل ينظر لهذه المفاهيم بمنهج وسطي توفيقي لا يقطع مع التراث الفقهي، بل يقوم على آلية “التبرير الشرعي”: فهي تحتاج -كي تمر- إلى إذن فقهي صريح، ومن ثم يلزم تسكينها تحت نصوص أو داخل مصطلحات تراثية، أو على الأقل نفي شبهة التعارض مع الثوابت الإسلامية الراسخة.

هذا الموقف المنهجي يمكن تفهمه في سياقه الثقافي الانتقالي، إذ يصعب تجاوز الواقع التراثي طفريًّا وكُليًّا. لكنه -مع ذلك- موقف إشكالي، ينطوي على صعوبات نظرية وعملية فادحة، كما سيظهر في تأصيلات الطهطاوي، وفي أعمال النخبة التجديدية اللاحقة التي ورثت عنه آلية “التجميع التأويلي” الواسع.

  • وهو ينظر إلى الحرية السياسية، لم يتحدث عن حق طبيعي فرداني بالمعنى الليبرالي الحديث، بل حاول تسكينها تحت مفهوم “العدل” الإسلامي بصيغته الفقهية المألوفة: إنصاف الرعية واجب شرعي على الحاكم، وبمقتضاه يُعَدُّ المحكوم أمانة في عنقه ويلزم نفي الظلم عنه. بامتداد الفقه الإسلامي لم يكنْ المحكوم طرفًا يُعتدّ به في معادلة السلطة، وظلت نظرية الدولة تدور حول طرف واحد هو الحاكم. أقرت النظرية الفقهية “بمشروعية” الحاكم المتغلب الذي يتولى السلطة بالسيف، وهي نتيجة مفهومة في ظل نظرية قروسطية من إنتاج “الأمر الواقع”، أعني من إفراز سياسة القوة التي تواصلت عبر تاريخ الإسلام المبكر، وقننها الفقه كما هي في عصر التدوين.

كي يمرر مفهوم الحرية إسلاميًّا، لا يزال الفكر في حاجة إلى أريحية الحاكم، الفكر هنا يلجأ إلى القيم الكلية التي تقرها جميع الثقافات، فيتكلم عن العدل، ويتجنب الدخول في مواجهة مع “الفقه” الذي يشرعن الحُكْم الأوتوقراطي المطلق، وهنا يكمن صلب المشكل:

نظريًّا، ثمة تناقض موضوعي صريح بين الفقه التاريخي والحرية السياسية، وعمليًّا، يؤدي الموقف التوفيقي إلى “تمييع” المسألة، ولا يزال يُمَثِّلُ السبب الأول للأزمة السياسية “المزمنة” في السياق المصري العربي الإسلامي.

  • وكي يُمرر فكرة “القانون الوضعي” التي نقلها بإعجاب من سياقها الفرنسي، احتاج إلى استخدام مصطلح “السياسة الشرعية”: في حالة غياب النص، “للحاكم” أن يسن التشريعات التي تحقق المصلحة العامة، بما لا يتعارض مع الشريعة. ولمح إلى وجود تشابه بين أعضاء المجالس النيابية الذين يشرعون القوانين في فرنسا، وأهل الحِل والعَقد بصلاحياتهم الاستشارية الاسمية المعروفة في الفقه الإسلامي.

هذا الطرح “تمييعي” بامتياز؛ فهو أولاً: يغطي عمدًا على المعنى “العلماني” الخالص لمفهوم القانون الوضعي كما تبلور في سياقه الغربي الفرنسي الحديث، (تاريخيًّا تَكوّن المفهوم ليكون نقيضًا موضوعيًا لسلطة اللاهوت التشريعية التي مارستها الكنيسة بامتداد العصور الوسطى، وبهذا المعنى بالذات تكرس ليكون شرطًا ضروريًا من شروط الدولة المدنية الحديثة).

وهو ثانيًا: يتجاهل صلب المشكل التشريعي كما تطرحه الحداثة، أعني حالة التعارض بين المصلحة العامة والنص الديني ذاته. التأصيل الحداثي للقانون الوضعي يقوم على مبدأ “التطور” بوصفه قانونًا طبيعيًا يفرض تغير المصالح الاجتماعية بتغير الزمن والظروف البيئية، ومن ثم فهو يتناقض مع فكرة تثبيت التشريع بحجة وروده في نص مقدس. قانون التطور لا يشتغل في حالة غياب النص فحسب، بل يفرض نفسه على الواقع الاجتماعي رغم وجود أي نص. في هذه الحالة يظهر عجز النص عن مواكبة الحاجات المتغيرة، لكن فكرة التثبيت تحول دون تنحيته أو تعديله (مفهوم النص بوصفه أداةَ تشريعٍ “مؤبدة” هو في الواقع مفهوم تاريخي اجتماعي، استحدثه الكهنوت العبري ليكون جزءًا من الدين الإلهي المطلق، وانتقل إلى المسيحية إذ تم تكريسه بسلطة الكنيسة على امتداد العصور الوسطى، ثم إلى الإسلام عندما تحول بفعل “الفقه” إلى معطى شكلي نهائي يستغرق معنى الدين كُله).

  • وهو يعالج الوطنية في “مناهج الألباب”، استند مباشرة إلى فكرة “حب الوطن” بوصفه فضيلة دينية، واستخدم في ذلك عبارة مشهورة تروى بوصفها حديثًا نبويًا “حب الوطن من الإيمان”، ورغم إعجابه بالتجرِبة الدستورية الفرنسية كما يظهر في كتاب “الإبريز”، لم يروج للوطنية في مصر بوصفها علاقة سياسية ترتب التزامات قانونية على الدولة، بل ظل يربطها بالعاطفة الدينية والولاء للخديو.
  • وفي تناوله لمسألة المرأة في كتابه “المرشد الأمين”، دعا إلى تعليم البنات، وأسس دعوته على الحديث النبوي الذي يفرض طلب العلم على كل مسلم ومسلمة، لكن الغاية من تعليم المرأة ظلت تنصب على تحسين أدائها لوظيفتها الأسرية لكونها ربة بيت تقوم على خدمة زوجها وأولادها، وليس على تحريرها من القيود التاريخية التي قننها الفقه بما في ذلك حبسها في هذا الدور الأسري التقليدي.

ومن هنا يظهر الفارق بينه وبين الطرح الذي سنقرأه لاحقًا عند قاسم أمين، وهو يعرض لحقوق المرأة بلغة مدنية حديثة تشير إلى المساواة الطبيعية والقانونية.

-9-

هذا المنهج التوفيقي سينتقل من الطهطاوي إلى الجيل التالي، كما يظهر في أعمال محمد عبده، وفي الطرح المبكر لقاسم أمين، وسيظل يطبع أداء النخبة الفكرية في مصر عمومًا حتى بعد تبلورها لتكون تيارًا علمانيًا صريحًا. بالطبع تم تجاوز الطهطاوي على مستوى الموضوع والمنهج، لكن التوجه العام ظل وسطيًّا يحاول الجمع بين الحداثة والتراث، ويناور لتجنب الصدام مع الثوابت النصوصية، كما يظهر في الطرح المعدل لطه حسين، وحتى عند علي عبد الرازق. ومع ذلك، يمكن الحديث عن استثناءات حاسمة تدعو إلى قطيعة كلية مع التراث كما يظهر في أعمال سلامة موسى، والطرح المبكر لطه حسين نفسه.

كيف نقرأ أداء النخبة العلمانية التي تكوَّنت في مصر قبل ظهور الأصولية السياسية، وكيف تطور هذا الأداء بعد تبلور الأصولية لتكون تيارًا ثقافيًا مناهضًا للحداثة؟

يتبع

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete