مراجعات تاريخية: مشروع النهضة المصرية.. جدل الحداثة والإسلام الأصولي..الجزء الثالث

 تكوين

نقطة البداية: النظام التراثي ورد الفعل المبكر

– 1 –

هل كانت اللحظة مهيأة للانقلاب الحداثي الذي انطلق في مصر عند مطلع القرن التاسع عشر؟ أو : إلى أي مدى كان النظام التراثي السائد هشًّا وقابلاً للاختراق على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي؟

سياسيًّا، كانت مصر ولاية تابعة «للخلافة» العثمانية، لكن السلطة الفعلية ظلت بيد الأمراء المماليك المنخرطين في صراع متواصل على الحكم، وعند نهاية القرن الثامن عشر بدا النظام المملوكي آيلاً للسقوط، وجاءت الحملة الفرنسية فهزمته هزيمة ساحقة، ومهدت الطريق أمام محمد علي لإسقاطه بشكل نهائي.

بوجه عام، يمكن الحديث عن نظام سياسي متقادم، يمثل النسخة المتأخرة من نسق الخلافة الإسلامي: إقرار اسمي بسلطة الدولة المركزية التي تحكم باسم الدين، مع انفصال فعلي عن هذه السلطة لصالح قوة محلية مهيمنة. بدورها لا تزال هذه القوة المحلية ترفع راية دينية، لكنها وبحكم التقادم الزمني، لم تعد نسخة مطابقة للنموذج «الثيوقراطي» الإسلامي المبكر، بل يمكن الحديث عن ثيوقراطية رسمية باهتة، تُمارس بحس فقهي بارد، وتحركها بالأساس مصالح الحكام الفعليين المتصارعين على السلطة، لكن النظام يبقى أوتوقراطيًّا في مجمله؛ فرغم التفتت النسبي للسلطة في صراع المماليك، ورغم السماح بدور هامشي للفقهاء كوسيط مع الجمهور، ظل النظام السياسي يفتقر إلى أي بناء مؤسسي، أو أي نوع من المشاركة الشعبية، وفي هذا السياق تأتي الحملة الفرنسية فتكشف «عمليًّا» عن تهافت النظام، وتفتح الطريق لطرح الأسئلة على بنيته «النظرية» (الثيوقراطية الأوتوقراطية).

في مطلع القرن التاسع عشر كانت الطبقة الفقهية حاضرة داخل المشهد السياسي، وهنا يُشار عادة إلى الدور الذي لعبه الفقهاء في توصيل محمد علي إلى الحكم، وفي عملية الشحن الشعبي التي أطلقت ثورة القاهرة ضد الحملة الفرنسية، لكن هذه الإشارة تُقرأ أحيانًا بدرجة من المبالغة، ففي الواقع كان الحضور السياسي للطبقة الفقهية محدودًا وقابلاً للاحتواء، فهو مرتبط مصلحيًّا بقوى السلطة، وخاضع من ثم لقرار الدولة، عمليًّا اندمج الفقهاء في نظام الالتزام المملوكي الذي أرهق كاهل الفلاح المصري، وقدموا له الحماية «الشرعية» اللازمة. وبسهولة واضحة استطاع محمد علي احتواء الأزهر وتدجينه عقب فراغه من مذبحة المماليك في القلعة.

(تاريخيًّا، تشكلت الطبقة الفقهية «السنية» في إطار الدولة، وظلت مرتبطة بها مذهبيًّا كظهير دفاعي مقابل لمعارضة الشيعة والخوارج، ورغم نزعاتها الاستقلالية المضمرة، الموروثة من تراث الكهنوت الانتهازي، والتي كانت تظهر في لحظات ضعف الدولة، ظلت الطبقة الفقهية بامتداد التاريخ السني، تعمل دائمًا تحت الدولة، وتوظف لخدمتها في أغراض الضبط والاحتواء العام).

– 2 –

ثقافيًّا، نحن حيال وعي عام يهيمن عليه التفكير الديني بطابعه الفقهي (النقل المتجمد)؛ شعور ديني راسخ لكنه ليس حادًا ولا ساخنًا، الروافد «الوضعية» المتراكمة بشكل طبيعي تبقى كامنة تحت سطح الثقافة الظاهرة، وتُظل تعمل بطريقة لا واعية، لكنها لا تملك «نخبة» قادرة على التعبير عنها نظريًّا، أو بشكل سياسي منظم. بوجه عام، ثمة ما يمكن وصفه بـ «رتابة ثقافية» باردة، تعكس حالة الجمود الفكري المزمنة والموروثة من تاريخ الفقه الإسلامي.

تتجلى هذه الحالة بأوضح صورها في الأزهر حاضن الطبقة الفقهية، والممثل «الرسمي» للنظام التراثي، حيث ظل منغلقًا على منهجه المتحجر في شرح النقول والحواشي القديمة، ومنقطعًا بشكل تام عن الثورة العلمية التجريبية التي فجرتها الحداثة، وانتهت إلى العلوم الإنسانية، وغيرت وجهة النظر إلى المسألة الدينية ككل وعلاقتها بالاجتماع العام.

كانت هذه المؤسسة هي المركز الذي يصنع الثقافة ويهيمن على التعليم من خلال شبكة «الكتاتيب» المنتشرة في القرى وأحياء المدن، وحلقات التدريس الملحقة بالمساجد، وعبر المقر الرئيسي بالقاهرة. وبوجه عام، انحصرت مادة المعرفة في حفظ القرآن والنحو وعلوم اللغة، مع غياب كامل تقريبًا للعلوم التطبيقية، والأشكال «المنهجية» الجديدة للعلوم الإنسانية.

عند هذه اللحظة لم يكن المجتمع يتوفر على نخبة مؤهلة لحمل مشروع التحديث والترويج له إلى جانب الدولة، كان «الفقهاء» يمثلون «النخبة» الثقافية الممكنة في ظل النظام التراثي السائد، وبطبيعة التكوين ودوافع المصلحة لم تكن مهيأة لاحتضان التجديد، لكنها كانت قابلة للرضوخ لإرادة الدولة، والتماشي مع عملية التغيير، التي لم تقطع مع الدين كعقيدة شعبية، ولم تهدف إلى إلغاء الطبقة الفقهية بل إلى تحجيمها واحتوائها سياسيًّا.

– 3 –

البنية الاجتماعية مطلع القرن التاسع عشر

يمكن الحديث عن نظام طبقي مغلق، يبدو راسخًا ومستقرًا، لكنه ينطوي على مفارقات بنيوية ترشح لانفجاره أمام قوة تغيير جادة، وهي القوة التي كانت على وشك الظهور مع دولة محمد علي:

1- طبقة المماليك: المنحدرة من مخلفات العصر الأيوبي، وهي عبارة عن بيوت متنافسة على السلطة، تعتمد على شبكات ولاء وعسكر خاص بكل أمير، لكنها تتحكم في السيطرة على الوالي العثماني، وينصب اهتمامها على جمع الضرائب، واستغلال نظام الالتزام الزراعي. وبالنسبة إلى المصريين ظل المماليك – رغم المشترك الديني – طبقة غريبة وافدة تتكلم التركية والشركسية، ولم تندمج تمامًا في نسيج المجتمع.

2- طبقة الفقهاء والمشايخ: تتولى الفتوى، والقضاء، والتعليم، وإدارة الأوقاف، وتمارس دور الوساطة بين الجمهور والمماليك، وهي تتمتع بنفوذ شعبي معنوي واسع، لكنها ظلت مرتبطة مصلحيًّا بالسلطة خصوصًا العلماء الكبار من أصحاب الثروة. يمكن الحديث هنا عن «طبقة» بالمعنى الفني (الاقتصادي الثقافي) تشبه طبقة الكهنوت الكاثوليكي في العصر الوسيط المتأخر.

3- التجار والحرفيون: يمكن الحديث عن اقتصاد تجاري زراعي وحرفي؛ سيطر اليهود على الصرافة، والشوام على التجارة الخارجية بفضل احتكاكهم بالأسواق الأوروبية، واشتغل التجار المصريون في تجارة الجملة والبضائع المحلية والتوابل والحبوب. وشكل الحرفيون (من البنائين والحدادين والنجارين والحيَّاكين و…) كتلة اجتماعية منظمة في طوائف مغلقة وذات ترتيب هرمي (شيخ الطائفة وهو الذي يمثلها أمام الدولة، ويقوم بجمع الضرائب وحل النزاعات بين الأفراد، ثم أصحاب الورش أو المعلمون، ثم العمال الفنيون، ثم العمال الصغار أو المبتدئون).

4- طبقة الفلاحين: تمثل الغالبية العظمى من السكان (80%)، وهي قاعدة الهرم الاجتماعي السفلية، الأكثر فقرًا والأقل نفوذًا، بحكم نظام الملكية السائد مطلع القرن التاسع عشر، كانت الأراضي الزراعية تنقسم إلى نوعين: أراضي الدولة (الميري) وهي الجزء الأكبر، وأراضي الأوقاف المخصصة للمؤسسات الدينية والأغراض الخيرية، الدولة هي المالك الأصلي للأرض، وللفلاح حق الانتفاع بها وليس الملكية الكاملة، لكن في ظل نظام الالتزام الذي اخترعته الدولة العثمانية تعرض الفلاح لضرائب باهظة وغير منتظمة، ولأشكال متعددة من الاستغلال من قبل الملتزم، دون أن يحظى بحماية قانونية فعالة من الدولة.

مع انتقال الحكم إلى محمد علي سيحدث تغير جزئي في وضعية الفلاح، حيث سيفكك نظام الالتزام تدريجيًّا، ويجعل الدولة تتعامل مباشرة مع الفلاحين بوصفها مالكة الأرض، عمليًّا، لم يؤدِ ذلك إلى التخفيف كثيرًا عن كاهل الفلاح، وهو ينتقل من سخرة الملتزم إلى قمع الدولة الناشئة، التي فرضت عليه التجنيد الإجباري، وأعمال السخرة في المشاريع الكبرى، ووسعت من احتكارها للمحاصيل الزراعية، لكن خطوات محمد علي ستفتح الباب أمام خلفائه لتطوير نظام زراعي يسمح بالملكية الخاصة وظهور طبقة كبار الملاك في النصف الثاني من القرن خصوصاً في عهد إسماعيل باشا، ومن ثم توسيع دائرة الملكية.

5- الأقلية القبطية: بقى الأقباط يمثلون أقلية كبيرة في المجتمع المصري، وبوجه عام ظلت محكومة عند مطلع القرن بتقاليد «الخلافة الإسلامية (العثمانية)»، أي بمنظومة «أهل الذمة»: جزية سنوية، زيّ إجباري مميز، قيود على بناء الكنائس. ومع ذلك ظلت الأقلية القبطية تحافظ على حضورها التاريخي داخل الإدارة الحكومية، وتمارس دورًا رئيسيًّا في وظائف المحاسبة والإدارة المالية.

ستتغير هذه الصورة تدريجيًّا مع محمد علي، الذي أعلن عن سياسة تسامحية، ووسع تعيين الأقباط في الوظائف العليا، وألغى الزيّ الإجباري، وخفف القيود على ممارسة الطقوس وبناء الكنائس. لكن الجزية ظلت مفروضة رسميًّا حتى تم إلغاؤها في عهد سعيد باشا.

لم تكن خطوات محمد علي التسامحية تصدر عن مفكر تنويري آيديولوجي يؤمن بالمواطنة والمساواة القانونية، بل عن حاكم براجماتي يهدف إلى تثبيت أركان دولته، وفي الوقت نفسه يستشعر حركة التطور واتجاه الحداثة. لكن في نهاية المطاف كانت هذه الخطوات تمهد الطريق لتشكيل «الدولة الوطنية» الدستورية التي ستظهر في مصر في أوائل القرن التالي.

– 4 –

نظام ضعيف بما لا يكفي للسقوط

في ضوء هذا التفكيك يمكن وصف النظام التراثي السائد في مصر مطلع القرن التاسع عشر بأنه نظام تقليدي «ديني»، أو بمعنى ما نظام «إسلامي» فقهي بملامح ثيوقراطية. وهذا واضح من الموقع البارز للطبقة الفقهية سياسيًّا واجتماعيًّا، وحتى على المستوى الاقتصادي من خلال الأوقاف.

كان على هذا النظام مواجهة الهجوم الحداثي الذي مهدت له الحملة الفرنسية، وأطلقه محمد علي، ثم طوّره خلفاؤه بامتداد القرن التاسع عشر. وبوجه عام أسفرت المواجهة عن تراجع نسبي -لكن واضح- للنظام التراثي، جرعة التحديث -التي بدأت جزئية ومحسوبة وتهدف إلى خدمة الدولة- كانت قادرة على زعزعة النظام، لكنها لم تكن كافية لإسقاطه:

من جانبه السياسي، بدا النظام هشًّا بشكل واضح بعد انهياره العسكري أمام الغزو الفرنسي؛ وأمكن اختراقه بسهولة لصالح «الدولة شبه المدنية» التي أنشأها محمد علي، والتي ستتطور إلى «دولة وطنية دستورية»، بالمعنى الحديث في أوائل القرن العشرين. (عمليًّا)، كانت «الدولة» هي النقطة الأضعف في البناء التراثي العام، ومن هنا كانت هي نقطة الاختراق الأولى التي بدأ منها التحول الحداثي، ولا تزال حتى الآن تمثل مظهره الأهم وحامله الرئيسي، رغم تفاقم المظاهر الحداثية وتمددها الثقافي والاجتماعي.

على المستوى الثقافي، نحن أمام نظام جامد بامتياز، لكن أمكن اختراقه وزعزعته جزئيًّا، وبصعوبة نسبية، مع تواصل حركة التحديث وتشكل النخبة الفكرية الجديدة.

أما التكوين الاجتماعي (البنى اليومية المباشرة بتشكيلها الريفي الغالب: الأسرة، وشبكات القرابة، القرية وسلطة شيخ المسجد، الأضرحة، الموالد، المرأة وسلطة الرجل)، فكان الجانب الأقل تعرضًا لإشعاع التحديث المباشر، وبدا أكثر تماسكًا وأقل قابلية للاختراق عند لحظة التحديث المبكرة.

بشكل مجمل، كان النظام التراثي هرمًا، لكنه لم يكن آيلاً للسقوط. وكان المشروع الحداثي مبهرًا في لحظته الاجتماعية، ولكنه كان يحتاج إلى تراكم زمني أطول، كي يتحول من مشروع دولة مفروض بقرار سيادي فوقي، ويهدف إلى خدمة السلطة، إلى مشروع عام تحمله النخبة، وتحركه الطبقة الوسطى، ويهدف إلى تطوير حقيقي في بنية المجتمع.

عند هذه النقطة يظهر السؤال عن رد فعل النظام التراثي ممثلاً في الأزهر على حركة التحديث، التي بدأت بشكل متدرج لا يصطدم مع الثوابت الدينية، ثم تفاقمت إلى حد التحول إلى النظام القانوني الوضعي على حساب الشريعة.

– 5 –

الأزهر ورد الفعل: تكيف قسري وتراجع دفاعي

لم يهدف محمد علي إلى إحداث خرق آيديولوجي للنظام السياسي القائم بملامحه الإسلامية التقليدية، بل كان يعمل من خلال هذا النظام لخدمة مشروعه الخاص، لكنه اتخذ عددًا من الإجراءات الإصلاحية أدت إلى تقليص نفوذ الطبقة الفقهية، أهمها مصادرة الأوقاف (1812) لحساب الدولة، وهي ضربة قوية لمصالح المشايخ الكبار، الذين خسروا آلية هامة من آليات الاستقلال النسبي حيال السلطة.

جاء هذا القرار في أعقاب مذبحة القلعة التي كشفت عن توجه الدولة واستعدادها لاستخدام العنف، ولم يُبْدِ الأزهر أكثر من امتعاض صامت، وانتهى موقفه إلى التكيف مع الواقع كسلوك اعتيادي ثابت عبر التراث السني للطبقة الفقهية. بوجه عام لم تقطع إصلاحات محمد علي مع الثوابت الإسلامية حيث ظلت الشريعة مرجعية حاكمة للنظام القانوني، ولم تشكل تهديدًا وجوديًّا للأزهر الذي ظل يحتكر التعليم الشرعي والقضاء.

لكن المراحل التالية ستشهد تصعيد الإصلاحات خصوصًا في عهد الخديو إسماعيل (1863-1879)، حيث أنشئت المحاكم المختلطة (1875) وطبق فيها القانون الفرنسي على النزاعات التجارية بين الأجانب والمصريين، وفي سنة 1883 تم إنشاء المحاكم الأهلية، للحكم بقوانين جنائية ومدنية وتجارية مستمدة من القانون الفرنسي، وهي خطوة تعني التخفف من سلطة الشريعة وتقليص نفوذ المحاكم الشرعية التي بقيت مختصة بمسائل الأحوال الشخصية (الزواج/ الطلاق/ الميراث).

ينطوي هذا التحول على تناقض بنيوي مع النظام التراثي الفقهي الذي يؤمن بإلزامية الشريعة كأصل من أصول الدين، وكان يرشح من ثم لصدام محتمل مع الدولة، لكن هذا الصدام لم يحدث، وبوجه عام تم تمرير الإصلاح القانوني القضائي بدون مقاومة جدية، أو بدون جدوى فاعلة من قبل الأزهر، الذي تراجع نفوذه نسبيًّا بعد خسارة الأوقاف وتطور النظام التعليمي.

– 6 –

نظريًّا، لم يقبل الأزهر بنظام قانوني ينحي الشريعة، لكنه «عمليًّا»، لم يكن يتوفر على القوة اللازمة للمقاومة، وانصاع كالعادة لإرادة الدولة، التي كانت تعبر هذه المرة عن قانون التطور وتعكس حاجة المجتمع إلى التغيير، رغم أن هذا التحول بدأ -في سياقه السياسي المباشر- تحت ضغط الدول الأوروبية الدائنة ولخدمة الامتيازات الأجنبية.

لم يصدر الأزهر بيانًا رسميًّا مناهضًا للقانون الوضعي، لكنه عبر عن شجبه للفكرة من خلال بعض الفتاوى، والكتابات، والتصريحات القولية في حلقات العلم والمجالس الخاصة، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى عدة نماذج:

1- الشيخ محمد عليش (1802 – 1882): (فقيه المالكية وأحد الشيوخ البارزين في الأزهر أواخر القرن التاسع عشر)، ردًا على سؤال عمن يتحاكم إلى المحاكم المختلطة اختيارًا، أفتى بأن: «من ارتضى التحاكم إلى غير شريعة الإسلام مع قدرته على التحاكم إلى حكام المسلمين فقد أساء وأثم، لأن الله تعالى يقول «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون»، والتراضي بحكم الظالم لا يخرجه عن ظلمه» (عليش، فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، المطبعة الأزهرية، القاهرة، 1880، ج2، ص 174).

وتعليقًا على انتشار البنوك الأوروبية كتب عليش: «لا تحل المعاملة الربوية بتغيير اسمها أو بتسميتها فائدة أو عائدًا أو غير ذلك من الألفاظ التي يتحيل بها على استحلال ما حرّم الله، والقانون الذي يجيزها قانون مخالف لشريعة الإسلام، ولا يحل للمسلم أن يتخذه دينًا» (فتح العلي، السابق، ج2، ص 312).

لكن أهم فتاوى عليش هي فتواه بشرعية الثورة العرابية 1882 تأسيسًا على أن الخديو توفيق استعان بالأجانب (الكفار) ضد المسلمين، وقبل بالقوانين الوضعية. الفتوى تضرب في شرعية النظام وبنائه القانوني، ولذلك اعتقل عليش حتى مات في السجن أواخر 1882، ورد الفعل هنا يشير إلى تشدد النظام، وموقع الأزهر في معادلة القوة مع الدولة.

2- الشيخ محمد البنا (شيخ الأزهر 1882 – 1884): كتب عبد الرحمن الرافعي في كتابه «عصر إسماعيل»: «أبدى مشايخ الأزهر امتعاضًا شديدًا من إنشاء المحاكم الأهلية وإقصاء الشريعة عن كثير من المسائل المدنية، وكان شيخ الأزهر يقول في مجالسه الخاصة إن هذا النظام يجعل المسلم في بلاد الإسلام محكومًا بغير شريعته، وهذا ما لم يقع في التاريخ الإسلامي إلا حين يسقط البلد في يد الكفار» (الرافعي، عصر إسماعيل، دار المعارف، القاهرة، 1948، ج2، ص 287)، هذا النص يشير بوضوح إلى الموقف الرسمي العملي، الذي لا يملك أكثر من التعبير عن الامتعاض في المجالس الخاصة.

3- الشيخ حسن العدوي الحمزاوي (1820 – 1886): فقيه حنفي بارز من فقهاء الأزهر، عبر صراحة عن رفضه للقوانين الوضعية في رسالة فقهية بعنوان «إرشاد الأريب إلى معرفة ما في كتاب الله من الإحكام والترتيب»، وكتب في المقدمة: «بلغنا أن بعض المولعين بما عند الإفرنج يريدون إحلال قوانينهم محل أحكام الشريعة في المعاملات والعقوبات بحجة أن الزمان قد تغير، وهذا كلام من لم يفقه الشريعة ولم يعرف مقاصدها، إن الشريعة لم تجمد يومًا، إنما تجمد الفقهاء، وبين الأمرين فرق عظيم، فالحل إحياء الاجتهاد لا استبدال الشريعة» (مخطوط، دار الكتب المصرية، رقم 234 فقه، ص 3 – 4).

موقف دفاعي يفرق بين جمود الشريعة وجمود الفقهاء، وهي الفكرة التي ستحظى لاحقًا بتنظير أوسع عند محمد عبده، والتي سيتبناها التيار الإسلامي «المعتدل» عمومًا.

4- الشيخ حسونة النواوي (شيخ الأزهر من 1896- 1900، ثم من 1907-1909): في البداية أبدى توافقه مع مشروع الدولة وشارك في عدة لجان حكومية لمراجعة القوانين الجديدة، لكنه عاد وتراجع عن هذا الموقف، وأعلن صراحة «أن اشتراكنا في هذه اللجان لم يكن إقرارًا منا بشرعية هذه القوانين، بل كان سعيًا لتخفيف ما يمكن تخفيفه منها، والفرق بين من يدخل الدار ليصلح ومن يدخلها ليهدم فيها فرق عظيم» (مجلة الأزهر، العدد الأول 1930- في ذكرى النواوي).

يبدو نموذج النواوي مختلفًا نسبيًّا، لكنه يؤكد على الموقف الأزهري العام ذاته: رفض نظري معلن مع الإقرار بقلة الحيلة.

5- عريضة 1899 (عريضة جماعية قدمها عدد من الفقهاء للخديو عباس حلمي الثاني، عندما شرعت الدولة في مد صلاحيات المحاكم الأهلية إلى بعض مسائل الميراث)

جاء في العريضة: «إن الشريعة الإسلامية قد نظمت أحكام المواريث تنظيمًا محكمًا مستمدًا من كتاب الله وسنة نبيه، وهي من الأحكام القطعية التي لا تقبل الاجتهاد فضلاً عن الاستبدال، وإن في تطبيق قوانين الإفرنج على مواريث المسلمين مسًّا بأصول الدين لا بفروعه، ونحن نضع هذا بين يدي مولانا الخديوى إذ هو المسؤول أمام الله عن دين رعيته» (محفوظات دار الوثائق القومية، القاهرة، محفظة المحاكم الشرعية، رقم 14، وثيقة 1899، نقلاً عن خالد فهمي «كل رجال الباشا»).

لأول مرة يأخذ الاحتجاج الأزهري صيغة جماعية، ومع ذلك فهو يقدم بطريقة هادئة، في شكل طلب مهذب إلى «مولانا الخديوي» بوصفه «المسؤول أمام الله عن دين رعيته»، وقد استجابت الدولة لهذا الطلب، في إشارة إلى أنها لم تكن جادة تمامًا في هذا التوجه مثلما كانت جادة في فرض القوانين الجنائية والمدنية.

اللافت هنا هو أن الأزهر يشير إلى قواعد الميراث والأحوال الشخصية بوصفها «أحكامًا قطعية من أصول الدين»، ويتصدى للدفاع عنها بعريضة جماعية رسمية، وهو موقف لم يتخذه الأزهر بصدد الدفاع عن الأحكام الجنائية والمدنية، رغم أنها بدورها أحكام قطعية ثابتة بالنصوص ولا تقبل الاجتهاد.

كيف نفسر هذا التناقض؟ هل طور الوعي الأزهري المتراجع إحساسًا «تبريريًّا» بأن التحول القانوني المدني والجنائي كان أكثر تعلقًا بفروع الفقه، وأقل خرقًا للشريعة، مقارنة بالتحول المزمع في الأحوال الشخصية؟

مالكولم كير (Malcolm Kerr) وهو أكاديمي أمريكي متخصص في العلوم السياسية، ومهتم بمسألة الإصلاح القانوني في مصر ضمن مشروع التحديث، يقدم تفسيرًا للموقف الأزهري في كتابه المرجعي:

Islamic Reform: The Political and Legal Theories of Mohammad Abduh and Rashid Rida, University of California Press, 1966.

يشرح كير: «مقاومة علماء الأزهر للقوانين الغربية كانت حقيقية، لكنها كانت مقيدة لأسباب بنيوية. بسنة 1883 كانوا قد فقدوا الهيمنة على القانون الجنائي، والقانون التجاري، والإجراءات المدنية، ما تبقى هو قانون الأحوال الشخصية، وقد دافعوا عنه بشراسة وبطريقة ناجحة، لم يكن ذلك استسلامًا، بل تراجعًا استراتيجيًّا إلى موقع دفاعي».

ظل الأزهر مختنقًا في هذا الموقع الدفاعي: يرفض القوانين الوضعية، لكنه لا يعترض على تطبيقها عمليًّا، ولا يقدم بديلاً نظريًّا جديدًا قادرًا على حل التناقض الحقيقي بين الشريعة والحاجات الاجتماعية التي تفرضها الحداثة.

ومع ذلك ستظهر نماذج أزهرية قادرة على تجاوز الجمود الرسمي، وتقديم حلول نظرية أكثر تفهمًا لحاجات الواقع، وأكثر وعيًا بأزمة الشريعة، لكنها لم تعد محسوبة على الأزهر بل تنتمي إلى النخبة المصرية الجديدة بالمعنى الواسع، وفي مقدمة هذه النماذج يظهر اسم محمد عبده الذي قدم رؤية توفيقية واسعة تستحق النقاش.

يتبع

 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete