مراجعات تاريخية: مشروع النهضة المصرية.. جدل الحداثة والإسلام الأصولي..الجزء السادس

 تكوين

مُشكل الهُوية

– 1–

من نحن، هل نحن مصر، وهل مصر حصرًا عربية إسلامية؟ لم يكنْ هذا السؤال مطروحًا عند بداية الحراك التحديثي الذي أطلقه محمد علي في مطلع القرن التاسع عشر، لكنه صار يفرض نفسه ليكون مشكِلًا نظريًا مع تطور نموذج الدولة الوطنية واستقراره، وبفعل التداعيات السياسية والثقافية اللاحقة التي تراكمت في مصر أوائل القرن العشرين:

  1. سقوط الخلافة العثمانية (1924) التي كانت تربط مصر رسميًّا بالدولة «الإسلامية». في سياقه الحداثي، بدا سقوط الخلافة في تركيا مؤشرًا على تهافت «الأممية الدينية» بوصفها رابطةً سياسية قديمة من تراث العصور الوسطى.
  2. حضور الاحتلال البريطاني، الذي حرك الوعي بـ «الأنا» السياسية مقابل «الأجنبي» المهيمن والمتقدم حضاريًّا. عمليًّا، كان الإحساس بالوطنية المصرية يتنامى مع تصاعد حركة المقاومة.
  3. تبلور نخبة علمانية صريحة، تربط بين حالة التخلف القائمة والموروث الفقهي السائد بأصوله العربية، وتؤمن بالدولة الوطنية بوصفها شرطًا ضروريًا للنهضة. كانت النخبة في حاجة إلى «بديل» ثقافي جاهز «للأممية الدينية».

–2–

كان السؤال المركزي عند النخبة، هو سؤال النهضة: كيف يمكن الخروج بمصر من حالة التخلف الحضاري المزمنة؟ لم يَعُدْ السؤال: هل يجوز نقد النظام التراثي الديني المسؤول عن هذه الحالة، بل: إلى أي مدى يمكن التخفف منه أو القطع معه؟ أو: كيف يمكن إصلاحه وتجديده لمواكبة حاجات النهضة؟

فكرة الإصلاح أو التجديد الديني هنا لا تُطرح لحساب النظام التراثي “المأزوم”، بل تصدر في سياق عملي لحساب الواقع الاجتماعي المتطور. وبالمناخ العام، كان بإمكان النخبة مناقشة المسائل الأولية حول الهُوية والدين واللُّغة. لم يكنْ الإسلام السياسي قد تبلور بعد ليكون تيارًا سلفيًا منظمًا، لكن الفكر التراثي كان حاضرًا من خلال “الأزهر”، وعبر التيار المدني المحافظ، الذي دخل مع النخبة العلمانية في معارك دفاعية واسعة على رأسها معركة الهُوية. (لاحقًا بعد تفاقم الإسلام السياسي، ستتحول السلفية إلى مشروع ثقافي مضاد له مخالب هجومية، وستتغير كليًّا خارطة النقاش لتفرض على الفكر التجديدي العودة إلى مربع السؤال الأول: هل يجوز نقد النظام الديني الفقهي المقدس؟).

عملية التحديث الجارية منذ نحو قرن، كانت في جوهرها انقلابًا على النمط الحضاري الفقهي السائد منذ العصور الوسطى، وفي وعي النخبة كان هذا النمط مسؤولاً عن واقع الفقر والتخلف، وكان طرح سؤال الهُوية بمنزلة استدراك ضمني على فكرة الانتماء الإسلامي العربي؛ بعد سقوط الخلافة لم يَعُدْ هذا الانتماء “واقعة سياسية”، وانفتح باب النقاش حول كونه “مُسَلَّمَةً ثقافية”.

أصبح اسم “مصر” حاضرًا في الوعي العام بوصفه جوابًا عن سؤال “من نحن؟”، وصار السؤال الجديد هو: ما هُوية مصر الحضارية؟ هل يجوز اختزالها -بتراثها الثقافي المتعدد الروافد- في الحقبة العربية الإسلامية؟ هل طمست هذه الحقبة كليًّا “خصائص” الشعب المصري المكتسبة من أصوله الفرعونية العريقة، ومن اشتباكه الفكري الطويل مع الثقافة اليونانية والرومانية، ومن اندماجه التاريخي في المسيحية القبطية؟

في هذا السياق طرحت النخبة نموذجين بديلين للهُوية المصرية: الفرعونية، والمتوسطية. لكن عمليًّا، سينتهي العقل المصري إلى استيعاب النموذجين داخل موقفه “الوسطي” المعتاد، الذي يقوم على الجمع التوفيقي، ويتجنب الصدام الحاد مع السلطة الثقافية السائدة: الهُوية المصرية ليست حالة أحادية بسيطة، بل ذات تكوين مركب، يجمع بين الأصل الفرعوني القديم، والعمق المتوسطي اليوناني، مع الإقرار بالسيادة الجزئية الراهنة للبعد الإسلامي العربي.

شيء من هذا الرُوح الوسطي سيظهر حتى عند النخبة العلمانية وهي تُقدم النموذجين بقليل من التحسس: الفرعونية عند لطفي السيد، والمتوسطية عند طه حسين، الاستثناء الوحيد هنا هو سلامة موسى، الذي دمج الفكرتين معًا بحسم علماني يقطع كليًّا مع الإسلام الثقافي والسياسي.

-4-

الفرعونية “المعتدلة”: لطفي السيد

مضمون الفكرة في إطارها العام هو: المصريون ينتسبون أصلاً إلى مصر، وهو انتماء سابق على الحضور العربي الإسلامي. مصر أمة ذات شخصية حضارية متميزة، تضرب جذورها المتواصلة إلى التاريخ الفرعوني القديم. هذا المعنى يلزم ترجمته “سياسيًّا” ليكون أساسًا للرابطة الوطنية التي تقوم عليها الدولة، ويلزم إحياؤه في الوعي العام من خلال التعليم والفكر والأدب والفنون.

كان الطهطاوي قد مسَّ هذه الفكرة مسًّا خفيفًا في سياق ترويجه للوطنية، لكنه لم يطرحها لتكون هُوية نهائية ذات بعد سياسي مقابل الهُوية الإسلامية. هذا البعد “الصدامي” سيظهر لاحقًا مع أحمد لطفي السيد، وسيبلغ ذروته عند سلامة موسى.

بخصوص لطفي السيد: الفرعونية مفهوم ثقافي يرتب نتائج سياسية، وعليه تبنى هُوية الدولة المصرية بصيغتها الوطنية الحديثة، بديلاً عن الهُوية الأممية الغائمة، التي طمست اسم مصر تحت العنوان الإسلامي عبر القرون الماضية. صحيح أن الإسلام يُمَثِّلُ “طبقة” حضارية معاصرة، لكنه لا يستغرق هُوية مصر الثقافية، وليس له أن يحكم هُويتها السياسية.

بتكوينه العقلاني الأرسطي، ونزعته الحداثية الهادئة، لم يدخل لطفي السيد في صدام مع الإسلام بوصفه دينًا، ولم يَهدف إلى تجاوزه بوصفه قيمةً أخلاقية واجتماعية، لكن كونه ليبراليًّا علمانيًّا صريحًا، يرى الدين علاقة فردية وليس مصدرًا للحكم والتشريع. نظريًّا، لم تكنْ فرعونية لطفي السيد تعني نفي الإسلام بوصفه ثقافةَ واقعٍ، لكنها بالنتيجة كانت تُقلص من سلطته المركزية على مستوى الدولة وثقافة المجتمع.

لم يكنْ لطفي السيد علمانيًّا لائكيًّا بالمعنى الثوري الفرنسي، لكنه كان حداثيًّا تنويريًّا أقرب إلى المدرسة العلمانية الأنجلوسكسونية. فهو مفكر دستوري متأثر بـ “ميل” و”سبنسر”، يؤمن بالإصلاح المتدرج والبناء المؤسسي. وظل يروج لأفكاره الحداثية ببرود نظري فلسفي، ودون دخول في معارك فكرية صاخبة، لكنه ترك أثرًا بارزًا في مسار الفكر المصري الحديث من خلال دوره في تأسيس الجامعة المصرية (1925) وإدارتها، وتكريسها لتكون مؤسسةً علمية مستقلة عن سلطة الدولة ووصاية الأزهر الدينية. ومن خلال مدرسته الفكرية التي تروج للمنهج العقلاني، وترجماته الرائدة لأعمال أرسطو (الأخلاق، النيقوماخية، والسياسة)، ودفاعه الدائم عن الدستور الوطني، ومبدأ الفصل بين السلطات، وحرية الفكر والتعبير والصحافة. ولذلك كله أُطلق عليه في مصر لقب “أستاذ الجيل”، وهي مكانة مُستحقة.

-5-

المصرانية “المتطرفة”: سلامة موسى

مثل لطفي السيد، لم يطرح سلامة موسى الفرعونية لتكون مجرد تذكير بالأصل الحضاري العريق، بل لتكون أساسًا لبِناء هُوية وطنية مصرية بالمعنى السياسي الحديث. لكنه كان أكثر حسمًا في القطيعة مع الثقافة العربية الإسلامية، والاندماج في الثقافة الأوروبية الحديثة، وأكثر حدة في لُغة الطرح.

دعا موسى صراحةً إلى قومية علمانية واضحة، تقوم على استعادة التراث الفرعوني من جهة، وتبني قيم العلم والتطور الغربي من جهة ثانية. رأى أن المصريين المعاصرين امتدادٌ تاريخي للمصريين القدماء، ولم تنقطع هُويتهم المصرية رغم تتابع الغزوات الأجنبية بما في ذلك الغزو العربي. لقد أثر هذا الغزو -مثل غيره- في لُغة المصريين ودينهم، لكنه لم يطمس بِنيتهم الشخصية، التي تكونت في وادي النيل لا عبر الصحراء العربية.

يكاد سلامة موسى يُشير إلى تواصل “عرقي”، فهو يستخدم مفردات مثل “الجنس المصري”، و”العنصر المصري”، ومع ذلك فإن طرحه القومي يدور أساسًا على البِنية الثقافية الحضارية أكثر مما يؤسس لنظرية عنصرية تروج لفكرة النقاء أو التفوق العرقي.

تلقّى سلامة موسى تعليمه في باريس، حيث احتك بأفكار التنوير الفرنسي الكلاسيكية، وفي لندن حيث تأثر بداروين، وسبنسر، وبرنارد شو، وسيدني ويب. كان أول من قدَّم عرضًا علميًّا لنظرية التطور في مصر، وأول من روَّج إلى الاشتراكية الفابية بوصفها حلًّا إصلاحيًا متدرجًا للمشكل الاجتماعي وبديلاً عن الحل الثوري. لكنه عمومًا، كان علمانيًّا راديكاليًّا صريحًا، مُشبعًا بنزعة نيتشوية، فهو يؤمن بضرورة الخروج من نسق التفكير الديني بهياكله القديمة ومنهجه الجامد، إلى نسق التفكير العلمي الحداثي؛ أي بضرورة الانطلاق من أرضية وضعية خالصة خصوصًا فيما يتعلق بالسياسة وبِنية الدولة.

وجَّه موسى سِهام النقد إلى منظومة الدين التاريخي عمومًا، ووقف على مشاكلها النظرية المناقضة للحداثة، وأشار إلى مصائب الكهنوت التاريخية، ودوره السلبي في قمع الحرية الفردية وتعطيل حركة العلم. ومع ذلك لم يكنْ موسى يدعو إلى إلغاء الدين بوصفه رابطةً فردية، بل يعترض على إقحامه في المجال العام، واستغراقه الكلي لمساحة الثقافة.

كان سلامة موسى صوتًا مميزًا داخل النخبة الحداثية في مصر؛ الصوت الأعلى، والأكثر جذرية في مواجهة التراث الثقافي السائد؛ فهذا التراث هو سبب التخلف، والقطع معه ضروري لبدء التقدم والدخول في الحداثة. وخلافًا لرموز النخبة -التي قدَّمت نقدًا جزئيًّا ثم تراجعت قليلًا تحت ضغط المواجهة مثل طه حسين، أو التي حاولت التوفيق باصطناع مُبررات فقهية لمفاهيم حداثية مثل علي عبد الرازق، أو حتى تلك التي اكتفت بالطرح النظري الهادئ مثل لطفي السيد- شنَّ موسى هجومًا مباشرًا على مرجعية النص الديني، وطرح في مواجهته مشروعًا فكريًّا شاملاً، يقدم العلم الوضعي على أي تفسير لاهوتي للكون والإنسان والمجتمع، وأعلن رفضه صراحة للعروبة الإسلامية أن تكون هُوية نهائية خالصة للشعب المصري. ومن هنا يلزم قراءة دعوته إلى الفرعونية في إطار مشروعه التحديثي العام، الذي يتجاوز السؤال السياسي إلى السؤال الثقافي الاجتماعي الأشمل.

نتيجة لذلك، كان موسى أكثر رموز النخبة تعرضًا للهجوم والتخوين من القوى التراثية الإسلامية (الأزهر، رشيد رضا، ثم الإخوان)، وحتى من البعض داخل التيار العلماني “المعتدل”، الذي اتهم دعوته بالتطرف، ثم لاحقًا من التيار القومي العروبي الذي سيتفاقم بقوة السلطة في العهد الناصري. وفي المحصلة الأخيرة، جرى التعتيم على اسم سلامة موسى ودوره التنويري الكبير، ولم يحظَ بالمكانة الرفيعة التي كان يستحقها على رأس أعلام الفكر المصري الحديث.

في ثلاثينيات القرن الماضي، بلغ الجدل حول المصرانية الفرعونية ذُروته، ثم أخذت الفكرة تتراجع جزئيًّا أمام الحل التوفيقي الوسطي، الذي فرض نفسه على النخبة العلمانية ذاتها. وهو نتيجة مفهومة في لحظتها التاريخية، بحكم قوانين التطور، التي تترجم موازين القوة بين التيار الحداثي الناشئ والتيارات التراثية الراسخة.

المصرانية المعتدلة التي طرحها لطفي السيد تركت صداها في مدرسته النظرية، وفي خطاب بعض الأحزاب ذات الطابع النخبوي مثل حزب الأمة وحزب الأحرار الدستوريين، لكنها لم تتحول إلى تيار سياسي منظم، أو حركة فكرية واسعة، كالتيار الليبرالي مثلاً، أو لاحقًا كالتيار الإسلامي والتيار العروبي.

ومع ذلك، صارت “فكرة الانتماء المصري تفرض نفسها داخل الوعي العام بوصفها مُسلّمةً ثقافية هادئة، دون أي إحساس بالتعارض مع الإيمان الديني. لقد جرى توطينها بآليات التوفيق المصرية المعتادة، وانعكس ذلك في تزايد الاهتمام بالتاريخ الفرعوني القديم، إذ أنشئ المتحف المصري، وانطلقت موجات التنقيب عن الآثار، وظهرت دراسات وكتب تخصصية محلية بالتزامن مع موجة الاهتمام الأوروبي بالمصريات. كما انعكست الفكرة بوضوح في الأعمال الأدبية المصرية (عودة الرُوح لتوفيق الحكيم، أشعار شوقي)، والأعمال الفنية (منحوتات محمود مختار مثل تمثال نهضة مصر، الذي نُحت من الجرانيت الوردي وهو خامة المعابد الفرعونية القديمة نفسها، في إشارة رمزية لتواصل الحضارة المصرية، وهو تكوين تشكيلي يجمع بين تمثال “أبو الهول”، وفلاحة مصرية تضع يدها على رأسه فيما تخلع النقاب عن رأسها باليد الأخرى، ليكون تعبيرًا عن الخروج من قيود الماضي. وفي لوحات محمود سعيد، ويوسف كامل، ومحمد ناجي، التي مزجت بين المشاهد المصرية المعاصرة وتكوينات مستلهمة من الجداريات المصرية القديمة).

لاحقًا، بعد ظهور جماعة الإخوان وتصاعد الإسلام السياسي، ستتحول القوى التراثية من موقع الدفاع إلى الهجوم، وضمن طرح أصولي واسع، ستقدم الانتماء الإسلامي العربي ليكون هُوية خالصة ونهائية، وستعدُّ الحديث عن مصر القديمة استدعاءً لماضٍ كُفْرِيٍّ لا يجوز العودة إليه أو الفخر به.

هذا المعنى الأخير ستتبناه الأوساط الأصولية المنظمة والأكثر سلفية، لكنه لن يجد صداه في وعي الشارع العام، الذي تحكمه آليات التفكير والتدين الشعبي. وهي آليات عملانية أكثر قدرة على تَمثُّل المخزون الثقافي التاريخي، والتعبير عنه، مقارنة بالفقه الرسمي والأصولي (في جميع السياقات الدينية، يلتف الوعي الشعبي على قيود الفقه، ويعيد تدويرها وتطبيعها مع حاجاته اليومية وأفكاره اللا واعية، ولذلك يبدو دائمًا أكثر تسامحًا وأقل أصولية).

 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete