مراجعات تاريخية: مشروع النهضة المصرية.. جدل الحداثة والإسلام الأصولي..الجزء السابع

 تكوين

المتوسطية الأوروبية: طه حسين ومستقبل الثقافة

-1-

في 1938 نشر طه حسين كتابه الشهير «مستقبل الثقافة في مصر»، وهو تقرير أو مشروع مفصل لإصلاح النظام التعليمي، يتضمن مقترحات عملية محددة: تعليم مجاني إلزامي متاح للجميع، تدريس اللغات الأوروبية الرئيسة، الانفتاح على آليات التفكير العقلي، ومناهج البحث العلمي الحديثة. لكنه استهلَّ الكتابَ بمقدمة نظرية طويلة تتناول التكوين التاريخي للعقل المصري، وتؤسس لمقترحاته الإصلاحية لا بوصفها مجرد تقليد للثقافة الغربية، بل عودة إلى الأصل المصري الذي يشترك مع هذه الثقافة في جذورها اليونانية.

صدَر الكتابُ في أجواء الجدل المحتدم حول الهُوية بين التيارين التراثي والتجديدي، الذي تفاقم بعد معاهدة 36. وفي هذا السياق الصدامي، لم ينصب الاهتمام على موضوعه العملي، بل على مقدمته النظرية، التي تطرح نموذجًا «جديدًا” للهُوية المصرية، يبدو -عند التيار التراثي- أكثر تطرفًا حتى من النموذج الفرعوني.

-2-

الفكرة المركزية كما طرحها طه حسين هي أن: العقل المصري بحكم الجغرافيا والتاريخ، ينتمي إلى ثقافة البحر الأبيض المتوسط، أي إلى البيئة الحضارية التي أنتجت فكر اليونان، والرومان، وأوروبا الحديثة، فهو أقرب إلى الغرب ثقافيًّا منه إلى الشرق الفارسي أو الهندي أو الصيني. التفاعل الثقافي بين مصر ومحيطها المتوسطي تواصل على مدى زمن طويل منذ العصر الفرعوني: التبادل الفكري المبكر بين فلاسفة اليونان والكهنوت المصري، ثم التداخل العقلي والاجتماعي الواسع بعد فتح الإسكندر بامتداد العصر البطلمي، ودور الإسكندرية المعروف في تكريس الثقافة الهيلينستية. ثم الاندماج السياسي الطويل مع الإمبراطورية الرومانية، وصولاً إلى مرحلة الاحتكاك المتأخرة بالحداثة الأوروبية.

أما الفتح العربي الإسلامي، فيمثل بدوره طبقة حضارية وافدة، أثَّرت في الدين واللُّغة، لكنها جاءت بعد تكوّن الشخصية الثقافية بسماتها العقلية المصرية المتوسطية، ولم تطمس هذه السمات. ثمة فارق بين الانتماء الديني والتكوين العقلي المنهجي. ولذلك فإن إصلاح التعليم باعتماد المنهج العلمي الأوروبي لا يعني التخلي عن الدين أو اللُّغة، بل يعني أننا نستعيد شيئًا من بضاعتنا الأصلية، وهو ما يُسهِّلُ علينا الدخول في الحداثة.

–3-

في هذا الطرح لا ينفي طه حسين تأثير الثقافة الإسلامية العربية في بِنية العقل المصري، لكنه يقدم عليه التأثير المتوسطي (اليوناني اللاتيني)، في إطار ما يُمكن تأويله “هُويةً مُركبة متعددة الطبقات”. ومع ذلك قُرِئت أطروحته من خصومه التراثيين -وأحيانًا من أنصاره العلمانيين- على أنها إعلان عن هُوية إقصائية ذات جوهر واحد ثابت، أي هُوية نافية للعروبة والإسلام الثقافي.

هذه القراءة صحيحة في الواقع، أعني ليست ناتجة عن سوء فهم لما طرحه طه حسين في «مستقبل الثقافة»، بل هي مفهومة ومبررة تمامًا بالنظر إلى:

  1. طريقة الطرح الحادة ولغته القطعية، التي توحي بالهيمنة الكُلية للرُوح اليوناني على العقل المصري، وتكاد تفترض أن هذا العقل اكتمل تكوينه قبل الغزو العربي، وظل يحافظ عليه رغم التحول الديني واللُّغوي.
  2. سوابق طه حسين وتاريخه الفكري الصدامي، الذي يشير إلى موقف علماني كُلي، واعٍ بالتناقض بين الحداثة والنظام التراثي الإسلامي السائد: عَبَّر مبكرًا عن امتعاضه من ثقافة التعليم الأزهري، وفي المناقشات التمهيدية حول مشروع الدستور الجديد (1923)، هاجم بقوة «النص» على أن الإسلامَ دينُ الدولة، وعَدَّهُ مقدمةً لتكريس سلطة «فِقْهَوِيَّةٍ» ذات طابع كهنوتي، تتعارض جذريًّا مع مبادئ الدولة الوطنية. والأهم هو كتابه الجدلي السابق «في الشعر الجاهلي»، الذي أصدره سنة 1926، وكشف فيه عن موقف نقدي صريح من القراءة التاريخية للنص القرآني، الأمر الذي عدَّتهُ الأوساط السلفية مسًّا بقداسة النص ذاته.
  3. السياق الثقافي العام الذي طُرحت فيه الفكرة المتوسطية أواخر الثلاثينيات: استقطاب جدلي حاد يشهد ذُرْوَة المدِّ الحداثي من جهة، وتبلور الإسلام الأصولي من جهة ثانية. بلغ الصدام ذُروته بين التيار التجديدي (الذي يلقي بمسؤولية التخلف على النظام التراثي السائد، ويعدُّهُ نظامًا مأزومًا يمرُّ بلحظة ضعفه القصوى، ويلزم القطع معه أو التخفف منه ليكون مدخلًا ضروريًا للتطور)، والتيار السلفي المحافظ (الذي تحول الآن مع ظهور جماعة الإخوان، إلى قوة سياسية وثقافية منظمة، تخرج من حالة الدفاع إلى موقع هجومي، وتعيد طرح الإسلام لا ليكون مجرد رباط رُوحي، بل ليكون هُويةً ثقافية وسياسية خالصة، أي نافية لأي انتماء مغاير، وتدعو إلى ترجمة هذا المعنى على مستوى الدولة والمجتمع).

في هذا السياق الصدامي، وقياسًا إلى التوجه العام للفكر الحداثي، بدا طرح طه حسين حول الهُوية موجهًا ضد الرافد الإسلامي العربي بالذات، وتم تجاهل الإشارات «التوفيقية» الجانبية التي تُقر بحضور الثقافة الإسلامية بوصفها رافدًا إضافيًا، والتي سيعود طه حسين لاحقًا إلى تأكيدها تحت الضغط، نفيًا لتهمة الإلحاد والعمالة الثقافية للغرب.

واقعيًّا، ورغم تحسسه التوفيقي، بدا أن الطرح الحداثي عمومًا ينطوي على حد أدنى من التناقض الجذري (غير القابل للحسم) مع الموروث الإسلامي السائد، ما يعني أن المشكل لا يمكن حله إلا بنفي (جزئي على الأقل) لأحد الطرفين: حداثيًّا، يلزم تجاوز الموروث الديني، وتراثيًّا هذا التجاوز ممتنع لأنه يتعلق بالمقدس الحصري.

ومع ذلك، ظل الطرف الحداثي في مُجمله (أي باستثناءات قليلة كسلامة موسى) يؤمن بإمكان الحل التوفيقي، أو على الأقل، بضرورته «مرحليًّا» في الظرف الثقافي الراهن، ومن ثم فهو يستطيع القبول بهُوية تعددية جامعة تتسع للثقافة الغربية الحديثة، إلى جانب -أو فوق- الثقافة التراثية الإسلامية.

أما الطرف التراثي فظل -بطبيعته الأحادية الحصرية- يؤمن بوجوب النفي العام لأي انتماء غير الإسلام: الدين هو أساس الهُوية، والهُوية جوهر ثابت أحادي، لا يتغير مع الزمن، ولا يتسع لروافد إضافية، والحديث عن أي انتماء سابق على الإسلام سواء كان فرعونيًّا أو يونانيًّا، هو حديث «كفري» يعني الخروج من الدين.

كان هذا هو الرد الأساسي للتيار السلفي على طه حسين، لكن هذا التيار استخدم أحيانًا فكرة اللَّمْزِ في «وطنية»، الرجل، فاتهمه بالخيانة والترويج لثقافة المحتل الأجنبي (نظريًّا، لا يحفل العقل السلفي بالفكرة الوطنية، لكنه يستطيع توظيفها لتكون مرادفًا للدين بوصفه عقيدةَ الشعب الغالبة). وفي حالات نادرة دخل التيار السلفي في مناقشة «جادة» مع طه حسين حول طرحه الموضوعي ومصداقيته التاريخية، كما فعل محمود شاكر في كتابه «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا»، الذي اعترض فيه على فكرة الاندماج الحضاري الكامل لمصر القديمة في الثقافة اليونانية، وأشار إلى نخبوية هذه الثقافة التي لم تتغلغل في العمق الشعبي، وإلى قدرة العقل المصري على احتوائها والتأثير فيها تأثيرًا عكسيًّا. كما اعترض بصيغة أكثر حِدة على فكرة القفز على الحضارة الإسلامية بوصفها حضارة «عارضة»، وعدَّ ذلك تزييفًا انتقائيًّا للتاريخ لتبرير المشروع التغريبي، وخدمة لأغراض الاستعمار، وليس عملاً علميًّا مُحايدًا، لكن جدية شاكر الموضوعية اختلطت بلغته الهجومية الحادة، التي طالت شخص طه حسين، فوصمته بالعَمَالة وشككت في عقيدته الدينية.

– 4 –

مع ذلك، ورغم توجهه السلفي، يلزم الإقرار بأن محمود شاكر قدَّم في نقض الانتماء المتوسطي حيثيات نقدية تستحق النقاش:

* لا يُنكر شاكر واقعة التواصل الثقافي بين مصر ومحيطها الثقافي القديم بشقيه اليوناني والروماني، لكنه ينفي أن يكون هذا التواصل هو الرافد الأساسي المُهيمن، الذي كوّن العقل المصري على حساب الثقافة الفرعونية الأصلية، ثم ظل قائمًا ومحتفظًا بقوته على حساب الثقافة الإسلامية اللاحقة.

حَسْب شاكر، لم يُسْفِر الحضور اليوناني بامتداد العصر البطلمي (332 – 30 ق.م) عن تفاعل ثقافي شعبي، بل عن تفاعلات نظرية محدودة، إذ ظلت النخب البطلمية بشقيها السياسي والفكري معزولة عن الشعب في الإسكندرية. وإذا كان من الضروري الحديث عن طرف مؤثر فهو الطرف المصري، الذي يُشار تاريخيًّا إلى قدرته على امتصاص الثقافات الغازية وتمصيرها. وينطبق ذلك على الحضور الروماني اللاحق، الذي استمر بقوة الإمبراطورية لما يقرب من سبعة قرون (30 ق.م – 641 م).

وبخصوص شاكر، فإن نقطة الاعتراض الرئيسة على الطرح المتوسطي، هي تجاوز التأثير الطاغي «للفتح» الإسلامي على العقل والمِزاج المصري. لقد أسفر هذا الفتح عن تحول ديني واسع وتحول لُغوي كامل، وهي نتائج لم تتحقق في ظل الغزو اليوناني الروماني رغم قوة السلطة وطول مدة الاحتلال.

بهذا الاعتراض الأخير يضع شاكر يده على نقطة الضعف الأكبر في طرح طه حسين:

* فالمقارنة التاريخية تشير بالفعل إلى أن الغزو العربي الإسلامي كان أكثر تأثيرًا في الوعي المصري من الغزو اليوناني الروماني، الذي لم يستطع تغيير لُغة المصريين، ودينيًّا، لعب حضور السلطة الرومانية -خصوصًا بعد القرن الرابع- دورًا مؤثرًا في تكريس التحول إلى المسيحية، لكنه لم يخلق هذا التحول، الذي كانت بوادره تتفاقم في مصر منذ القرن الأول. ورغم عنف السلطة، لم ينجح الرومان في تحويل المصريين المسيحيين عن مذهبهم الأرثوذكسي القائل بالطبيعة الواحدة.

* والواقع الراهن يشير إلى حضور طاغٍ للثقافة العربية الإسلامية؛ حضور ظاهر على مستوى السلوك الفردي والوعي الجماعي، قياسًا إلى الروافد الأصلية الأقدم، التي تظل كامنة لكنها تلعب دورًا ثانويًا في توجيه الوعي.

– 5 –

كان طه حسين -في مرحلة اندفاعه التنويري المبكرة- يحاول تبرير الحداثة الغربية عن طريق ردها إلى جذور قديمة في الثقافة المصرية. وفي سبيل ذلك لجأ إلى التقليل من دور الرافد التاريخي الإسلامي، وكاد ينكر حضوره العميق في الواقع المصري الراهن، وهي طريقة غير علمية، وغير مجدية في الانتصار للحداثة: الحداثة مسار ضروري بحكم قوانين الاجتماع الطبيعي. والانتصار لها لا يتحقق بتجاهل الواقع القائم، بل يبدأ من الإقرار به، وفهمه، ثم الشروع في تغييره وَفْقًا لقوانين التطور الاجتماعي.

ثمة تناقض جوهري بين ثقافة الواقع التراثية السائدة (غيبية/حصرية/شمولية/مطلقة) وأهداف التطور الحديث (تجريبية/تعددية/فردانية/نسبية). هذه الثقافة يجب تغييرها بمطالب الحداثة، لكن هذا التغيير مُمتنع بإكراهات الفقه التاريخي. وهنا يكمن صلب المشكل الحقيقي الذي يواجه الفكر التجديدي.

– 6 –

في المقابل، كان شاكر -مُمثلَ التيار السلفي، المَشرَّبِ بلكنة ثقافوية- يحاول تبرير السلفية الإسلامية بمنطق البحث العلماني ومنهجه التاريخي، فاضطر إلى الإقرار بفكرة «التحول الثقافي»: مصر تغيرت دينيًّا ولُغويًّا بفعل الغزو العربي الإسلامي، بعد أن سبق لها التحول إلى المسيحية بتأثير نسبي للغزو الروماني. كما انساق إلى الإقرار بفكرة «الامتصاص الحضاري»: مصر احتوت الثقافات الغازية وأعادت تمصيرها. لكنه بالمنطق الشرعي، كان مضطرًا إلى إبطال مفعول الفكرتين عندما يتعلق الأمر بالتحول الإسلامي: لقد تأسلمت مصرُ وتعرَّبت كُليًّا، ولم تُمصِّرْ الإسلامَ تمصيرًا مؤثرًا، لأنه دينٌ مطلق إلهي، وهذا التحول نهائي ومؤبد، ولا يمكن (بمعنى لا يجوز) تجاوزه إلى تحول جديد. بمرجعيته الشمولية الحصرية، يخلط العقل الديني السلفي بين «الوجوب الشرعي»، و«الضرورة الطبيعية» التي تفرضها قوانين الاجتماع، فالممنوع شرعًا كالممتنع ضرورة، أو هو هو. ونتيجة لذلك يرادف تلقائيًّا بين اللاهوت والهُوية، ويثبتها بوصفها حقيقة أحادية أبدية.

– 7 –

الهُوية مفهومٌ حديثٌ نسبيًّا

لا أشير هنا إلى الهُوية بالمعنى «الفردي الفلسفي»، الذي ناقشه أرسطو في المنطق: «الشيء هو نفسه = ما ليس غيره»، ولا إلى الهُوية بالمعنى «الفردي الاجتماعي»: «شعور الإنسان الفرد بالانتماء إلى جماعة أكبر منه»، فهذا الشعور قديم في الوعي البشري، وتاريخيًّا، ظل ذوبان الفرد في العشيرة والقبيلة والدولة واحدًا من سمات الاجتماع التقليدي السابق على الحداثة، إذ يغيب أو ينقص وعي الفرد بنفسه بوصفه ذاتًا منفصلة ومستقلة عن أطر السلطة الجماعية القابضة.

ما أشير إليه هنا هو الهُوية بالمعنى «الجمعي السياسي»، الذي يتعلق بشخصية الجماعة لا الفرد، وهو المعنى الإشكالي المتداول الآن: «خصائص ثقافية واضحة، لجماعة سياسية بعينها، تميزها عن غيرها من الجماعات». الربط هنا ظاهر بين الخصائص الثقافية (لُغة/عقيدة/إحساسًا عرقيًّا/–) التي تصنع فكرة «الأمة»، والتمايز السياسي الذي يصنع فكرة «الدولة»، لكل أمة الحق في أن تكون دولة.

فيما يلي سأصعِّدُ النقاش حول الهُوية بوصفها مفهومًا جمعيًا سياسيًا: كيف تبلور هذا المفهوم في صيغته الحديثة مع انتشار نموذج «الدولة الوطنية» في القرن التاسع عشر الأوروبي؟ وكيف تطور بامتداد القرن العشرين في ظل التحولات الحداثية وما بعد الحداثية، التي قلبت نسق التفكير البشري وميوله النفسية (تراجع الهيمنة التاريخية للدين على الثقافة/تصاعد الوعي بالتعددية مقابل الحصرية اللاهوتية/وبالفردانية على حساب الأطر الجماعية القابضة)؟ كيف انتقلت فكرة الهُوية من مجالها التجريدي الفردي داخل المنطق الأرسطي، إلى المجال السياسي الجمعي، لتوظف آليةً للشحن، وتغذية الصراعات العرقية والدينية والمذهبية؛ بما في ذلك الصراع النظري المُزمن في الشرق العربي بين الحداثة والإسلام السياسي؟

– 8 –

من منطق أرسطو إلى الفكر السياسي الحديث

لم يتناول أرسطو الهُوية بما هي انتماء ثقافي سياسي يتعلق بالجماعات أو الأفراد، بل بوصفها مفهومًا ميتافيزيقيًّا يُمَثِّلُ المبدأ الأول من مبادئ التفكير الأساسية الثلاثة: مبدأ الهُوية (الشيء هو نفسه)، ومبدأ عدم التناقض، ومبدأ الثالث المرفوع. الموضوع هنا يتعلق «بالماهية» التجريدية للشيء في ذاته، وليس بالخصائص الثقافية المشتركة التي تميز جماعة بشرية عن غيرها (اللُّغة/الدين/المذهب/العرق/ –).

واجه أرسطو «مُشْكل التغير» الذي يطرأ على الشيء بفعل الزمن؛ كيف يبقى هو نفسه رغم ذلك؟ وانتهى إلى حل المشكل بالتمييز بين «الجوهر» (الخصائص الأساسية الثابتة) و«العرض» (الصفات المتغيرة التي لا تمسُّ الخصائص الأساسية)، كما استخدم فكرة التمييز بين «المادة» و«الصورة»، لتكونا مقابلين للجوهر والعرض.

أرسطو -الفيلسوف المُنغمس في السياسة النظرية- ناقش بالطبع علاقة الفرد بدولة المدينة (المواطنة بوصفها رابطةً قانونية تكفل المشاركة في الحُكْم والقضاء)، لكنه مَرَّ على الانتماء بوصفه حقيقةً بدهية من حقائق الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًّا بالطبيعة، ولم يتوقف عنده ليطرح السؤال: «من نحن؟ وكيف نبني سردية انتماء جماعي، تقوم على التاريخ واللُّغة والدين والذاكرة المشتركة، في مقابل سرديات أخرى منافسة؟». أعني لم يتوقف أمام الهُوية بوصفها مفهومَ «أزمة» تتعلق «بالأنا” الجماعية identity crisis، كما سيطرحه إريك إريكسون في علم النفس في خمسينيات القرن الماضي، وينتقل منه إلى السياسة والاجتماع.

هذا السؤال حديث، وأخذ يظهر في الفكر السياسي مع تفكك الوَحْدة الدينية الإمبراطورية في أوروبا، وانتشار الثورات القومية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ونشوء الدولة الوطنية، وصعود فكرة «الشعب» لتكون مصدرًا للسيادة، وتفاقم ظاهرة «الاستعمار»، التي حفزت وعي الشعوب بشخصيتها التاريخية في مواجهة القوى الأجنبية.

تبلور المفهوم بصيغته الراهنة في القرن التاسع عشر، لكن بوادره كانت تتفاقم تدريجيًّا في أوروبا منذ القرن السابع عشر:

* في 1648 عُقِدَت معاهدةُ وستفاليا، لتنهي حرب الثلاثين عامًا (التي تحولت من صدام ديني عنيف بين الكاثوليك والبروتستانت في ألمانيا، إلى صراع سياسي واسع بين القوى الكبرى في أوروبا)، كما أوقفت حرب الثمانين عامًا بين إسبانيا وهولندا (التي كانت بدورها صراعًا سياسيًّا دينيًّا مركبًا). تُمَثِّلُ هذه المعاهدة نقطة البداية التأسيسية للفكر السياسي والقانون الدولي الحديث؛ حين أرست مبدأ «السيادة الوطنية»، أي الاستقلال الكامل للدولة عن أية سلطة خارجية، سواء كانت سياسية أو دينية. ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. والأهم أنها جاءت ترجمة للتوجه المتفاقم في الوعي العام للفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، وتحجيم النفوذ التقليدي للبابا على الوحدات الإقليمية.

الانتصار -هنا- لفكرة «الدولة» السيدة، كان يتم لصالح سلطة الحاكم/التاج المحلي الزمنية، مقابل سلطة الخارج الدينية أو السياسية، ولم يكنْ انتصارًا لهُوية الشعب أو الأمة بمعناها الثقافي الشعوري. ثمة فارق بين «سيادة الدولة»، و«هُوية الأمة». هذا المعنى الأخير لم يلمع بَعْدُ، لكنه صار يحظى بمقدماته التمهيدية التي ستفضي إلى حضوره بالضرورة.

– في أواخر القرن الثامن عشر، سيظهر مفهوم «الشعور القومي»، في ألمانيا بوضوحٍ: هيردر يطرح فكرة «رُوح الشعب Volksgeist» لكل شعب رُوح ثقافية متميزة تتبدَّى في اللُّغة والفلكلور والأساطير والذاكرة الجمعية. الهُوية مفهوم طبيعي عضوي يقوم أساسًا على اللُّغة، بصرف النظر عن وجود الدولة. ثمة تعددية ثقافية، أي تنوع هُويات، لا وَحْدة إنسانية كونية بالمعنى الذي يطرحه التنوير الفرنسي بعد الثورة.

وفي كتابه الشهير «خطابات إلى الأمة الألمانية» يروِّج فيخته للفكرة نفسها، ويتكلم عن الألمان بوصفهم أمةً ثقافية لُغوية واحدة، رغم أن ألمانيا لم تكنْ موجودة بعد بوصفها دولةً موحدة (سيتم توحيد ألمانيا سياسيًّا بعد قرن كامل 1871).

الوعي -هنا- بالهُوية الثقافية يسبق وجود الدولة، ولا يعدُّها شرطًا ضروريًّا كما سيوحي طرح هيجل: حسب هيجل: الدولة ليست خيارًا اجتماعيًّا عقديًّا، بل ضرورةٌ طبيعية من ضرورات الاجتماع. فهي بذاتها غاية العقل التاريخي ورُوحه الموضوعي. عند هيجل يمرُّ الانتماء الفردي من الأسرة إلى المجتمع المدني إلى الدولة، وفكرة الهُوية لا تنفك عن فكرة الدولة.

– في مقابل هذا النموذج الألماني (الثقافي التمييزي) يبرز النموذج الفرنسي، الذي طرحه الفكر التنويري بعد الثورة. روَّجَ هذا الفكرُ إلى هُوية «سياسية» خام مجردة وذات طابع كوني. هُوية «قانونية» خالصة مركزها فكرة «المواطنة». الدولة كِيان قانوني محايد يضم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن الأصل العرقي أو الدين أو اللُّغة. تبدو الهُوية هنا علاقة انتماء حقوقية فيها الولاء للدولة والقانون. المظلة الثقافية الجامعة ليست العقيدة الدينية والإرث التاريخي، بل الإيمان بحقوق الإنسان في الحرية والمساواة.

بوجه عام، لم تكنْ فكرة التمايز القومي من أولويات التنوير الثوري الفرنسي في ختام القرن الثامن عشر، كانت قضيته الأساسية هي مناهضة النفوذ الهائل للدين السياسي، وتكريس العلمانية على حساب الكنيسة، ثم مناهضة السلطة الأوتوقراطية المطلقة لحساب الشعب، أو «الطبقة الثالثة» كما سماها إيمانويل سييس وهو يشير إلى عامة الشعب مقابل النبلاء ورجال الدين، ومع ذلك، تلعب العلمانية اللائكية الفرنسية دورها في تكريس «الفكرة الوطنية» لتكون مقابلًا مضادًا للهُوية الدينية التاريخية، وهو المفهوم الذي سيصبح واحدًا من مفردات الحداثة السياسية، وسيلقي بظله على الفكر المصري الحديث وهو يواجه مشكلة الهُوية.

— بعد منتصف القرن التاسع عشر، ستوحدُ إيطاليا (1861) ثم ألمانيا (1871)، وسيكتمل تكوّن الهُوية القومية لتصبح مفهومًا ثقافيًا/سياسيًا يربط بين الأمة والدولة (لكل أمة دولة، ولكل دولة أمة) ويقوم أساسًا على فكرة الرُوح التاريخي المشترك الذي يَنْتُجُ من وَحْدة العرق واللُّغة والجغرافيا الجامعة، وهي عناصر ثابتة تشير إلى «جوهر» واحد لا يقبل التعدد؛ فالهُوية من ثم مفهوم “نافٍ”، أي يتحدد دائمًا من خلال، أو في مواجهة، آخر مقابل.

ـ و ـ

تطوير حداثي

في 1882 سيقدم إرنست رينان تنظيرًا منهجيًّا جديدًا لمفهوم الأمة/الهُوية، يتجاوز به فكرة التاريخ الثقافي المشترك، فالأمة ليست مجرد أصل عرقي واحد، أو لُغة جامعة، بل فوق ذلك «إرادة جماعية» للعيش المشترك.

في محاضرته الشهيرة في السوربون «ما الأمة؟»، يرفض رينان مفهوم الهُوية «الثابتة»، ويفند معاييرها التقليدية التي تقوم على العرق واللُّغة والدين: فليس ثمة عرقية نقية خالصة، والأمم الأوروبية نتاج لتلوين عرقي مختلط. وليس ثمة تعارض بين تعدد اللغات وتكوّن أمة واحدة مثل سويسرا، أما الدين فلم يَعُدْ إطارًا جامعًا للوَحْدة السياسية بعد أن صار علاقة فردية خاصة بفعل التوجهات الحداثية، وحتى الحدود الجغرافية عدّها غير كافية لتفسير التكوين المُعقد للأمم.

حسب رينان، الأمة مفهوم «رُوحي» يقوم على عنصرين:

* الماضي المشترك: تراث يصنع الذاكرة الجماعية التي تتراكم من ذكريات الألم والمعاناة قبل ذكريات القوة والنصر.

* الحاضر المشترك: الإرادة الفعلية لمواصلة هذا الإرث المشترك، واستمرار العيش معًا. فالانتماء ليس معطًى ثابتًا مضمونًا بفعل العرق أو اللُّغة أو الدين، بل اختيار واعٍ متجدد من الفرد.

يتحدث رينان عن «استفتاء يومي» على بقائه داخل الجماعة. لا ينفي رينان مركزية المشترك التاريخي في بِناء الهُوية القومية، لكن هذه المركزية تتراجع أمام فكرة الإرادة الجماعية التي تمثلها الدولة. الهُوية مفهوم إرادي متجدد يمكن أن يُعاد تكوينه، وليست حالة قدرية منتهية. وهو مفهوم تعددي يقبل تنوع الروافد، ولا يقوم بالضرورة على جوهر أحادي نافي.

بهذا الطرح الذي يحمل نَفَسًا من التنوير الفرنسي الكلاسيكي، كان رينان يُعبّر عن رُوح الفكر الحداثي، ويمهد الطريق أمام التوجهات ما بعد الحداثية، التي ستنطلق من منتصف القرن العشرين، لتُعيد صياغة الهُوية لتكون مفهومًا متحركًا وسيَّالًا، كسيولة المعنى في وعي الإنسان المعاصر.

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى عدد من الأطروحات المُهمة التي تستحق النقاش، منها:

— زيجموند باومان: يتحدث عن «الهُوية السائلة» Liquid Identity في إطار المقارنة بين حداثة القرن التاسع عشر الصلبة (مؤسسات ثابتة، طبقات اجتماعية واضحة، هُوية وطنية محددة) وحداثة القرن العشرين السائلة. في الحداثة السائلة «لم تَعُدْ الهُوية شيئًا تملكه، بل مشروعٌ عليك أن تَبْنيه، وتُعيد بناءه من جديد بلا توقف». يربط باومان بين «قلق» السيولة وتصاعد خطاب «الهُويات القومية المتصلبة (الشعبوية)»: حين يصبح كل شيء سائلاً غير مضمون، يلجأ المتعصبون إلى هُويات جماعية صلبة قد تكون وهمية (عرقية، دينية) توحي بالثبات المفقود؛ باومان يستحضر هنا صعود اليمين المتطرف في أوروبا، لكن فكرته تصلح تفسيرًا للخطابات الدينية المتطرفة في الشرق العربي.

— أمارتيا صن: يناقش مخاطر الهُوية الأحادية في دراسته «الهُوية والعنف: وهم القدر» «Identity and Violence: The Illusion of Destiny»:

فكرة صن هي أن الهُوية الأحادية وهم، وسبب رئيس للعنف الديني والحروق الطائفية الحديثة؛ كل إنسان عنده بالفعل انتماءات متعددة في الوقت ذاته: أب/أم، عضو نقابة، ابن منطقة بعينها، مواطن، معتنق دين، منتمٍ إلى حزب أو تيار سياسي. العنف يبدأ حين تقوم جهة سياسية (دينية أو قومية) باختزال هذه التعددية إلى هُوية واحدة مُهيمنة، وتوجيه المجتمع إليها جبرًا أو بالشحن العاطفي. فالعنف كما يشرح صن «لا ينتج عن وجود هُويات متعددة، بل عن تقليص التعدد إلى واحد، ثم التلاعب بذلك الواحد وتحويله إلى سلاح».

وجَّه صن هجومًا مباشرًا لصمويل هنتنجتون في نظريته عن «صدام الحضارات» بوصفها نظرية أحادية جامدة، لا تصف الواقع، بل تُسهم في صناعته وتكريس طابعه العنيف؛ عندما تصنف مليارات البشر بتنوعهم الهائل ضمن ست مجموعات حضارية «متصارعة»، فهذا يشجع السياسيين على استغلاله لشحن الجماهير على أساس حضاري/ديني/طائفي واحد، متجاهلاً الهُويات الأخرى (الطبقية/المهنية/الفكرية). ويضربُ مثالاً لهذا النوع من التصنيف الاستشراقي: «تسمية مليار ونصف إنسان متنوعين لغويًّا وعرقيًّا وسياسيًّا «بالمسلمين»، فقط كأنهم كتلة واحدة». هنتنجتون هنا يَصْدُر عن طريقة التفكير الديني الأصولي المتطرف نفسها.

يتبع

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete