تكوين
-1-
في كتابه “خمس مقالات عن العربية” يُشير أشعيا برلين إلى “ما يزيد على مئتي معنى سجلها مؤرخو الأفكار لهذه الكلمة المتلونة… فهي مثل السعادة والخير والطبيعة والحقيقة، مصطلح شديد المسامية لا يمكنه سوى مقاومة تأويل ضئيل”. ويلفت برلين إلى أن “مسألةَ الإرادة الحرة، وهي قديمةٌ قِدَم الرواقيين على أقل تقدير، شغلت الناس العاديين والفلاسفة المتخصصين في آن، والنقاشات القروسطية والحديثة، ورغم إنجازها لتحليل أفضل لجملة المفاهيم المرتبطة بها، لم تقدمْ لنا أي حل حاسم. البعض يبدو حائرًا بطريقة طبيعية حيالها، فيما يراهُ آخرون أن مثل هذا التعقيد محض ارتباك وقتي سيزيله حل فلسفي فعال”.
على المستوى النظري، يستطيع الفكر أنْ يأملَ في حل حاسم عن طريق الفلسفة لمشكل الحرية، لكنْ على مستوى الواقع، لا معنى للحديث عن مثل هذا الحل، لأن المشكلَ ناتجٌ من طبيعة الاجتماع ذاته. أعني من التناقض الدائم بين نزوعات الذات الفردية والحتميات الطبيعية (قوانين الفيزياء والبيولوجيا)، والحتميات الاجتماعية (نزوعات الذوات الفردية المعاكسة، وإكراهات الأطر الجماعية القابضة: العائلة/العشيرة/القبيلة/الدولة/الكنيسة/الفقه، التي تَقمع إرادة الفرد بآليات السلطة الشمولية المعروفة: العادات/التقاليد/العرف/القانون، أو بأدوات القهر المادي الصريح.
عبر تاريخ الفلسفة -وهو مشكلٌ موروث من المثالية اليونانية– يجري الخلط بين الفكر والواقع: ينزع الفكر إلى التجريد، وينطلق من فرضية الوَحْدة والتناغم، وهي فرضيةٌ غيرُ موجودةٍ في الواقع، الذي يتسع بالفعل لموجودات متعارضة وقابلة للتجاور. عند الفكر يعني حل المشكل الوصول إلى صيغة مقبولة في الذهن لرفع التناقض بين إرادة الذات والحتميات المضادة. لكن الوصولَ إلى هذه الصيغة لا يؤدي إلى تغيير الواقع، الذي يسعى عمليًّا لا في “رفع” التناقض، بل “إدارة” مفرداته لتحقيق التوازن بين الموجودات المتعارضة. يلزم الإقرار بأن الواقعَ ليس منطقيًّا، أو بأن له منطقَهُ الخاص الذي لا يتماهى مع التقليد المثالي اليوناني.
2-
عند الفكر الحداثي: يكمن لب المشكل في تناقض الذات مع أطر السلطة الاجتماعية القابضة، وليس في تناقض الذات مع الحتميات الطبيعية، لأن الأولَ يتعلق بالقدرة على الاختيار داخل الممكن، فيما الثاني يتعلق بضرورات الفيزياء والبيولوجيا، التي تسبق فعل الاختيار داخل الوعي وتسحبه خارج إطار الممكن، (لا تستطيع الإرادة تجاوز قانون الجاذبية، أو تغيير نظام التنفس في الجسد البشري). ومع ذلك يجري الحديث عن “ضرورة اجتماعية” تتشابه من جهة اضطراد النتائج مع الضرورة الطبيعية؛ فالظروف الاقتصادية، أو بيئة التكوين النفسي والثقافي، وحمولة الانتماء الطبقي، تنطوي على نوع من “الحتمية الناعمة“، فهي توجه مسارَ الفرد منذ البداية، وتعمل عقباتٍ تحتيةً أمام إرادة التغيير، لكنها على كل حال، تبقى أقل حتمية من ضرورات الطبيعة، ومن ثم قابلة للتجاوز جزئيًّا (تتضاءل فرص التجاوز عمليًّا من وجهة النظر الماركسية).
داخل الفكر الحداثي، تحظى الحريةُ بموقع “مركزي” يعكس موقع الإنسان/الفرد في معادلة الوجود، وليس بوصفه مفهومًا “ثانويًا” يرتبط بمبحث الأخلاق كما تناولته غالبًا الفلسفة اليونانية. وليس -أيضًا- بوصفه مفهومًا “ميتافيزيقيًا” يقابل بين “قدرة” الإنسان والقدرة الإلهية الغيبية، كما تناولته التيولوجيا الكتابية تحت عنوان الجبر والاختيار، وهي في جوهرها مقابلة بين الذات الفردية وحتميات الطبيعة. عمليًّا، وبفعل الحداثة، جرى استحضار المعنى الإنساني مقابل اللاهوتي، وتصعيد سلطة الذات الفردية مقابل أطر السلطة الجمعية خصوصًا الدولة والكهنوت، وصار مُشكلُ الحرية يطرح -بالأساس- تحت عنوان الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، أي بوصفه نقيضًا موضوعيًا للأوتوقراطية والثيوقراطية.
-3-
نقطة التوتر
يفترض الدينُ وجودَ حقيقة مطلقة، وأوامرَ إلهية توجّه الإرادة، فهو سلطةٌ تشريعية ملزمة، تعتمد معيارًا “خارجيًّا” للفعل الإنساني، فيما تفترض الحداثةُ أن الحقيقةَ مفهومٌ بشري نسبي، وأن الإنسانَ هو مصدرُ التشريع نفسه، وفقًا لمعاييره الذاتية وأولها العقل، ومن هنا يبدو الصدام ضروريًّا بين نزوعات الإرادة وسلطة الدين خصوصًا في صياغاته الإبراهيمية التوحيدية الذي تتسع فيه مساحة التشريع: بوصفها سلوكًا غريزيًا تنزع الإرادةُ إلى التفلت من أي قيد خارجي، وتمارس عمليًّا خرق التكاليف التشريعية، وهو ما يعرف دينيًّا بالمعصية، فيما يقرأه الفكر الحداثي قراءةَ صدامٍ طبیعي بين نزوعات الذات وقيود مفروضة عليها من خارجها.
وَفْق الأنثروبولوجيا الوضعية، يصعب الحديث عن وجود “وعي فردي” سابق ومستقل عن الجماعة. منذ البداية أدت حالةُ الاجتماع الطبيعي المبكرة إلى ذوبان الفرد في كِيانات جماعية بغريزة الاحتماء من خطر الطبيعة.
تدريجيًّا، أخذ الوعيُ الفردي يَظْهَرُ مع تفاقم التطور تجاه السيطرة على الطبيعة، ومع ذلك ظلت كِياناتُ السلطة الجماعية (العائلة/العشيرة/القبيلة/الدولة) تقبض على وعي الفرد، خصوصًا بعد تكريس سلطة الدين ليكون إطارًا مهيمنًا على هذه الكِيانات الجماعية.
تاريخيًّا، لم يَظْهَرْ التأثيرُ القابض للدين على الوعي الفردي ظهورًا حادًا قبل تبلور النسق التوحيدي، الذي بدأ مع اليهودية، وأدى إلى تطوير جوهري في بِنية الدين باستحداث فكرة الحصرية وفكرة الشريعة: طوال المراحل السابقة على اليهودية لم يؤدِ التدينُ إلى نفي التعددية، وجرى الإقرار على نحو متبادل بحق الجماعات والشعوب في عبادة الآلهة أو الإله الذي تسميه، وبهامش جزئي للأفراد داخل الجماعة في اختيار إله من بين الآلهة المتعددة، أو التعبير عن عبادته بطريقته الخاصة. وبوجه عام، لم يوضعْ التفكيرُ الفردي مقابل رؤية أحادية للدين، على نطاق واسع، أعني مقارنة بما سيواجه هذا التفكير بعد انتشار الحصرية الكتابية.
وباستحداث فكرة الشريعة الإلهية، أُمِّمَ “القانون” لحساب الدين، ومن ثم تعميق التداخل بين الدين وسلطة الدولة تعميقًا نهائيًا. كان تديينُ الشريعة يعني:
- 1- توسيع مساحة السلطة التكليفية التي تحظى بحماية الدولة، وتعمل إلى جانب العرف عملَ كوابحَ تقليديةٍ لحركة النزوع الفردي.
- 2 – تشديد الطبيعة “الزجرية” لسلطة القانون عبر تصعيده إلى موقع المقدس الإلهي، الأمر الذي يؤدي من الزاويتين إلى مضاعفة فرص التناقض بين النزوع الفردي والنظام الاجتماعي.
والمعنى هو أن قابلياتِ التناقض بين النزوع الفردي والدين تتناقص بقدر ما يتخفف الدين من حمولته التشريعية السياسية، أي بقدر ما يتخلص من فكرة حكم المجتمع عبر لوائح تفصيلية منسوبة إلى الله، فيما هي في الواقع منتجٌ بشري اجتماعي صنعه الكهنوت، وتكرس تاريخيًّا بفعل التحالف الطويل مع سلطة الدولة. ويمكن القولُ بأن فكرةَ “الدين الفردي” تبدو أقل تعارضًا مع طبيعة الإرادة، لأنها فكرةٌ اختيارية، أي نابعة من داخل الذات، خلافًا لفكرة “الدين الجماعي” بما هي نظامٌ تكليفي مفروض من خارج الذات.
-4-
الحداثة المبكرة: الدولة -الدين- الفرد
تكوَّن الفكر الحداثي المُبكر على وقع الصدام العنيف الذي شهدته أوروبا منذ أواخر العصور الوسطى. اشتعل الصراعُ بين الكنيسة وأنماط السلطة المحلية التي تفككت عنها الامبراطورية الرومانية المقدسة، وأدى إلى خلق حالة مزمنة من التوتر السياسي الديني. في القرن السابع عشر توسعت المعارك الدموية بين الكاثوليك والبروتستانت، وأسفرت عن مجازر جماعية بلغت ذروتها في حرب الثلاثين عامًا، وفي إنجلترا نشبت الحرب الأهلية في ظل صراع سياسي ديني واسع بين الملك والبرلمان، وبدا واضحًا أن لُبَّ المشكلِ يَكْمُن في تفاقم الدين السياسي من جهة، وتغول الحكم الفردي من جهة ثانية، إذ صار الإنسانُ الفرد ضحيةً لقمع مزدوج من الكهنوت والدولة. وفي هذا السياق تبلور الإطارُ النظري لمشكل الحرية: الإرادة الفردية مقابل سلطة الدين وسلطة الملك. كيف يمكن حل هذا التناقض الثلاثي؟
في هذا المناخ المشبع بالفوضى والتفكك الاجتماعي، سيقدم توماس هوبز (ت 679) حله للمشكل على حساب الدين والإرادة الفردية معًا، أي لحساب الدولة صاحبة السيادة المطلقة. عند هوبز: الحرية هي الحالةُ الطبيعية للإنسان، أي الحالةُ البدائية التي لم تُهَذَّبْ بضوابط الاجتماع المنظم. هذه الحالة خطرة لأنها تؤدي إلى صراع دائم بين الإرادات المتعارضة. ومن ثم إلى خوف متبادل وفوضى شاملة، وهو ما يُسميه “حرب الكل مع الكل”، والحل هو تنازلُ الأفراد عن جزء من الحرية لصالح سلطة كلية مطلقة هي سلطةُ الدولة.
ووفق هوبز، الدين هو أخطرُ مصدرٍ للفوضى، لأن الكهنوتَ يَنْزَعُ إلى المنافسة على السلطة، ولأن كلَ جماعةٍ دينية تدعى امتلاك الحقيقة الإلهية. وهو لا يدعو إلى نفي الدين، بل إلى إخضاعه كُليًّا لسلطة الدولة، فالحاكم هو من يُحدد العقيدة الرسمية للمجتمع، ولا ضرورة لوجود مؤسسة دينية مستقلة.
نظريًّا، يُحرر هوبز الإرادة الفردية من سلطة الدين، لكنه يُكرس قمعها بسلطة الدولة، فلا يجوز للفرد معارضة الحاكم، والمساحة المتاحة للحرية هي: ما لم يَحْظره القانون. وواضح أنه لا يعالج الحرية بوصفها حقًا سياسيًا قانونيًا، بل بوصفها صلاحيةً طبيعية فَجَّةً، يمكنُ التنازلُ عنها من أجل حاجة إنسانية أهم هي “الأمن” الذي لا يتحقق إلا بُسلطة مطلقة تضبط السياسي والديني معًا. ودون هذه السلطة لا معنى للحديث أصلاً عن الحرية التي ستضيع في حرب الكل مع الكل.
أين المعنى الحداثي في طرح هوبز؟
رغم توجهه الأوتوقراطي الصريح، دفع هوبز بالفكر السياسي خُطوة واسعة تجاه الحداثة، عندما أعلن عن تنحية اللاهوت وأسس لفكرة “السيادة العلمانية”، فبدلاً من الشرعية الإلهية المتنازع عليها، تظهر فكرة الشرعية البشرية التي تقوم على العقد الاجتماعي. لم يَعُد الدين يُهيمن على السياسة، بل يجري احتواؤه داخل آليات الدولة.
هوبز -الذي كان يفكر تحت ضغط الحرب الأهلية، ويتوجس من تفكك الدولة وانهيار المجتمع- نظر إلى الدين نظرةَ خطرٍ سياسي، وكذلك إلى الإرادة الفردية، ولذلك لم يَكُنْ الشاغل هو تحريرُ الإنسان، بل ترويضُهُ داخل دولة قوية.
لكن حركةَ التطور ظلت تدفع بالفكر السياسي إلى تصعيد المعنى البشري الليبرالي، لا في مواجهة الدين فحسب، ولكنْ في مواجهة الدولة بوصفها سلطةً قابضة، ولم يَعُدْ السؤالُ يتعلق بأولوية الأمن على الحرية، بل كيف يُمكن تحقيق الأمن والحرية معًا، أو كيف يُمكن ضمان الحرية في ظل دولة قانونية قوية؟ ومن هنا ستظهر أطرُوحات الفكر التنويري المبكرة التي قدمها: لوك، وسبينوزا، وروسو، وكانط، وهي تنتصر للإرادة الفردية والإرادة العامة على حساب التسلط الديني، مع التأسيس لـ “ليبرالية” قانونية متوازنة تخفف من تسلط الدولة.
لاحقًا، سيواصل الفكر الحداثي دورة التطور، وستظهر أطرُوحة كارل ماركس، التي أعادت النقاش بشأن فكرة الليبرالية الكلاسيكية بوصفها حريةً صوريةً تُخفي حالة قهر اقتصادي واجتماعي، أي بوصفها عائقًا فعليًّا أمام الحرية الحقيقية.
لكن الفكرَ الحداثي سينقلب على نفسه كُليًّا منذ أواخر القرن التاسع عشر، بدءًا من نيتشه، الذي مَهَّدَ الطريقَ أمام “تيارات ما بعد الحداثة”، کي تُعيد النظر في طريقة التفكير في مشكل الحرية وعلاقة الذات بالدين والسلطة السياسية.
-5-
نموذج جون لوك: الحرية حق قانوني
يتفق لوك مع هوبز في كون الحرية حالة طبيعية، لكنّ ذلك لا يعني أن الإنسانَ الحر متوحش بالضرورة، بل كائنٌ عاقل يمكن الوثوق بوعية المتطور (تجاوز لحظة الغريزة البدائية). ولذلك فالحرية ليست مجرد الاندفاع الطائش للنزوعات الفردية، بل يُمكن تقديمها لتكون حقًا قانونيًا متبادلًا يحتاج إلى تنظيم بواسطة السلطة. وظيفة الدولة لم تَعُدْ فقط تحقيق الأمن، وإنما حماية الحقوق الأساسية للأفراد، وهي الحق في الحياة، والحرية، والملكية. لا ينكر لوك أهمية الدور الذي تلعبه الدولة بوصفها حارسةً للأمن، لكنه يرفض أنْ يكونَ الثمنُ هو الاستبدادُ. السلطة ضرورية، لكنها ليست مطلقة، بل مقيدةٌ بالدستور والأخلاق الكلية، وبقاؤها مشروط برضا المحكومين.
يتفق لوك -أيضًا- مع هوبز في كون الدولة ليست إلهية. بل معطًى بشريٌ يقوم على فكرة الاتفاق الضمني أو “العقد الاجتماعي”، ولذلك إذا انتهكت الدولة حقوق الأفراد المسند إليها حمايتها بمقتضى العقد، يجوز التمرد أو الثورة عليها، خلافًا لهوبز، الذي يرى في ذلك عودة إلى الفوضى وانهيارًا للأمن.
ومقارنة بهوبز -الذي يرى الدينَ تهديدًا للسيادة، ويوجب إخضاعه كليًّا للدولة- يُبدي لوك موقفًا أقل تشددًا، فيمكن للدين أنْ يحضر حضورَ شأنٍ فردي، ويمكن للكنيسة أن تبقى بوصفها مؤسسةً، بشرط التقيد بالحدود الرُوحية بعيدًا عن السياسة. لا يؤيد لوك طرح هوبز لقيام الدولة بدور ديني بديل عن الكنيسة، بل يدعو إلى فصل وظيفي واضح بين المؤسستين، فتختص الدولة بالسياسة، والكنيسة بالغرض الرُوحي الخلاصي.
وفي هذا السياق يروج لوك لتحييد الدولة حيال الدين، فعليها أنْ تحمي جميع العقائد والمذاهب، وفي كتابه المعروف “رسالة في التسامح”، يضع لوك تأسيسًا مبكرًا لحرية العقيدة، التي ستصبح واحدًا من أُسُسِ الدولة الحديثة، وذلك بالتأكيد على نقاط ثلاث:
- 1 – الإيمان عملية اختيارية لا تفرض بالقوة.
- 2- الكنيسة مؤسسة طوعية يحدثُ الانتماء إليها باختيار الأفراد.
- 3- التعددية الدينية مقبولة عمومًا ما دامت لا تُهدد النظام العام، أي بشرط ألا يؤدي وجود الجماعة إلى ممارسة العنف، أو الولاء لطرف أجنبي خارج الدولة.
ومع ذلك، لم يكنْ موقفُ لوك تسامحيًّا بالمعنى الليبرالي الحداثي المعروف، بل ظل جزئيًّا ومشروطًا بسبب الاستثناءات التي وضعها على قاعدة التعددية، فقد رفض الإقرار بحرية اللا دينيين بحجة أن الملحدين لا يُمكن الوثوق بعهودهم، وظل يشك في ولاء الكاثوليك بسبب تبعيتهم الأصلية للبابا في روما.
الفارق واضح بين سياق هوبز، الذي كان يُفكر تحت ضغط الحرب الأهلية والصراع الديني، مدفوعًا بهاجس الخوف من الفوضى، وسياق لوك الذي كان يُقَدِّمُ طرحَهُ في مناخ أهدأ، بعد انتهاء حرب الثلاثين عامًا، وتراجع حدة الصدام بين الكاثوليك والبروتستانت، وفي أجواء الثورة الإنجليزية “المجيدة” التي صعَّدت فكرة الإرادة العامة.
والسؤال الآن: هو كيف يُمكن إسقاط الطرحين على الواقع المحلي الإسلامي الراهن؟
-6-
المشهد مُعقد إلى حد كبير؛ فمن زاوية: يبدو وكأننا حيال لحظة هوبزية بامتياز، يتفاقم فيها الهاجس من انهيار الدولة وانتشار الفوضى وضياع الأمن. ورغم عدم وجود كنيسة رسمية، تخضع الثقافة لهيمنة لاهوتية واسعة تحكم السياسة، وتوجه حركة الصراعات الطائفية والإثنية المزمنة في المنطقة. وفيما يتصاعد حضور التنظيمات والجماعات المسلحة ذات التوجه الأصولي، تشهد المنطقةُ سقوطَ عدد من الأنظمة، وتفكك بعض الدول لتتحول إلى ساحة حرب واسعة تحت عناوين دينية بالأساس. في هذا السياق، يصعد “الأمن” ليكون أولويةً ضرورية، وتصبح فكرةُ الدولة -محض وجود الدولة في ذاته- هدفًا أساسيًّا، ويبدو الحديث عن الحريات الفردية والإرادة العامة ترفًا ثقافيًّا يقبل التأجيل.
لكنْ من زاوية مقابلة، يظهر السؤالُ عن الشوط الذي قطعته المنطقة تجاه الحداثة عبر القرنين الماضيين، وأسفر بالفعل عن تحول ثقافي واجتماعي جزئي، يتمثل أساسًا في نموذج الدولة المدنية بإطارها الدستوري الذي يقوم على المواطنة والقانون. إلى أي مدى نجح هذا الشوط في تجاوز نموذج هوبز (دولة الأمن) إلى نموذج لوك (دولة الحقوق القانونية)، علمًا بأن هذا النموذجَ الأخير لا يُمَثِّلُ ذروةَ الحداثة السياسية؟
المشكل هنا، أن التحولَ لم يكتمل كُليًا، لا على مستوى الدولة (التي ظلت تجمع بين قيم الدستور المدني وآليات الحكم الديني الموروثة من الفقه)، ولا على مستوى المجتمع الذي صار يجمع أفقيًّا بين ثقافة التراث وعناصر من ثقافة الحداثة). ظل الدينُ حاضرًا في صلب الثقافة والسياسة بعد أنْ تحولَ إلى جزء من الهُوية الجماعية، ومن شرعية الدولة الحديثة ذاتها. ولذلك، فرغم الانزياح الجزئي عن لحظة هوبز، لم تدخل المنطقة في لحظة لوك (فصل الدين عن السياسة). إذ بقي السؤال مطرُوحا كالآتي: هل يمكن فعلاً فصل السياسة عن الدين، وخصوصًا الإسلام الذي ينزع ببِنيته الفقهية إلى تملك القانون وتوجيه الدولة؟ كيف يمكن في مواجهة العقل الديني الرسمي والأصولي، تكريس فكرة التخلي عن الشريعة، والترويج لفكرة أن الدينَ شأنٌ فردي اختياري، وأن حريةَ العقيدة والفكرَ واقعةٌ طبيعية تحظى بحماية القانون؟
يتبع