مراجعات تاريخية: مشروع النهضة المصرية.. جدل الحداثة والإسلام الأصولي..الجزء الرابع

 تكوين

الإصلاح التوفيقي : نموذج محمد عبده

– 1 –

بامتداد القرن التاسع عشر، ومع تواصل عملية “التحديث”، بدا واضحًا أن النظام التراثي السائد يواجه أزمة حقيقية: عمليًّا، تم اختراقه بسهولة بالغة من جانبه السياسي لحساب صيغة ناشئة من صيغ “الدولة المدنية”، وعلى المستوى النظري بدأت الأسئلة تُطرح حول بنيته التاريخية “الدينية”: مسئوليتها عن حالة التخلف الاقتصادي والاجتماعي المزمنة، وعجزها عن مواكبة الحاجات الفردية والمجتمعية الجديدة.

بوصفه الممثل الرمزي الأول للنظام التراثي، بقي الأزهر على رأس القوى التقليدية الرافضة للحداثة، لكنه لم يعبر عن رفضه بمشروع فكري أو فقهي جديد مقابل للمشروع الحداثي، بل ظل يمارس موقف المعارضة الصامتة، ويحافظ على حالة الجمود المنهجي الموروثة، وإنتاج أجيال من الحفاظ الفاقدين للحاسة النقدية. وبشكل ضمني تحول إلى حارس وحاضن للثقافة “الفقهية” الغالبة، التي اعتبرها بمثابة “هوية” نهائية جامعة “للأمة”/ المجتمع، موقف قريب من موقف الكنيسة الكاثوليكية في المجتمعات التي دخلتها الحداثة قسرًا بقرار الدولة. فكما يشرح دافيد مارتن في كتابه حول العلمانية؛ فقدت المؤسسة الدينية ألقها السياسي والإداري، لكنها اكتسبت وظيفة جديدة كرمز ومركز للمقاومة الثقافية. (راجع دراسة مارتن المرجعية حول التحديث العلماني، وتجلياته المتعددة بتعدد السياقات السياسية والثقافية: 1978 ,A General Theory of Secularization).

– 2 –

في هذا الإطار تظهر أهمية المشروع الإصلاحي الذي طرحه محمد عبده، فهو ليس مجرد مشروع مضاد لرؤية الأزهر، بل يعتبره، ببنيته المنهجية البالية ودوره الثقافي الواسع، جزءًا من مشكل التخلف ذاته، ولذلك كان الجانب العملي من المشروع ينصب بالأساس على مؤسسة الأزهر ونظامه التعليمي المتحجر. أما على المستوى النظري فكان المشروع نقيضًا مباشرًا للفكر الأزهري الذي يتوجس من العقل، ويرفض الاجتهاد والتأويل، وبشكل خاص، كانت ردود الفعل المناهضة لمشروع عبده تصدر عن الأزهر، سواء على مستوى المؤسسة أو أفراد الفقهاء.

كوَّن محمد عبده مشروعه الإصلاحي تطويرًا لأفكار الأفغاني التي تجمع بين مناهضة الغرب السياسي والإعجاب المضمر بآلياته الحداثية. وخلافًا للأفغاني، لم تمثل السياسة صلب المشروع الذي اشتغل عليه محمد عبده، ولم ينصب اهتمامه على فكرة الاستعمار الأجنبي كسبب للتخلف، بل على فكرة الخلل الذاتي الكامن في التراث والبنية المؤسسية التي تمثله. لكن -كالأفغاني- اعتبر محمد عبده أن خلل التراث لا يكمن في الإسلام كدين، بل في جمود الفقه الذي أغلق باب الاجتهاد، وحبس الإسلام في مشاغل العصور الوسطى. العقل الذي تحتفل به الحداثة ليس اختراعًا غربيًّا، بل إرث إنساني عام أسهم المسلمون في تكوينه من قبل، وليس ثمة تناقض بينه وبين الإسلام الصحيح إذا تحرر من وصاية الفقهاء، وبنوع من الجهد التأويلي يمكن إعادة تمكين الحداثة تحت عناوين إسلامية.

– 3 –

يقوم مشروع محمد عبده على شقين مترابطين: الأول نظري يهدف إلى إصلاح “الفقه”، والثاني عملي يشتغل على إصلاح الأزهر. الفكرة النظرية هنا هي إعادة فتح باب الاجتهاد، بحيث يمكن الرجوع مباشرة إلى المصادر الأصلية (القرآن/السنة الصحيحة) والتعاطي معها بمنطق المصلحة والمقاصد، أي بمنطق الحاجة الاجتماعية الحاضرة. وفي هذا السياق يجوز الاستعارة من الحداثة بما لا يناقض الأصول، ودون إحساس بأي عقدة حيال الغرب؛ يمكن نقل التقنية والمنهج التجريبي مع الحفاظ على الروح والهوية (هذا الجمع سيصبح موضع تأويل في القراءات النقدية اللاحقة).

وعلى المستوى العملي، يدرك عبده أن الأزهر -بما هو المؤسسة التي لا تزال تهيمن على الثقافة- يحتاج إلى تجديد بنيوي، ومن هنا تأتي محاولاته لإصلاحه من الداخل، عن طريق المناهج الحديثة في العلوم، والرياضيات، والجغرافيا، والفلسفة، والمنطق، فضلاً عن التطوير المنهجي في أصول الفقه ذاته.

ورغم أنه كان يقدم طرحه الإصلاحي من الداخل، أي من موقعه كمسؤول في إدارة الأزهر، ثم كمفتي للديار المصرية، فإن مقترحاته وفتاواه، قوبلت بالرفض والمقاومة من قِبل المؤسسة وشيوخها الكبار، الذين شككوا في نواياه، ورفعوا الشكاوى ضده إلى الخديو.

– 4 –

لم يكن محمد عبده مجددًا “تنويريًّا” بالمعنى الفرنسي الفولتيري، ويمكن تشبيهه جزئيًّا بنموذج “مارتن لوثر”؛ فهو يوجه سهام النقد إلى المؤسسة الدينية، لكنه لم يمد خط النقد إلى نهايته، بل ظل يعمل تحت سقف الأصول اللاهوتية والتشريعية الثابتة.

كان ذلك مفهومًا في سياقه الزمني الجغرافي وظروفه الثقافية، وربما بدا كخطوة تقدمية ذات نفس ثوري، لكنه لم يكن كافيًا بمقاييس الوعي الحداثي الطموح. فهذا الوعي يتجاوز سقف الأصول الدينية، ويطرح أسئلته الجديدة لا في مواجهة المؤسسة والفقه الاجتهادي القديم فحسب، بل ينال “النصوص” الثابتة ذاتها، ويعيد النظر في سلطتها الإلزامية المفترضة من حيث المبدأ، ويضعها في مواجهة صدامية مع مبدأي “التطور” و”التعدد” كقانونين أساسيين من قوانين الاجتماع الطبيعي.

لم يدخل محمد عبده في هذه المعركة التي ستفرضها الحداثة لاحقًا على نطاق أوسع، لكنه كان يقر بمأزق النظام التراثي، ويرى الحل لا في هدمه، بل في إصلاحه وتجديده، وإجراء عملية توليف بينه وبين الحداثة.

هذا الموقف التجميعي جعل مشروع محمد عبده قابلاً لإنتاج قراءتين متعارضتين داخل السياق المصري ذاته: قراءة “تنويرية” تحتفل بنقده للجمود، وتبنيه لمشروعية التطور، وتظهر عند تلامذته التجديديين مثل قاسم أمين، وطه حسين، وعلي عبد الرازق. وقراءة “سلفية” تركز على تمسكه بالثوابت، وتبنيه لفكرة الاجتهاد الداخلي، وهي تظهر من خلال تلميذه “المتذبذب” رشيد رضا. بعد وفاة محمد عبده سيُطور رضا موقفًا سلفيًّا رجعيًّا صريحًا، لكنه سيصر على إسناده إلى رؤية عبده الاجتهادية.

الأخطر هو أن هذا الموقف الأخير سيكون هو المحضن الذي سيتولد فيه “التيار الأصولي الإخواني”، وهو الصيغة الأخيرة والمنظمة لرد الفعل التراثي المضاد للحداثة، وهكذا سيكون رضا بمثابة جسر يصل بين حسن البنا ومحمد عبده. وهي نتيجة لا تبدو واضحة تمامًا، لكنها تستحق المزيد من النقاش؛ فالمشروع الإخواني، رغم بنيته الأصولية، يحمل نفسًا تجميعيًّا توفيقيًّا لا يمكن إنكاره.

– 5 –

دراستان نقديتان

الفكرة الجوهرية في مشروع محمد عبده هي أن “التوفيق” بين الحداثة والإسلام ممكن، لكن بشرط ضروري مزدوج: تجديد النظام الأصولي الفقهي، وتجديد المؤسسة الدينية الحارسة له.

إلى أي مدى يمكن تحقيق هذا الشرط عمليًّا؟ وهل يكفي ذلك لحل المشكل، أم أن التغيير اللازم يتجاوز “أصول الفقه” إلى مبادئ أساسية في “أصول الدين” من ناحية، ويحتاج إلى تغييرات هيكلية في الواقع الاقتصادي والاجتماعي من ناحية ثانية؟ هل ثمة تناقض نظري بنيوي بين الإسلام كنظام ديني (حصري ثابت)، والحداثة كنظام علماني (يروج للتعددية والتطور)؟ وفي جميع الأحوال، ألم يكن الطرح التوفيقي لمحمد عبده تعبيرًا طبيعيًّا عن اللحظة الثقافية الاجتماعية الملتبسة التي ظهر فيها، وهي لحظة “نفي” هيجلية بامتياز، حيث القديم لا يزال حاضرًا رغم ضعفه، والجديد لم يهيمن بعد رغم قوة اندفاعه؟

سأعمق النقاش حول هذه الأسئلة عبر الحوار مع دراستين نقديتين جادتين لمشروع محمد عبده؛ الأولى لـ”مالكوم كير” عالم الاجتماع الأمريكي الذي اشتغل على فكرة “الإصلاح الإسلامي” في مصر، والثانية لـ”عبد الله العروي” المفكر الماركسي المغربي، الذي كان يناقش موضوع “الأيديولوجيا العربية المعاصرة”.

– 6 –

مالكوم كير: مشروع عبده والتناقض الأساس

في كتابه “Islamic Reform: The Political and Legal theory of Mohammad Abduh and Rashid Rida, University of California Press, 1966” يناقش كير موقف محمد عبده من التحديث القانوني الذي تم فرضه على حساب الشريعة، وهو كما يشرح كير، موقف يجمع بين الرفض النظري والقبول العملي “لم يؤيد عبده مطلقًا بشكل علني مجموعة القوانين المشتقة من التشريع الفرنسي التي تم تطبيقها في مصر، لكنه -بوصفه المفتي الأكبر- كان يعمل من داخل النظام القانوني الذي خلقته هذه المجموعة، وأصدر الفتاوى التي تسهل المعاملات التجارية المنظمة بها، وأشرف على تدريب جيل من الفقهاء يتوافق مع الثنائية التشريعية كنظام دائم. لقد كان صمته حيال المحاكم المختلفة في حد ذاته نوعًا من الإذعان (115 .Kerr, p)”.

بالنسبة إلى كير -وهذه هي الفكرة المركزية في الكتاب- “كان محمد عبده ورشيد رضا يحاولان حل التناقض الأساسي التالي: كيف تحافظ على دعوى أن القانون الإسلامي إلهي ومن ثم كامل، فيما تقول في الوقت نفسه إنه يجب إصلاحه كي يتماشى مع الظروف الراهنة، هذا التناقض لم يتم حله مطلقًا بشكل كامل، وربما لم يكن ذلك ممكنًا” (1 .Kerr, p).

يرى كير أن محمد عبده طوَّر السؤال السياسي الذي كان يطرحه الأفغاني إلى سؤال فكري فقهي؛ “الأفغاني كان يسأل: كيف يستطيع المسلمون مقاومة الهيمنة الأوروبية؟ ومحمد عبده حول هذا إلى سؤال مختلف: لماذا تتراجع الحضارة الإسلامية، وكيف يمكن إعادة بنائها من الداخل؟ هذا التحول من السياسي إلى الفكري انعكس على مقاربته للقانون” (Kerr, P.103).

وبحسب كير كان محمد عبده يحاول حل مشكل التوفيق بين القانون والشريعة باستخدام مفهوم المصلحة المرسلة، الذي طوره الطوفي فقيه المالكية في القرن الثامن الهجري؛ “المساهمة القانونية الأبرز لمحمد عبده كانت إحياء وتمديد مفهوم المصلحة – المنفعة العامة أو الجدوى الاجتماعية عبر القول بأن أي شيء نافع فعليًّا للمجتمع المسلم يمكن اعتباره مقبولاً بمقتضى الشريعة، خلق فتحة نظرية يمكن من خلالها تقريبًا تمرير أي ترتيبات قانونية حديثة” (108 .Kerr, p).

هذا الحل من وجهة نظر كير يجعل الشريعة تتسع لكل شيء، ويحولها من مصدر للقانون إلى مجرد مصادق عليه؛ “الخطر في مقاربة عبده هي أنها مرنة جدًا؛ إذا كانت المصلحة يمكن أن تبرر أي شيء نافع، فحينئذ لم تعد الشريعة قيدًا على التشريع بل تصبح مجرد خاتم تصديق مطاطي لتمرير أي شيء تراه النخبة الإصلاحية نافعًا. لم يكن هذا إصلاحًا للشريعة من الداخل، بل تذويبًا من الداخل” (Kerr, P.110).

ينتقد كير هذه المرونة الواسعة، ويصفها بأنها “مرونة بلا مبدأ”، فهي غير محكومة بنظرية متسقة، بل بمحض الحاجة العملية التي يجري تحديدها بشكل انتقائي. ولذلك فهي لا تحسم التوتر الأصلي الكامن في مفهوم المصلحة ذاته (المصلحة تعني أن العقل حاكم على الشريعة، في ما الشريعة تقول بأنها التي تحكم العقل).

ويلاحظ كير أن محمد عبده استخدم أيضًا فكرة تقسيم الشريعة إلى قسمين: ثابت ومتغير، لتبرير القانون الوضعي من خلال القسم الثاني؛ “بشكل أوضح من جميع سابقيه، ميز عبده بين فئتين من الأحكام الإسلامية: تلك المتعلقة بالعبادة والتكاليف الدينية الشخصية، وهي محددة وغير قابلة للتغيير، وتلك التي تعالج العلاقات الاجتماعية والتجارية والسياسية، وهي تهدف إلى خدمة الرفاهية الإنسانية، ومن ثم فهي منفتحة على إعادة التفسير. هذا التقسيم لم يكن غريبًا على الفقه الإسلامي، لكن محمد عبده أكد عليه وأعطاه بُعدًا جديدًا، فبإحلال معظم القانون التجاري، وكثير من القانون الجنائي، ومساحات واسعة من القواعد الدستورية داخل الفئة الثانية، ترك المجال بفاعلية للتشريع العلماني، بينما أبقى السلطة الإسلامية على الأحوال الشخصية والممارسات الدينية” (120 ,119 .Kerr, p).

في التقييم النهائي لكير، لم ينجح مشروع محمد عبده التوفيقي، لأنه لم يحسم المشكل المبدئي: من الذي يشرع: الوحي/ النصوص، أم الإنسان/ البرلمان / الفرد؟ ومن الذي يحدد الوحي ويفسر النص، أو من يملك حق الاجتهاد، وبأي معيار؟ محمد عبده قدم حلاً إجماليًّا في فتح باب الاجتهاد، لكنه لم يقدم بيانًا منهجيًّا لممارسة الاجتهاد، وعندما يمارسه عمليًّا يطبقه بشكل انتقائي بحيث يتوقف حين تهدد الثوابت المقدسة، والنتيجة التي يمكن إسنادها إلى كير هي أن المزيج التوفيقي في حد ذاته ينطوي على مشكل نظري غير قابل للحل بسبب التناقض الجوهري بين الشريعة والحداثة.

– 7 –

عبد الله العروي: الحل التوفيقي أيديولوجيا فاشلة

يجمع العروي بين مؤثرات هيجلية وماركسية مع لمحة من مدرسة فرانكفورت، ومن هنا يمكن فهم قراءته النقدية لمشاريع الإصلاح العربية التي تقوم على التوفيق بين التراث الإسلامي والحداثة العلمانية بما في ذلك مشروع محمد عبده.

في أعماله الرئيسية خصوصًا “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” (1967)، كان الإصلاحيون التوفيقيون مثل الطهطاوي، ومحمد عبده، وخير الدين التونسي، يحاولون الجمع بين مفهوم الوحي من التراث الإسلامي، وآليات التقدم من الغرب، دون أن يقفوا بجدية أمام السؤال المبدئي: هل هذا الجمع ممكن بدون توترات جوهرية؟

يناقش العروي النماذج الثلاثة للمثقف العربي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين:

  • 1- رجل الدين التقليدي (أيديولوجيا التراث):

ويمثله الشيخ الأزهري المتحجر، وهو ينظر إلى العالم من خلال منظومة لاهوتية فقهية مغلقة، لا يرى التاريخ ولا حركة التطور، فالحقيقة واضحة ومكتملة في الشريعة والفقه، والمطلوب تطبيقها كما فعل السلف، وليس تجديدها كما يروج الحداثيون.

  • 2_ الليبرالي العربي (أيديولوجيا التحديث) يمثله النخبوي المتغرب الذي يروج لنقل النموذج الأوروبي كما هو: البرلمان، الأحزاب، الصحافة، القانون، التعددية. المشكل أنه يتجاهل أن هذه المؤسسات لم تظهر طفرة، بل تشكلت نتيجة لتحولات اقتصادية واجتماعية هيكلية.
  • 3_ المجدد التوفيقي (أيديولوجيا الإصلاح) ويمثله الأفغاني ومحمد عبده وخير الدين التونسي. وهو نموذج يحاول الجمع بين النموذجين الأوليين؛ يأخذ من الغرب العلم والتنظيم والتقنية، ويحتفظ من الإسلام بالهوية والروح وثوابت الشريعة.

يرى العروي أن هذا الجمع التوفيقي مستحيل بالنظر إلى الاعتبارات الآتية:

  • أولاً: الحداثة ليست مجرد تقنيات آلية، بل منظومة نظرية عملية متكاملة، لا يمكن نقلها جزئيًّا مع الاحتفاظ بنقائضها التراثية. الحداثة تستلزم طريقة في التفكير (منهج العقلانية النقدية/ التجريبية العلمية)، وطريقة في التنظيم الاقتصادي (تجاوز الأنماط الرعوية والريعـية إلى الصناعية الرأسمالية أو الاشتراكية)، وطريقة في إدارة السلطة (القانون الوضعي، والفكرة الوطنية)، وأخيرًا طريقة في فهم التاريخ (جميع النظريات والشرائع نتاج لظروف تاريخية وجغرافية). بالضرورة سيؤدي العلم الحديث والعقلانية النقدية إلى طرح الأسئلة على النصوص الثابتة، وهو ممتنع شرعًا بحكم الفكرة المقدسة.
  • ثانيًا: المنظومة التراثية الإسلامية (الدولة/ الاقتصاد الزراعي التجاري ما قبل الصناعي/ العلاقات الاجتماعية) تكونت في العصر الوسيط، ولذلك حين تتغير هذه الشروط بفعل التطور الحداثي، لا يكفي أن نعيد تفسير التراث بالتأويل، لأن ذلك سيعكس شروطًا لم تعد موجودة في الواقع. المنهج التوفيقي لا يملك أكثر من إعادة تفسير التراث بلغة جديدة، وهو يفترض هنا أن بإمكانه تغيير اللغة مع الإبقاء على المنطق الذي تحمله.
  • ثالثًا: المنهج التوفيقي يميع مشكل التخلف، فهو لا يواجهه بشكل مباشر، بل يؤجل المواجهة مع أسبابه الحقيقية: يروج المصلح التوفيقي لفكرة أن الحداثة ممكنة دون تكلفة فعلية، أي دون قطيعة جذرية مع التراث الذي ينظر إليه كهوية، وهذا الطرح يخدر الوعي بضرورة الحل الجذري، وينتج مجرد تحولات سطحية لا بنيوية. التوفيقية هنا لا تحل المشكل، بل تصبح جزءًا منه.

محمد عبده يقول إن “الإسلام الصحيح متوافق مع العقل والعلم”، وهنا، بحسب العروي، مغالطة؛ فالعبارة تفترض أن الإسلام الصحيح حقيقة موضوعية ثابتة يمكن استخلاصها خارج التاريخ ثم نختبر توافقها مع العقل والعلم. ما الإسلام الصحيح؟ هذا السؤال لا يمكن جوابه إلا عبر تفسير تاريخي معين، وهو تفسير محمد عبده نفسه، وهو يختار من التراث والفقه ما يريد ترويجه، أي أنه ينتج التراث الذي يريده، ويقدمه على أنه اكتشاف للحقيقة الموضوعية الموجودة أصلاً، وهو ما يعتبره العروي “انتقائية غير معترف بها”.

بالنسبة إلى العروي ليس ثمة أفكار خارج التاريخ، لا التراث الإسلامي ولا العقلانية الغربية. والحل يتلخص في القطيعة الواعية مع التراث، لا بمعنى نفيه من الوجود فهذا ممتنع عمليًّا، بل بوضعه في سياقه التاريخي كموضوع للبحث العلمي، لا كمرجعية حاكمة للحاضر. تمامًا كما فعل الغرب مع تراثه المسيحي اليوناني، حين قرأه بشكل نقدي ولم يهمله كليًّا، لكنه لم يتخذه كمرجعية ملزمة مقدسة. لا ينكر العروي صعوبة هذا الطرح، لكنه يؤكد أن الوهم بإمكانية التوفيق أشد ضررًا من مواجهة صعوبة القطيعة.

يتبع

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete