تكوين

ترجمة: إسلام سعد.

 

المُشارِكون في الحوار: البروفيسور جيلبرت رايل Gilbert Ryle، وتحاوره البروفيسورة سوزان هاك Susan Haack، بإدارة الحوار من البروفيسور جودفري فيسي Godfrey Vesey. تاريخ الحوار: 1973. ومدار انشغال الحوار هو كتاب مفهوم العقل The Concept of Mind للبروفيسور جيلبرت رايل، الذي نُشِر لأول مرة في 1949، عن دار نشر هتْشِنْسُون Hutchinson، لندن. ويُعَدّ هذا الكتاب أهم عمل للبروفيسور رايل، كما يُعَدّ من كلاسيكيات الفلسفة في القرن العشرين. وفي نهاية هذا الحوار، تسترجع سوزان هاك، في عام 2021، هذا الحوارَ، وتُعَلِّق عليه بأثرٍ رجعيّ.

فيسي: في 1949 نُشِرَ هذا الكتابُ. وهو من أكثر كتب الفلسفة المنشورة في هذا البلد تأثيرًا، منذ الحرب. وأتحدث عن كتاب “مفهوم العقل The Concept of Mind” للفيلسوف جيلبرت رايل. وفي هذا الكتاب، يَشن البروفيسور رايل هجومًا على ما أسماه بـ “المذهب [الفلسفيّ] المَرْجِعِيّ” في مفهوم العقل. ويقول إن هذا المذهب المعنيّ يأتي بالأساس من ديكارت Descartes.

ما هذا المذهب؟ حسنًا، افترض أننا نسأل “كيف يختلف السلوك العقلانيّ عن مجرد الحركة الجسدية؟”. وَفق المذهب الفلسفي المرجِعِيّ، الاختلاف موجود في شيء يَسْبِق الحركةَ الجسدية أو يصحبها — وهو شيء يتسبب في حدوث الحركة. ويُتَصَوَّر هذا السبب للحركة المعنية بوصفه شيئًا يفعله الإنسانُ على مستوى آخر من الوجود إن جاز التعبير — على مستوى عقليٍّ، أو، بحسب وصف رايل له، مستوى “شَبَحِيّ”. في كتابه مفهوم العقل، يشير رايل إلى الكيفية التي ربما قادت كانط إلى التسليم بهذه الأسباب الشَبَحِيَّة. ولقد رَدَّ جاسندي Gassendi وهوبز Hobbes الإنسانَ إلى وضعية شيءٍ ما تُفَسِّره مبادئُ التسبُّب الميكانيكيّ. لم يستطع ديكارت قبولَ ذلك الأمر، ولم يستطع كذلك الهرب من فكرة احتياجنا إلى نوع ما من التفسير السببيّ. ويصف رايل موقفَ ديكارت الفلسفيّ هكذا.

 

“لقد أخطأ ديكارت في تحديد منطق مشكلته. وبدلًا من سؤاله: ‘ما المعايير التي يتميز بها السلوكُ العقلانيّ بالفعل عن السلوك غير العقلانيّ؟’، كان سؤاله، ‘ما هي المبادئ السببية الأخرى التي تخبرنا بالفرق [بينهما]؟’ — علمًا بأن مبادئ التسبُّب الميكانيكيّ لا تخبرنا بالفرق [بينهما]. أدرك ديكارت أن المشكلة لم تَكُن مشكلة ميكانيكيات، ولذا، افترض لزوم كونها مشكلة نظيرٍ ما للميكانيكيات”.

 

في هذا البرنامج، تسأل سوزان هاك (وهي مُحاضِرَة في جامعة ووريك Warwick) البروفيسور رايل عن بعض مباحثه الرئيسية في كتابه. وكان هذا النقاشُ طويلًا — وهو حال النقاشات الفلسفية في غالب الأحيان — ولقد اخترنا الأجزاءَ الثلاثة المتصلة أوثق اتصال بنظرية التناظر correspondence theory. وتبدأ سوزان هاك بسؤال البروفيسور رايل عما كان يسعى إليه ديكارت.

 

سوزان هاك: لستُ واثقةً تمامًا إذا كنتَ تعتبر أنَّ ديكارت يحاول — أو ربما ينبغي أن نقول ذلك على كلّ الثنائيين بالعموم (وبالفعل، إذا كان ذلك مسعاهم فإنهم، كما تقول، سيفشلون) — التمييزَ بين السلوك العقلانيّ والسلوك غير العقلانيّ باللجوء إلى الأسباب الشَبَحِيَّة؛ والسبب الشَبَحِيّ شيءٌ زائد، بحيث إذا حازه الفعلُ، فإن هذا السبب هو الذي يجعله عقلانيًا، وإذا لم يَحُزْه، يصبح الفعلُ غيرَ عقلانيّ. أم أنك ستقبل أنَّ محاولةَ ديكارت وغيره من الثنائيين (وهذا ما أحسبهم يفعلونه) هي تفسيره — علمًا بأننا أتينا بهذا التمييز مثلهم.

رايل: لا أحسبني سأعير اهتمامًا لهذا الأمر، إذ أرى أن ديكارت، والآخرين في ذلك الوقت، اضطلعا بالمهمتَيْن كلتيهما. وتمثَّلت المهمة الأولى في أنهم أرادوا هزيمة بعض الرَّدِيِّيِن reductionists[1] المُعاصِرين — مثل هوبز وجاسندي — وبذلك فهم يريدون القول بأن في الإنسان ما يزيد على عضلاته وحركاته العضليّة، إلخ بالفعل؛ وماذا أيضًا؟ نعم، تحدَّثوا كذلك عن الأفعال غير العضلية، إلخ. لذا، كان الأمر، في شِقٍّ منه، جزءًا من النزعة التَّوَسُّعِيَّة [أو التضخيمية][2] inflationism تُوَظَّف لإصلاح جزء آخر من نزعة تفريغية [3]deflationism غير مُبَرَّرَة. لكنَّ الأمر كان أيضًا — وهو ما أصبتِ في قوله إلى حدٍّ كبير — أنهم أرادوا تفسيرَ الاختلافات، على سبيل المثال، بين توقيعي شِيكًا أثناء نومي، وهو ما قد أفعله، وتوقيعي إياه لأتنازل عن ثروتي لجمعية خيرية.

 

سوزان هاك: نعم. أرى الآن أنهم كانوا يشرعون، أيضًا، على الأقل، في التفسير، لا مجرد التمييز؛ وهو أمر ظاهر من حقيقة أن ديكارت يتحرَّج، على نحوٍ بَيِّن، من اضطراره إلى تفسير كيفية اعتماد “العقليّ” على “الفيزيائيّ [أو الجسديّ]”.

 

رايل: نعم.

 

سوزان هاك: وإذا لم يَكُن اللجوءُ إلى حقيقة حدوث هذا الحدث العقليّ إلا لتمييز العقلانيّ عن غير العقلانيّ، فلن يَكون سؤالًا كهذا محرِجًا.

 

رايل: لا.

 

سوزان هاك: على الجانب المقابل، إذا كان ذلك لتفسير السلوك العقلانيّ …. [رايل: نعم] … سيصبح الأمر محرِجًا … [رايل: يصبح ذلك محرِجًا، نعم، بالتأكيد].

 

سوزان هاك: بالفعل، يبدو لي الأمر كذلك لأنه محرِج جدًا، وهذه واحدة من أخطر الصعوبات …. [رايل: نعم] … التي تواجه الثنائية dualism. أفترضُ أن الثنائيّ [أي، الفيلسوف المناصِر للثنائية] واقعٌ، بطريقة ما، في معضلة، من جهة لجوئه للتسليم جدلًا بهذه الأحداث العقلية من أجل التفسير. وإذا لم يَقُل إن هذه الأحداث العقلية تتفاعل مع الأحداث الجسدية، يصعب حقًا رؤية الوظيفة التي تضطلع بها هذه الأحداث العقلية. إن هذه الأحداث العقلية مغريَة فحسب، ولماذا نهتم بها؟ ما هي إلا مشكلة. بينما إذا قال بتفاعل هذه الأحداث مع تلك، وهو الأمر الذي يبدو الفيلسوف الثنائيّ مضطرًا إليه، فسيواجهه سؤال “كيف”، وهو سؤال يسبب إحراجًا له بقوة، ودون وجود مبادئ للتفاعل يلجأ إليها من الأساس.

 

رايل: لا. في الواقع، أقصى ديكارت هذه الأحداثَ العقلية بالمصطلحات التي أرسى بها السؤال.

 

فيسي: القول بأن ديكارت أخطأ في تحليل السلوك العقلانيّ يختلف تمامًا عن الحديث عما ينبغي للتحليل الصحيح أن يَكونه. إذا لم يَكُن فعلُ شخصٍ شيئًا ما — على سبيل المثال، التوقيع على شيك أو ركل كرة في المرمى — أن يُفَسَّر بناء على شيء إضافيّ يفعله الشخصُ، شيء يفعله في عقله ليُحْدِثَ حركاتٍ جسدية مُحَدَّدَة، كيف لهذا الفعل أن يُفَسَّر؟ ويرتبط هذا السؤال بسؤال آخر ارتباطًا له دلالته. ما المقصود على وجه الدقة بمصطلح “سلوك behaviour”؟ كان هناك فلاسفة — مثل أ. ج. آير A. J. Ayer — أرادوا تقييدَ “السلوك” بالحركة الجسدية فقط. فهل هذا مُسوّغَ؟ وبعد أن سألَتْه سوزان هاك عن رؤى ديكارت، مَضَتْ هاك قُدُمًا لسؤاله عن رؤاه الخاصة في هذه الأسئلة.

 

سوزان هاك: هل أُمَثِّلُك تمثيلًا صحيحًا إذا قلتُ إنّك تقترح أن كل تلك الجُمَل التي تشير ظاهريًا إلى كيانات عقلية يمكن إعادة صياغتها، أو ينبغي إعادة صياغتها، بحيث يمكننا، ربما، أن نبدأ بعبارة مقوليّة categorical — فيما يبدو — عن حدث عقليّ، وأنه ينبغي علينا ترجمة هذا الشيء، إعادة كتابته في عبارة افتراضية، أو — ربما — شبه-افتراضية، لا تحتوي على أيِّ مصطلحات تشير حتى ظاهريًا إلى كيانات عقلية، بل لا تشير إلا إلى السلوك؟ أهذه طريقة منصِفَة في تمثيلي رأيك؟

 

رايل: أودُّ طرح احترازَيْن هنا. أولهما، في رأيي، أنني لم أوفِّر أنواعًا كافية تمامًا من العمليات البديلة لإعادة الصياغة في الكتاب. وأظن أنني لديّ الآن مخزون أكبر لأتحرك وَفقه. وسآتي بما يتيسر لي من هذا المخزون خلال دقيقة أو دقيقتين. وثاني احتراز يتمثل في هذه الكلمة المزعجة حقًا: “السلوك”. والآن، تُسْتَعْمَل كلمة “السلوك” أحيانًا وَفق أبعد الطرق الممكنة عن الالتزام بالدقة المصطلحية، أي، تُسْتَعْمَل من أجل “الأدنى غير القابل للرَّدِّ” irreducible minimum الذي يمكنه التمييز بين ما يفعله شخصٌ ما وما يفعله شخصٌ غيره؛ الحركات العضلية المحضة، على سبيل المثال، أو تغيُّرات اللون، أو الاختلاجات، وأشياء من هذا القبيل. وتعرفين أنه غالبًا ما نعود مُسْرِعِين إلى استعمال كلمة “سلوك” كما نستعملها اعتياديًا عندما نقول إنَّ إلقاءَ بيضةٍ فاسدة على أمِّك سلوك سيئ، وهذا تصرُّف سيئ، وهذا … ولا تتضجرين على الإطلاق من الحركات العضلية المتصلة بذلك الفعل، بل تتضجرين من الفعل بوصفه فعلَ عقوقٍ يؤذي نَفْسَ الأم. حسنًا، الآن، الأمر الأخير هو الاستعمال الطبيعيّ لكلمة “سلوك”. رغم ذلك، نَما الرواج من استعمال كلمة “سلوك” إشارةً إلى ما يقول السلوكيون [مناصرو النزعة السلوكية Behaviourism] إنهم يؤمنون به فقط.

 

سوزان هاك: بالأحرى، هناك دافعٌ وراء ذلك … [رايل: نعم] …. أعني أنني أوافق على [حدوث] النقلة التعيسة، هذا أمر مؤكد؛ ومُفادها أن الأشخاصَ الذين استعملوا كلمة “سلوك”، وَفق الطريقة التي لا تعيرها اهتمامًا، يميلون إلى الرغبة في جعل ما يتحدثون عنه قابلًا للمُلاحَظَة قدر الإمكان… [رايل: نعم، نعم] … وأن يزيلوا عن هذه الكلمة … [رايل: نعم] … كلَّ العوامل التي قد يُظن أنها غير قابلة للمُلاحَظَة … [رايل: نعم] … بينما، بالطبع، سيعاني ذلك “القابل للملاحظة” بالضبط مما يعاني منه السلوك، على مستوى نطاق [الاستعمال] … [رايل: نعم، نعم] … أعني أنه يوجد معنى بَيِّن أستطيع فيه رؤيتك [بمعنى ملاحَظَتك] راميًا بالبيض على المتحدِث أو ما شابه ذلك … [رايل: نعم] … نعم.

 

رايل: لنأخذ مثالًا ليس بمثال على [ثنائية] الجسد/العقل إلى الآن، لكنه يوازيها بطريقة أو بأخرى، حيث يَكون لدينا ميل إلى القول برغبة بعض الناس في رَدِّ شيءٍ ما إلى شيءٍ آخر، وسيقول بعضٌ آخر إن هذا الرَّدَّ خطأ. وسأتعامل مع المثال الذي ترين فيه الشخصَ الموصوف يسجِّل هدفًا في رياضة كرة القدم. ويقول شخصٌ ما إن تسجيل الهدف في رياضة كرة القدم ليس سوى دَفْع الكرة بقدمك بحيث تدخل الكرة بين قائمين، وهما قائما المرمى. وهذا تعريفُ تسجيلِ هدفٍ بالتمام. ثم يقول شخصٌ آخر … [سوزان هاك: بشرط أنهما ليسا قائمَي مرماك؟ كما يُفْتَرَض] … المعذرة؟ … [سوزان هاك: بشرط أنهما ليسا قائمَي مرماك؟ كما يُفْتَرَض] … حسنًا، كنت سأقول: بشرط ألا يَكون القائمان المعنيان قائمَي مرماكِ، وبشرط ألا تَكون الكرةُ كرةَ تنس الطاولة التي أخرجتيها من جيبكِ، وبشرط أن المباراة قد بدأت ولم تنتهِ ولسنا في فترة استراحة بين شوطَي المباراة في ذلك الوقت، وبشرط أنكِ لم تسيري بتؤدة داخلةً إلى الملعب من ملعب كرة قدم مجاوِر لهذا الملعب لتتدربي على ركل الكرة على الرغم من أن مباراة في الملعب الأخير تُلْعَب في ذلك الوقت، وبشرط أنكِ لم تكوني مُتَسَلِّلَة بحسب قواعد اللعبة، وهكذا تباعًا. حسنًا، إذًا، كما ترين، رَدِّ تسجيلِ هدفٍ إلى مجرد دَفْع الكرة بقدمك أمر يتزايد زيفُه بالأحرى. والآن تسألين، وما هي هذه الأشياء الإضافية المذكورة قبل قليل (بشرط أنكِ لم تكوني مُتَسَلِّلَة، ولسنا في فترة استراحة بين شوطَي المباراة في ذلك الوقت)، فهذه ليست أشياء إضافية يفعلها لاعبُ كرة القدم.

 

سوزان هاك: صحيح.

 

رايل: إنها قيودٌ إضافية على ما يفعله، وبدونها، لم يسجل هدفًا في المرمى. لذلك، كي أكون فظًّا مع ديكارت، وهذه ليست المرة الأولى [التي أكون فيها فظًّا معه]: قد يقول ديكارت، “حسنًا، ليس تسجيلُ الهدف دفعَ كرةٍ بين قائمين فحسب، إنه ذلك بالإضافة إلى فعلِ شيء آخر، لكن، كيف يكون الحال عندما يتحدث ديكارت عن شيء غير عضليّ! ثم يجعله شيئًا روحيًا، وبالطبع، ليس هذا الأمر مفيدًا كذلك. إنه ليس فعلًا إضافيًا مطلوبًا، بل هو قيود إضافية بدونها لن يَكونَ الأمرُ تسجيلَ هدفٍ.

 

سوزان هاك: نعم، بالفعل. أعني أن ذلك سيَكون واضحًا بالمقارنة بنظيرٍ يمثِّل حالةً مختلفة قليلًا. أتصور أن المرء بمقدوره ابتكار آلة حاذقة بما يكفي لتختار اسمَها لنفسها، وسيضطر المرءُ إلى تسميتها في المقام الأول… [رايل: نعم] … وبمقدور هذه الآلة كتابة اسمها. لكن، لن يكونَ بمقدورها فعل شيء … إمممم … مثل التوقيع على وصيتها، ما لم نَقُل قصة سائغة مُعَقَّدَة تعقيدًا زائدًا عن الحَدِّ.

 

رايل: لا لا.

 

سوزان هاك: ولا يرجع ذلك إلى إخفاق الآلة في فعل شيء شَبَحِيّ غامض خاصٍ، بل يرجع، ببساطة، إلى أنها لم تُضَمَّن في سياق سائغ ملائم.

 

رايل: نعم، نعم، بالتأكيد.

 

سوزان هاك: أتصور موقفًا يمكن فيه للآلات أن تحوز ملكيةً ما وتهبها [إلى غيرها] … [رايل: نعم] … وسيّكون ممكنًا للآلات فعل ذلك، أليس كذلك؟

 

رايل: نعم، ويلزم استيفاء هذه الشروط.

 

فيسي: أتسمحان لي بتلخيص هذا الجزء الأخير؟ نفكِّر في توقيعِ وصيةٍ بوصفه شيئًا يفعله أيُّ إنسان، لا بوصفه شيئًا تستطيع آلةٌ فعلَه. والسؤال الآن، لماذا؟ وَفق ديكارت: لأن ذلك الأمرَ يتضمَّن شيئًا شَبَحِيًا غامضًا، وهو شيء خاص بالناس حصريًا. وَفق رايل: لأننا لا نملك اتفاقات [فيما بيننا، نحن بني البشر] تجاه مسألة حيازة الآلات لممتلكات، إلخ. ومَسْلَكُ رايل هنا تفسيرُ ذلك المُتَضَمَّن في فعلٍ شيءٍ ما وَفق طريقة لا تجعلنا في حاجة، بعد الآن، إلى رؤية ديكارت لشيءٍ عقليّ ما يسبق الفعلَ نفسه أو يصحبه. وأحسب ذلك يسري على إحراز الأهداف في المرمى وتوقيع الشيكات، لكن، ألا توجد أشياء لا يسري عليها ذلك الأمرُ؟ فكّروا في التَّخَيُّل على سبيل المثال. نتحدث عن أناس يتخيلون أشياء، لكننا لا نتحدث عن آلات تتخيل أشياء. لماذا؟ ألا يرجع ذلك إلى أن التخيُّلَ هو الرؤية في عين العقل، ولا تستطيع أن ترى شيئًا في عينِ عقلِك إن لم يَكُن لديك عقل — وليس للآلات عقل. بمعنى آخر، يبدو التخيُّلُ، في ظاهره، يلتمس تحليلًا من النوع الذي أورده ديكارت. لذا، من المفهوم أنه ينبغي على سوزان هاك أن تسأل البروفيسور رايل عن كيفية استطاعتنا تفسير التخيُّل [بوصفه سيرورة أو فعاليّة] بطريقة لا تعني التخلّي عن مساحة ما من التفسير [بالمعنى المجازيّ] لصالح ديكارت على الأقل.

 

سوزان هاك: أرى أنه يمكننا ربط ما كنا نتحدث عنه للتَّوِ بسياقات من كتاب مفهوم العقل. على سبيل المثال، ناقشتَ عملية الرؤية أو تكوين الصور الذهنية بشيء من الإسهاب، وإذا أخذنا منك المثال المتعلق بقول شخص ما إنه يرى جبل “هيلفيلين Helvellyn”، نجدك تُقَدِّم تحليلًا لشخص (س) يتخيل أنه يرى جبل “هيلفيلين”…. [رايل: نعم] … وتحليلًا لـ (س) متظاهِرًا أنه يرى جبل “هيلفيلين”، وكلاهما يُصَرِّح الشخصُ بهما وَفق مصطلحات سلوكيّة دقيقة بدرجةٍ ما. وأرى أن الإنسان لا يستطيع مقاومة الشعور بوجود مجموعة أمثلة، بل هناك مجموعة أمثلة أهم لم تَلق نصيبها، بطريقة ما، من الاهتمام كما هو الحال مع الأمثلة الأخرى. وإذا فكَّرنا في التحليل الذي تأتي به — أعرف معنى التظاهُر برؤية جبل “هيلفيلين”، أعنى أننا نمارس المشي الجَبَليّ، وترفع العَلَمَ [في إشارة إلى توقُّفك عن السير]، وأقدِّم لك عرضًا عظيمًا وأقول “ها هو ذا — لم يتبَقَ الكثير كي نصل”، وهذا هو التظاهر برؤيته … [رايل: نعم] … تَخَيُّلي أنني أراه يعني، على الأقل، الاستعدادُ للاعتقاد بذلك. لكنَّ هناك أمثلة للتخيُّل البصريّ visualising حيث لا يؤدي المرءُ أيَّ عرضٍ لأي شخص آخر، ولا يوجد أيّ أحد مُستَعِد بأيّ درجة للاعتقاد بذلك. الآن، بادئ ذي بدء، لديّ إحساس بأن هذه الأمثلةَ لم تحصل على نصيب مُعْتَبَر من اهتمامك. وثانيًا، هناك وقائع عن هذه الأمثلة تُشير إلى أن اللجوء إلى “السيكولوجيّ” قد لا يَكون متصلًا بالمسألة التي نتطرق إليها هنا، عند هذه المرحلة. أعني، على سبيل المثال، إذا كان لي اللجوء إلى تجربة قديمة جدًا مثل التجربة التي أجراها بيركي Perky … دعا بيركي الخاضعين إلى تجربته إلى أن يتخيلوا [بصريًا، في عين عقلهم] شيئًا مُحَدَّدًا في لحظة ما على شاشة مصنوعة من الزجاج الباهت [المُخَشَّن] قُدِّمَت إليهم. وبحسب فهمي للتجربة، بينما كان بيركي يدعوهم ليتخيلوا شيئًا مُحَدَّدًا في وقت إجراء التجربة، كانت هناك صورة معروضة باهتة للغاية للشيء الذي يتخيلونه، وعلى الرغم من أن الخاضعين للتجربة لم يَكونوا على دراية بوجود هذه الصورة بالفعل، كانوا مستعدين للإخبار بأن الشيء المُحَدَّد الذي تخيلوه كان شبيهًا، من جوانب كثيرة، بالصورة التي كانت معروضة.

رايل: آه، نعم.

سوزان هاك: لكنهم إذا دُعُوا إلى تَخَيُّل كتابٍ … [رايل: نعم] … سيُخبِرون، بكل براءة وصدق، أنهم تخيَّلوا كتابًا أزرق … [رايل: نعم] … على الزجاج الباهت. والآن، يقترح ذلك وجود صلة بين “رؤية” شيء ما و”رؤية شيء ما” أكبر مما تَسْمَح أنتَ به، كما يوحي إليَّ بأنه قد يَكون هناك مُتَّسَع لتفسيرٍ إضافيّ.

رايل: آه، حسنًا، من المؤكد أنني سأقول إن النقطةَ التي تُثير الجدلَ الأكبر في ذلك الفصلِ من الكتاب هي تلك المتعلقة … [سوزان هاك: بتكوين الصور الذهنية imaging] … تكوين الصور الذهنية عملية رقيقة [بالمعنى المجازيّ] للغاية، للغاية. لكنّي سأسمح بأن يَكون معنى زيادة سُمْكِ هذه العملية [بالمعنى المجازيّ كذلك، وقصده: إيضاحها أكثر] هو القول التالي: حسنًا، فعليًا، رؤية شيءٍ ما في عين عقلك ورؤية شيء ما بعينَيْك فيهما مُشْتَرَكات أكثر مما افترضتُ، وبالفعل، أن ترى في عين عقلك إنما هو ثلاثة أرباع الرؤية بالعينين، أو نصف الرؤية بالعينين، أو أن تكوني نَشِطَة قليلًا في شبكية العين، أو شيء من هذا القبيل.

سوزان هاك: سيَكون ذلك رؤية على نحو باهتٍ أو في إضاءة خافتة [رايل: المعذرة؟] … سيَكون ذلك رؤية على نحو باهتٍ أو في إضاءة خافتة.

رايل: إنها رؤية باهتة أو رؤية بَدئيَّة أو شيء من هذا القبيل. ولن تَكون رؤية عقلية، أي، رؤية في عينِ عقلِك.

فيسي: ثم تسأل سوزان هاك البروفيسور رايل: إذا لم تَكُن “الرؤية في عين عقلك” رؤية باهتة، فما عساها تَكون؟

 

رايل: حسنًا، لا أملك الجواب النهائي على هذه المسألة. لكنّي أظن أنني أستطيع تدعيم رؤيتي إلى حَدٍّ ما، لكنَّ هذا التدعيمَ لن يكفي لإرضائي فكريًا. من المؤكد أن المرء إذا رأى فجأة وجهَ أمّه في عينِ عقله، أو من المؤكد أن المرء إذا أسْمَع نفسَه نغمةً في رأسه بدون أن يدندنها أو بدون تشغيلها [في الواقع] أو أيّ شيء من هذا القبيل، فإننا نريد القول إنّه يرى كذا وكذا في عين عقله أو يسمع كذا وكذا، إذا أردتِ التعبير عن ذلك، في أذُن عقله، لكن، ليس هناك احتمال لفعله أيّ حركات — حركات كذا وكذا في تظاهُره، ولا في تفاعُله وَفق الطريقة التي يتصرف وَفقها شخصٌ يتخيَّل أنه مريضٌ. إذًا، يبدو أنَّ هناك شيئًا ما يمكن للشخص وصفه وصفًا تامًا ومُحَدَّدًا، لكن، ليس هناك حَشو سلوكيّ يمكن أن يَكون مُعطى. حسنًا، كان لي تطوير فكرة ذكرتها في كتاب مفهوم العقل (لكنّي لا أتذكر ما قلته عنها الآن) إذا لم أكن قد قررتُ، من باب الكسل، تركَ السؤال لآخرين؛ وهي دعوة مني لم يَبْدُ أنهم يسارعون في قبولها. إن المرءَ ميَّالٌ بدرجة كبيرة إلى افتراض أن السلوكَ، إما وَفق المعنى الاصطلاحيّ أو المعنى العاميّ، يتضمن دائمًا حركةً مرئيةً ما أو تَغَيُّرًا جسديًا مرئيًا ما. لكنَّ هذا الافتراضَ يغضّ الطرفَ عن وجود عدد كبير جدًا من الأشياء التي، بمعنى ما، نفعلها وهي سلبية تمامًا؛ على سبيل المثال، الانتظار على رصيف قطار. ما هو الفرق بين شخص (أ) ينتظر القطار على رصيف المحطة وشخص (ب) يقف دون أدنى حركة منه على رصيف القطار حتى يتوقف المطر؟ من المؤكد أننا نريد قولَ شيء كما يلي: أحدهما ينتظر القطارَ، والآخر يتجنب البللَ. وليس ثَمَّ اختلاف عضليّ بينهما لأن الاثنين لا يتحركان نهائيًا. رغم ذلك، نريد بالفعل أن نقول إن هناك شيئًا ما يفعله كلاهما وأن نَصِفَ بالفعل ما يفعلانه وَفق مصطلحات إيجابية. ينتظر أحدُهما القطارَ المُتَّجِه إلى “ريدينج”، بينما يقف الشخص الآخر كيلا يبتل من المطر حتى يتوقف انهمار المطر. وإذا أردتِ أن تسميها كما يلي، هناك أنواع أخرى كثيرة من “اللا-أفعال” مثل الامتناع عن فعلِ شيءٍ ما. بافتراض أنكِ تقولين شيئًا وَقِحًا لي في حفل عشاء، وأميل، إلى حَدٍّ ما، إلى الردِّ عليكِ بمثله في إيجازٍ، ثم أرى أنه من الأفضل بالنسبة إليّ ألا أفعل ذلك — وأقول لنفسي “انتظر حتى ينتهي الحفل”، وبذلك أُمْسِك لساني عن أيِّ قولٍ. الآن إذا أمسكتُ لساني عن أيِّ قولٍ، ليس من الضروريّ وجود أيّ حركة عضلية مرئية، وليس من الضروري وجود أيّ صوت مسموع من جانبي، ورغم ذلك، ليس إمساكُ لساني عن أيِّ قولٍ قابلًا للوصف، ببساطة، بأنه عدم إصدار أيِّ صوت — لا أصْدِر أيَّ صوتٍ مُتَعَمِّدًا، أقصد صوتًا من نوع خاص حقًا، ربما يَكون بمقدوري، بالفعل، ذكره لاحقًا. كنتُ على وشك قول كذا وكذا لكِ. ما أودّ فعلَه هو أن أرى إذا لم يَكُن بمقدوري، بتطوير هذا المفهوم للسلوك الخامل السلبيّ، أن أجدَ مَحَلًا للا-سلوك الذي يتوافق، مثلًا، مع سماعك نغمة تتردد في رأسِكِ، أو رؤية وجه أمّك في عين عقلِكِ. وسواء أكان ذلك المسعى مما يمكن إنجازه أم لا، فهذا أمر لا أعرفه، لكنَّ هذا الأمرَ هو ما أودّ اختباره. وبخلاف ذلك، فالمرء لن يبقى معه، إن جاز التعبير، سوى أَثَر ديكارتيّ [مُقَدَّس]، شيءٌ يبدو عقليًّا وليس له ما يَدْعَمه.

هاك: هل ترى أن اقتراحَ الامتناع [عن فعل شيء ما] ربما يكون من المرجَّح له النجاح في المثال الذي يَبزُغُ فيه وجه أمّك في عين عقلك، بدلًا من المثال الذي فيه، مثلًا، تستدعي هذا الوجهَ [بمعنى استرجاعه أو تَذَكُّره]؟ يستطيع المرء أن يتصور صورة ذهنية لكذا وكذا.

رايل: نعم.

هاك: أو أنَّ وجهَ فلان يمكن أن يَبزُغَ فجأة في عقل المرء؟

رايل: نعم. أظن ذلك. تفهمين الآن المثالَ الذي كنتُ أميل فيه إلى الإتيان بردٍّ موجز [لاذع]، وهنا لم أقُلْه، لكنّ هذا الفعلَ كان فعلًا مُحَدَّدًا للغاية؛ إذ إنني لم أُمْسِك لساني عن قول كلمات وَقِحَة بالعموم فحسب، لكنني أمسكتُ لساني عن قول خمس كلمات بالتحديد أستطيع قولها لكِ الآن. إذًا، كان لدينا هنا خمس كلمات امتنعتُ عن النطق بها لكنَّ الكاميرا لم تُسَجِّل أيَّ شيء، ولن يَكون من شأن شريط التسجيل [في الكاسيت الذي أمامنا الآن] تسجيل أيّ شيء.

 

فيسي: إذا سمحتما لي، أخشى أننا سنضطر إلى الامتناع عن نطق أيّ كلمات في هذا الحوار، سواء أكانت كلماتٍ وقحة أم لا، لأن وقتَنا أوشك على النفاذ. أودّ التعبير عن مدى سعادتي بتمكننا من إضافة ما تيسَّر من أفكار ونقد لكتاب مفهوم العقل في مسألة تصوُّر الصور الذهنية.

 

استرجاع مفهوم العقل: سوزان هاك تحاور جيلبرت رايل في عام 1973

نُشِرَ في 2021، بقلم سوزان هاك.

شاهدتُ مؤخرًا هذا الحوار، ولأول مرة، أعترف أن ردَّ فعلي الأوَّل كان: “قميص لطيف، ووشاح رائع، وقصة شَعْر شنيعة”؛ وكان ردُّ فعلي الثاني أعمق بكثير: “يا إلهي! كنت يافعةً حقًا — وشجاعة كذلك، لأنني تحدّيتُ شخصًا بقدر أهمية رايل وتأثيره في اختصاصي الأكاديميّ”. لكن، يلزم عليّ هنا التركيز على مادة النقاش الذي دار بيني وبين رايل.

 

وبأثرٍ رجعيّ تفاجأتُ من مدى التنازُل الذي أتى به رايل: أنه أساء تأويل ديكارت؛ وأنه، في مفهوم العقل، لم يتعامل كما يجب حقًا مع أطروحته القائلة إنّ الجُمَلَ التي تشير ظاهريًا إلى الكيانات العقلية يمكن ترجمتها إلى جُمَلٍ عن السلوك — فيما يبدو، بسبب ما توصَّل بالفعل إلى رؤيته غموضًا في “السلوك”، بين الحركات العضلية المحضة والسلوك العقلانيّ؛ وفي سياق حوارنا عن عملية تكوين الصور الذهنية، والتظاهُر، والامتناع، إلخ، أنه قال في الفصل الخاص بعملية تكوين الصور الذهنية إن “الفكرة المركزية ضعيفة جدًا”، وإنه لم يستطع، حتى وقت إجراء الحوار، أن يُفْصِحَ عمّا تكافئه رؤيةُ وجهِ شخصٍ ما في عين العقل، أو دندنة نغمة في عقل المرء.

لكنّي تمنيتُ، في مواضع بعينها من الحوار، لو أنني ضغطتُ أكثر على رايل: على سبيل المثال، في سياق الحديث عن “المُمَارَسَات” أو “القناعات” التي يلجأ إليها بعَدِّها سبيلَ تمتينِ فكرته عن السلوك؛ والحديث عن موقع الفيزيولوجيا العصبية neurophysiology — لقد شككتُ طويلًا في أنّ دندنةَ المرء لنغمة في الدماغ، أو تصوُّر وجه صديقٍ لهو أمرٌ شبيه بتفعيل العصبونات neurons التي من شأنها أن تنطلقَ إذا كان المرء، بالفعل، يَسمع النغمةَ المعنيّة أو يرى وجهَها المعنيّ [تقصد وجه الأمّ كما دار في الحوار بينها وبين رايل]. ولم أقترب، آنذاك، من التحلّي بالجسارة اللازمة تجاه رايل عندما تطرَّقنا إلى الحديث عن سؤال الآلة ومسألة إمكانية توقيعها على وصيتها: “يمكن للآلة تمييز شيء ما مثل تمييز الاسم الذي مُنِحَ لها في وثيقة عنوانها ”الوصية الأخيرة لـ أ. رو بوت A. Roe Bot”، وكان حريّ بي أن أقول: “لكنَّ هذا لن يعني توقيع الآلة لوصيتها، بصرف النظر عن ماهية القناعات القانونية التي ندمجها فيها، لأن الآلة لا يمكنها حيازة النيّات، والاعتقادات، والرغبات المناسبة لذلك، إلخ. لذا، نحتاج إلى تقرير عن ماهية هذه الأمور”.

 

ولو كان لي أن أضغط على رايل أكثر، لأصبح واضحًا أن رايل — على الرغم من أنه اشتُهِر بطرده للشبح الديكارتيّ في الآلة — فسَّرَ العقلَ تمامًا كما فَسَّره ديكارت. ربما، آنذاك، كان بإمكاننا التوصُّل إلى فهمٍ أفضل للظاهرة المُعَقَّدَة تعقيدًا عظيمًا، وهي العقل البشريّ: وهي الظاهرة التي من شأنها أن تتضمن بالتأكيد (كما أتصور الآن) دورَ الاستعدادات المُتَعَدِّدَة للسلوك، والتي ستتضمن كذلك الإدراكات الفيزيولوجية-العصبية الخاصة بهذه الاستعدادات، وموقع الثقافة، والقناعات، واللغة، إلخ — والعلاقات المُعَقَّدَة المُتَبَادَلَة بين كل هذه. حقًا، من الأيسر فهمُ ما مضى، والحكم عليه، في الحاضر.

______________________________________

الحواشي:

[1] يلزم التعريف بمصطلح/ مفهوم الرَدِّيَّة reductionism على نحوٍ كامل كي ننوه لخطأ ترجمته لـ “اختزالية”، على النحو التالي:

“يعتقدُ الِّرِدِيُّ reductionist في أن الوقائعَ أو الكياناتِ — التي يُحتاج إليها ظاهريًا لجعل القضايا الموجودة في بعض مساحات الخطاب صادقةً — يمكن الاستغناء عنها لصالح وقائع أو كيانات أخرى. الرَّدِّيَّة إحدى حلول مشكلة العلاقة بين العلوم المختلفة. لذا يمكن للمرء مناصرة رَدّ البيولوجيا إلى الكيمياء، على افتراض عدم وجود وقائع بيولوجية مُمَيَّزَة، أو رَدّ الكيمياء إلى الفيزياء، على افتراض عدم وجود وقائع كيميائية مُمَيَّزَة. تتضمن المواقف الرَّدِّيَّة في الفلسفة الاعتقادَ في أن الأوصاف العقلية تُجْعَل صادقة على نحوٍ تام بواسطة وقائع عن السلوك (السلوكية behaviorism)، وأن القضايا المتعلقة بالعالَمِ الخارجي تُجْعَل صادقة بواسطة بنية التجربة/ الخبرة (مذهب الظواهر phenomenalism)، وأن القضايا المتعلقة بالقضايا الأخلاقية هي بالفعل قضايا عن الوقائع الطبيعية (المذهب الطبيعاني naturalism)، ومذاهب أخرى عديدة. ليست الرَّدِّيَّة، بالمعنى الصحيح للمفهوم، شكلًا من أشكال النزعة الشكوكية scepticism (لأن المزاعم الموجودة في المساحات المُعَرَّضّة للرِّدِّيَّة قد تكون صادقة ويُعْرَف أنها صادقة؛ بالفعل: ويكون إحدى أغراض الرَّدِّيَّة إظهار كيفية حدوث ذلك على نحوٍ نموذجي). وليست الرَّدِّيَّة بالضرورة شكلًا من النزعة المضادة للواقعية anti-realism، على الرغم من تصنيفها غالبًا وَفق تلك الطريقة. كانت مزاعم الرِّدِّيين رائجةً في السنوات المبكرة للفلسفة التحليلية، ونَشَدَها كُتَّاب مثل رسل وكارناب في شكل برامج لترجمة الدعاوى theses من العلم أو الخطاب المُسْتَهْدَف إلى دعاوى theses من المجال الذي يُرَدُّ إليه. حَوَّلَت كلية holism المعنى، والإخفاق الظاهر لهذه البرامج ذات النزعة الرَّدِّيَّة، الانتباهَ لطرق أخرى للحصول على منافع الرَّدِّ بدون مكابدة تكاليف توفير الترجمات الموعود بها”. وعلى سبيل المثال، يمكن تعريف الرَّدِّيَّة البيولوجية biological reductionism على أنها محاولة تفسير الظواهر السيكولوجية والاجتماعية والثقافية وَفق مصطلحات بيولوجية.

Blackburn, Simon. The Oxford Dictionary of Philosophy. third ed., Oxford University Press, 2016, p. 407.

كما أنه من ضمن الاستخدامات المنطقية لمفهوم “الرَّدّ” الدلالة على “الإرجاع إلى الأصول”. انظر: ماريو بونجي، “العقل والمادة”، ترجمة وتقديم: صلاح إسماعيل، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2019، ص: 726، 735، 738. وانظر كذلك: أشرف منصور، “نظرية المعرفة بين كانط وهوسرل – دراسة في الأصول الكانطية للفينومينولوجيا”، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2016، ص: 240. وكذلك انظر: حمو النقاري، “معجم مفاهيم علم الكلام المنهجية”، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، لبنان، 2016، ص: 311.

[2] نظريات في الصدق تفترض أن “صادق” — في قول المرء على سبيل المثال إن شيئًا ما “صادقٌ” — محمولٌ وَصْفِيّ، يُعَبِّر عن مفهوم تفسيريّ للصدق، وهو ما يحدد خاصيةً “جوهرية” للصدق. وهذه النظريات نهجٌ عام لنظريات التناظر في الصدق، ونظريات الاتساق في الصدق، والنظريات البراجماتية في الصدق.

[3] النزعات أو النظريات التفريغية هي نظريات في الصدق truth تهدف إلى إثبات أن الصدقَ ليس خاصية “ذات معنى مُحْكَم” أو خاصية ذات شأن على المستوى الميتافيزيقيّ. والفكرة العامة هنا أنه قد لا يوجد شيء يُقال بخصوص الصدق في العموم. لكنّك إذا قلتَ أيَّ جملة مثل “يبطبط البطُّ”، من الممكن لك أن تقول إن صدقها يكمن في بطبطة البَطِّ. والنظرية الأصلية لمثل هذا النوع هي نظرية الإضافة في الصدق.

Blackburn, Simon. The Oxford Dictionary of Philosophy. third ed., Oxford University Press, 2016, pp. 123, 407, 408.

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete