مصائر الذكاء البشري في زمن الخوارزميات

 تكوين

من الخوارزمي إلى الخوارزميات

يرى الفلاسفة النقديون، أمثال هوركهايمر وأدورنو وهيدغر، أن جذور أزمة العقل الأداتي تعود إلى ديكارت: ذلك الفيلسوف الفرنسي الذي قسّم الوجود إلى عقل وجسد، وأعلن أن الطبيعة آلة، وأن الإنسان سيصير سيّد الطبيعة عن طريق العقل والعلم والمعرفة. فمنذ ديكارت – يرى هؤلاء – انبثق العقل الذي يُفكّر كي يُسيطر لا كي يفهم ويتفاهم.

لكن هل كان ديكارت فعلًا نقطة البداية؟

جوابي مختلف قليلا: البذرة الأولى لأزمة العقل الأداتي لم تُزرع في باريس القرن السابع عشر من طرف ديكارت، بل في بغداد القرن التاسع من طرف محمد بن موسى الخوارزمي. وليس في هذا انتقاص من الخوارزمي، والذي اعتكف طويلا في بيت الحكمة لتأليف الكتاب التأسيسي للجبر، ولما يسمى بالخوارزميات.

ما فعله الخوارزمي هو أنه حوّل التفكير الرياضي إلى إجراءات، وخُطوات مرتبة، متتالية، بإمكانك إنجازها بنحو آلي، من دون حاجة ضرورية إلى أن تفهم. قبله، كانت الرياضيات تتطلب برهانًا على كل خُطوة، وإقناعا في كل إجراء، وكانت تتطلب الإجابة عن السؤال لماذا، على منوال الهندسة الأوقليدية مثلا. بعده، أصبح بإمكانك أن تحسب من دون أن تفهم، بإمكانك أن تصل إلى الإجابة الصحيحة من دون أن يسكنك سؤال الفَهْم. وهذا على منوال: “خذ هذا، اضربه في ذاك، اقسمه على تلك… وستحصل على هذا“. لا تسأل لماذا، فقط نفّذ. وهذا بالضبط هو قلب العقل الأداتي: الوصول إلى النتيجة بمعزل عن المعنى.

وإن كانت جذور العقل الأداتي كذلك، إلا أنّ النشأة ستمرّ عبر ثلاث مراحل أساسية:

  • المرحلة الأولى، الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. حين بدأ البشر يبنون آلات تُنجز مهام كانت تتطلب مهارة يدوية ومعرفة متراكمة، وبدأ الإنسان يُودّع جانبًا من ذكائه العملي. أما الحِرفي الذي كان يعرف خشب البلوط من خشب الصنوبر بلمسه، ويُقدّر الكميات بعينه، ويُقدّر الوزن بيده، فقد اختفى فجأة أمام نجاعة الآلة.
  • المرحلة الثانية، ثورة الكمبيوتر في القرن العشرين. وهنا لم تعد الآلة تُعوّض يد الإنسان فحسب، وإنما بدأت تُعوّض تفكيره وقدراته الذهنية: حساباته، تحليلاته، ذاكرته، قراراته.
  • والمرحلة الثالثة، التي نعيشها الآن، ثورة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. وهنا بدأت الآلة تقدم نفسها على أنها تتحاور، تبدع، تتخيّل، تتذكر، تتفهم، تختار، وتفترض. وبدأ الإنسان، للمرة الأولى في تاريخه، يشكّ في أنه لا يزال ضروريًا.

ما الذي قد تفعله بنا الخوارزميات؟

الخوارزميات اليوم تُقرّر ما نقرأ وما نسمع، من نُحبّ ومن نتجنّب، بأيّ ثمن نشتري وأيّ مسار نسلك. تُقرّر كم مرة يبلغ كلامُنا الآخرين. وقد تُقرّر، في نهاية المطاف، من يُنتخَب ومن يُقصى.

لكنّ المشكلة ليست في أنّها تُقرّر. المشكلة في أنّنا لا نُحسّ بذلك. نظنّ أنّنا نختار بملء إرادتنا، بينما نتحرّك في الواقع داخل متاهة مُحكَمة الصنع، بُنيت بدقة بالغة كي لا نرى جدرانها.

ما يجعل هذه اللحظة التاريخية استثنائيةً ليس قوةَ الخوارزميات، بل براعتَها في التخفّي. كان الإكراهُ القديم يستثمر الخوف، أمّا الإكراهُ الجديد فيستثمر الرغبة. لم يَعُد السجّان يُحكم قضبان الزنزانة، بل بات يُحكم تصميم المتعة. ولهذا غدا التحرّر أشقّ؛ لأنّ المرء لا يشتاق إلى الفرار ممّا يفتنه.

والأدهى أن الخوارزميات تُغرينا بالاستغناء عن التفكير ذاته. لماذا نتذكّر حين يُمكننا البحث؟ لماذا نتساءل حين يُمكننا أن نسأل؟ لماذا نتحمّل الحيرة وتنتظرنا إجابة جاهزة؟

وبهذا النحو يكاد العقل يُعفى من معظم مهامه. فكما أن العضلة التي لا تشتغل تضمر بالتدريج، فكذلك الذكاء: لا يموت بالضربات، بل يتآكل بالاستغناء الهادئ. يتراجع في صمت. يُسلّم راضيًا. وفي كل مرة يُفوّض الإنسان وظيفة عقلية إلى الآلة، يخسر شيئًا قد لا يُدرك أنه خسره.

ما المطلوب؟

ليس المطلوب مقاومة التِقْنية؛ فهذه دعوى بلا معنى. الخوارزميات جزء لا يُنزع من عالمنا، كما أن الكتابة كانت يومًا تِقْنية جديدة، وتوجّس سقراط نفسه من إفسادها للذاكرة. التِقْنية لا تُقاوَم، لكنها تُساءَل وتُهذَّب وتُردّ إلى حجمها الصحيح. والسؤال الوحيد الجدير هو:

كيف لا يفقد الذكاء البشري موقع السيادة؟

الجواب، من وجهة نظر الفلسفة بوصفها فنًّا للعيش، لن يأتي في هيئة خوارزميات مضادّة، بل في هيئة تمارين رُوحية في الصبر الجميل على الفَهْم. وهي أربعة:

  • أولًا، الصبر على السؤال: أن تتعلّم البقاء مع السؤال أطول وقت يلزمك لاستجلاء الإجابة. السؤال الحي الذي ينبض ويُقلق ويُعيدك إلى الصمت المُثمر يساوي أضعاف الأجوبة الجاهزة. الخوارزمية تُقدّم إجابات. الفيلسوف ينسج أسئلة. وبين الاثنين يكمن الفارق بين عقل مستهلك وعقل منتج.
  • ثانيًا، الصبر على عدم اليقين: أن تُقاوم إغراء الإجابة المريحة. عدم اليقين ليس فراغًا ينبغي ملؤه على عجل، بل هو الفضاء الذي ينمو فيه التفكير الحقيقي. من لا يطيق التوتر المعرفي يُسلّم نفسه لأول جواب يلوح له. وهذا هو بالضبط ما تستغله الخوارزمية: هشاشتنا أمام اللا يقين.
  • ثالثًا، الصبر على الشك: الشك ليس عدوًا للمعرفة، بل بوابتها. غير أنه شك من نوع خاص: ليس الشك العدمي الذي يتساوى عنده كل شيء، بل الشك المنهجي الذي يُميّز بين ما يستحقّ التصديق وما لا يستحقّه. في وقت يتشابه فيه الحق والزيف ويتسابق فيه الجميع على الشهرة والانتشار، أصبح الشك المنهجي مصفاة ضرورية للعقل السليم.
  • رابعًا، الصبر على التفكير بوصفه حوارًا مع الذات: هذا أعمق المستويات. التفكير ليس استرجاع معلومة ولا توليد نص. إنه ذلك الحوار الداخلي الصامت الذي فيه تُسائل نفسك وتُعارضها وتُصالحها، وهو ينفتح على أفق لا ينتهي. هذا الحوار لا يُفوَّض لأي ذكاء اصطناعي، لأن موضوعه هو أنت وحدك، وثمرته الوحيدة حياة أكثر هدوء ووعيًا، وأقل هرجًا وانفعالًا.

ثمة صمت لا تُجيده الخوارزميات ولا تستطيع محاكاته. إنه صمت العقل البشري حين يشتغل بعمق يشبه الصلاة.

حساب الخوارزمي وحساباته

الخوارزمي – ذلك الرجل الذي نُسمّي باسمه الآلاتِ التي قد تفكر بدلًا منا – لم يكن يريد إعفاء العقل من مهمته. كل ما أراده هو تعميم الحساب وجعله في متناول الجميع: التاجر، والقاضي، وتلميذ المدرسة. أراد أن يُعمم الفكر، لا أن يُلغيه. لكنه، دون أن يدري، زرع البذرة الأولى لرياضيات تحلّ المسائل دون حاجة إلى الفَهْم. رياضيات تبلغ النتيجة الصحيحة دون أن يستوقفها سؤال “لماذا”. وهو ما جعل الرياضيات اليوم أداةً طيعة في يد العقل الأداتي.

ثم واصل التاريخ ما بدأه، خُطوة خُطوة، قرنًا بعد قرن: من المعداد إلى الآلة الحاسبة، ومن الآلة الحاسبة إلى الحاسوب، حتى صرنا اليوم أمام آلات تُحاكي التفكير دون أن تُفكّر، وتصوغ المعنى دون أن تفهم.

والأدهى أننا بدورنا قد نتخلّى طوعًا عن حق الفَهْم، باسم النجاعة والسرعة وتوفير الجهد. نتخلّى عنه بكل طواعية. فالآلة لا تُكرهنا على التفويض، بل تغرينا به: تُقدّم لنا الإجابةَ قبل أن ينضجَ السؤال في أذهاننا، وتعرض علينا النتيجةَ قبل أن نُتعب أنفسنا بفهم الخُطوات.

لا يكمن الخطر في الآلة التي بوسعها أن تقدم الفكرة دون أن تفكر، وبوسعها أن تصوغ المعنى دون أن تفهم، بل يكمن الخطر الحقيقي في الإنسان الذي قد يكفّ بدوره عن محاولة الفَهْم، محاكاة للنجاعة الخوارزمية. ذلك أن الفَهْم لم يكن يومًا مجرد وسيلةٍ للوصول إلى النتائج، وإنما كان دوما هو التجرِبة ذاتها، هو الإنسانُ في لحظته الأكثر إنسانية: ذلك الكائن الذي يقف أمام كل مساحات الغموض ولا يفرّ منها، بل يقتحمها من دون حاجة إلى أي نوع من الضمانات… إنه الإنسان.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete