معضلات نظرية أمام الفكر الإسلامي…الإلحاد المعاصر: النقد البِنيوي لمبدأ الدين

 تكوين

ـ 1 ـ

تشير الدراسات الإحصائية إلى تزايد عدد اللا دينيين حول العالم، وبحسب Pew Research Center (وهو مركز أكاديمي أمريكي محايد، يتبنى منهجية إحصائية صارمة، ويعتمد على عينات بحث واسعة) يمثل اللا دينيون حوالي 24% من سكان الأرض، وهم  طيف متنوع يضم فئات رئيسة ثلاث:

  • 1ـ فئة اللا منتمين إلى شيء محدد nothing in particular
  • 2-فئة اللا أدريين Agnostics
  • 3- فئة الملحدين Atheists الذي يعلنون إنكار وجود إله.

وفي الولايات المتحدة يوجد حوالي 28% بلا دين، وفي أوروبا تتراوح النسبة بين 20 و50%، وهي تبلغ أقصى معدلاتها في شرق آسيا. رغم وجود نزعات رُوحية، أما في مصر بوصفها نموذجًا للبلاد الإسلامية، فلا تظهر اللا دينية إحصائيًّا رغم وجودها الاجتماعي، فلا يُعلن عنها لأسباب ثقافية وقانونية معروفة، خصوصًا في ظل حالة المد الديني الأصولي الراهنة.

داخل التيار اللا ديني الواسع يمثل “الملحدون”  الفئة الأقل حجمًا، لكنها الفئة الأعلى صوتًا والأكثر ظهورًا، بسبب موقفها العدائي الهجومي المعلن من الدين، خصوصًا في نسخته الكتابية الإبراهيمية. وفي هذا السياق يبدو الهجوم الآن منصبًّا على الإسلام، بسبب حضوره السياسي والاجتماعي الزاعق، وبِنيته الفقهية الأكثر تناقضًا مع الحداثة، وفي ظل الانكماش الراهن للمسيحية التي تحملت عبء المواجهة مع الإلحاد «التنويري» المبكر، بوصفه ممثلًا رئيسًا للدين.

يثير الفكر الإلحادي في مواجهة الإسلام جملة من المشاكل النظرية، تعيد طرح الأسئلة الأولى، وتمثِّل تحديًا جديًّا لمبدأ الدين ولسرديته التفصيلية المسجلة في النصوص، وهي نوعية المشاكل التي لا يحب الفكر الإسلامي مواجهتها، ولم يعتد على الخوض فيها، بحكم تكوينه التقليدي المتوجس من العقل، والمُحنَّط على مشاغل الكلام السلفي وقضايا الفقه الفرعية.

ـ 2 ـ

إلى أي مدى يعبر النقد الإلحادي المعاصر عن رُوح حداثية؟ هل الإلحاد مرادف موضوعي للحداثة؟ أو: هل الحداثة ملحدة بالضرورة والإلحاد حداثي بالضرورة؟

نفهم الحداثة بالطبع لا فهمَ حقبةٍ زمنية محضة، ولكنْ فهمَ منظومةِ أفكار واسعة تكونت عبر جدل تاريخي طويل، وصارت الآن توجه الوعي الإنساني العام. ويمكن القول بأن عند الحداثة مسحة إلحادية بادية، بحكم نزوعها الحسي التجريبي، وسياقات تكونها الصدامية المبكرة مع الكنيسة، لكن الإلحاد لا يستغرق دائرة الحداثة (إذ لا تزال تتسع لمضامين إيمانية معدَّلة)، بل يتقاطع معها في مساحة واسعة من المفاهيم المشتركة.

في موقفه من الدين، لا يقدم الفكر الإلحادي المعاصر نسخة مكررة من النقد اليوناني الكلاسيكي، ولا حتى من النقد التنويري الأوروبي، بل يعكس طريقة التفكير الجديدة للوعي ومشاغله النفسية والرُوحية التي تجاوزت مشاغل العصور القديمة والحداثة المبكرة.

أدت التطورات الحداثية الجديدة تدريجيًّا إلى تفاقم الإحساس بالمادية الآلية على حساب المعنى الغائي الميتافيزيقي، وعلى نحو لا شعوري، تراجعت حدة الوعي بجسامة «المسألة الدينية»، وهذا التطور لا يسري على السياق المسيحي الغربي الذي استكمل دورة الحداثة فحسب، وإنما يلقى بظله ـجزئيًّاـ على السياق الإسلامي «العربي»، الذي لم يستطع تجنب الإشعاع الحداثي، وقطع شوطًا فعليًّا في مسار التحول رغم جسامة المكونات التراثية.

ينبني الفكر الحداثي على عدة مفاهيم أولية:

  • 1ـ مركزية الإنسان: بوصفه حضورًا أنثروبولوجيًا واقعيًا مقابل الحضور الإلهي المفترض.
  • 2ـ تصعيد سلطة العقل: مقابل سلطة الوحي والتقليد. الحقيقة تُدرك بالدليل العلمي خصوصًا التجرِبة. العقل قادر على التشريع للإنسان، والأخلاق لا تحتاج إلى وحي، بل تقوم على المنفعة والتوافق الاجتماعي، والمعنى هو نفي التفسير الخرافي، أو بتعبير ماكس فيبر «نزع السحر عن العالم»، يمكن تفسير الكون والاجتماع عن طريق العلم، أي بعيدًا عن الأسباب الما ورائية المبهمة.

أما الدين فيُقرأ قراءةَ منتجٍ اجتماعي بشري، أي بوصفه ظاهرة تاريخية (كما عند نيتشه وماركس)، أو نفسية (كما عند فرويد)، أو لُغوية سلطوية (كما يطرحها فوكو)، راديكالية حسية تفضي إلى تأخير أو إلغاء المعنى الغيبي.

  • 3ـ تكريس الفردانية: أي تصعيد سلطة الذات الفردية على حساب مراكز السلطة الجمعية القابضة وفي مقدمتها الكهنوت والدولة. الفرد حر بحماية القانون، وهو المرجع النهائي في اختيار أفكاره ومعتقداته، ولا يجوز إجباره عليها من أي سلطة كانت.

بهذه البِنية المفاهيمية تبدو الحداثة وكأنها بالدرجة الأولي نقيضًا موضوعيًا لنسق التفكير الديني، وهذا مفهوم بظروف تكونها التاريخي، أي بوصفها انقلابًا مباشرًا على النظام الديني المسيحي الذي هيمن على الثقافة والسياسة في أوروبا بامتداد العصور الوسطى. ومع ذلك لا تزال تقر بحضور الدين بوصفه واقعة اجتماعية، وتتسع لظهور تيارات توفيقية تحاول مصالحة الدين مع الثقافة الحديثة كما فعل لوك بحديثه عن دين ليبرالي فردي، ورسو بحديثه عن دين مدني، وكانط بحديثه عن دين عقلاني خالص، وهابرماس بحديثه عن دين علماني مفرغ من سلطة الحكم وسلطة المعرفة.

تدريجيًّا، ومع تواصل الانتصارات العلمية والتراجع العملي للكنيسة، فقد الصراع مع الدين في الغرب توتره الحاد التي شهده عصر التنوير، وانقلب الفكر الحداثي على نفسه بظهور التيارات ما بعد الحداثية، لكنه ظل واعيًا بجوهر التناقض مع الدين، وظل يسعى في  رفعه أو احتوائه على مستويات، أو عبر تيارات ثلاثة:

  • 1ـ التيار الإلحادي الصريح: وهو لا يكتفي بإنكار الدين، وإنما يواصل الهجوم عليه بوصفه عائقًا للتقدم الإنساني، وقابلًا للزوال في المستقبل (نموذج سام هاريس، ريتشارد دوكنز).
  • 2ـ التيار التوفيقي النظري: وهو يسعى في احتواء التناقض عن طريق إعادة تأويل الدين بطريق رمزي أو أخلاقي.
  • 3ـ التيار اللا ديني المرن: وهو التيار الأكثر شيوعًا الذي يشعر بالتناقض، لكنه لا ينكر الدين، ولا يلتزم به. ويمكن ملاحظة التقاطع بين هذا التيار ونمط التدين الدارج، فهو بدوره تيار مرن، يمارس الدين ممارسة انتقائية، ويستبعد عناصر معينة من تكاليف الفقه الرسمي، ويبدو أكثر مرونة في الاستجابة للمتطلبات الحداثية.

ـ 3 ـ

النقد الإلحادي المعاصر

نقد الدين في مبادئه الأولى ليس وليد الحداثة، بل يرجع إلى ما قبل ظهور الديانات الإبراهيمية، فقد تعرض الدين اليوناني لقراءات نقدية واسعة خصوصًا في الفلسفتين الأبيقورية والرواقية. أكّد أبيقور على الوجود الطبيعي للمادة والمصدر البشري للأخلاق، ولفت إلى المشاكل التي يخلقها الدين، وتؤدي إلى كثير من الآثام والعنف، وقدم أول صيغة عقلية لـ «مشكلة الشر» بوصفها معضلة دينية صعبة التأويل.

أما الموقف الرواقي (القرن الثالث ق.م.) فيعبر عن إلحادية أقل تطرفًا، تتشابه من بعض النواحي مع اللا دينية المرنة المعاصرة. لا تنفي الرواقية مادية العالم، لكنها تبدو أقل تصادمًا مع الدين قياسًا إلى الأبيقورية. فالدين لا يلعب دورًا رئيسًا في صناعة الأخلاق، وعلى الإنسان أن يصنع حياته بنفسه من داخله بالتوافق مع «قانون الطبيعة». هذا القانون أسبق وأسمى من العُرف والعادات والتشريعات الوضعية، والعالم عقلاني منظم تحكمه سببية كلية أو لوجوس طبيعي، وهو المعنى الذي يمكن قبوله للفكرة الإلهية.

بوجه عام، جرى النقاش النقدي في سياق تأملي يسلِّم بفكرة الحقيقة المطلقة، وتحت مبحث الأخلاق والسعادة، يسري ذلك على النقد اليوناني القديم وعلى الحداثة التنويرية المبكرة، خلافًا للنقاش النقدي المعاصر الذي لم يعد يسلّم أصلًا بفكرة الحقيقة المطلقة، ولا بآليات ثبوتها التقليدية، ومع ذلك فهذه التيارات لا تقطع كليًّا مع أفكار الحداثة الكلاسيكية، بل لا تزال تشترك معها في مساحة واسعة من جهة الموضوع.

هذه المقدمة ضرورية لفهم الأرضية المغايرة التي ينطلق منها الفكر الإلحادي المعاصر، سواء وهو يناقش المبادئ الأولية للدين (وجود الله/الوحي/النص)، أو بِنيته الأخلاقية التشريعية، أو آثاره وتبعاته التاريخية:

1ـ فكرة الألوهية

النقد الأساسي الموجه إلى هذه الفكرة هو غياب الدليل القطعي، أي الحسي التجريبي، عند الفكر الإلحادي المعاصر الدليل المطلوب هو ما يقبل الاختبار بالتجرِبة، لا بالجدل النظري. وفي هذه النقطة يختلف عن التيارات الإلحادية القديمة التي تشاركت مع العقل الديني في أرضيته المعرفية القائمة على مبدأ الحقيقة، وتناقشت معه في المسألة بوصفها مناظرة ميتافيزيقية قابلة للفهم بآليات الجدل اللُغوي. كان الإلحاد التقليدي يفكر بالعقل الديني ذاته، ويُستدرج إلى عناوينه «الكلامية» التي تتحدث عن واجب الوجود وممكن الوجود. أما الإلحاد المعاصر فيعيد طرح المسألة تحت عناوينه الحسية المباشرة.

ومع ذلك، فالمسألة لا تفرض نفسها عليه فرضَ شاغلٍ مهيمن وطاغٍ على الوعي، بل تبدو في مجملها فكرة زائدة عن الحاجة وغير ضرورية لتفسير العالم، الذي يمكن فهمه بالفيزياء والبيولوجيا.

عمليًّا يتجاوز الإلحاد المعاصر نقد فكرة الإله المطلقة إلى نقد فكرة “الإله الكتابي” بخصائصه وصفاته المحددة. فهذه الخصائص تبدو متناقضة وفقًا لمنطقها الداخلي ذاته، وتؤدي إلى نتائج غير أخلاقية. وفي هذا السياق يستدعي صيغته الحديثة “لمشكل الشر»: إذا كان الإله كلي القدرة، وكلي العدل، وكلي الرحمة، فلماذا خلق الإله القادر الإنسان بقابلية الشر؟ ولماذا يعاقب الإله العادل على الشر الذي فطره في طبيعة البشر؟ لماذا خلق الإله الرحيم الجسد بقابلية المرض؟ لماذا يولد الأطفال عاجزين ومشوهين؟ ولماذا توجد الكوارث والمعاناة والظلم؟

بحسب الفكر الإلحادي هذه الأسئلة طبيعية وتفرض نفسها ببداهة التفكير. أما الفكر الديني فيراها أسئلة غير جائزة أصلًا، لأن الإله بالتعريف هو القوة العليا المطلقة التي لا تسأل عما تفعل. فقهيًّا، يبدأ النقاش في المسألة من نقطة التكفير، أي تحريم السؤال والعقاب عليه بالقتل أو العزل الاجتماعي. وحين يتجاوز الفكر الديني هذه النقطة فيتصدى للأسئلة، يطرح ردودًا  نظرية من قبيل القول بمحدودية الإدراك البشري، أو القول بوجود هامش من الحرية الإنسانية، أو بفكرة الابتلاء الدنيوي، وهي من وجهة النظر الإلحادية حلول دائرية، وغير كافية لتفسير «الشر العبثي» الذي يملأ الكون.

2ـ فكرة الوحي/النبوة

نظريًّا، تواجه هذه الفكرة صعوبات نقدية أوسع مما تواجه الفكرة الإلهية (التي تستطيع الفلسفة خدمتها أكثر من اللاهوت، بوصفها خيارًا فرديًا تصنعه «الذات» لإشباع حاجاتها الرُوحية، أو بوصفها حكمًا نهائيًا على قانونها الأخلاقي)، وبامتداد التراث الإلحادي في الإسلام، ظل «إنكار النبوات» هو نقطة الاعتراض الأولى على الدين، مثلما يظهر في أطرُوحات «ابن الراوندي»، و«أبو بكر الرازي»، و«أبو العلاء المعري».

الإلحاد المعاصر ـالذي ينشط بصورة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي ـ طوّر لغة التعبير عن هذه النقطة، لكن جوهر النقد ظل ثابتًا على النحو الآتي: فكرة «النبوة» تعجز عن إثبات واقعة «الوحي»، فهي تعتمد على «ادعاء» بشري قابلًا للتصديق والتكذيب، ويسهل اختباره عمليًّا بقراءة سيرة النبي وممارساته الشخصية. مفهوم محوري بهذه الدرجة من الأهمية كان يستحق آلية تبليغ قطعية، أي ذات مصداقية ثبوت حاسمة، تمنع الخلاف والاقتتال عليها كما يحدث في الواقع.

لماذا لا يتحقق وصول الوحي إلى الجميع مباشرة وبامتداد الزمن؟ والنتيجة هي أن «الإيمان» يبقى عملية ظنية، والأخطر هو أن «الكفر» بدوره يبقى عملية ظنية، لكنه مع ذلك يواجه بعقوبات قاتلة سواء في الآخرة أو حتى داخل العالم، على يد حراس الدين من الكهنة والفقهاء (في القرن السابع عشر، ومن منطلق توفيقي مفهوم في بداية التنوير، سيفترض اسبينوزا وجود فكرة قريبة من الوحي العام، بحديثه عن «النور الفطري» المطبوع في كل إنسان، يستطيع به إدراك المعنى الإلهي بمطلوباته الأولية، النبي إنسان لكنه أكثر حساسية بالنور الفطري وأكبر قدرة على التعبير عنه. والنبوة بذلك عملية إنسانية في جوهرها، رغم صدورها عن النور الإلهي). وبخصوص الفكر الإلحادي المعاصر، يبدو هذا الطرح فكرة ميتافيزيقية، تفتقر بدورها إلى اليقين الحسي، ويصعب تعميمها خارج إطار الوعي الديني المُشرَّب أصلًا بالإيمان.

3ـ نقد النص

بدأ هذا النقد مبكرًا منذ دراسات اسبينوزا التي أخضعت الكتاب المقدس لقواعد التوثيق التاريخي، وكشفت عن تناقضات صريحة مع «الوقائع» الجغرافية والديموغرافية المسجلة في الوثائق والنقوش الآثارية الثابتة، وعن تناقضات داخلية في السردية الإخبارية للنص ذاته. ومع توسيع مساحة البحث، ستقف الدراسات اللاحقة على المسار التطوري للنص، وطريقة تكوينه ليكون وثيقة تاريخية مركبة، جرى تجميعها عبر مراحل سياسية وثقافية مختلفة، الأمر الذي صار يكشف عن طبيعته الزمنية بوصفه منتجًا بشريًا اجتماعيًا، لا بوصفه معطى مطلقًا قادمًا من خارج العالم.

ومع تطور الهرمنيوطيقا الحديثة سيخضع النص من جديد لمزيد من التحليل الاجتماعي والتاريخي، سواء في سياقات التكون التي تربط النص بظروف «إنتاجه» المبكرة، أو في سياقات التلقي التي تربط النص بظروف «تفسيره» في الواقع المعاصر، وبالنتيجة سيتفاقم الوعي بالنص بوصفه معطى لُغويًا غير محصن بفكرة «المقدس».

لكن الفكر الإلحادي المعاصر لا يكتفي بتنحية النص من موقع المقدس، بل ينزل به إلى درجة «العائق الضار» الذي يعطل وجوده حركة الحياة الطبيعية. يُصَعِّدُ الإلحاد المعاصر لغة الهجوم على النص بوصفه وثيقة «قديمة» تعكس ثقافة العصور الغابرة بمشاغلها البدائية، وتكشف عن تهافت الطرح الكتابي من جهة مخالفته للرُوح الإنساني، أي لأهداف الحداثة التي تقوم على العلم والمساواة ونبذ العنف.

-4-

نقد البِنية الأخلاقية

في السياق الحداثي المبكر، كانت معضلة الأخلاق لا تزال مطرُوحة بصيغتها اليونانية السقراطية: هل الأشياء خيرة لأن الله يأمر بها؟ أم أن الله يأمر بها لأنها خيرة في ذاتها؟ في الحالة الأولى تكون الأخلاق «اعتباطية»، أي واجبة بغض النظر عن تناقضها مع النزوعات الإنسانية، وفي الحالة الثانية تكون الأخلاق مستقلة عن الدين، أي بشرية خالصة. في القرن الثامن عشر سينتهي كانط إلى الخيار الثاني، ويعيد صياغة المسألة: الأخلاق ليست ملزمة لأنها إلهية، بل هي إلهية لأننا نشعر من داخلنا بقوتها الإلزامية.

عمليًّا، يتجاوز الإلحاد المعاصر هذا النوع من النقاش الذي يجري تحت سقف الفكرة الإلهية، ليصل مباشرة إلى صلب الموضوع:

  • 1ـ الأخلاق لا تحتاج إلى الدين، بل يمكن تأسيسها على العقل والمنفعة والتوافق الاجتماعي، وهي تكونت تاريخيًّا بالفعل استنادًا إلى هذه العناصر البشرية.
  • 2ـ الدين ليس أخلاقيًّا بالضرورة كما تروج السرديات اللاهوتية المتأخرة، بل هو يأمر بأحكام مناقضة للأخلاق خصوصًا في تمثلاتها الحديثة، كما في قضايا: العنف / حرية الفكر / التمييز بسبب الدين / حقوق المرأة / العقوبات البدنية البدائية.

 -5-

نقد الإكراه والعنف

تتصدر هذه النقطة لائحة الاتهام الحداثية ضد الدين. التهمة موجهة إلى الديانات الإبراهيمية عمومًا، والإسلام بوجه خاص. يقوم النسق الإبراهيمي على “التوحيد الحصري” بوصفه فكرةً محورية “مقدسة”، تستوجب رفض الآخر المخالف، وتحرض على نفيه من الوجود تحت عنوان دحض الباطل، الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى الصدام والقتل، وتاريخيًّا يبدو التراث الديني الكتابي سلسلةً متواصلة من الصراعات والحروب، التي أهدرت كثيرًا من الدماء، ولم تحفل بحرية الإرادة الفردية. (يظهر ذلك في المجازر البشرية التي سجلها العهد القديم، وحروب المسيحية الداخلية بامتداد العصور الوسطى، وعمليات الغزو الإسلامية التي جرت تحت مسمى الفتوح، والمعارك الدموية التي لم تنقطع بين الفرق والجماعات المذهبية).

من وجهة النظر الوضعية، يعكس هذا النقد طبيعة الطور الثقافي الذي تكوّن منذ الألفية الثانية قبل الميلاد وبامتداد العصور الوسطى، إذ ظل الوعي مشبعًا بخصائص التفكير الجمعي الخشنة وشبه البدائية، وهي خصائص مناقضة تمامًا لقيم الوعي الحداثي بطابعه الإنساني الفردي الصريح.

لا يتعلق المشكل بالسجل التاريخي للديانات الكتابية الثلاث فحسب، ولكنْ يكمن في صميم البِنية التأسيسية المسجلة في النص، ومن هنا تأتي صعوبة الموقف الذي يواجهه الفكر الإسلامي المعاصر: التيار الأصولي ينكر وجود المشكل مبدئيًا، فالقتال لنشر كلمة الله واجب شرعي مبرر أخلاقيًّا، بحكم مصدره الإلهي، ويلزم استئنافه في مواجهة العالم، ولتذهب قيم الحداثة إلى الجحيم. وخارج هذا التيار حيث يشعر الفكر الإسلامي نسبيًّا بضغوط الحداثةـ يمكن الحديث عن موقفين: 1ـ موقف الإسلام الرسمي الذي تمثّله «المؤسسة الفقهية»، وهي بحكم ارتباطها بالدولة المدنية تعارض التيار الأصولي، وتبدي بعض التفهم حيال المخاوف الحداثية. لكنها بحكم تكوينها السلفي لا تستطيع تجاهل النص، فهي لا تنكر مشروعية الجهاد إنكار الواجب الديني، لكنها تلتف عليه بحلول «تأجيلية» تتعلق بشروطه الفقهية وملاءمته السياسية. 2ـ موقف التيار التجديدي الثقافي من خارج المؤسسة، وهو يبدو أكثر وعيًا بطبيعة المأزق، ويقدم حلولًا «تأويلية» أوسع لفريضة الجهاد بالحديث عن غرضها «الدفاعي»، وغاياتها العليا التي تسعى في نصر الحق على الباطل، فالهدف ليس إكراه الناس على الدخول في الدين، بل تنحية قوى السلطة التي تحول بينهم وبين الاستماع إلى الحق.

لكن هذه الحلول لا تُشبع قناعة النقد الإلحادي، الذي يتجادل أصلًا في مفهوم «الحق» و«الباطل»؛ ما هو؟ ومن يحدده؟ عنده لا تقدم هذه الحلول أكثر من إعادة إنتاج للمعنى السلفي ذاته بلغة سياسية عصرية. وحتى الآن لا يزال الفكر الإسلامي بطابعه «الفقهي» يتجنب الدخول في صلب النقاش الذي يعيد طرح الأسئلة الأولى.

يتبع

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete