معضلة الحداثة في الفكر النهضوي العربي: شكيب أرسلان وقلق الهُوية

 تكوين

مقدمة

لم تكنْ لحظة أو محاولات النهضويين العرب التأسيسية قبل نحو قرنين تقريبًا، مع مطلع القرن التاسع عشر، تشي بمسافة واحدة، إنما تعكس تباينات عديدة ومفارقات جمّة، بحسب الانطلاقات والمقاربات التي كوَّنت وعي كل مرحلة والأجيال المتعاقبة، سواء ممن سعوا إلى القطيعة مع التراث أو التوفيق بينه وبين الحداثة أو الارتماء بالكلية في التراث واستعادته. غير أن نقطة رئيسة تبدو ملحة في واقعنا الراهن والمعاصر، تَتَمَثَّلُ في أفكار الجيل المؤسس ومنهم جمال الدين الأفغاني والأستاذ الإمام محمد عبده وكذا الأمير شكيب أرسلان. فبقدر ما تبدو ثمة أصوات تعاود البحث عنهم وإعادة تعيينهم في المجال العام بمقولاتهم التي تبدو في ظاهرها حيوية وتجعل العقل له الأولوية على النقل، إلا أن حضور المجال التراثي برؤية انتقائية مبتسرة وأيدولوجية في مشروعهم النهضوي، أسهم في تبديد فرص العقلنة والانعتاق من الماضوية والسلفية للدخول في الحداثة، ومن ثم، تغليب ثنائية “الأنا” و”الآخر” و”نحن” و”هم”، و”الإسلام” و”الحداثة” أو “المعاصرة”.

هذا الموقف التوفيقي الذي كان استجابة لجملة ظروف وشروط تاريخية، سياسية وثقافية إلى جانب الوضعين الاجتماعي والطبقي، بدا كاشفًا عن تكوين المثقف وحدود فاعليته وقدراته كما إمكاناته، ومن ثمَّ، فإن إسهاماته الإصلاحية ظلت مجرد رد فعل، بمعنى أنه لم يخرج عن السياقات القديمة التقليدية المحايثة للحظة التأسيس بما فيها من أزمات ومعضلات بِنيوية، بداية من التأثيرات المدوية للصدام مع الغرب في لحظة الاستعمار (الفرنسي)، ثم واقع المؤسسة الدينية الجامد والتقليدي وغلبة انشغالات المرحلة القروسيطية بأفكارها وهمومها على بِنيتها المعرفية وتعطيل الاجتهاد إلى جانب شكل المجتمع وتنظيمه في ظل سيطرة أنماط الإنتاج ما قبل الصناعية (الرعوية والريعية) داخل أشكال الاقتصاد الزراعي والتجاري. لهذا، فإن أهمية شكيب أرسلان، بوصفه نموذجًا، وحضوره في هذا السياق المبكر لا تكمن في الإشكاليات أو الإجابات التي طرحها بقدر ما تكمن في البِنية المعرفية التي حكمت تلك الإجابات. فقد ظل يتحرك داخل الأفق النهضوي الكلاسيكي الذي افترض وجود علاقة سببية مباشرة بين العودة إلى التراث واستعادة التقدم الحضاري. هذه البيئة كانت مواتية لأن تجد العضلة الأصولية مكانها في الجسد الثقافي والاجتماعي، بل وتشهد تقويةً وتمتينًا مع صعود مرجعيات لاحقة كما هو الحال مع رشيد رضا الذي سيكون العتبة اليمينية للأفكار الإصلاحية والميل نحو ردكلتها، وتمتد الخطوط على استقامتها مع الجماعة الأم للإسلام السياسي “الإخوان” والمرشد المؤسس حسن البنا الذي سيعتمد على الأخير في عديد من أفكاره المؤسسة. ولطالما اعتمد الطرفان الإبقاء على صيغة جاهزة وناجزة من خلال العودة إلى التراث بطريقةٍ انتقائيةٍ الذي فيه الحلول كافة، وتثبيت الصراع مع العالم وتضييق الرؤية باتجاه الحضارة الأوروبية على أنه يُمَثِّلُ تهديدًا وجوديًا وأخلاقيًا.

يقول شكيب أرسلان في كتابه: “لماذا تأخر المسلمون؟ [1]ولماذا تقدم غيرهم”: “وكيف يمكنهم (أي المسلمون) أن يناهضوا الأوروبيين في معتركٍ وهم موقنون أن الطائلة الأخيرة ستكون للأوروبيين لا محالة؟! فصال مثلهم مع هؤلاء مثل أولئك الأقران الذين كان يبطش بهم سيدنا عليٍّ -رضي الله عنه- في وقائعه؛ فقد حدثوا أنه سمعت له في صفين أربع مئة تكبيرة، وكان من عادته —كرَّم الله وجهه— أنه يُكبِّر كلما صرع قرنًا، فقيل له في ذلك؛ فأجاب: كنت إذا حملت على الفارس ظننت أني قاتله؛ فكنت أنا ونفسه عليه. وهكذا أصبح المسلمون في الأعصر الأخيرة يعتقدون أنه ما من صراع بين المسلم والأوروبي إلا سينتهي بمصرع المسلم ولو طال كفاحه، وقرَّ ذلك في نفوسهم، وتخمَّرَ في رءوسهم، لا سيما هذه الطبقة التي تزعم أنها الطبقة المفكرة العاقلة المولعة بالحقائق، الصادفة عن الخيالات — بزعمها — فإنها صارت تُقرر هذه القاعدة المشئومة في كل نادٍ، وتجعل التشاؤم المستمر والنعاب الدائم من دلائل العقل وسعة الإدراك، وتحسب اليأس من صلاح حال المسلمين من مقتضيات العلم والحكمة وما تزال تنفخ في بوق التثبيط، وتبثُّ في سواد الأمة دعاية العجز؛ إلى أن صار الاستخذاء دَيْدَنَ الجميع إلا من رحم ربك، وكانت رُوحه من أصل فطرتها قوية عزيزة”.

في هذا التحليل الذي يقدمه “أمير البيان” شكيب أرسلان عن أسباب التخلف والتأخر الذي عاناه المسلمون، تبرز البِنية الخطابية التي يقوم عليها مشروع أرسلان الإصلاحي، إذ لا يكتفي بوصف واقع المسلمين، بل يعمل على إعادة إنتاج هذا الواقع داخل نسق تعبوي يهدف إلى إعادة تكوين الوعي الجمعي. إذ إنه لا يُعنى بتقديم رؤية نقدية تحليلية وشمولية تحاول البحث عن أسس التخلف وجذوره وإمكانات النهوض، إنما يؤسس لرواية نفسية أخلاقية بحمولة دينية واضحة ومباشرة، تجعل من “الهزيمة الداخلية” الشرط التفسيري الأول للهزيمة الخارجية. من ثم، يتحول سؤال القوة من كونه سؤالًا متعلقًا بالبِنى الاقتصادية والعسكرية والعلمية إلى سؤال يتعلق بالإرادة واليقين والثقة بالنفس.

هذا الصدى التعبوي الذي يثبت العداء مع الحضارة الأوروبية بوصفها استعمارية أو الخصومة مع الغرب “الآخر” الديني في شقه الهُوياتي، في حين لا يمكن التقاطع معه والإسهام في بِناء حضارة إنسانية مشتركة، يتكرر في كتابات آخرين منهم جمال الدين الأفغاني، مثلًا، وبصورة أكثر وضوحًا في الأجيال اللاحقة من رشيد رضا وحسن البنا. غير أنه يمكن القول إن النص عندي أرسلان يُعيد إنتاج ثنائية مركزية تقوم على التقابل بين الإرادة والانكسار، أو بين الإيمان والعزيمة والبأس مقابل اليأس، إعادةً يُعاد بها اختزال الأزمة الحضارية في بِنية أخلاقية ونفسية، تُمَثِّلُ حواجز نفسية و”عزلة شعورية”، تمثيلًا يكون من التلقائي معه توليد درجة قصوى من العنف الرمزي والمادي تجاه المغايرين وعسكرة الصراع معهم، ضمن أطر ليس فيها أي تقارب أو تجانس. فالمسلم عند أرسلان لا يُهزم أساسًا بسبب اختلال موازين القوة العالمية أو بسبب التحولات البِنيوية التي فرضتها الثورة الصناعية والرأسمالية الأوروبية، وإنما لأنه أصبح مقتنعًا مُسبقًا بحتمية هزيمته. وبهذا المعنى، تتحول الهزيمة إلى ظاهرة ذهنية تسبق كونها حدثًا سياسيًا أو عسكريًا، وهو ما يجعل النص أقرب إلى خطاب تحريضي يسعى إلى استعادة الثقة أكثر من كونه تحليلًا تاريخيًا لبِنية التخلف. ذلك ما أسهم في بِناء بيئة مواتية للأجيال اللاحقة التي سعت إلى تطوير هذه الأفكار نحو وضع أكثر راديكالية وتشددًا تجاه معاني “العزلة الشعورية” و”العصبة المؤمنة” و”الاستعلاء الإيماني” عند المنظر الإخواني سيد قطب، وكذا “أستاذية العالم” وتاريخ المظلومية والمحن التاريخية التي ألمح إليها المرشد المؤسس حسن البنا في كتابه: “مجموعة رسائل حسن البنا”.

بينما أرسلان وغيره من التيار الماضوي التراثي الانتقائي يمنح العامل النفسي منزلة تفسيرية تكاد تكون مطلقة، تتراجع إلى الهامش العوامل البِنيوية التي أنتجت اختلال موازين القوة بين أوروبا والعالم الإسلامي، مثل الثورة الصناعية، وتراكم رأس المال، والتحولات التِقْنيَّة، وبناء الدولة الحديثة، والهيمنة في مجالات متعددة تِقْنيَّة ومادية ومعنوية أو معرفية، وتطور المعرفة العلمية والمؤسسات البيروقراطية.

النهضة الأوروبية والوعي بوصفهما مفسرين للتاريخ

لم تكنْ النهضة الأوروبية نتيجة قفزة علمية مباشرة ومباغتة، وإنما جاءت إثر تراكمات عديدة أعادت تكوين المجتمع الأوروبي منذ القرن الثاني عشر. فقد أدَّى ازدهار المدن التجارية، واتساع شبكات التبادل الاقتصادي، وظهور طبقة برجوازية ناشئة، إلى تقويض البِنى الإقطاعية التقليدية التي احتكرت السلطة والثروة والمعرفة لقرون. وعليه، برزت الجامعات الأوروبية لتكون مؤسساتٍ مستقلةً جزئيًا عن السلطة الكنسية، وأسهمت في إنتاج فضاء معرفي جديد انتقلت فيه المعرفة من الاحتكار اللاهوتي إلى البحث العقلي والنقاش النقدي. ولم تَعُدْ الجامعة مؤسسة تعليمية فحسب، بل أصبحت حقلًا لإعادة إنتاج النخب، وتطوير مناهج التفكير، وترسيخ مبدأ الجدل العقلي القائم على البرهان بدلًا من التسليم بالسلطة الدينية. وبالتوازي مع ذلك، شَهدت أوروبا تراجعًا تدريجيًا لاحتكار الكنيسة الكاثوليكية للحقيقة والمعرفة، خاصة بعد الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، وما أعقبه من صراعات دينية أفضت إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة، وبين الإيمان والعقل. ومن رَحِمِ هذه التحولات تبلورت الفلسفات الإنسانية ثم الفكر التنويري، الذي أسس لمركزية الإنسان، وسيادة العقل، والحرية الفردية، والنقد بوصفه أداةً لفحص السلطة والتقاليد والمؤسسات.

سوابق هذا الاتجاه كثيرة ومتعددة، بل إن الخطورة تَتَمَثَّل في الاعتماد على هذه المقاربات الماضوية والانتقائية للتراث التي تميل على نحو أكثر تشددًا باتجاه عسكرة المسلمين ضد الآخر. وليس خافيًا أن الأفغاني عدَّ الانجذاب للحضارة الأوروبية يؤدي إلى حَلْحَلَة العقيدة الدينية، كما يُبدد الهُوية الإسلامية العربية، وطالب، كما سيدعو التيار الإسلاموي أو يتبنى لاحقًا، بأولوية الرابطة الدينية الأممية على الجوامع الوطنية.

وهذا نص حوار لافت يُشير إليه المفكر هشام شرابي في كتابه: “المثقفون العرب والغرب” مع أحد الأشخاص والأفغاني، عندما باغته بسؤال[2]: “ألا ترى أيها السيد فرقًا بين حالتنا اليوم وحالتنا منذ ثلاثين سنة في الرُقي والأخذ بأسباب العمران، مما يصح لنا القول إننا تقدمنا تقدمًا ملموسًا؟”، فأجابه الأفغاني بالقول إن “ما نراه اليوم من حالة حسنة فينا، هو عين التقهقر والانحطاط، لأننا في تمدننا هذا مقلدون الأمم الأوربية، وهو تقليد يجرنا من طبيعته إلى الإعجاب بالأجانب، والاستكانة لهم، والرضى بسلطتهم علينا”.

الرؤية الإقصائية وأدلجة الوعي

ويضاف إلى ذلك، أن الأفغاني عدَّ المقاربات الفكرية الحداثية أو أي إنتاج معرفي من الحضارة الأوروبية هي تماثل “الاستعمار”، وبمنزلة هدف مشبوه له صفة تآمرية على الإسلام والمسلمين، وذلك ما يتضح في رسالته لـ “الرد على الدهريين”، عندما قال: “لما استقر الاستعمار في الهند شجع الإنجليز أحمد خان بهادور، وهو لقب تعظيمي في الهند، من صنيعتهم لخلع دين المسلمين، والتدين بمذهب الإنجليز. فألف كتابًا يُثبت فيه أن التوراة والإنجيل ليسا محرفين ولا مبدلين لإرضاء الإنجليز. وقال بالمذهب الدهري. فلا وجود إلا للطبيعة العمياء دون إله حكيم. وجميع الأنبياء كانوا طبيعيين. ومن ثم، يمكن التخلص من الشرع. ومن ثمَّ الجهاد، ودفع المسلمين إلى الشهوات والحياة الدنيا. وبنى الإنجليز له مدرسة عليكرة، مدرسة المحمديين لنشر الدعوة. فأوروبا لم تتقدم إلا بالمذهب الطبيعي. وقد كافأه الإنجليز بتعيين ابنه مولوي محمود عضوًا في مجلس قرية من قرى الهند لا يزيد حجمها على شبراخيت في مصر. ووعدوا كل من اتبعوه بتعيينهم في وظائف الحكومة. وهو دجال آخر الزمان، يهدف إلى محو الإسلام في الهند. فالدهریون هم جيش الحكومة الإنجليزية في الهند. واستمر تلميذه الأول سميع الله خان في تضليل المسلمين، وكان صديقًا للورد نورثبروك الذي كان يعمل على تنفير المصريين من الدولة العثمانية”[3].

إذًا، لا يُنظر إلى نصوص أرسلان بوصفها انعكاسًا موضوعيًا لحقيقة تاريخية، وإنما بوصفها بِناء خطابيًا تكوّن في سياق الصدمة الاستعمارية، وسعى إلى إعادة إنتاج الهُوية الإسلامية عبر تأسيس ثنائية حادة بين “الإسلام” بوصفه مصدر القوة والحضارة، و”المسلمين” بوصفهم سبب الانحطاط نتيجة ابتعادهم عن جوهر الدين. وتكشف هذه الثنائية عن آلية خطابية تجعل التراث بمنأى عن أي مساءلة تاريخية، في مقابل إرجاع عوامل التراجع إلى اختلال السلوك الإنساني للفرد المسلم وَحْده. ذلك ما يحتاج إلى تفكيك البِنية المعرفية التي انطلق منها، والكشف عن الافتراضات الضمنية التي يقوم عليها، وتحليل علاقته بخطابات النهضة والحداثة والاستعمار. فالسؤال الذي طرحه أرسلان ليس سؤالًا بسيطًا له إجابات سريعة وتلقائية عن أسباب التقدم والتأخر، بل يؤشر إلى أزمة الوعي العربي الحديث في سعيه إلى التوفيق بين التراث ومتطلبات العصر، وبين المرجعية الدينية ومنطق الدولة الحديثة، وبين مقاومة الهيمنة الغربية واستيعاب أدوات الحداثة التي أنتجتها تلك الهيمنة نفسها.

ويشير المفكر المصري علي مبروك في كتابه: “الحداثة العربية بين العقل والقوة”، إلى أن العربي والمسلم يعيش “غربة مزدوجة”، ويقول: “تتجلى في وقوفه على هامشه عاجزًا عن الإسهام الفاعل فيه، وعن تراثه، وتتجلى في عجزه عن الإمساك بجوهره الأصيل. فالأصل في تلك الغربة يكمن في عجزه عن إنتاج معرفة حقه ومنضبطة بهما”. تكشف أزمة التحديث في الفكر العربي والإسلامي عن إخفاق بِنيوي في إنتاج قراءة تاريخية ونقدية للتراث، إذ ظل المشروع الإصلاحي، في جانب واسع منه، أسير مقاربة تسعى إلى تكييف معطيات الحداثة داخل الأطر المفاهيمية الموروثة، بدلًا من إخضاع هذا الموروث ذاته للمساءلة التاريخية والنقد الإبستمولوجي. وقد انشغل بإضفاء الشرعية إلى المفاهيم الحديثة من خلال تكييفها القسري ومطابقتها مع النصوص التراثية وتجارِب السلف، في محاولة لإكسابها مشروعية ثقافية ودينية. وهكذا تحولت عملية التحديث إلى مشروع مستمر لـ “أسلمة” مفاهيم الحداثة، أسلمةً يُعاد بها تأويل الديمقراطية بوصفها امتدادًا لمفهوم الشورى، وتُقدَّمُ المواطنةُ بوصفها تجسيدًا معاصرًا لما يُستدعى من نماذج تاريخية مثل “العُهْدَةِ العُمَرِيَّة”، وتُقاس سائر المفاهيم السياسية والاجتماعية الحديثة على أمثلة موروثة يُفترض أنها تؤدي الوظيفة ذاتها. وبهذا المعنى، لم يكنْ المشروع الإصلاحي يُعيد إنتاج المفاهيم الحديثة بقدر ما كان يُعيد تأويلها داخل النسق التراثي، الأمر الذي أبقى العلاقة مع الحداثة محكومة بمنطق المطابقة والتماثل لا بمنطق القطيعة المعرفية وإعادة التأسيس.

إخفاقات خطاب النهضة

ومن ثم، لم يؤدِّ هذا المسار إلى إنتاج خطاب نهضوي تنويري حديث بالمعنى الفلسفي للكلمة، بل أسهم في تكريس ما يمكن وصفه بـ “التحديث المحافظ”، الذي يقبل مخرجات الحداثة الإجرائية، لكنه يرفض شروطها المعرفية والفلسفية. وتعثّرت فرص الانتقال من سلطة النص إلى سلطة العقل النقدي، ومن القراءات المعيارية إلى القراءة التاريخية، إذ ظل الخطاب الإصلاحي في مسارات دائرية يبحث عن شرعية الماضي لتبرير الحاضر، ما جعل الجدل حول الحداثة يعيد إنتاج الانقسام ذاته الذي طبع الفكر العربي منذ مئتي عام تقريبًا، حين تمحور الصراع الرمزي بين “العمامة” و”الطربوش” حول سؤال الأصالة والمعاصرة. ولم يكنْ هذا الصراع، في جوهره، خلافًا حول المفاهيم بقدر ما كان تعبيرًا عن اختلاف عميق في المرجعية المعرفية؛ بين رؤية تجعل التراث مرجعًا نهائيًا لإنتاج المعنى، وأخرى تنطلق من التاريخ والعقل والنقد بوصفها الأساس الذي تُبنى عليه مفاهيم الدولة الحديثة والمواطنة والحقوق والسياسة. ومن هنا، فإن إخفاق التحديث الديني لا يكمن في محدودية أدواته الإصلاحية فحسب، بل في عجزه عن إنجاز انتقال إبستمولوجي (بحقائقه غير المؤدلجة أو المسيّسة لاحقًا) من منطق استدعاء الماضي المتوهم إلى منطق إنتاج معرفة جديدة تستجيب لتحولات الدولة والمجتمع والإنسان في العصر الحديث.

ومن هنا تبرز أهمية مقاربة المشروع الأرسلاني بوصفه نصًا تاريخيًا يكشف بقدر ما يُخفي ويُبْطِنُ، كما يُعبّرُ عن لحظة معرفية تأسيسية أكثر مما يُقدّمُ نموذجًا تفسيريًا صالحًا لكل الأزمنة، وهو ما يُتيح إخضاعه لقراءة تفكيكية تستكشف بِنيته الخطابية، وتعيد مساءلة مسلماته.

وُلِدَ الأميرُ شكيب بن حمود بن حسن أرسلان في بلدة الشويفات بجبل لبنان عام 1869، في مرحلة كانت بلاد الشام تشهد تحولاتٍ سياسيةً واجتماعيةً عميقةً داخل بِنية الدولة العثمانية، وتتعرض في الوقت نفسه لتزايد الضغوط الأوروبية والتنافس الدولي على المنطقة. وقد انحدر من أسرة آل أرسلان، إحدى أبرز الأسر الإقطاعية الدرزية التي لعبت أدوارًا سياسية وإدارية بارزة في جبل لبنان منذ العهدين المملوكي والعثماني، الأمر الذي وفّرَ له منذ طفولته بيئة اجتماعية وثقافية جعلته قريبًا من دوائر السلطة والإدارة، ومدركًا لتعقيدات التوازنات الطائفية والسياسية التي حكمت المشرق العربي في أواخر القرن التاسع عشر. من ثم، فإن تكوينه المبكر لم يكنْ نتاج التعليم المدرسي وَحْده، بل كان أيضًا انعكاسًا لخبرة اجتماعية وسياسية تكوَّنت داخل فضاء أرستقراطي ارتبط تاريخيًا بمؤسسات الحُكْم العثماني وبالبِنية التقليدية للسلطة المحلية[4].

في حين ينتمي أرسلان إلى الطائفة الدرزية، وهي جماعة دينية تكوَّنت في القرن الحادي عشر الميلادي في إطار الدعوة الإسماعيلية الفاطمية، وامتازت عبر تاريخها بخصوصية عقائدية وتنظيمية جعلتها إحدى أكثر الجماعات تمايزًا داخل الفضاء الإسلامي. غير أن استحضار هذا الانتماء في دراسة مشروع أرسلان لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه محددًا حتميًا لفكره، بقدر ما يُمَثِّلُ أحد عناصر تكوين هُويته التاريخية. فقد حرص أرسلان، منذ بدايات نشاطه الفكري والسياسي، على تجاوز الانتماءات الطائفية المحلية، من خلال إعادة بِناء هُويته داخل أفق أوسع هو أفق الجامعة الإسلامية والعروبة الثقافية، بناءً لم يَعُدْ يقدم نفسه معه بوصفه ممثلًا للطائفة الدرزية، بل بوصفه مفكرًا معنيًا بمصير العالم الإسلامي بأسره. ويكشف هذا التحول عن إحدى السمات المركزية في مشروعه الفكري، وهي الانتقال من الانتماء المحلي إلى إنتاج هُوية حضارية جامعة، استجابةً للتحولات التي فرضها الاستعمار الأوروبي وأزمة الدولة العثمانية.

عليه، إن هذا الانتقال لا يخلو من دلالات أيديولوجية؛ إذ يعكس محاولة لإعادة صياغة الانتماء السياسي والثقافي على أساس الهُوية الإسلامية الكلية، بوصفها إطارًا قادرًا على تجاوز الانقسامات الطائفية والإثنية التي غذتها السياسات الاستعمارية. إلا أن هذا التصور، في الوقت ذاته، يعيد إنتاج تصور وَحْدَوِي يقوم على افتراض وجود ذات إسلامية متجانسة، متجاوزًا ما يكتنف المجتمعات الإسلامية من تنوعات مذهبية وإثنية وثقافية، وهو ما يجعل مشروع أرسلان أقرب إلى خطاب له وظيفة وحمولة سياسية.

أما على المستوى التعليمي، فقد تلقى أرسلان تعليمه الأولي في مدارس جبل لبنان، قبل أن ينتقل إلى مدرسة الحكمة في بيروت، التي كانت آنذاك إحدى أهم المؤسسات التعليمية في بلاد الشام. وهناك دَرَسَ اللُّغة العربية والعلوم الشرعية والتاريخ والأدب، لكن تكوينه الفكري الحقيقي لم يحدث داخل المؤسسة التعليمية وَحْدها، بل تبلور بصورة أساسية عبر التثقيف الذاتي والانفتاح على المجال الثقافي الذي شهدته بيروت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث كانت المدينة تُمَثِّلُ أحد أهم مراكز النهضة العربية الحديثة، ومجالًا لتفاعل التيارات الإصلاحية والقومية والليبرالية مع الفكر الأوروبي الحديث.

وقد أتاح له هذا المناخ الثقافي أن ينخرط مبكرًا في الحياة الأدبية والصحفية، وأن يطوّر أدواته اللُّغوية والبلاغية، حتى غدا واحدًا من أبرز كتاب العربية في عصره، وحظي لاحقًا بلقب “أمير البيان”. غير أن هذه البلاغة لم تكنْ موهبة أدبية فقط، بل تحولت إلى أداة لإنتاج خطاب إصلاحي ذي حمولة سياسية وإيديولوجية واضحة، وظّف اللُّغة الكلاسيكية والمرجعيات الدينية والتاريخية في بِناء سردية نهضوية هدفت إلى استنهاض الوعي الإسلامي ومقاومة الهيمنة الاستعمارية. ومن ثم، فإن قيمة البيان عند أرسلان لا تكمن في جمالياته اللُّغوية فحسب، بل في كونه أحد أهم آليات إنتاج السلطة الرمزية داخل مشروعه الفكري. وقد جمع في خطابه الإصلاحي التعبوي بين سلطة النص الديني، وقوة التراث، ومنطق الحِجاج السياسي، وهي خصائص ستظل ملازمة لمجمل إنتاجه الفكري، لا سيما في كتابه: “لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدَّم غيرهم؟” الذي يُمَثِّلُ ذُرْوَة مشروعه الإصلاحي.

محطات مفصلية في التكوين المعرفي لأرسلان

مثَّل لقاء شكيب أرسلان بالإمام محمد عبده (1849–1905) محطةً مفصلية في تطور مشروعه الفكري، إذ مثّل عبده عنده أكثر من مجرد أستاذ أو مرشد، بل كان المرجعية التي أسهمت في إعادة تكوين رؤيته للعلاقة بين الإسلام والعصر الحديث. فقد تبنى أرسلان كثيرًا من المرتكزات الإصلاحية التي دعا إليها عبده، وفي مقدمتها ضرورة تجاوز الجمود الفقهي، وإحياء الاجتهاد، وإصلاح التعليم، وربط الدين بمتطلبات العمران والتقدم. لكن أرسلان لم يكنْ مجرد امتداد فكري لمدرسة عبده، بل أعاد توظيف أفكارها في سياق سياسي مختلف، اتسم بتصاعد الاستعمار الأوروبي وانهيار الدولة العثمانية، الأمر الذي دفعه إلى إضفاء بعد سياسي واضح على المشروع الإصلاحي، وجعل قضية النهضة الإسلامية مرتبطة على نحو وثيق بمقاومة الهيمنة الأجنبية واستعادة القوة الحضارية للمسلمين.

كما ارتبط بعلاقة فكرية وثيقة مع رشيد رضا (1865–1935)[5]، الذي مثّل حلقة الوصل بين الإصلاح الديني والعمل السياسي، وكانت مجلة “المنار” الفضاء الأبرز الذي احتضن كثيرًا من كتابات أرسلان ومداخلاته الفكرية. ومن خلال هذا الفضاء الثقافي، انخرط في النقاشات المركزية التي شغلت الفكر العربي في مطلع القرن العشرين، وفي مقدمتها سؤال أسباب التقدم الأوروبي والتراجع الإسلامي، وإشكالية الإصلاح الديني، ومستقبل الدولة العثمانية، وحدود العلاقة بين العروبة والجامعة الإسلامية، فضلًا عن موقع الشريعة في الدولة الحديثة. غير أن هذه النقاشات لم تكنْ محض سجالات فكرية، بل مثَّلت الإطار المعرفي الذي تبلورت داخله أطروحته الشهيرة حول النهضة، التي سعت إلى إعادة بِناء الثقة بالذات الإسلامية في مواجهة الخطاب الاستعماري الذي كان يربط بين الإسلام والتخلف.

يمكن النظر إلى هذا التكوين الفكري بوصفه تعبيرًا عن انتماء أرسلان إلى ما التيار الإصلاحي والنهضوي العربي والإسلامي، الذي حاول التوفيق بين المرجعية التراثية ومنجزات الحداثة الأوروبية من دون القطيعة مع البِنية المعرفية التقليدية. غير أن هذا المشروع ظل يتحرك داخل أفق إصلاحي تقليدي ومحدودي يبدو تجميعيًا وتوفيقيًا أكثر منه نقديًا؛ إذ انشغل بالدفاع عن الإسلام في مواجهة الاتهامات الغربية أكثر من انشغاله بإخضاع التراث ذاته للمساءلة التاريخية والإبستمولوجية. ولذلك بقيت أطروحاته أسيرة منطق الدفاع الحضاري، الذي يسعى إلى إثبات قابلية الإسلام للتقدم، بدلًا من تفكيك الشروط البِنيوية التي أسهمت في إنتاج أزمات المجتمعات الإسلامية الحديثة.

ولم يقتصر حضور أرسلان على المجال الفكري في المشرق العربي، بل امتد إلى فضاء إسلامي واسع، مستفيدًا من شبكة واسعة من العلاقات مع نخبة من المفكرين والزعماء السياسيين، من بينهم محمد كُرد علي، وعبد العزيز الثعالبي، وعلال الفاسي، فضلًا عن عدد كبير من الإصلاحيين والوطنيين في المشرق والمغرب العربيين. وقد أسهمت هذه الشبكات العابرة للحدود في تحويله إلى أحد أبرز الوسطاء الفكريين بين الحركات الإصلاحية العربية والإسلامية، وجعلت كتاباته ومراسلاته أدواتٍ لتداول الأفكار وتنسيق المواقف السياسية في مواجهة الاستعمار الأوروبي[6].

كما تكشف هذه العلاقات عن أن أرسلان لم يكنْ مفكرًا يعمل داخل فضاء وطني مغلق، وإنما كان جزءًا من شبكة فكرية عابرة للقوميات تكوَّنت حول الصحافة العربية في لحظة الحداثة والتحديث، والمؤتمرات الإسلامية، والروابط السياسية والثقافية التي ربطت المشرق بالمغرب، والعالم الإسلامي بأوروبا. ولذلك يصعب فهم مشروعه بمعزل عن هذا الفضاء التداولي الذي أسهم في إنتاج الأفكار وتبادلها، وأعاد تكوين مفهوم النهضة بوصفه مشروعًا إسلاميًا عابرًا للحدود الوطنية الناشئة. وقد تعزز هذا البعد العابر للحدود بفعل إقامته الطويلة في أوروبا، لا سيما في جنيف، التي تحولت إلى مركز لنشاطه السياسي والفكري خلال العقود الأخيرة من حياته. فمن هناك قاد حملات واسعة للدفاع عن قضايا العرب والمسلمين، وعمل على مخاطبة الرأي العام الأوروبي بلغته ومفاهيمه، منددًا بالسياسات الاستعمارية الفرنسية والبريطانية في سوريا وفلسطين وشمال أفريقيا، وساعيًا إلى كسب التأييد الدولي لحركات التحرر الوطني. وقد منحته هذه الإقامة موقعًا فريدًا بوصفه وسيطًا بين المجالين العربي والأوروبي، ومكّنته من بِناء شبكة واسعة من العلاقات مع سياسيين وصحفيين ومستشرقين ومثقفين غربيين. لكن هذا الحضور الدولي لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد نشاط سياسي، بل بوصفه جزءًا من استراتيجية خطابية هدفت إلى إعادة تمثيل الإسلام أمام الغرب وإعادة بِناء صورة المسلمين داخل الفضاء الأوروبي.

خطاب مضاد للاستشراق

فمشروع أرسلان لم يكنْ موجهًا إلى الداخل الإسلامي وَحْده، بل كان أيضًا خطابًا مضادًا للاستشراق، سعى إلى تفكيك السردية الاستعمارية التي ربطت الإسلام بالتخلف والعجز الحضاري. ومع ذلك، فإن هذا الخطاب ظل يتحرك داخل الثنائية ذاتها التي أنتجها الفكر الاستعماري، أي ثنائية “الشرق/الغرب” و”الإسلام/الحداثة”، وهو ما يجعل مشروعه، من منظور ما بعد الكولونيالية، يتأرجح بين مقاومة الهيمنة الغربية وإعادة إنتاج بعض مقولاتها المعرفية بصورة معكوسة. ومن هنا تبرز أهمية إعادة قراءة تجرِبة أرسلان لا بوصفها نموذجًا مكتملًا للإصلاح، وإنما بوصفها لحظة تأسيسية في تاريخ الفكر العربي الحديث، تكشف حدود الخطاب النهضوي بقدر ما تكشف طموحاته، وتفتح المجال أمام مساءلة نقدية للعلاقة المعقدة بين الهُوية، والحداثة، والاستعمار، وإنتاج المعرفة في العالم العربي والإسلامي.

تحتل مقاومة الاستعمار بدورها موقعًا تأسيسيًا في فكر أرسلان، إذ لم يتعامل مع الظاهرة الاستعمارية معاملة احتلال عسكري أو هيمنة سياسية فقط، بل ضمن إطار مشروع حضاري متكامل يستهدف إعادة تكوين الوعي والهُوية وإنتاج علاقات جديدة للهيمنة الثقافية والمعرفية. فدعوته إلى الإصلاح لم تكنْ منفصلة عن مشروع التحرر، بل كانت تقوم على الربط العضوي بين النهضة العلمية، والإصلاح الاجتماعي، والاستقلال السياسي، وهي حلقات مترابطة في عملية استعادة الفاعلية التاريخية للمجتمعات الإسلامية. ورغم وعيه المبكر بالطابع الشامل للمشروع الاستعماري، بقي أرسلان أسيرًا منطق الثنائية الحضارية التي حكمت السجال مع الغرب؛ فهو يقابل المركزية الأوروبية بمركزية إسلامية مضادة، ويعيد بِناء الهُوية الإسلامية بوصفها كتلة متجانسة في مواجهة “الغرب” بوصفه وَحْدة متماسكة. وبهذا المعنى، فإن مشروعه لا يتحرر كليًا من البِنية الثنائية التي أنتجها الخطاب الاستشراقي، وإنما يعيد توظيفها بصورة معكوسة، الأمر الذي يجعل خطابه أقرب إلى خطاب دفاعي يسعى إلى استعادة الاعتبار الحضاري للإسلام، أكثر من كونه مشروعًا نقديًا يعيد مُساءلة المفاهيم التي تأسست عليها الحداثة والاستعمار معًا.

أب مؤسس للإسلاموية؟

من نافل القول إن أرسلان لم يكنْ مؤسسًا لحركة إسلامية منظمة، بالمعنى الحركي المباشر، كما أنه لم يضع نظرية متكاملة للإسلام السياسي بالمعنى الذي تطور لاحقًا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، إلا أن تأثيره الفكري والسياسي في الحركات الإسلامية الحديثة كان بالغ الأهمية. فقد مثَّل أحد أبرز الجسور الفكرية التي انتقلت عبرها أفكار الإصلاح الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر إلى الحركات الإسلامية التي برزت في العقود اللاحقة. ولم يكنْ تأثيره نابعًا من تأسيس تنظيمات أو أحزاب، بل من قدرته على إنتاج خطاب فكري وسياسي جمع بين المرجعية الإسلامية وقضايا التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار. وقد انعكس هذا التأثير بصورة خاصة في نشأة الخطاب الفكري للحركات الإسلامية الحديثة، التي تبنت عديدًا من القضايا التي دافع عنها أرسلان، وعلى رأسها عدُّ الإسلام مرجعية حضارية قادرة على تقديم إجابات عن التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات الإسلامية. فقد أسهمت كتاباته في تعزيز القناعة بأن النهضة الإسلامية لا يمكن أن تتحقق عبر التقليد الكامل للنموذج الغربي، وإنما من خلال إعادة تفعيل الموارد الفكرية والحضارية الكامنة داخل التراث الإسلامي نفسه.

ويبدو تأثير أرسلان واضحًا في الخطاب المبكر لجماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا (1906–1949) عام 1928. فعلى الرغم من غياب أي علاقة تنظيمية مباشرة بين الطرفين، فإن عديدًا من المبادئ التي أكدها أرسلان وجدت صداها في أدبيات الجماعة، خاصة فيما يتعلق بالربط بين الإصلاح الديني والعمل الاجتماعي والانخراط السياسي. كما أن اهتمام أرسلان بقضايا الأمة الإسلامية بوصفها وَحْدةً حضارية وسياسية أوسع من حدود الدولة الوطنية الحديثة أصبح جزءًا أساسيًا من التصور الإخواني لطبيعة العمل الإسلامي. كذلك كان لأرسلان تأثيرٌ ملموس في الحركات الإصلاحية الإسلامية في شمال أفريقيا، إذ أقام علاقات وثيقة مع عدد من الشخصيات التي لعبت أدوارًا محورية في تكوين الفكر الوطني والإسلامي في المنطقة. وقد أسهمت مراسلاته وكتاباته في دعم الحركات المناهضة للاستعمار الفرنسي، خاصة في تونس والمغرب والجزائر، الأمر الذي عزَّزَ من حضور أفكاره داخل الأوساط الإصلاحية التي جمعت بين الدفاع عن الهُوية الإسلامية والمطالبة بالاستقلال السياسي. وفي هذا السياق، لم يكنْ الإسلام عند أرسلان مجرد عنصر ثقافي أو ديني، بل كان إطارًا للتعبئة السياسية ومصدرًا للشرعية في مواجهة الهيمنة الاستعمارية.

ومن الجوانب المهمة في تأثيره أنه ساعد في ترسيخ نموذج جديد للمثقف الإسلامي؛ وهو المثقف الذي لا يكتفي بالإنتاج الفكري أو الوعظ الديني، وإنما ينخرط مباشرةً في القضايا السياسية والاجتماعية لعصره. وقد أصبح هذا النموذج مؤثرًا في عديد من منظري الحركات الإسلامية خلال القرن العشرين، الذين سعوا إلى الجمع بين النشاط الفكري والعمل التنظيمي والسياسي. وبهذا المعنى، أسهم أرسلان في إعادة تعريف دور العالم أو المفكر المسلم بوصفه فاعلًا سياسيًا واجتماعيًا، وليس مجرد منتج للمعرفة الدينية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين أرسلان وبين المنظرين اللاحقين للإسلام السياسي. فهو لم يقدّم تصورًا تفصيليًا لشكل الدولة الإسلامية أو طبيعة النظام السياسي الإسلامي، كما أنه لم يطوّر مفاهيم أصبحت لاحقًا مركزية في أدبيات بعض الحركات الإسلامية، مثل مفهوم “الحاكمية” كما صاغه أبو الأعلى المودودي (1903–1979) وطوره سيد قطب (1906–1966). كما أن اهتمامه الأساسي انصبّ على قضايا النهضة والتحرر والوَحْدة، أكثر من انشغاله بالبناء النظري الدقيق لمؤسسات الدولة الإسلامية.

ولهذا السبب، يمكن الانتباه إلى التأثير المتزايد لأفكاره عند الإسلام السياسي وتوظيفهم لها. فقد وفّر عديدًا من المفاهيم والإشكاليات التي ستصبح لاحقًا جزءًا من أجندة الحركات الإسلامية، مثل العلاقة بين الإسلام والحداثة، ودور الهُوية الإسلامية في مواجهة النفوذ الأجنبي، ومسؤولية النخب المثقفة في قيادة مشاريع الإصلاح المجتمعي. كما أن تأثيره استمر حتى بعد وفاته عام 1946، إذ واصلت كتاباته التداول داخل الأوساط الإسلامية والإصلاحية، خاصة كتابه “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟”، الذي ظل مرجعًا أساسيًا في النقاشات المتعلقة بأسباب التراجع الحضاري وسبل تحقيق النهضة. وقد ساعد هذا الحضور المستمر لأعماله في الحفاظ على تأثيره داخل مختلف التيارات الإسلامية، بما في ذلك التيارات التي اختلفت فيما بينها حول الوسائل والأهداف السياسية. من ثم، فإن أهمية شكيب أرسلان في تاريخ الإسلام السياسي لا تكمن في كونه مؤسسًا لتنظيم سياسي أو صاحب نظرية متكاملة للحكم الإسلامي، بل في دوره بوصفه حلقة انتقالية أساسية في تطور الفكر الإسلامي الحديث. فقد ساعدت كتاباته ونشاطه السياسي على تهيئة المناخ الفكري الذي ظهرت فيه الحركات الإسلامية المعاصرة، وأسهمت في صياغة عديد من الأسئلة التي استمرت هذه الحركات في التعامل معها طوال القرن العشرين وحتى الوقت الحاضر.

فيما سعى التيار الإسلاموي إلى انتقاء عناصر محددة من خطابه وإعادة تأويلها لخدمة تصوراتها الخاصة حول الصراع والهُوية والسلطة. ومن أبرز الجوانب التي تعرضت لإعادة التوظيف من قبل هذه الحركات تركيز أرسلان على فكرة التراجع الحضاري للمسلمين في مواجهة التقدم الغربي. إذ ألحّت التيارات المتشددة على توصيف ذلك واستمراريته ليكون دليلًا على وجود مواجهة وجودية وحتمية بين الإسلام والغرب. والأمر ذاته بخصوص أفكاره عن مقاومة الاستعمار الغربي لتبرير رؤى أكثر راديكالية للصراع السياسي المعاصر في إطار خصومة أيدولوجية ومغايرة عن سوابق الماضي التاريخية. فقد عدَّ أرسلان مقاومة الهيمنة الأجنبية حقًا مشروعًا للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وهو موقف كان شائعًا بين حركات التحرر الوطني في عصره. إلا أن بعض التنظيمات المتطرفة وسَّعت مفهوم المقاومة ليشمل أشكالًا من العنف العابر للحدود تستهدف أطرافًا مدنية وغير عسكرية، وهو ما يتجاوز الإطار التاريخي والسياسي الذي صاغ فيه أرسلان مواقفه المناهضة للاستعمار.

كما وجدت بعض الجماعات المتشددة في دفاع أرسلان عن الوَحْدة الإسلامية مادة قابلة لإعادة التفسير بما يخدم مشاريعها السياسية الأممية والدينية. وعاودت هذه الجماعات صياغة هذا المفهوم ضمن تصورات إقصائية تقوم على نفي شرعية النظم السياسية القائمة وفرض نماذج سياسية أحادية بالقوة. ويبدو واضحًا أن هذه القراءات تتجاهل طبيعة خطاب أرسلان الإصلاحي التدريجي، الذي ارتبط بالعمل الفكري والدبلوماسي والسياسي أكثر من ارتباطه بالمواجهة المسلحة.

هذه الاستمرارية الأيديولوجية المباشرة، تؤشر إلى وجود بعض المفاهيم المشتركة، مثل الدعوة إلى الوَحْدة الإسلامية أو نقد الهيمنة الغربية. وإذا كان من الصعب الحديث عن تأثير مباشر لشكيب أرسلان في الحركات الإسلامية المتطرفة، فإن دراسة كيفية إعادة توظيف أفكاره داخل بعض الأدبيات الراديكالية تكشف عن أنماط محددة من الاستحواذ الفكري التي خضعت فيها نصوصه إلى إعادة قراءة وظيفية لتحويل طروحاته لمسلمات أيديولوجية مغلقة تُستخدم لتفسير الواقع السياسي المعاصر. وثمة جانب آخر من الاستغلال الفكري يَتَمَثَّلُ في إعادة تأويل موقف أرسلان من الخلافة العثمانية. فقد نظر أرسلان إلى الخلافة بوصفها إطارًا سياسيًا يحول دون تفكك العالم الإسلامي في مواجهة القوى الاستعمارية الصاعدة. وبدورها، صاغت الحركات الإسلاموية هذه الرؤية خارج ظروفها وشروطها التاريخية الخاصة، وعاودت تعميمها لشرعنة أهدافها السياسية والأيدولوجية التي تزعم إعادة بِناء نظام الخلافة عبر الوسائل العسكرية، مع الأخذ في الاعتبار أن أرسلان ورغم دعوته إلى الوَحْدة السياسية الأممية بين المسلمين، لم يقدّم تصورًا تفصيليًا لشكل الدولة الإسلامية المستقبلية، بل انشغل أساسًا بالدفاع عن هذه الوَحْدة في ظل ظروف تاريخية محددة.

كما برزت محاولات لتوظيف نقد أرسلان للنخب السياسية والثقافية في العالم الإسلامي بطريقة تخدم الخطابات الإقصائية لبعض الجماعات الراديكالية. فقد انتقد أرسلان بعض مظاهر التغريب والقطيعة مع المرجعية الإسلامية عند فئات من النخب المتعلمة والمعلمنة في عصره. في المقابل، أعادت بعض التيارات المتشددة تفسير هذا النقد بوصفه رفضًا مطلقًا لأي انفتاح فكري أو سياسي، واستخدمته لتبرير مواقف أكثر تشددًا تجاه التيارات الفكرية الأخرى داخل المجتمعات الإسلامية.

الاستدعاء الوظيفي والمشاريع الأيدولوجية المعاصرة

كما سبقت الإشارة، مثَّلت كتابات أرسلان مرجعًا مُهمًا لعدد من مفكري الإسلام السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين، إلا أن استدعاء أفكاره لم يكنْ دائمًا مطابقًا لسياقاتها الأصلية أو لمقاصدها الفكرية. فقد عمد بعض المفكرين الإسلاميين إلى إعادة تأويل أجزاء من تراثه بما يخدم مشاريعهم الأيديولوجية المعاصرة، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الإسلام والسياسة، وأسباب تراجع المسلمين، وموقع الشريعة في مشروع النهضة.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك محمد عمارة (1931–2020)، الذي أسهم إسهامًا كبيرًا في إعادة تقديم شكيب أرسلان إلى الأجيال الجديدة من خلال تحقيقه ونشره لعدد من أعماله، وعلى رأسها “الأعمال الكاملة للأمير شكيب أرسلان”. غير أن عمارة لم يكتفِ بالدور التوثيقي، بل سعى إلى إدراج أرسلان ضمن سلسلة فكرية تمتد من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إلى الحركات الإسلامية المعاصرة. وفي هذا السياق، ركّز عمارة بصورة خاصة على الجوانب المتعلقة بالهُوية الإسلامية ومركزية المرجعية الدينية في النهضة، في حين أولى اهتمامًا أقل لعناصر أخرى في فكر أرسلان، مثل براغماتيته السياسية، وانفتاحه على النماذج المؤسسية الأوروبية، واعتماده على العمل الدبلوماسي والإصلاحي التدريجي. وقد أدَّى ذلك إلى تقديم أرسلان، في بعض الأحيان، بوصفه سلفًا فكريًا مباشرًا للإسلام السياسي المعاصر، رغم أن مشروعه الفكري كان أكثر تعقيدًا وأقل أيديولوجية[7].

أما يوسف القرضاوي (1926–2022)، فقد استدعى أرسلان بصورة متكررة، وخاصة في سياق الحديث عن أسباب تأخر المسلمين وسبل النهوض الحضاري[8]. وقد تبنى القرضاوي إلى حد كبير الإطار التفسيري الذي طرحه أرسلان، والقائم على أن الأزمة الأساسية للمجتمعات الإسلامية تكمن في الابتعاد عن القيم الإسلامية الحقيقية، وليس في الإسلام ذاته. إلا أن القرضاوي أعاد دمج هذه الأطروحات ضمن مشروعه الخاص الذي يقوم على شمولية الإسلام وضرورة حضوره في المجال العام والسياسي. ومن ثم، تحولت بعض أفكار أرسلان التشخيصية إلى مكونات داخل خطاب الإسلام السياسي المعاصر، الذي يمنح التنظيم السياسي الإسلامي دورًا محوريًا في عملية الإصلاح المجتمعي. كذلك نجد أن بعض الكتابات المرتبطة بحركة الإخوان المسلمين قد تعاملت مع أرسلان بوصفه أحد “رواد الصحوة الإسلامية”[9]، رغم أن هذا الوصف ينتمي إلى سياق تاريخي لاحق لم يكنْ أرسلان جزءًا منه. وقد أدَّى هذا التصنيف إلى إعادة تفسير مواقفه المناهضة للاستعمار ودفاعه عن التضامن الإسلامي ضمن إطار أيديولوجي أكثر تحديدًا، يرتبط بمشروع الإسلام السياسي في القرن العشرين.

وفي هذا الإطار، تبدو الثنائية المركزية التي يبني عليها أرسلان أطروحته الإسلام/الانحطاط، الإسلام/النهضة، الغرب/الهيمنة، ليست معطىً موضوعيًا، وإنما بِناءً تأويليًا يختزل شبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمؤسساتية في عامل ثقافي ديني واحد. فالنص يفسر التاريخ بمنطق أخلاقي، إذ يصبح الصعود نتيجة للالتزام الديني، والانحدار نتيجة للانحراف عنه، وهو ما يعيد إنتاج نموذج خطي يُغفل عن عمدٍ البِنى الأخرى التي سبقت الإشارة إليها. بينما أنتجت الحداثة الأوروبية، مثل الثورة الصناعية، وتطور الرأسمالية، وتحولات الدولة الحديثة، والاستعمار بوصفه مصدرًا لتراكم الثروة والمعرفة. إحدى أهم الإشكاليات التي يُثيرها النص الأرسلاني تَتَمَثَّلُ في نزوعه إلى إنتاج سردية كلية تفسر التاريخ الإسلامي بأكمله من خلال مبدأ واحد هو الالتزام أو الابتعاد عن الإسلام.

ولئن يبني أرسلان حُجته على سؤال مركزي: إذا كانت أوروبا واليابان واليهود حافظوا على دينهم وتقاليدهم وتقدموا، فلماذا يُطلب من المسلمين التخلي عن دينهم كي يتقدموا؟ وهنا تبدو المغالطة المنطقية واضحة ومقصودة في تركيبها اللُّغوي وإعادة بِناء سياق متخيّل وإقصائي، إذ يفترض أن دعاة التحديث كانوا يطالبون المسلمين بالتخلي عن الدين نفسه، في حين كان جوهر النقاش التاريخي يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدين والدولة والتعليم والقانون ومؤسسات الحُكْم. إذ لم تتقدم أوروبا لأنها بقيت مسيحية، بل لأنها أعادت تعريف موقع المسيحية داخل المجال العام، وأخضعت الكنيسة للدولة الحديثة، وحررت المعرفة والبحث العلمي من السلطة اللاهوتية. ولذلك فإن مقارنة “وجود الدين” في أوروبا بوجود الدين في المجتمعات الإسلامية تتجاهل الفروق البِنيوية بين الحالتين.

كما أن حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر تُعَدُّ إحدى أهم التحولات في التاريخ الأوروبي، ولم تقتصر على إحداث انقسام مذهبي داخل المسيحية الغربية، بل أعادت تكوين العلاقة بين الدين والسلطة والمجتمع، وأسهمت في تهيئة الشروط الفكرية والسياسية لقيام الدولة الحديثة. فقد جاءت الحركة في سياق أزمة عميقة عاشتها الكنيسة الكاثوليكية نتيجة تداخل سلطتها الرُوحيَّة مع نفوذها السياسي والاقتصادي، وما رافق ذلك من انتشار ممارسات أثارت جدلًا واسعًا، مثل بيع صكوك الغفران والمحسوبية الكنسية، الأمر الذي أضعف شرعيتها الدينية وفتح المجال أمام المطالبة بإصلاحها. غير أن الإصلاح البروتستانتي لم يكنْ حدثًا معزولًا، بل جاء امتدادًا لتراكمات فكرية سبقت القرن السادس عشر، قادها مصلحون أمثال: جون ويكليف وجان هوس، ثم عززها التيار الإنساني الذي مثّله إيراسموس، الذي طالب بضرورة العودة إلى النصوص المسيحية الأولى وإحياء البعد الأخلاقي للدين. وفي هذا السياق، مثَّل نشر مارتن لوثر أطروحاته الخمس والتسعين عام 1517 نقطة الانطلاق الفعلية للإصلاح، بعدما وجّه نقدًا مباشرًا إلى الأسس اللاهوتية التي استندت إليها السلطة البابوية، مؤكدًا أن الخلاص يقوم على الإيمان وَحْده، وأن الكتاب المقدس هو المرجعية الوحيدة للعقيدة، ما يعني نزع الاحتكار التأويلي عن المؤسسة الكنسية.

وسرعان ما تجاوز الإصلاح الإطار اللوثري[10] ليأخذ أشكالًا متعددة؛ فقد طور أولريش زوينجلي في سويسرا مشروعًا إصلاحيًا أكثر راديكالية في علاقته بالطقوس الكنسية، وأسس جان كالفن في جنيف منظومة لاهوتية وسياسية متماسكة، ارتكزت على الانضباط الأخلاقي وعقيدة الاختيار الإلهي، وأثرت بعمق في تطور الفكر السياسي والاقتصادي الأوروبي. وفي المقابل، ظهرت حركات أكثر تشددًا، مثل جماعات مجددي المعمودية، التي رفضت السلطة الدينية والسياسية معًا، مما عرّضها لاضطهاد واسع من الكاثوليك والبروتستانت على السواء. أما في إنكلترا، فقد اتخذ الإصلاح مسارًا مختلفًا، إذ ارتبط في بدايته بأسباب سياسية أكثر منها لاهوتية، عقب انفصال هنري الثامن عن الكنيسة الكاثوليكية وإعلانه نفسه رئيسًا للكنيسة الإنكليزية بموجب “مرسوم السيادة” سنة 1534، قبل أن تتطور الكنيسة الأنغليكانية لاحقًا إلى مؤسسة دينية مستقلة ذات خصوصية عقائدية وتنظيمية.

وبخلاف التبسيط والاختزال في نص أرسلان، فإنه يتعامل مع هذه التحولات كما الدين واللُّغة والعادات واللباس بوصفها كتلة واحدة؛ وكأن المساس بأي عنصر منها يعني انهيار الأمة. لكن التجرِبة التاريخية الحديثة تثبت أن الهُوية ليست قالبًا جامدًا، بل بِنية متحركة تتغير باستمرار. فاليابان التي يستشهد بها أرسلان لم تتقدم لأنها حافظت على تقاليدها كما هي، بل لأنها قامت بثورة تحديثية هائلة منذ إصلاحات ميجي، أعادت بِناء الجيش والتعليم والقانون والإدارة على أسس غربية كاملة تقريبًا. بمعنى آخر؛ اليابان لم تنتصر للتقاليد ضد الحداثة، بل أعادت إنتاج التقاليد داخل مشروع حداثي جديد[11].

النص الأرسلاني

وفيما يبدو أن النص الأرسلاني وهو يعمد إلى انتقاء أمثلة تخدم النتيجة المسبقة، يواصل بحثه عن نماذج تكشف جملة مفارقات وتناقضات، منها رئاسة ملك بريطانيا الكنيسة الإنكليكانية، لكنه يتجاهل أن السلطة الفعلية في بريطانيا ليست دينية، وأن القوانين تصدرها مؤسسات مدنية منتخبة. ثم يركز على النقاشات اللاهوتية داخل البرلمان البريطاني ليبرهن على حضور الدين في السياسة، لكنه يُغفل التحولات الكبرى التي جعلت الشرعية السياسية في أوروبا تستند إلى الأمة والمواطنة والدستور، لا إلى التفويض الإلهي. كما يهاجم أرسلان من يسميهم “المضللين” و”خدمة الاستعمار”، ويصور دعاة التحديث وكأنهم محض أدوات للمشروع الاستعماري. وهذه إحدى أبرز سمات الخطاب النهضوي المحافظ: تحويل الخلاف الفكري إلى اتهام أخلاقي أو سياسي، مع الأخذ في الحسبان أن الحداثيين العرب من أمثال: طه حسين أو علي عبد الرازق وبطرس البستاني وفرح أنطون وشبلي شميل ويعقوب صروف وفارس نمر، لم يكونوا عملاء للاستعمار.

المفارقة أن أرسلان يطرح سؤالَ التأخر، لكنه لا يواجه جذوره السياسية العميقة. فالتأخر الذي عاشه العالم الإسلامي لم يكنْ نتيجة ضعف التمسك بالدين أو قوته، بل ارتبط بعوامل أكثر تعقيدًا؛ الاستبداد السياسي بفعل النظام الملكي الوراثي والخضوع للإمبراطورية العثمانية لأربعة قرون انتهت بالاحتلالات والاستعمار لأقطار “رجل أوروبا المريض”، غياب المؤسسات الحديثة، ضعف الإنتاج العلمي، انهيار الاقتصاد الزراعي والتجاري، وهيمنة البِنى التقليدية على الدولة، ومن ثم، عجز النخب عن إنتاج معرفة جديدة. لكن النص يختزل الأزمة كلها تقريبًا في الدفاع عن الهُوية ضد التغريب.

خاتمة

في المحصلة، تبدو أطروحة شكيب أرسلان أقرب إلى دفاع ثقافي عن الذات الإسلامية منها إلى تحليل علمي لأسباب النهضة. فالمقاربة ليست هي أن نتمسك بالدين أم نتركه؟ بل: كيف نبني مؤسسات حديثة ودولة قانون ومجتمع معرفة، مع الحفاظ على حق المجتمع في التعبير عن هُويته الدينية والثقافية. كما افترض أرسلان أن الشعور بالعجز هو السبب المؤسس لكل أشكال الانحطاط، وأن المسلمين لو استعادوا ثقتهم بأنفسهم لأصبحوا قادرين على إنتاج النهضة كما أنتجها الأوروبيون. لكن هذا الافتراض، يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة. فالوعي الجمعي ليس نقطة البداية، بل هو في الغالب نتيجة لشروط اقتصادية وسياسية ومؤسساتية أعمق. فالثقة بالنفس تتولد داخل منظومات تعليمية وإنتاجية وقانونية تتيح للأفراد اختبار النجاح وتراكم الخبرة. ومن ثم فإن تحويل الأزمة إلى أزمة نفسية يجعل علاجها أقرب إلى الوعظ الأخلاقي منه إلى التحليل العلمي.

ويتجلى هذا المنحى الإرادوي في اللُّغة التي يستخدمها أرسلان؛ فهو يفسر مواقف مخالفيه بصفات من قبيل: “الذل”، و”الجبن”، و”صغار النفوس” و”خدمة الاستعمار”، ليظل محافظًا على طبيعة خطابه الدفاعي واستراتيجيته التعبوية.

المفارقة أن أرسلان، وهو يدافع عن النموذج الإسلامي، يمدح عمليًّا أهم أدوات الدولة الحديثة: الأمن ومركزية الدولة، الشرطة، وشبكات المياه، والكهرباء، والطرق، والإدارة الفنية، والهندسة، والبِنية التحتية. لكن هذه الأدوات لا تُعرض بوصفها نتاجًا للحداثة السياسية، بل بوصفها ثمارًا مباشرة للالتزام الديني. هنا تظهر إحدى أهم مفارقات النص؛ فهو يستخدم منجزات الدولة الحديثة لإثبات تفوق المرجعية التقليدية، ويتجاهل أن هذه المنجزات نفسها قامت تاريخيًا على تطور الإدارة الحديثة، والبيروقراطية، والعقلانية التِقْنيَّة، والمؤسسات المركزية. الأكثر خطورة في كتاب أرسلان، اختزال النهضة في مفهوم “التضحية”[12]، التي يساوي بينها وبين “الجهاد”، ويجعلها الأصل الذي تتفرع منه جميع العلوم والإنجازات الحضارية. فالعلم، في تصوره، ليس نقطة البداية، بل نتيجة لاحقة لإرادة قوية وعزيمة قادرة على استدعائه وتوظيفه. إذ يتحول مفهوم “الجهاد” إلى دال مفتوح يتجاوز معناه الفقهي التقليدي، ليشمل الإرادة والعمل والتضحية والإنتاج والتنمية والتعليم، بصورة تتطابق وتتماثل مع عملية عسكرة الذات والعلاقة مع الآخر. فـ “الجهاد” هنا لا يعود مفهومًا قانونيًا أو دينيًا محددًا، وإنما يتحول إلى استعارة كبرى تختزل جميع شروط النهضة. كما أن الانزلاق الدلالي، والحال كذلك، يكشف أن الخطاب يواصل البحث عن رموز تعبوية لها أغراضها الوظيفية. وهنا يصبح الخطاب أقرب إلى البيان السياسي بحمولة أيدولوجية.

هذا النموذج الإصلاحي الأخلاقوي يختزل التاريخ في الإرادة، ويُقصي العوامل البِنيوية والمؤسساتية التي تُعَدُّ أساسًا لتفسير التحولات الحضارية. كما يكشف أن مفاهيمه المركزية، مثل “الجهاد” و”التضحية” و”الإرادة”، تعمل بوصفها دوالًا عائمة تتسع لتفسير كل شيء، وهو ما يمنح الخطاب قوة تعبوية في ظل الخلط المقصود بين الوعي الديني والتراث والحداثة من دون محددات واضحة وتمييزيته على المستوى المفاهيمي أو التاريخي، لفصل المجال المقدس عن الدنيوي أو السياسي عن الديني.

 

_______________________________________________

المصادر والمراجع:

[1] شكيب أرسلان، كتاب: “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟”، طبعة إلكترونية، مؤسسة هنداوي.

رابط: https://www.safahat.org/books/69071351/

[2] المثقفون العرب والغرب، هشام شرابي، دار النهار للنشر، الطبعة الثالثة، بيروت، 1981، ص 140، 141

[3] العروة الوثقى، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، الآثار الكاملة الطبعة الأولى، القاهرة، 2002، إعداد وتقديم سيد هادي خسروشاهي ص٢، ص١٤٠-١٤١

[4] مرجع سابق، لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟

[5] مرجع سابق، لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟

[6] الشرباصي، أحمد. أمير البيان شكيب أرسلان. 2 ج. بيروت: دار الكتاب العربي، 1963.

[7] شكيب أرسلان. الأعمال الكاملة للأمير شكيب أرسلان. تحقيق وتقديم محمد عمارة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عدة مجلدات.

[8] يوسف القرضاوي. الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا. القاهرة: مكتبة وهبة، 1981.

[9] يوسف القرضاوي. الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف. القاهرة: مكتبة وهبة، 1982.

[10] The Editors of Encyclopaedia Britannica. (n.d). Reformation. Encyclopedia Britannica

Link: https://www.britannica.com/event/Reformation

[11] مرجع سابق، كتاب: “لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟”، مؤسسة هنداوي.

رابط: https://www.safahat.org/books/69071351/

[12] مرجع سابق، كتاب: “لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟”، مؤسسة هنداوي.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete