تكوين
“أن نغوص في قاع الهاوية، أو الجحيم، أو السّماء، ما الفرق؟
في قاع المجهول لنعثر عن الجديد”
شارل بودلير، “الرّحلة”، أزهار الشّرّ ([1]).
الحداثة هذه العبادة الجديدة
إن كان ينبغي أن نصف شعراء الحداثة التّقليديّين منهم والمجدّدين من محمود سامي البارودي إلى محمود درويش والأجيال الّتي تلتهما على اختلاف مشاربهم وأساليبهم الشّعريّة لقلنا إنّهم الشّعراء الّذين استفاقوا جميعا على حقيقتين:
- – الأولى أنّهم كانوا ورثة سنّة شعريّة ضاربة في القدم تربّوا على تقليدها وحفظها ونقلها إلى الأجيال الموالية،
- – والثّانية هو اكتشافهم لوجود عالم آخر جديد (خارج ديار الإسلام) أشعرهم بأنّ ثقافتهم (العربيّة الإسلاميّة) إنّما هي مجرّد ثقافة من صنف ثقافات ما قبل الحداثة prémodernes. فقد وقفوا باكرا، منذ حملة بونابرت على مصر، “على اختلافهم واختلاف غيرهم عنهم بفضل المقارنة الّتي مكّنتهم من رصد مقولة “الجديد” والإحساس بها وقد تمثّلت لهم دائما في هيئة الآخر الغريب الباعث على القلق.” ([2]).
وقد ترتّب من اجتماع الحقيقتين المؤلمتين معا:
- – أنّ السّلف الّذي ندين له بما خلّفه لنا من أرشيف ثقافيّ لم يكن يمثّل في رحاب الثّقافة الكونيّة سوى قطرات من محيط،
- – وأنّ الخلف من أبناء الأزمنة الحديثة قد صاروا لا يتحدّدون بمحاكاتهم لسابقيهم والاقتداء بهم، بل بتقليدهم لمعاصريهم الّذين صاروا يوفّرون لهم مناويل جديدة في التّفكير والإبداع. وليس تقليد المعاصرين سوى سباق مجنون في تقليد الجديد الّذي فاز بقصب السّبق على القديم وكانت له اليد الطّولى في المجال الثّقافي على الأقلّ ([3]).
ولكن من يكون مقترف جريرة التّجديد؟
من جهة نظريّة الثّقافة، تبيّن منذ عقود أنّ “تاريخ الثّقافات هو كذلك تاريخ عدم الارتباط بالسّابق” ([4]). أو لم يقل أحد النّاطقين باسم حركة الشّبّان بكلّ جدّيّة حوالي 1900 في ألمانيا أنّ الإنسانيّة قد وضعت في العالم عدوّها اللّدود “جيلها الشّابّ، أبناءها”. فهؤلاء هم أكثر من غيرهم متهيّئون ليكونوا أفرادا من عَبَدَة “الجديد” تجرّؤوا على التّفكير في التّحوّل الأخلاقي métamorphose morale وتغيير النّظرة الجماعيّة بثورة في الثّقافة تقطع على نحو عاصف مع سنّة السّلف. فهؤلاء المشاغبون من “الأبناء الضّالين”، و”خائني الأصل” و”حفّاري القبور” لا يحملون في رؤوسهم شيئا سوى الإصرار على عدم نقل السّنّة ورفضهم أن يكونوا ورثة السّلف ([5])، فأينما هبّت رياح التّجديد زلزل “أبناء العصر” ثقافاتهم الأصليّة بواسطة تنويع غير مرغوب فيه، قلّ ما كان يحدث في الأزمنة القديمة، ولكنّه صار مزمنا في الأزمنة الحديثة الّتي ستدّعي أنّهم هم من قام بشيء تقدّمت به البشريّة ([6]).
وقد عرفت الثّقافة العربيّة في مطلع قرنها الماضي ظهور جيل من المجدّدين نظّموا أنفسهم ومشاريعهم في حركات سياسيّة أو فكريّة أو أدبيّة أو فنّيّة ([7]) كانت تصبّ في اتّجاه واحد هي تشخيص “مرض الإسلام” ([8]) والخلاص من “المرجعيّة الدّينيّة والتّراثيّة كمعيار ومصدر وحيد للحقيقة” آنذاك بطرق مختلفة لعلّ أعنفها مشاريع دفن السّنّة والتّخلّص من جثّتها بـ”إسقاط العصمة من الماضي وأشكاله أو نماذجه” ([9]). وهي مشاريع “لم تتحقّق على نحو شامل وجذريّ إلاّ عند بعض الأدباء والمفكّرين والشّعراء كطه حسين وجبران خليل جبران وأبي القاسم الشّابي. فإذا كان طه حسين قد نزع بشكّه الدّيكارتيّ هالة القداسة الّتي أحاطت بالشّعر الجاهليّ وهيّأ جبران للموتى قبورهم فإنّ الشّابيّ قد سعى في الخيال الشّعريّ عند العرب إلى الخلاص الجذريّ من الجسد الشّعريّ القديم ببيان استحالة استمراره، لأنّ الأسباب الّتي أوجدته في الماضي قد طواها الزّمان فاندثرت” ([10]). ففي فقرة “فكرة عامّة عن الأدب العربي” من محاضرة “الخيال الشّعري عند العرب” الّتي ألقاها أبو القاسم الشّابّي في قاعة الخلدونيّة في غرّة فيفري من عام 1929، يصدر الفتى المحاضر حكما صارما على الأدب العربي القديم، نقتطف منها ما يلي:
“فأنا إذن عندما أقول ذلك عن الأدب العربي لا أزعم أنّه لا يلائم أذواق تلك العصور ولا أرواحها، ولكنّني أقول إنّه لم يعد ملائما لروحنا الحاضرة ولمزاجنا الحالي ولأميالنا ورغائبنا في هذه الحياة، فقد أصبحنا نرى رأيًا في الأدب لا يمثلّه ونفهم فهما في الحياة لا نجده عنده، ونطمح بأبصارنا إلى آفاق أخرى لم تحدّثه بها أحلامه ولا يقظاته. لقد أصبحنا نتطلّب أدبًا جديدا نضيرًا يجيش بما في أعماقنا من حياة وأمل وشعور، نقرؤه فنتمثّل فيه خفقات قلوبنا وخطرات أرواحنا وهجسات أمانينا وأحلامنا، وهذا ما لا نجده في الأدب العربي القديم. لقد أصبحنا نتطلّب أدبًا قويّا عميقا يوافق مشاربنا ويناسب أذواقنا في حياتنا الحاضرة بما فيها من شوق وأمل… وهذا ما لا نجده في الأدب العربي ولا نظفر به؛ لأنّه لم يُخلق لنا نحن أبناء هذه القرون، وإنّما خُلق لقلوب أخرستها سكينةُ الموت، أما نحن فما زلنا بعد من أبناء الحياة؛ ولهذا فلا ينبغي لنا أن ننظر إلى الأدب العربي كمثل أعلى للأدب الّذي ينبغي أن يكون، ليس لنا إلاّ احتذاؤه ومحاكاته في أسلوبه وروحه ومعناه، بل يجب أن نعدّه كأدب من الآداب القديمة الّتي نعجب بها ونحترمها ليس غير. أمّا أن يسمو هذا الإعجاب إلى التّقديس والعبادة والتقليد فهذا ما لا نسمح به لأنفسنا، لكلّ عصر حياته الّتي يحياها، ولكلّ حياة أدبها الّذي تنفخ فيه من روحها القشيب.” ([11]).
إقرأ أيضًا: الشخصية العربية الإسلامية وإشكالية الانتماء: بين مُعطى الاتباع ومطلب البناء الذاتي
تلفت هذه الفقرة الانتباه إلى ضمير المتكلّم “أنا” بصيغة المفرد الّذي صُرِّفت أقواله كذلك بضمير المتكلّم بصيغة الجمع، محدّدا، من هذا الانتقال من صيغة إلى أخرى، هويّته (وتكون في العادة بالجواب عن سؤال: من أنا؟) من موضع التّلفّظ، الّذي يتلفّظ منه بخطابه. فكلّ انتقال من صيغة إلى أخرى يترتّب عليه مرور من خطاب إلى آخر (“في السّابق كنت أقول…. والآن أقول لكم…”). ويدلّ هذا المرور على أنّ معرفة الذّات بميراثها الأدبي كانت تتغيّر في كلّ موضع تحلّ فيه، بحيث أنّ كلّ تغيّر في موضع التّلفّظ يكافئه في الآن نفسه مرور من خطاب إلى خطاب آخر ([12]).
من الطّريف أنّ محاضرة الشّابّي قد ألقيت في فضاء الخلدونيّة المدرسيّ الّذي كان يقدّم لمريديه تعليما ذا طابع تجديدي غير دينيّ يختلف عن التّعليم الزّيتونيّ. فالمكان الّذي ألقيت فيه المحاضرة قريب من روح المدرسة الحديثة أو الجامعة. فالموضع الّذي يتكلّم منه الشّابّي في محاضرته يترجم انتقال خطابه من “فضاء الجامع” إلى “فضاء الجامعة“. أمّا خطابه فقد كان يعرب عن انتقال من خطاب إلى خطاب آخر هو عند جاك لاكان Jacques Lacan انتقال ثوريّ وفق نظريّة الخطابات الأربعة، نعرضها على التّوالي دون شرح ولا تبسّط: خطاب السّيّد discours du Maître، وخطاب الجامعيّ discours universitaire، وخطاب الهستيريdiscours de l’Hystérique ، وخطاب المحلّل discours de l’Analyste ([13]).
غير أنّ موضع التّلفّظ الّذي كان يتكلّم منه الشّابّي في محاضرته لم يكن مترجما لخطاب الجامعة الّذي تنقلب فيه العلاقة بين الذّوات (في علاقة السّيّد والعبد) بجعل الحقيقة الّتي ظلّ يحتكرها السّيّد الأرستقراطيّ (الشّيخ، والإمام، والقطب، والفقيه، والقائد والمرشد …) مبذولة للعموم على نحو ديمقراطيّ. فهو وإن كان يتكلّم من فضاء مدرسيّ (الخلدونيّة) كان خطابه يعرب على نحو من الأنحاء عن هذا الانتقال الثّوريّ من خطاب السّيّد إلى خطاب الهستيريّ (لا الجامعيّ)، علما بأنّ الهستيريّ لم يعد عند فرويد أو لاكان مرضا، بل بنية. وقد مثّل الخطابَ الهستيريَّ تارة الصّوفيّ، وطورا المجنون، وأحيانا الشّاعر النّبيّ أو صاحب الرّؤيا. وقد قدّم أدونيس في سياق حديثه عن جبران خليل جبران، وعن جنونه الّذي حدث بزوال الحجب والاتّحاد بالشّمس والنّور والأصل، وصفا جيّدا لهذا الانتقال الثّوري من خطاب السّيّد، ويمثّله الله وبدائله، إلى خطاب الهستيريّ ويمثّله المجنون بهذه العبارة الطّريفة الّتي تستحضر بصريح اللّفظ جدليّة السّيّد والعبد الهيغليّة. يقول في الثّابت والمتحوّل: “بدءا من الجنون تتغيّر علاقات الإنسان مع الكون. وأوّل ما يتغيّر منها علاقته مع الله. ففي المقطوعة الثّانية من كتاب المجنون، وهي بعنوان “الله”، نفي كامل للعلاقة التّقليديّة بين الله والإنسان، وتأسيس لعلاقة جديدة. في هذه العلاقة الجديدة:
- أ – لم يعد الإنسان عبدا لله ولا خاضعا له، أي لم تعد علاقته به علاقة عبد بسيّد.
- ب – ولم تعد علاقة مخلوق بخالق.
- ج – ولم تعد علاقة ابن بأب.
- د – ولم يعد الله يجيء من الماضي، بل من المستقبل.
- هـ – هكذا أصبح الله والإنسان كيانا واحدا بمظهرين: الله غد الإنسان. الإنسان عرق والله زهرة العرق. وهما ينموان معا ‘أمام وجه الشّمس‘.
ونستطيع هنا أن نجد هنا ما يذكّرنا بالثّورة على الأب، في الجيل الحاضر. فالأب رمز للماضي. والله، كأب، رمز لما هو خارج التّاريخ، لا يتغيّر ولا يتجدّد، رمز لشريعة خارجيّة ثابتة، أي رمز كلّ ما يناقض المستقبل، لأنّ الوجود المليء الكامل، في النّظرة الأبويّة، هو الماضي، أمّا المستقبل فعدم ونقص. والابن، إذن، هو رمز التّغيّر والصّيرورة، رمز المستقبل. الأوّل رمز الانفصال فيما بين الكائنات، والثّاني رمز الوحدة.” ([14]).
وإذا كان استقراء الشّابيّ للتّراث الشّعريّ بحثا عن الخيال الشّعريّ إنّما هو في واقع الأمر استقراء قد وجّهته قراءة قائمة على النّفي فإنّ ما نقترحه هو تأويل لهذا النّفي لا يعتمد أيضا المرجعيّة الجديدة الدّاعية “إلى نمط جديد من الإنتاج الأدبي عموما والشّعر بوجه خاصّ” ([15])، وإنّما هو تأويل يدرج ظاهرة النّفي في أفق آخر هو أفق الهويّة الحديثة الملازمة لظهور الإنسان الحديث بوصفه إنسانا عميقا له دخيلة، أو أنا ذو عمق.” ([16]). ونعني لا محالة أفق الحداثة ومفارقاتها. ولعلّ أعظم مفارقاتها هو تقليص كينونة الإنسان الحديث في “الجديد”.
الحداثة أو عصر تقليص الكينونة في الجديد
عندما يحكم الشّابّي على الأساطير العربيّة بقوله: “ورأيي في هذه الأساطير هو أنّها [لا] حظّ لها من وضاءة الفنّ وإشراق الحياة، وأن [من المحال] أن يجد الباحث فيها ما ألف أن يجده في أساطير اليونان والرّومان من ذلك الخيال الخصب الجميل ومن تلك العذوبة الشّعريّة الّتي تتفجّر منها الفلسفة الغضّة النّاعمة تفجّر المنبع العذب، بل إنّه ليعجزه أن يلفي فيها حتّى تلك الفلسفة الشّعثاء الكالحة الّتي تطالعه في أساطير الإسكنديناف. فالآلهة العربيّة [لا] تنطوي على شيء من الفكر والخيال، و[لا] تمثّل مظهرا من مظاهر الكون أو عاطفة من عواطف الإنسان، وإنّما هي أنصاب بسيطة ساذجة شبيهة بلعب الصّبية وعرائس الأطفال، وبقيّة الأساطبر الدّينيّة [لا] تفصح عن فكر عميق أو شعور دقيق و[لا] ترمز لمعنى من المعاني السّامية، وإنّما هي أدنى إلى الوهم منها إلى أيّ شيء آخر لا أستثني من ذلك إلاّ أسطورة النّجوم فإنّ عليها شيئا من وضاءة الشّعر ونضارة الخيال.” (الخيال الشّعريّ عند العرب، ص33)، فإنّه بهذه الأحكام السّالبة لا يُعدم شيئا في الوجود ولا يؤثّر تأثيرا فعليّا في أحوال الأشياء، وإنّما يشكّل باللّغة صورة الذّات وهي تتفرّد بالانفصال عمّا كان يؤسّس وجودها الأوّل. هذا الانفصال هو لا محالة انفصال عن الماضي بكلّ رموزه، وانقطاع عن السّنّة الأدبيّة يتجاوز السّياق السّجاليّ الظّرفيّ بين المحافظين والمجدّدين ([17]). ففي الحداثة تتراخى الرّوابط وتضعف، فتصبح فيه القطيعة مع التّقليد والمأثور الأدبيّ والسّنّة الثّقافيّة هي الفعل الأوّل الّذي يعلن به الإنسان الحديث حداثته. فعندما أطلق أرتير رامبو Arthur Rimbaud في آخر قصيدة من قصائده النّثريّة “وداع” من ديوانه “موسم في الجحيم” هذه العبارة الشّهيرة «Il faut être absolument moderne» (ونترجمها حرفيّا: “ينبغي أن تكون حديثا حداثة مطلقة“) ([18])كان بذلك قد أطلق شعار الحداثة بوصفها رفضا عنيفا للقديم ([19]). وهو شعار قد تردّد صداه بعيدا حتّى وجدنا رَجْعَه في المشرق عند جبران خليل جبران وأدباء المهجر وغيرهم، وترجيعه في المغرب عند الشّابّي وتنفيذه في محاضرته الشّهيرة بهذه الكلمات:
“فـ[لا] ينبغي لنا أن ننظر إلى الأدب العربي كمثل أعلى للأدب الّذي ينبغي أن يكون، ليس لنا إلاّ احتذاؤه ومحاكاته في أسلوبه وروحه ومعناه، بل يجب أن نعدّه كأدب من الآداب القديمة الّتي نعجب بها ونحترمها [ليس] غير. أمّا أن يسمو هذا الإعجاب إلى التّقديس والعبادة والتقليد فهذا ما [لا] نسمح به لأنفسنا، لكلّ عصر حياته الّتي يحياها، ولكلّ حياة أدبها الّذي تنفخ فيه من روحها القشيب.”. (الخيال الشّعريّ عند العرب، ص105).
إقرأ أيضًا: دور اللغة العربية في تاريخ العلوم من خلال آراء بعض المستشرقين
فمن ينصت إلى منطوق هذه العبارة لا بدّ أن ينتبه إلى عمل النّفي الّذي تكرّر ثلاث مرّات لتقليص الأصل (الأدب العربي) بقطع سبل محاكاته واحتذائه وتقليده. ولا يتحقّق ذلك إلاّ بعدم تقديسه وعبادته، والبحث عن منوال جديد نجده في “روح العصر” Zeitgeist أو ما يسمّى بالفرنسيّة l’esprit du temps، إذ “لكلّ عصر حياته الّتي يحياها“. وعندما يغدو المرء إنسانا حديثا على نحو تامّ تضحي شريعته الوحيدة هي “عبادة الجديد” الّتي يتهافت فيها المبدأ الأنسابيّ le principe généalogique وكلّ تدبير جنيالوجيّ arrangement généalogique كان يضمن، في ثقافات ما قبل الحداثة، استمرار العلاقة الوثيقة بين السّلف والخلف. وبتهافته يبطل عمل النّقل acte de transmission، ويتعطّل نظام التّعاقب succsession. فالمبدأ الأنسابيّ ينهض على الوراثة الّتي تأبى التّجديد في نظامه الوراثيّ، لأنّ كلّ جِدّة في نظام السّلالة يعني إنشاء نسخ فاسدة من الأصل، وإنتاج صور تفتقد “الشّبيه” le semblable الّذي يضمن عودته على نحو أبديّ ([20]). وعندما شخّص الشّابّي في فصل “الرّوح العربيّة” من محاضرته كان أوّل عامل لاحظه في جمودها هو: “الوراثة. فقد كان العصر الأمويّ عصرا عربيّا صراحا في طبعه ومنزعه وشعوره، لم تختلط فيه الأمة العربية بغيرها من شعوب الأرض اختلاطا كبيرًا يدخل في نفسيتها عناصر أخرى غريبة عنها، ولا تبدل عليها الوسط الطبيعي الذي عاش فيه العرب الأوّلون، فظلت لذلك حافظة لميراثها الرّوحي الذي ورثته عن آبائها الأقدمين، معتزّة به لا تبغي عنه حولا ولا ترضى غيره. وظلت آداب هذا العصر شبيهة كلّ الشّبه بآداب الجاهلية الأولى، لا أثر للتجديد فيها” (الخيال الشّعريّ عند العرب، ص132، والإبراز إبرازنا).
إنّ عبارات من قبيل “حافظة لميراثها الرّوحي الّذي ورثته عن آبائها الأقدمين” أو “شبيهة كلّ الشّبه” دالّة على أنّ مقولة “الأصل” هي في جوهرها مقولة سلاليّة قد أصبحت عند أبناء هذا الزّمان وشبيبتهم غير مقدّسة. فعندما تصدر هذه العبارة “[لا] نسمح به لأنفسنا” من موضع التّلفّظ، وهو الموضع الّذي تصدر منه عبارة القانون ([21]) نكون أمام “أمر مطلق” impératif catégorique ([22]) مختلف عمّا كان يصدر من ذاك الموضع، يأذن فيه بقطيعة سلاليّة لا بين الأجيال فحسب، وإنّما بين العصور. فإذا كانت العصور الأدبيّة السّابقة “شبيهة كلّ الشّبه بآداب الجاهلية الأولى” فإنّ “روح العصر” ونداء الحداثة الّذي أطلقه رامبو “ينبغي أن تكون حديثا حداثة مطلقة” يجعلان من الأزمنة الحديثة الّتي أضحى فيها نسق التّجديد حثيثا سنّة متّبعة. وتلك واحدة من مفارقات الحداثة ([23]).
وعندما يضحي الجديد سنّة يصبح عشق الجديد néophilie عبادة. غير أنّ هذه السّنّة الّتي تجعل من مقولات مثل “التّطوّر” و”التّقدّم” و”التّجديد” قيما مقبولة في الحقل الإيطيقيّ اليوم، بما “أنّ الخير le bien هو ما يفتح إمكان تطوّر لاحق للشّخصيّة والحياة…” ([24]). وإن كنّا نميل إلى اعتبار هذه القيم ممثّلة لسرديّة الحداثة الكبرى الّتي وصفها هابرماس بأنّها مشروع ناقص غير مكتمل ([25]). ولذلك كان مشروع الحداثة مختلفا على نحو جذريّ عن مشروع التّحديث، ذلك أنّ “أفق الأوّل التّطوّر الّذي لا حدّ له، ولذلك فهو مشروع ناقص لم يكتمل، أمّا أفق الثّاني فهو التّقليد tradition لا المحاكاة imitation، لأنّ في المحاكاة خلقا وإبداعا، بينما التّقليد تكرار مفقّر للأصل على نحو مضحك كوميديّ.” ([26]).
وإذا كانت الحداثة خلقا وإبداعا للجديد بالمحاكاة لا يتوقّف بحثا عن كماله واكتماله، وهو ما يؤكّد أنّ “جوهر الحداثة هي بمثابة العصر الّذي تتقلّص فيه الكينونة في الجديد” ([27]) فإنّ الأساس الّذي ينهض عليه مشروع الحداثة محكوم بثلاثة عوامل أساسيّة تتعلّق بتغيّر آليات المحاكاة، وهي:
- – التّخلّي عن التّقاليد وهجرانها على أساس الانتماء أو الارتباط بحضارة أرقى
- – المشاركة في ضرب من الهجنة أو التّهجين المكره المسلّط من فوق (كالاستعمار والإمبريالية) ([28]).
- – انفصال ثقافة (قطريّة أو محلّيّة…) عندما تقطع علاقتها مع الثّقافة الرّسميّة المهيمنة (كالثّقافة العربيّة الإسلاميّة) بدعوى العودة إلى الينابيع (كـ”الفرعونيّة” أو “التّونسة” وما شابهها من النّزعات المحليّة) ([29]).
من اليسير تبيّن آليات المحاكاة الثّلاثة في الخيال الشّعريّ عند العرب، ولكن الأهمّ من ذلك هو أن نبيّن أنّ هذه الآليات قد تحقّقت إجرائيّا على صعيد الخطاب بعمل النّفي الّذي طغى على نحو لافت للانتباه في نصّ المحاضرة. ويمكن أن نورد أنموذجا منه من فصل “الخيال الشّعري والمرأة في رأي الأدب العربيّ“، نقتطف منه ما يلي:
“[لم] يعرف العرب و[لا] الشّاعر العربي تلك النّظرة الفنّيّة الّتي تعدّ المرأة كقطعة فنّيّة من فنون السّماء يلتمس لديها من الوحي والإلهام ما تضنّ به ينابيع الوجود… و[لم] يحاول الشّاعر العربي أن يحسّ بما وراء الجسد، من روح جميلة ساحرة، تحمل بين جنبيها سعادة الحبّ ومعنى الأمومة وهما أقدس ما في هذا الوجود، و[لا] بذلك القلب النّقيّ الّذي يزخر بأسمى عواطف الحياة وأشعارها، وأجمل أحلام هذا العالم الكبير، و[لا] شَعر بما بين هاته الطبيعة الكبرى وبين المرأة من اتّصال وثيق، حتّى كأنّها قلبها الإنساني، الّذي يحمل بسمة الفجر، ويأس الظّلام، ذلك شأوٌ [لم] تُحلّق فيه أجنحة الشّاعر العربي و[لا] نالته، بل و[لم] يطمح إليه بصره الّذي أَلِفَ مغاوره الأولى وكهوفه الضّيّقة… بل إنّ الشّاعر العربي [لم] يرفع بصره إلى ما هو أدنى من ذلك بكثير، فهو إذا حدَّث عن جمال المرأة [لم] يتحدّث عنه كفنّ مستقلّ متجرّد عن هاته المظاهر المادية الّتي تتّصل بالخصر والرّدف ونحوهما، وإنّما تحدَّث عن هذا الجمال المتهدّل (الّذي يوزن بالرّطل والقنطار من الشّحم واللّحم) كأنّما الجمال جسد يُجسّ ومادة تُمسّ، أمّا أن يتحدّث عنه كما يقول تاغور: (أمسكت يديها وضممتها إلى صدري، حاولت أن أملأ بحسنها ذراعي، وأن أنتهب بقبَلي ابتساماتها العذبة، وأن أترشف بعيني وميض أجفانها، ولكن، أواه! أين هي؟ من يستطيع أن يسلب من السّماء زرقتها؟ حاولت أن أقبض على الجمال ولكنّه غادرني غير تارك بين يدي سوى الجسد، فانثنيت خاسر النفس ك ِليلها، كيف يقدر الجسم أن يلمس الزهرة التي لا يقدر على لمسها غير الروح؟)، أمّا أن يتحدّث عن جمال المرأة، بمثل هذا الحديث، فذلك ما [لا] يستطيعه الشّاعر العربي بحال، وذلك ما [لا] يظفر به الباحث في الشّعر العربي كلّه…” (الخيال الشّعريّ عند العرب، ص72-73، والإبراز إبرازنا).
إقرأ أبضًا: الشخصية العربية الإسلامية وإشكالية الانتماء: بين مُعطى الاتباع ومطلب البناء الذاتي
لقد تواتر النّفيُ أو عمل النّفي في هذا الشّاهد، واطّرد في كامل المحاضرة، ممّا يحملنا على تأويله تأويلا يتجاوز العمل اللّغويّ وما يمكن أن ينشئه بالقول ([30]) إلى الاعتناء بموضوع النّفي، وهو ها هنا، في هذا الشّاهد، “الأصل”، أو ما مثّله من المؤوّلات “العرب” و”الشّاعر العربي” والشّعر العربي”. وهو نفي عجيب لأنّه يسلب من هذا الأصل ما ليس فيه كرهافة الحسّ والإحساس بالجمال، وما لا يملك كالنّظرة الفنّيّة الّتي تجعله ينظر إلى المرأة بأجنحة تحلّق في عوالم جمالها حتّى يتحدّث عنها “كفنّ مستقلّ متجرّد عن هاته المظاهر المادية الّتي تتّصل بالخصر والرّدف ونحوهما”. وعندما يصبح عمل النّفي سلبا للمعدوم لا للموجود في الأصل يضحي عمل النّفي يشتغل كما يشتغل الخطاب الهستيريّ. ولكن بأيّ معنى؟
ليست هذه البنية، بنية النّفي، في الخطاب الهستيري سوى طريقة تنهض على انقلاب في العلاقة بالمعرفة subversion du rapport au savoir. وعلى أساس هذا التّصوّر يضحي خطاب الهستيري شكلا من أشكال التّبادل المُمأسس بين الأشخاص، ولكنّه في كلّ الأحوال خطاب يشتغل على نحو سلبيّ لأنّه يضع عبارة الذّات موضع شكّ، ويُخضع قيمة أيّ موضوع للمراقبة إلى حدّ إنتاج معرفة أخرى مختلفة عمّا هو سائد من الحقائق. هذا الضّرب من الحقائق المولّدة بعمل السّلب، أو المسكونة بالسّلبيّ le négatif، هو ما بدا لنا ممثّلا للنّواة الصّمّاء من مشروع الشّابّي في محاضرته الشّهيرة، “فقد كانت خطّته الحجاجيّة في الخيال الشّعريّ قائمة على استقراء صَادَرَ فيه منذ البداية على المطلوب لمّا اعتبر أن ليس للعرب أدب ولا شعر لأنّه ليس لهم خيال شعريّ. فلو كان لهم هذا الخيال الشّعريّ كأمم اليونان والرّومان والأسكنديناف لكان لهم أدب. ولكن ليس للعرب خيال شعريّ، إذن ليس لهم شعر وليس لهم أدب.” ([31]).
وعندما يجرّد عمل النّفي، في خطاب الهستيريّ، “الأصل” من كلّ مزيّة وفضل فإنّه بذلك التّجريد يقلّص من أهمّيّة الأصل. وفي هذا السّياق، يعلّمنا نيتشه أنّه كلّما تعاظمت معرفتنا به تفاقمت في الآن نفسه تفاهة كلّ أصل ([32]). وحينئذ يمكننا تأويل عمل النّفي على أنّه تقليص réduction لقداسة الأصل الأدبيّ لم تكن محاضرة الشّابّي عن “الخيال الشّعري عند العرب” سوى استدلال بالخلف لبيان حدود الأدب العربيّ القديم وافتقاره للقوى الخياليّة الّتي يكون بها الفنّ والإبداع والجمال. ولكن عندما يتقلّص الأصل بدعوى افتقاره للقوى المجدّدة يضحي ذاك الافتقار دليلا على تقليص آخر يخصّ هذه المرّة الإنسان الحديث بوصفه إنسانا عميقا له دخيلة، أو أنا الأعماق ([33]). فالأدب الّذي لا يغوص في العميق الحميم الخفيّ في الأنا ولا يبذله للنّظر فلا يكون موضوعا للتّعبير بدل العالم الّذي كان موضوعا للمحاكاة الجامدة هو أدب فارغ لا يبوح بشيء ([34]). يقول الشّابي في محاضرته:
“أمّا شعراء العربيّة فلم يعبّروا عن مثل هاته الإحساسات الشّعريّة العميقة لأنّهم لم ينظروا إليها نظرتهم إلى رداء منمّق وطراز جميل لا تزيد عن الإعجاب البسيط. ومثل هاته النّظرة الفارغة لا ينتظر منها أن تشرق بالخيال الشّعري الجميل لأنّ الخيال الشّعريّ منشؤه الإحساس الملتهب والشّعور العميق. وشعراء العربيّة لم يشعروا بتيّار الحياة المتدفّق في قلب الطّبيعة إلاّ إحساسا بسيطا ساذجا خاليا من يقظة الحسّ ونشوة الخيال” (الخيال الشّعريّ عند العرب، ص67).
بهذه النّبرة اليائسة الّتي لا تتوقّع شيئا من الجسد الشّعريّ القديم يحدّد الشّابّي ملامح أفق انتظار مختلف عن الأفق القديم الّذي بناه النّقّاد القدامى على نظام العمود (عمود الشّعر، أو الأصل الشّعريّ المقدّس) تحدّدت فيه قواعد استقبال منفتحة على كلّ “جديد” و”جدّة” و”تجديد”، وهي في النّهاية الألفاظ الّتي تمثّل سرديّة الحداثة ووعيها بمشروعها غير المكتمل ([35]).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1] شارل بودلير، أزهار الشّرّ، “القصيدة “الرّحلة”، ضمن، الأعمال الشّعريّة الكاملة، ترجمة، رفعت سلاّم، القاهرة – مصر، دار الشّروق، الطّبعة الأولى، 2009، ص442. والشّاهد هو التّرجمة للسّطرين الأخيرين من القصيدة:
« Plonger au fond du gouffre, Enfer ou Ciel, qu’importe ?
Au fond de l’Inconnu pour trouver du nouveau ! »
[2] راجع دراستنا “”الميراث” و”الجديد”. تأمّلات في التّحوّلات الأدبيّة في الأدب العربي المعاصر”، ضمن كتاب، العادل خضر، يوتوبيات العبور1، العبور بالكلمات. كتابات في اليوتوبيا الأدبيّة، تونس، الدّار التّونسيّة للكتاب، الطّبعة الأولى، 2023، (ص.ص49-79)، ص50.
[3] انظر، Peter Sloterdijk, (2016) Après nous le déluge., Les Temps modernes comme expérience antigénéalogique., Traduit de l’allemand par Olivier Mannoni, Paris, Éditions Payot & Rivages, p210.
[4] Ibid, p212.، حيث يقول: « […] l’histoire des cultures est aussi l’histoire du non-rattachement à l’antérieur».
[5] Ibid, p220.، حيث يخبرنا بما يلي: “لمّا سجّل النّاقد الأمريكيّ ليون فيسالتيار Leon Wieseltier في قصّة حياته الّتي نشرها بعنوان “قدّيش” Kaddish في سنة حداده على أبيه المتوفّى سنة 1996، ذكر ما يلي: “أحيانا لا يعتبرونني بمثابة وريث السّنّة، بل بمثابة دميتها”، «Parfois je ne me considère pas comme l’héritier de la tradition, mais
.comme sa marionnette»، ويعلّق سلوترداك على هذا القول بأنّه يلمس القانون الأساسيّ لكلّ سنّة محفورة في الأعماق. فينبغي أن يكون المرء دمية حتّى يحلم بأن يصبح وريثا لها.
[6] Ibid, p212.
[7] خالدة سعيد، “الملامح الفكريّة للحداثة”، فصول مجلّة النّقد الأدبي، المجلّد الرّابع، العدد الثّالث، إبريل/ مايو/ يونية، 1984، الحداثة في اللّغة والأدب، الجزء الأوّل، (ص.ص25-33)، الّتي حاولت وصف ملامح هؤلاء المجدّدين في العالم العربي، المشرق خاصّة، في مطلع القرن العشرين. تقول: “[…] كما أنّ تجمّعات وحركات قد ظهرت في الحقبة نفسها تؤكّد أنّ الاتّجاه إلى زعزعة النّموذج، الّذي مثّله المفكّرون الثّلاثة (تقصد علي عبد الرّازق وطه حسين وجبران خليل جبران) لم يكن معزولا ولا استثناء. فقبل صدور كتاب طه حسين “في الشّعر الجاهلي” (1926) كانت جماعة من روّاد القصّة الواقعيّة تؤلّف تجمّعا باسم “المدرسة الحديثة”، وتصدر في عام 1925 بالقاهرة صحيفة اسمها “الفجر”، شعارها “الهدم والبناء”. ويربط يحيى حقّي في كتابه “فجر القصّة” بين النّزعة الواقعيّة الّتي مثّلتها جماعة “المدرسة الحديثة” وثورة 1919 المصريّة، مؤكّدا بذلك أنّ الحركة الأدبيّة جزء من تحرّك عامّ أو مرحلة تاريخيّة، تترابط ظواهرها، وتشترك في موقف التّمرّد والتّطلّع إلى الجديد، كما تشترك في اعتبار الإنسان الفاعل المؤهّل للتّغيير. يقول يحيى حقّي: “في أحضان هذه الثّورة نشأت موسيقى سيّد درويش ونشأ أدب المدرسة الحديثة.”. ويوضّح الدّور الّذي قامت به “المدرسة الحديثة” على لسان أحمد خيري سعيد، الّذي صدرت الصّحيفة باسمه: استطاعت هذه المجلّة أن تنشر آراء وأفكارا كانت جديدة وقتذاك، وكوّنت لها جمهورا مثقّفا صغيرا […] وهاجمت أفكارا عتيقة، فكانت آية صدق لشعارها: “الفجر، صحيفة الهدم والبناء”.”، ص26. والإبراز إبرازنا.
[8] نستعير عبارة “مرض الإسلام” من عنوان كتاب، Abdelwahab Meddeb, (2002) La Maladie de l’islam., Paris, Seuil, Les couleurs des idées.، الّذي شخّص هذا المرض على نحو مختلف.
[9] خالدة سعيد، “الملامح الفكريّة للحداثة”، م.م، ص27.
[10] راجع مقالنا “الشّوق إلى ذلك الآخر. مشروع قراءة في الخيال الشّعريّ عند العرب لأبي القاسم الشّابّي”، ضمن كتاب، العادل خضر، في الصّورة والوجه والكلمة، مقالات ميديولوجيّة، تونس، الدّار التّونسيّة للكتاب، الطّبعة الثّانية، 2015، ص167.
[11] أبو القاسم الشّابي، الخيال الشّعريّ عند العرب، ضمن الأعمال الكاملة، الجزء الأوّل، تونس، الدّار التّونسيّة للنّشر، أكتوبر 1984، ص105. والإحالات عليه ستكون في متن المقال لا في هامشه.
[12] انظر، Vincent Descombes, (1977) L’inconscient malgré lui, Paris, Les Éditions de Minuit, p18. الّذي بيّن أنّه يمكن حدّ هويّتي (بالجواب عن سؤال: من أنا؟) من موضع التّلفّظ، الّذي أتلفّظ منه خطابي، ثمّ تاريخ تغييرات المكان. فكلّ تغيير في المكان هو تصريف conversion. وكلّ تصريف هو مرور من خطاب إلى آخر (“في السّابق كنت أقول…. والآن أقول لكم…”). فإلى أيّ حدّ أكون أنا بعينه إن كنت لا أقول الأشياء نفسها؟ ومن أيّ موضع يجري تحوير مكان التّلفّظ؟
[13] سبق أن قدّمنا عرضا معتصرا لهذه النّظريّة في، مقالنا “ المفكّر الإسلاميّ الجديد أو لعبة استبدال الخطاب… مناقشة مقولة “الجديد” في كتاب “مفكّرو الإسلام الجدد” لرشيد بالزّين”، ضمن كتاب، العادل خضر، أزمة المسلم الأخير ونهاية التّديّن؟، مقالات وقراءات في النّقد الدّينيّ، تونس، تونس، الدّار التّونسيّة للكتاب، الطّبعة الثّالثة، ص.ص 175-187، نورد منه ما يلي: “ترجم لاكان علاقة [د1] بـ[د2] في صيغة كوجيفيّة هيغليّة تدور على جدليّة السّيّد والعبد. وقد خصّص لها كامل النّدوة السّابعة عشرة الموسومة بـ”قفا التّحليل النّفسي L’envers de la psychanalyse” (1970-1969). وقد كان موضوعها يخصّ الخطابات الأربعةLes quatre discours .
[14] أدونيس، علي أحمد سعيد، الثّابت والمتحوّل، بحث في الإبداع والاتّباع عند العرب، الجزء الثّالث، صدمة الحداثة، بيروت، دار العودة، الطّبعة الأولى، 1978، ص.ص172-173.
[15] محمّد قوبعة، “الشّعر في كتابات الشّابي النّثريّة”. ضمن المؤلّف الجماعي، دراسات في الشّعريّة: الشّابّي نموذجا، قرطاج، تونس، بيت الحكمة، الطّبعة الأولى، 1988، ص188.
[16] في مسألة الأنا العميق المرتبط بهويّة الإنسان الحديث نحيل على دراستنا “في الفرح الطّفوليّ، قراءة في الفضاء الانفعاليّ في أشعار أبي القاسم الشّابّي”، ضمن كتاب، العادل خضر، يوتوبيات العبور1، العبور بالكلمات. كتابات في اليوتوبيا الأدبيّة، تونس، الدّار التّونسيّة للكتاب، الطّبعة الأولى، 2023، ص93-121.
[17] من نماذج القراءة الّتي نزّلت مشروع الشّابّي في الخيال الشّعريّ عند العرب في السّياق السّجالي بين المحافظين والمجدّدين قراءة جابر عصفور الّذي أوجز الخطوط العامّة لهذا المشروع في مقاله، جابر عصفور، “قراءة في أبي القاسم الشّابي من “الخيال الشّعري …” مجلّة الفكر، العدد4، السّنة 30، جانفي 1985، الحلقة3، ص80، بقوله: “وينتمي كتاب الشّابي ـ الخيال الشّعري ـ إلى جانب النّفي في قراءة الماضي. ذلك لأنّ الكتاب ليس سعيا وراء اكتشاف الأبعاد الإيجابيّة أو الأصول الحيّة المتجمّدة في الشّعر العربيّ القديم. بل الكتاب ـ في جانبه النّظريّ ـ مواجهة ضمنيّة للعناصر المفهومة الجامدة الّتي يمثّلها كتاب محمّد الخضر حسين في الحاضر (يقصد كتابه الخيال في الشّعر العربيّ، القاهرة 1922). والكتاب في جانبه التّطبيقيّ مواجهة ظاهرة للعناصر الجامدة في شعر الماضي، خصوصا تلك العناصر الّتي رأى فيها الشّابّي أساس هذا “الأسلوب العربيّ الصّميم” الّذي يفرض به أمثال محمّد الخضر حسين سطوة الماضي على الحاضر. وكما تتّخذ هذه المواجهة خاصيتها التّأويليّة الّتي تؤكّد سلب الماضي في علاقته بالحاضر، تؤكّد المواجهة، بالقدر نفسه، حركة الحاضر في علاقته بالمستقبل.”.
[18] انظر قصيدة “وداع”، «ADIEU» من ديوان، Arthur Rimbaud, (1984) Poésies. Une saison en enfer & Illuminations., Préface de René Char., Édition établie par Louis Forestier., Paris, Seconde Éditions revue., nrf Collection poésie, Gallimard, p152.
[19] انظر، Antoine Compagnon, (1990) Les Cinq Paradoxes de la modernité, Paris, Éditions du Seuil, p19.، حيث ذكر في مطلع الفصل الأوّل من كتابه « «Il faut être absolument moderne», proclamait Rimbaud. Avec Rimbaud, le mot d’ordre du moderne explose, comme refus violent de l’ancien.»
[20] خالدة سعيد، “الملامح الفكريّة للحداثة”، م.م، ص32.
[21] انظر، Vincent Descombes, L’Inconscient malgré lui, op.cit, p.p124-125 يكتب الآخر الكبير بحرف التّاج Autre لتمييزه عن الآخر الصّغير autre الّذي يمكن أن يكون أيّ شخص. أمّا الآخر الكبير فهو موضع تلفّظ يمكن حدّه بمغايرته للذّات. وهو موضع يمكن أن تحلّ فيه على نحو عرضيّ أو طارئ هذه الذّات أو تلك، لتقول كلمة القانون. ولذلك وجب أن لا نتصوّر الذّات بمثابة ذات أخرى مزوّدة بهويّة معيّنة (كالذّات الإلهيّة أو القائد أو المشرّع…)، إنّه آخر الذّات الكبير l’Autre du sujet، أي الموضع الّذي تتلفّظ منه، وتقول ما تقول.
[22] جميل صليبا، المعجم الفلسفيّ، بيروت – لبنان، الشّركة العالميّة للكتاب، 1994، ج1، ص121، ومنه أخذنا ترجمة المصطلح الكانطي.
[23] انظر، Antoine Compagnon, Les Cinq Paradoxes de la modernité, op.cit, p10.، حيث يذكر المؤلّف في فاتحة كتابه، وعنوانها لا يخلو من مفارقة بدوره “سنّة حديثة، خيانة حديثة” «Tradition moderne, trahison
modern»، ما يلي: “لا يسمح البرجوازيّ لنفسه بأن يندهش. فقد رأى كلّ شيء. فقد باتت الحداثة في نظره سنّة. غير أنّ ما يجعله يتحيّر قليلا هو أنّ السّنّة صارت تقدّم اليوم على أنّها ذروة الحداثة.”، «Le bourgeois ne se laisse plus épater. Il a tout vu. La modernité est devenue à ses yeux une tradition. Seul le déconcerte encore un peu que la tradition se fasse aujourd’hui passer pour le comble de la modernité.».
[24] انظر، Gianni Vattimo, (1987) La Fin de la modernité, Nihilisme et herméneutique dans la culture post-moderne., Traduit de l’italien par Charles Alunni., Paris, Éditions du Seuil, p172-173.
[25] يورغن هابرماز، “الحداثة. مشروع ناقص”، مجلّة الفكر العربيّ المعاصر، مركز الإنماء القومي، بيروت، العدد39، أيار – حزيران، 1986، ص.ص 42-49.
[26] العادل خضر، أزمة المسلم الأخير ونهاية التّديّن؟، مقالات وقراءات في النّقد الدّينيّ، م.م، ص181.
[27] انظر، Gianni Vattimo, La Fin de la modernité, op.cit, p172-173.، حيث يقول: «[…] l’essence de la modernité comme l’époque de la réduction de l’être au novum. ».
[28] عبد الله العروي، السّنّة والإصلاح، الدّار البيضاء – المغرب، المركز الثّقافي العربي، الطّبعة الأولى، 2008، ص204-205، حيث يعرّف الاستعمار ودوره في تفكيك السّنّة بقوله: “الاستعمار غزو وتسلّط، يفسد القرى ويذلّ أعزّتها. فلا يلبث أن يفجّر بمحض وجوده النظيمة الفكريّة والعقائديّة والخلقيّة الّتي عملت السّنّة طوال قرون على تركيبها وتجليتها. […] الاستعمار هو الحدث بامتياز، فيه تتجمّع محرّكات التّاريخ. لم يعد بوسع أحد تجاهل آثاره. يحلّ الاستعمار ما عقدته السّنّة، ينثر ما نظمته، يضيء ما ألحّت على طمسه، يقوم بعملين متناقضين: يعيد إلى النّور ما ليس بسنّة، وفي الوقت نفسه يمنعه من أن يتطوّر إلى سنّة مضادّة، إلى بديل.”.
[29] Peter Sloterdijk, Après nous le déluge., op.cit, p211.، وقد بيّن المؤلّف أنّ هذه الأشكال الثّلاثة الّتي تتغيّر بها المحاكاة هي، من زاوية نظر تاريخ الحضارة، سماد التّنوّع وفوضى المعنى.
[30] راجع مقالنا “الشّوق إلى ذلك الآخر. مشروع قراءة في الخيال الشّعريّ عند العرب لأبي القاسم الشّابّي”، ضمن كتاب، العادل خضر، في الصّورة والوجه والكلمة، مقالات ميديولوجيّة، م.م، ص170-171، حيث تناولنا عمل النّفي من منظور لغويّ مؤوّلين دلالته تأويلا تحليليّا نفسيّا اعتنينا فيه بذات التّلفّظ في علاقتها بشوقها إلى الآخر الّذي يمثّله ثقافيّا الإنسان الرّومنطيقيّ.
[31] راجع مقالنا “الشّوق إلى ذلك الآخر. مشروع قراءة في الخيال الشّعريّ عند العرب لأبي القاسم الشّابّي”، ضمن كتاب، العادل خضر، في الصّورة والوجه والكلمة، مقالات ميديولوجيّة، م.م، ص168. وراجع كذلك مقالة محمّد قوبعة، “الشّعر في كتابات الشّابي النّثريّة”. ضمن المؤلّف الجماعي، دراسات في الشّعريّة: الشّابّي نموذجا، م.م، ص188، الّذي اختزل مشروع الشّابّي، فوصفه بكونه مشروعا في “انعدام الخيال الشّعريّ عند العرب أكثر ممّا هو تفصيل في ظاهرة الخيال الشّعريّ عندهم”.
[32] انظر الشّذرة 44 “الأصل والدّلالة” «Origine et signification» من كتاب، Friedrich Nietzsche, (2000) Aurore, Pensées sur les préjugés moraux, Paris, folio-essais., p47. ، حيث يؤكّد أنّ فهم أصل الأشياء يترتّب عليه بالضّرورة خلاص الإنسان”، «la compréhension de l’origine des chose entraînait le salut de l’homme» (والإبراز في النّصّ الأصليّ)، ثمّ يضيف بعد ذلك في عبارة حاسمة أنّ “فهم الأصل يقلّص من أهمّيّة الأصل: بينما الفوريّ، ذاك الّذي يحيط بنا وهو فينا قد بدأت ألوانه تتفتّح شيئا فشيئا، ويعرض لنا من آيات الجمال والألغاز والخيرات ما لم تتجرّأ البشريّة الّتي سبقتنا حتّى على الحلم به.”، «La compréhension de l’origine réduit l’importance de l’origine : tandis que l’immédiat, ce qui est autour de nous et en nous, commence progressivement à offrir des couleurs, des beautés, des énigmes et des richesses de signification dont l’humanité précédente n’osait même pas rêver.».
[33] انظر، Charles Taylor, (1998) Les Sources du moi., La formation de l’identité modern., Traduit de l’anglais par Charlotte Melançon, Paris, Éditions du Seuil, p.151.
[34] راجع مقالنا “الشّوق إلى ذلك الآخر. مشروع قراءة في الخيال الشّعريّ عند العرب لأبي القاسم الشّابّي”، ضمن كتاب، العادل خضر، في الصّورة والوجه والكلمة، مقالات ميديولوجيّة، م.م، ص171-172.
[35] انظر: Jürgen Habermas, (1988) Le Discours philosophique de la modernité, Douze conferences, Traduit de l’allemand par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, Paris, nrf Éditions Gallimard, p14. الّذي بيّن أنّ الوعي الحديث بالزّمن يتميّز بصفة عامّة بكون البون بين “فضاء التّجربة” l’espace de l’expérience و”أفق الانتظار” l’horizon d’attente ما فتئ يتّسع.