تكوين
الحِلَل هنا يُقصد بها أواني الطهي أو القدور، وليست “الحُلّة” بمعنى الملبس. وقد قصدنا هذا اللفظ لأن علاقة المرأة في ثقافتنا تتمركز غالبًا حول المطبخ؛ ومن هنا يأتي الاحتفال بعيد الأم في مصر عبر إهدائها أدوات أو أجهزة تساعدها في أداء دورها المعتاد، وهو ما يرسّخ الصور النمطية عن المرأة وارتباطها الدائم بـ”الحِلَل”، لذلك لزم التنويه.
في الحادي والعشرين من مارس من كل عام تحتفل مصر بعيد الأم، وهو مناسبة سنوية تُكرَّس لتكريم الأمهات وتقدير تضحياتهن. ومع تكرار الاحتفال عامًا بعد عام، تظل السرديات المرتبطة بهذه المناسبة شبه ثابتة، وكأنها جزء لا يتجزأ من طقوس هذا اليوم.
ينطلق الإعلام بكل قوته للاحتفاء بهذه المناسبة، داعيًا أفراد المجتمع إلى الاهتمام بأمهاتهم ورعايتهن، سواء على المستوى الفردي أو من خلال المؤسسات الاجتماعية والتنموية التي تسهم في تكريم الأمهات بتقديم الهدايا العينية لهن – والتي يدور أغلبها أيضًا حول أدوات المطبخ – وتنظيم الفعاليات الخاصة. كما يحرص التلفزيون على بث الأغاني القديمة والحديثة التي تمجّد دور الأم وتُعلي من شأنها، لتظل أغنية “ست الحبايب” التي غنّتها فايزة أحمد هي الأيقونة الأبرز التي تتربع على عرش هذه المناسبة.
وعلى صعيد آخر، ومع انطلاق الاحتفالات بعيد الأم في الشارع المصري، يتجدد الجدل كل عام بين فريقين: فريق يرفض الفكرة برمتها ويعتبرها “بدعة” و”ضلالة” لا مكان لها في الأعياد المتعارف عليها، وفريق آخر يرى في هذه المناسبة رمزًا للتعبير عن الحب والامتنان للأمهات اللاتي يقدّمن كل شيء من أجل أبنائهن.
- الفريق الأول، الذي يرفض الاحتفال بعيد الأم، يرى أن مكانة الأم كبيرة وثابتة في قلوب أبنائها، ولا تحتاج إلى يوم محدد للتكريم. ويبرّر موقفه بأن الاحتفال بهذه المناسبة هو “بدعة” لا داعي لها، وأن شراء الهدايا وتضخيم الأمور لا يعبر عن الحب الحقيقي للأم، بل يحوّل الأمر إلى فعل استهلاكي فحسب، ويختصر الاحتفاء الدائم إلى يوم في العام.
- أما الفريق الثاني فينظر إلى عيد الأم بوصفه فرصة للتعبير عن الامتنان والحب تجاه الأمهات، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها الكثيرات من الأمهات المصريات. فحياة الأم المصرية، في الغالب الأعم، هي سلسلة من التضحيات التي تبدأ منذ الحمل والولادة وتستمر طوال الحياة. فهي التي تكرّس حياتها لرعاية أبنائها وأسرتها، وغالبًا ما يأتي ذلك على حساب صحتها وراحتها الخاصة.
فالأم المصرية تواجه ضغوطًا هائلة نعيشها جميعًا ونلمسها، إلا أننا كثيرًا ما ننظر إليها بوصفها أمرًا عاديًا أو طبيعيًا أو متوقعًا. فهي التي تسهر لترضع طفلها، وتتحمل أعباء المنزل والعمل معًا، وقد تتعرض للطرد من عملها إذا “حملت”، لأنها سوف تكون – في نظر المؤسسة – “عبئًا” يقلل من إنتاجيتها.([1])
وحتى بعد الإنجاب، تصبح حياة النساء سلسلة من المهام التي لا تنتهي من إعداد الطعام، وتنظيف المنزل، ومتابعة الدروس، وتحضير الوجبات المدرسية، وحل المشكلات اليومية للأطفال. فهي التي تستيقظ قبل الجميع لتحضير الإفطار وتجهيز الأدوات المدرسية، ثم تخلد إلى النوم بعد الجميع وبعد أن تنهي كل مهامها.
أعرف الكثيرات منهن؛ كل ما يأملنه في الحياة هو كوب من الشاي أو فنجان من القهوة يحلمن به بمفردهن في هدوء مطلق. هذه الرغبة البسيطة أصبحت حلمًا لدى المرأة لا تستطيع تحقيقه في عجلة الحياة المتسارعة.
لكن لو انتقلنا من الجدل حول شرعية الاحتفال بعيد الأم إلى مظاهر هذا الاحتفال، نجد أن الهدايا هي العنصر المسيطر على المشهد. وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي تستحق منا التوقف والتأمل: ففي الوقت الذي نعبر فيه عن حبنا واحترامنا للأم التي تفني ذاتها في شؤون المنزل والمطبخ والطهي، نقدم لها هدايا غالبًا ما تكون أدوات مطبخية! نعبر عن امتناننا لها بـ”الحِلَل الفاخرة”، وكأننا نكرّس دورها التقليدي بدلًا من أن نحررها منه.
هذه الهدايا لا تعبّر فقط عن امتنان المجتمع والثقافة الشعبية تجاه المرأة، بل تكشف أيضًا عن تناقض عميق في عقلية المجتمع. فما يبدو كهدية ثمينة، هو في الواقع تأكيد للقيود التي تُكبلها داخل جدران المطبخ. إنها كمن يقدم للعبد طوقًا جديدًا للقيد بدلًا من أن يمنحه الحرية.
هذه المفارقة تدفعنا إلى التساؤل: هل نحن نحتفل بالأم حقًا، أم أننا نكرّس الصورة النمطية التي تحصرها في دورها التقليدي؟ هل نعبر عن امتناننا لها بتقديم ما يساعدها على التحرر من أعباء الحياة اليومية، أم أننا نقدم لها هدايا تعيد تأكيد هذه الأعباء؟
كلها تساؤلات تستحق منا وقفة تأملية جادة، وضميرًا يقظًا يشعر، وقلبًا صادقًا يتعاطف، وروحًا حقيقية تهتم. فالهدايا المرتبطة بالمطبخ كالخلاط مثلا، أو أطقم الحِلل، وأدوات الطهي عمومًا، تحمل دلالة فلسفية واجتماعية عميقة، لأنها تعكس تصورًا ضمنيًا لدور المرأة داخل الأسرة والمجتمع بوصفها هي التي تخدم وتطبخ وترعى الآخرين.
وهنا لا يبقى أمامنا سوى باب الفلسفة بابًا، للفهم والتنظير ومحاولة الرؤية. فإشكاليات عيد الأم يمكن النظر إليها من زاويتين أوسع: فلسفية واجتماعية. فالمسألة هنا لا تتعلق بمناسبة احتفالية فحسب، كما يبدو، وإنما بما تكشفه هذه المناسبة عن طبيعة القيم والعلاقات في المجتمع المصري، وعن الإشكاليات الفلسفية العميقة المتعلقة بالهوية والجسد والعمل والاعتراف الاجتماعي.
1- ما بين الاحتفال والواجب وشرعية الاعتراف
لنناقش أولًا الانقسام المجتمعي حول فكرة الاحتفال من الأساس. فالفريق الذي يرى أن مكانة الأم لا ترتبط بيوم واحد فقط، بل هي راسخة في الوجدان ومتجددة دومًا، ربما يتقاطع – من حيث لا يقصد – مع الفلسفة الأخلاقية عند إيمانويل كانط. إذ يطرح عيد الأم سؤالًا من منظور فلسفي أخلاقي حول طبيعة الواجب تجاه الأم. يرى كانط أن القيمة الأخلاقية للفعل لا تقوم على المناسبة أو الشعور المؤقت، بل على الإحساس الدائم بالواجب. ومن ثم قد يبدو الاحتفال هنا وكأنه تحويل للعلاقة الأخلاقية العميقة مع الأم إلى مجرد طقس رمزي محدود بزمن معين، فيصبح فعل البر والامتنان فعلًا مؤقتًا مرتبطًا بموعد محدد بدلًا من كونه التزامًا أخلاقيًا دائمًا.
لكن هذا لا يعني بالطبع أن نصطف إلى جانب هذا الفريق الذي يرى فكرة الاحتفال نفسها “بدعة”، وكأن العالم قد استنفد كل البدع ولم يبقَ أمامه سوى ما يتصل بالمرأة. فثمة خطاب ديني – لا نرى أنه يمت بصلة حقيقية إلى جوهر الدين – ينشغل في الغالب بشؤون المرأة فقط: ماذا تلبس، وكيف تمشي، ومتى تتحرك، وفي أي اتجاه تسير. وكأن هذا الخطاب قد تفرغ لكل ما يتعلق بالنساء. وهو ما لا يمكن اعتباره فكرًا، بقدر ما يبدو نوعًا من الهوس المرضي، الذي يرتبط في كثير من الأحيان بمخزون نفسي من الكبت.
غير أنه يمكن تعميق النقاش حول هذه المسألة من خلال تحليل مفهوم “الاعتراف” الذي طرحه الفيلسوف أكسل هونيث Axel Honneth (-1949). فهو يرى أن كرامة الفرد وهويته لا تتشكلان بصورة معزولة عن المجتمع، بل عبر علاقات الاعتراف المتبادل داخل الفضاء الاجتماعي. فالإنسان، في نظره، لا يحقق تقديره لذاته إلا عندما يُعترف به داخل مجتمعه بوصفه كائنًا ذا قيمة. وقد طوّر هونيث هذه الفكرة في كتابه “السعي نحو الاعتراف” )“The Struggle for Recognition”[2]) (1992)، حيث بيّن أن كثيرًا من الصراعات الاجتماعية تنشأ في الأساس بسبب غياب الاعتراف أو تشوّه صوره.
ومن هذا المنظور، ربما يمكن فهم قيمة الاحتفال الرمزي بعيد الأم بوصفه شكلًا من أشكال الاعتراف الاجتماعي. فمن المفترض أن يسعى المجتمع، كما يدّعي دائمًا، إلى التعبير عن الامتنان والتقدير للعمل الرعائي والعاطفي الذي تقوم به الأم. غير أن الإشكالية الفلسفية الحقيقية تكمن في طبيعة هذا الاعتراف نفسه: هل هو اعتراف بالمرأة بوصفها ذاتًا إنسانية كاملة ومستقلة، أم أنه اعتراف بدورها الوظيفي داخل الأسرة فقط؟
وعند التأمل، نجد أن المبدأ الذي يحكم هذا الاعتراف يبدو قريبًا – على نحو ضمني – من منطق “الغاية تبرر الوسيلة” المنسوب إلى نيقولا مكيافيلي. فالاعتراف بالمرأة هنا يبدو مرتهنًا بشروط تحدد هويتها مسبقًا: إذ تُختزل هويتها أولًا في الأمومة، ثم تُرسم لها حدود “المرأة الصالحة” في مختلف مجالات الحياة، وهكذا تتحول الهدية نفسها إلى علامة رمزية تحمل دلالة اجتماعية أعمق.
فهذه الهدايا، في حقيقتها، ليست للأم بقدر ما هي لأنفسنا. نحن نقدمها لأننا نعلم أن “الأم الصالحة” في مجتمعنا هي التي لا تفكر في ذاتها أبدًا، بل تكرّس حياتها بالكامل لخدمة أسرتها. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: فنحن نكافئ الأم على تضحياتها بأن نزيد من أعبائها، ونعزز الصورة النمطية التي تحصرها في دورها المنزلي.
هذا التناقض الثقافي يجعلنا غير مؤهلين للاحتفال الحقيقي بعيد الأم. فكيف نحتفل بالأم بينما نكرّس الأدوار التي تقيدها؟ وكيف نعبر عن حبنا لها، بينما نغض الطرف عن أشكال الظلم التي تتعرض لها يوميًا؟
والآن نعود إلى الإشكاليات الفلسفية التي يطرحها هذا الموضوع، من مسألة الهوية إلى علاقة المرأة بالجسد، وكيف ترى العالم وتختبره من موقعها داخل هذه البنية الاجتماعية.
2- اختزال الهوية
إذا أجرينا تحليلًا نسويًا لهذه الظاهرة، سنجد أن عيد الأم يُنظر إليه بوصفه خطابًا ثقافيًا يرسّخ صورة محددة للمرأة، هي صورة المرأة “الأم المضحية”. وهنا ينتعش المفهوم الغربي للأم الصالحة “Good Mother”.وهو مفهوم مركزي في الدراسات النسوية الغربية، ويرتبط بالنقد الاجتماعي والثقافي لأدوار المرأة. إذ لا يُعد مجرد توصيف شخصي، بل يمثل صورًا نمطية للنساء مرتبطة بالتضحية والإيثار، ويحلل البنية الاجتماعية والقيمية للمجتمعات. وقد أكدت مفكرات مثل جوان تشارلزJoan Charles وميشيل وولف Michel Woolf أن الأفكار الغربية عن الأم المثالية هي التي تحدد بوضوح ما يعتبره المجتمع نجاحًا أخلاقيًا للأمومة. وقد ناقشت مفكرات مثل سيمون دي بوفوار القوالب التي تفرضها الأدوار الاجتماعية بوصفها محددًا مسبقًا لهوية المرأة. ففي تحليلها الشهير لكيفية تشكّل الهوية الجندرية داخل المجتمع، طرحت الفكرة المعروفة: “لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك”.
من هذا المنظور، تبدو الصورة التي تتشكل أمامنا أكثر تعقيدًا؛ إذ إن الاحتفاء بالأمومة قد يتحول – من دون قصد – إلى تكريس لفكرة أن القيمة الأساسية للمرأة تكمن في دورها الأمومي. وهنا يحدث اختزال لهوية المرأة في الأمومة؛ فتصبح المرأة – في المخيال الاجتماعي – كائنًا خُلق لكي يكون أمًا وزوجةً وربة منزل، بل وعاملة جيدة أيضًا. ويُكتسب مفهوم “الصلاح” هنا من خلال قيامها بكل الأدوار التي ينتظرها المجتمع منها، لا من خلال اكتشافها لذاتها أو تحديد ما تريده لحياتها.
فالزوج ينتظر منها أداء مهامها الزوجية، والأبناء ينتظرون منها أدوار الرعاية، والمجتمع ينتظر منها أن تكون امرأة عاملة ومنتجة. لكن المرأة، في المقابل، لا يُسمح لها أن تنتظر شيئًا لنفسها؛ لأن مجرد انتظارها أو مطالبتها بشيء قد يُفقدها صفة “المرأة الصالحة” التي يمنحها المجتمع لها بوصفها مكافأة رمزية على امتثالها لهذه الأدوار.
ولا يتوقف تدخل الثقافة عند حدود الأدوار الاجتماعية فحسب، بل يمتد حتى إلى تجربة المرأة مع جسدها ذاته. ففي تحليلها الفينومينولوجي لتجربة الجسد النسوي، تبيّن الفيلسوفة إيريس ماريون يونج – في مقالها الشهير عن أنماط الحركة النسوية والجسد([3]) – أن النساء كثيرًا ما لا يعشن حتى تجاربهن الجسدية بوصفها خبرة ذاتية حرة، لأن الثقافة تفرض عليهن طريقة محددة للتعامل مع أجسادهن. فهي تقول إن النساء يعشن في حالة مراقبة دائمة لأجسادهن، للتأكد من أنها تؤدي الدور المتوقع منها، لا لاكتشاف العالم من خلالها. على الأقل كما أكد ميرلوبنتي بأن الجسد هو وسيطنا لفهم العالم وإدراكه.
وبهذا المعنى، تصبح “المرأة الصالحة” هي تلك التي تستخدم جسدها أساسًا في الإنجاب وأداء الدور الأمومي. وهنا تطرح يونج سؤالًا فلسفيًا بالغ الأهمية: ماذا لو استخدمت المرأة جسدها في بناء هوياتها الخاصة، أو في اكتشاف العالم بطريقتها؟
إذا أردنا احتفاءً حقيقيًا بالمرأة – سواء كانت أمًا أم لا – فعلينا أولًا أن نتوقف عن التدخل المستمر في وجودها وتجاربها. علينا أن نمنحها مساحة من الحرية لتختار، وأن نتوقف عن إصدار الأحكام القيمية التي تنهال عليها في كل مناسبة. فالدولة تستند إلى عملها اقتصاديًا، والأسرة تطالبها بتضحيات متتالية، وكأن العالم كله يتآمر على سد منافذ اكتشافها لذاتها.
تأتي الفتيات إلى العالم ليتم “برمجتهن” منذ البداية على أعمال الرعاية والعناية بالآخرين، لا على العناية بأنفسهن. وإذا حاولت المرأة أن تفعل ذلك، وُصفت بالأنانية أو القسوة. ثم ما إن تنتسب إلى مؤسسة الأسرة حتى يُطلب منها أن تضحي بكل شيء، وإلا فكيف يمكن أن تكون “زوجة صالحة”؟ ويُنتظر منها أن تصبح أمًا أيضًا، وإلا فما الغاية من وجودها؟
حتى الاقتصاد لم يترك لها مساحة للراحة؛ إذ يُطلب منها أن تشارك في مواجهة أزماته المتتالية. فنحن – في مصر على الأقل – نعلم جيدًا أن النساء غالبًا ما يتحملن المسؤولية التنفيذية للحياة اليومية، فالزوج يعمل ويأتي بالدخل المالي الذي لم يعد في أغلب الأحيان متناسبًا مع الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لكن المسؤول عن إنجاح هذه المعادلة الصعبة في النهاية هن النساء.
إنها معادلة يختل فيها أحد الطرفين إلى أقصى حد، بينما يُطلب منهن ضبط الطرفين معًا، وإعادة التوازن، وإنجاح النتيجة في كل الأحوال، مما يمثل ضغطًا عقليا ونفسيًا كبيرًا.
بهذا المعنى، لم تعد المرأة مجرد “صناعة اجتماعية” كما طرحت سيمون دي بوفوار من قبل، بل يبدو أن هذا الطرح قد تطور اليوم إلى صورة أكثر قسوة: صورة المحاربة المستأجرة التي يُطلب منها الدفاع عن الجميع، من دون أن تتلقى أجرًا حقيقيًا على هذا القتال. ولا حتى تستطيع استخدامه في الدفاع عن نفسها.
3- العمل غير المرئي للأم
يمكننا طرح إشكالية العمل غير المرئي للأم؛ فالعمل الذي تقوم به الأم من رعاية وتربية وتعليم وتنظيم لكل شؤون الأسرة غالبًا لا يُمنح قيمة اقتصادية. ونعلم أنه في المجتمعات الرأسمالية، يكتسب الفعل قيمته من موقعه في الاقتصاد. وهو جزء من منظومة الاعتراف الاجتماعي سالف الذكر، وهنا تكمن المفارقة: فالعمل المنزلي يُعتبر وظيفة ذات أجر مرتفع في مجتمعاتنا إذا قامت به امرأة أخرى من خارج الأسرة، بينما إذا أدته الأم نفسها، فإن هذا العمل يفقد قيمته الاقتصادية ولا يُعترف به اجتماعيًا.
هذه إشكالية حقيقية تستحق التحليل. فإذا كان الفعل يكتسب مكانة اقتصادية بالفعل، فلماذا تُفقد هذه القيمة بمجرد تغيير الشخص الذي يؤديه؟ أليس هذا سؤالًا وجيهًا؟
حينما تم طرح فكرة ربط الأعمال المنزلية بالقيمة الاقتصادية في مجتمعنا، أثارت الفكرة جدلًا واسعًا. وتم رفضها على نحو سطحي، بحجة أنها تفكيك للأسرة وتشجيع النساء على التمرد. وظهرت الاتهامات بأن الهدف هو إجبار الرجل على دفع ثمن خدمات المرأة، بينما الواقع أن الأمر لم يكن يتعلق بمنح الزوجة أجرًا شخصيًا، بل بإعطاء العمل المنزلي قيمة اقتصادية عامة.
فالعمل المنزلي لن يحظى بالاعتراف الاجتماعي إلا إذا ارتبط بالقيمة الاقتصادية، وهذه طبيعة المجتمعات اليوم. فالغرض إذن ليس في مجرد حصول الزوجة على أجر، بل في إكساب الفعل نفسه قيمة اجتماعية واقتصادية. فإذا رفض المجتمع الاعتراف بقيمة هذا الفعل، فبأي قانون أو معيار يحكمون؟
4- الصلة الأولى بالعالم
إذا أردنا منظورًا أعمق للتحليل فهو المنظور الفلسفي والوجودي الذي يتعلق بعلاقتنا بالآخر وعلاقتنا بالعالم، حيث يمكننا بدء الحديث عن الصلة الأولى التي تنشأ عنها هذه العلاقة. ففي هذا الإطار، يمكن فهم الأم بوصفها أول علاقة إنسانية يتشكل فيها وجود الفرد الاجتماعي. فالطفل يختبر العالم في البداية من خلال ارتباطه بالأم عبر الجسد والرعاية واللغة، فتكون الأم هي المحطة الأولى التي تضع اللبنة الأساسية في وجودنا في العالم. ففي فعل الرضاعة، على سبيل المثال، يتمثل أول تعامل اجتماعي أو تفاعل بشري.
وبحسب فلسفة موريس ميرلوبونتي، فإن العلاقات الإنسانية تتجسد في الخبرة اليومية المعاشة، أي في السلوك اليومي الذي نتخذه في تعاملنا مع العالم. ومن هذا المنظور، إذا نظرنا إلى احتفالية عيد الأم، نجد مفارقة واضحة: نحن نعلن عن تقديرنا للأم في يوم محدد، فيتم خلق مساحة مضللة في وعي المجتمع حول معنى التقدير ذاته، الذي ينبغي أن يكون “معاشًا يوميًا”. إن قصر التقدير إلى يوم واحد يختزل العلاقة في فترة زمنية محدودة، فبينما يعبر الاحتفال عن الامتنان، فإنه في الوقت نفسه يخفي تراجع العلاقة اليومية الحقيقية.
حيث تواجه المرأة المصرية معوقات ضخمة في كل مكان تقريبًا، في العمل مثلا: حيث تُعامل كعضو ناقص وتتعرض للتمييز المستمر؛ وفي المنزل: حيث تتحمل أعباء لا تنتهي؛ وفي الشارع، حيث تتعرض للتحرش والمضايقات اليومية.
هذه الصعوبات لا تُحلّ بقدوم عيد الأم، ولا تُعالج بشراء أواني الطهي أو أدوات المطبخ. الأهم من الاحتفال هو توجيه وعي المجتمع إلى القضايا الحقيقية التي تعاني منها المرأة، والعمل على تغيير الثقافة المجتمعية، وتحسين السلوكيات، وضبط القوانين التي تحمي حقوقها. المرأة لا تريد أن يُحتفل بها في عيدها بأدوات المطبخ، بل تريد أن يُحتفل بها كإنسانة لها أحلامها وطموحاتها، وليس فقط كـ”طباخة” تطعم الجميع.
بالطبع، نحن هنا لا نقلل من الأعمال الرعائية، فهي مهام إنسانية جليلة، ولا نقلل من قيمة الطعام وإعداده، فذلك له فلسفة كبيرة، ولا يعني أنه نوع من التعذيب، بل قد يكون في كثير من الأحيان ممارسة ممتعة وخبرة عميقة. نحن هنا لا نقلل من قيمة الفعل، بل نطالب بأن يُمارس الفعل بحرية الاختيار، وليس تحت وصاية اجتماعية وقيمية.
كما أننا نشعر بتناقض فج في الأحوال الثقافية الداخلية، التي تعكس خللاً مقيمًا في العلاقات بين الأفراد، وتحديدًا حينما يكون أحد الأطراف امرأة. ولا يخفى على أحد انتشار العنف ضد النساء في مجتمعنا مؤخرًا بشكل ملحوظ، فلم يعد يمر يوم دون أن نسمع عن حادثة. ويكفي أن نذكر بعض مظاهر العنف ضد المرأة في عام (2025)([4])، حوادث عنف شديدة، مثل القاء الزوج لزوجته من النافذة لأنها لم تمنحه ما يسميه “حقه الشرعي”، رغم كونها مريضة أو متعبة أو حديثة الولادة.
أو تقييد الزوجة بالأسلاك وصعقها بالكهرباء، إلى جانب الحرق، وتسديد عشرات الطعنات، وهناك أيضا ظاهرة طلب الزواج الذي لا يلقى قبولًا من الفتاة؛ فيقوم بذبحها نهارًا بدم بارد، وجرائم الشرف التي تقتل فيها المرأة دون الرجل، فهل سمعنا يومًا بجرائم شرف للرجل أيضا، أم أن قيمة الشرف تقع على عاتق المرأة وحدها، وسواها من الأعمال الوحشية. وفي العادات الإجتماعية نجد إهمال المسنين من قبل أبنائهم، بحجة العمل أو السكن بعيدًا عنهم. حتى يتم العثور عليهم موتى في مَسَاكِنِهِم لأيامًا طوالًا دون علم أحد. والنزاعات على الميراث بين الإخوة والأخوات الذين يرفضون إعطاء حقوق الميراث للمرأة تحت ذرائع إجتماعية متعددة، فتقتل أو يتم تعذيبها والتنديد بها، ربما يبدو الأمر وكأننا نقرأ قصصًا خيالية أو روايات أجاثا كريستي، إلا أنها حوادث حقيقية عشناها بتفاصيل مروعة خلال العام الماضي وما زالت مستمرة.
الخلاصة التي نريد أن نؤكد عليها هي أن يوم الاحتفال بعيد الأم وشهر المرأة أصبح تيمة استفزازية في ثقافة مليئة بالتناقضات. فنحن غير مؤهلين للاحتفال بالمرأة من الأساس، بل نحن بحاجة ماسة وضرورية إلى مراجعة أنفسنا، وتحسين الثقافة، ومعالجة الخلل في الفكر الجمعي. فالمرأة المصرية، على وجه الخصوص، هي نواة هذا المجتمع وأساسه، وهي الحائط الصد في بناء الأسرة واستمرارها، رغم الارتفاعات غير المسبوقة في نسب الطلاق. فإما أن نعمل على تغيير الثقافة، وإما أن ينهار هذا الجدار، وحينها لن تكون هناك رجعة، وستغرب الشمس عن المجتمع بأسره.
ولذلك، يجب أن نتوقف عن الاحتفال الذي يُفرض علينا، حتى نكون أهلاً له، وحتى لا يُضاف إلى مهامنا التي لا تنتهي دورٌ جديدٌ. فاليوم، تنطلق الدعوات للاحتفال بعيد الأم بأن تعد لنا كعكة!
وعلى كل فرد أن ينظر في نفسه أولاً. فذاك المُدَّعي للثقافة والتنوير، الذي يترنَّم بخطبٍ عُصْماء عن مكانة المرأة، إذا سألته زوجته صباحاً أن يعينها باقتراحات للغداء، أجابها بلا مُبالاة: “اطبخي أيَّ شيء!”، وإذا سُئل عن شؤون أبنائه، فغالباً ما يجهلها. وذاك المُدَّعي للتدين، الذي لا يكُفُّ عن التحدث عن تكريم المرأة في المجتمعات الإسلامية، يريد أن يتزوج عليها مثنى وثلاث ورباع ليُكمل الشرع، كما أنه لا يكُفُّ عن التذرُّع بالشريعة التي تُطالبها بأن تحفظ حقوقه وتؤدي واجباتها بانتظام، وإلا لعنَتْها الملائكة… ألا لعنة الله على الظالمين.
فمُدَّعي الثقافة يرى في المرأة سلعة يمكنه استغلالها باسم الحرية، لينال منها ما يريد خارج إطار الزواج والمسؤوليات الأسرية. ومُدَّعي التدين يراها سلعة يمكنه امتلاكها بعقد زواج، فيحظى بموافقة الجميع.
إنها مفارقة مزدوجة؛ فجميعكم منافقون يا سادة.
______________________________________________________________
الهوامش
[1] ولن نذهب بعيدًا؛ فمنذ شهور قليلة شهدنا واقعة مأساوية لامرأة عاملة ما إن وضعت طفلتها حتى عادت سريعًا إلى العمل حتى لا يُخصم من راتبها. وحين مرضت طفلتها وطلبت إجازة للاعتناء بها، رفضت الإدارة، فالإنتاج لا شأن له بحياة هذه الطفلة. حتى إنها اضطرت إلى إحضارها معها إلى العمل، وظلت تتنقل بها بين مكاتب الإدارة طلبًا للإذن بالانصراف إلى الطبيب، بينما يماطل الجميع، إلى أن ماتت الطفلة بين ذراعي أمها. حادثة تجعلنا جميعًا نخجل من إنسانيتنا الغافلة.
تفاصيل القصة هنا: https://www.almasryalyoum.com/news/details/3547964
[2] الكتاب صدر بالألمانية عام (1992)، وترجم ونشر بالإنجليزية عام (1995).
Honneth, A. (1995). The struggle for recognition: The moral grammar of social conflicts (J. Anderson, Trans.). Cambridge, MA: MIT Press.
[3] Young, I. M. (1980). Throwing Like a Girl: A Phenomenology of Feminine Body Comportment, Motility, and Spatiality. Human Studies, 3(1), 137-156.
[4] للمزيد حول هذه الحوادث هنا:
🔗 soutwomen.org/نشرة-بيانات-سنوية-2025
وهنا: