مفهوم الثالوث بين اللاهوت الأرثوذكسي واللاهوت اللاتيني: غريغوريوس بالاماس ويوحنا دنز سكوت نموذجًا

 تكوين

يُعَدّ تطوّر مفهوم الثالوث في اللاهوت المسيحي موضوعًا بالغ الثراء والتعقيد، إذ تتداخل فيه الأسس الدينية مع الإرث الفلسفي الذي ورثه المسيحيون الأوائل عن البيئات الثقافية اليونانية والرومانية. فمنذ القرون الأولى للمسيحية، سعى المفكّرون المسيحيون في التعبير عن طبيعة الله بلغةٍ مفهومة ضمن الأطر الفلسفية السائدة آنذاك، ولا سيما الفلسفة الأفلاطونية المحدثة والتقاليد الرواقية. وقد أدّت هذه الجهود الفكرية إلى بلورة صياغة عقائدية دقيقة لمفهوم الثالوث، تُوّجت بالتعريف الرسمي له في مجمع نيقية سنة 325 ومجمع القسطنطينية سنة 381. وقد أرست هذه المجامع الأسس اللاهوتية التي تُقرّ بأن اللهَ واحدٌ في الجوهر، وثلاثةٌ في الأقنوم: الآبُ والابنُ والرُوحُ القدس. وهكذا أصبح مفهومُ الثالوث إطارًا نظريًا يجمع بين وَحْدة الذات الإلهية وتعدّد تجلياتها الشخصية، في محاولة للحفاظ على التوحيد مع تفسير العلاقة الداخلية بين الأقانيم الثلاثة.

بعد وضعت المجامع المسكونية الأولى الأسس العقائدية لمفهوم الثالوث، واصلت اللاهوتيات المسيحية عبر القرون تعميق هذا المفهوم وتطويره بطرق أكثر دقة وتركيبًا. ففي اللاهوت الأرثوذكسي، برزت شخصيات محورية مثل غريغوريوس بالاماس، الذي أسهم إسهامًا حاسمًا في توضيح التمييز بين الجوهر الإلهي غير المدرك والطاقات الإلهية غير المخلوقة. وقد أتاح هذا التمييز إطارًا يسمح بفهم الخبرة الرُوحية والمعرفة الإلهية بوصفهما مشاركة حقيقية في الطاقات الإلهية دون المساس بتعالي الجوهر الإلهي. وفي المقابل، اتجه اللاهوت اللاتيني، عن طريق مفكرين كبار مثل دنز سكوت، نحو مقاربات أكثر مدرسية وعقلانية في تفسير سرّ الثالوث، مُركّزًا على تحليل العلاقات الداخلية بين الأقانيم الثلاثة وعلى التمييز المفهومي بين الجوهر الإلهي الواحد والأشخاص الإلهيين المتميزين. وهكذا تكشف المقاربتان، الشرقية والغربية، عن مسارين مختلفين في معالجة الإشكال نفسه: مسارٌ يُبرز البعد الاختباري والأنطولوجي للثالوث، وآخرٌ يُطوِّر أدوات تحليلية دقيقة لفهم بِنيته الداخلية.

إنّ إعادةَ طرحِ موضوع الثالوث في ضوء رؤى (بالاماس وسكوت) لا يقتصر على إعادة قراءة نقاشاتٍ لاهوتيةً من العصور الوسطى، بل يفتح مجالًا لفهم أعمق لقضايا معاصرة تتعلّق بالعلاقة بين الوحدة والتعدّدية، الهوية والاختلاف، البساطة والتعقيد. فهذه الجدلية التي صاغها اللاهوت المسيحي في إطار الثالوث ما تزال تُلقي بظلالها على النقاشات الفلسفية واللاهوتية الراهنة، سواء فيما يخصّ الحوار بين الاديان، أو فيما يتعلّق بالبحث عن نماذج للتعايش والتعددية في المجتمعات الحديثة. إنّ العودةَ إلى هذه الرؤى الكلاسيكية تمنح القارئَ فرصة لاكتشاف كيف يُمكن للتراث أنْ يضيء أسئلة معاصرة عن معنى الوَحْدة في ظلِّ التعددية، وعن إمكان الجمع بين التعالي والمحايثة في فهم الله والعالم.

كما أنّ إعادةَ قراءة الجدالات اللاهوتية بين الشرق والغرب بشأن الثالوث تُتيح اليوم فرصة لإثراء النقاشات الفلسفية عن الهُوية والعلاقة والاختلاف. ففي عالم يشهد توترات متزايدة بين النزعات الأحادية والتعددية، يمكن أنْ يُمَثِّلَ التفكيرُ في جدلية الوَحْدة والتعددية داخل اللاهوت المسيحي نموذجًا خصبًا لإعادة تصور أساليب العيش المشترك، سواء على المستوى الديني أو الثقافي أو السياسي. بهذا المعنى، فإنّ العودةَ إلى رؤى بالاماس وسكوت، لا تُمثّل فحسب استعادةً لموروث فكري قديم، وإنما هي إسهام في معالجة أسئلة معاصرة تمسّ الإنسان والمجتمع في عمقها.

في هذه الدراسة، سنعمل على تحليل الفروق اللاهوتية بين الآب والابن داخل الثالوث من منظور يُبرز البِنية الجدلية التي تجمع بين وَحْدة الجوهر الإلهي وتعدّد الأقانيم. فغريغوريوس بالاماس يُقدّم مقاربة تُظهر كيف يمكن للعلّية الوجودية والزمنية أن تفسّر العلاقات بين الأقانيم من دون أن تُفضي إلى انقسام في الذات الإلهية، إذ يسمح تمييزه بين الجوهر والطاقات بأن تتجلّى الكثرة داخل إطار يحافظ على الواحد المتعالي. أمّا دنز سكوت، فيعتمد أدوات فلسفية دقيقة مثل اللا‑تطابق الصوري والتمييز الصوري ليبيّن كيف يمكن للأقانيم أن تكون متميّزة في العلاقات الداخلية، من غير أن يترتّب على ذلك تعدّد في الجوهر. ومن خلال هذا التحليل المقارن، يتّضح أن كلا المفكّرَين يُسهم بطريقته في معالجة التوتر البِنيوي بين الوَحْدة والتعدد: بالاماس عبر إبراز إمكان صدور الكثرة من الواحد دون المساس بتعاليه، وسكوت عبر بناء جهاز مفهومي يضمن تماسك الكثرة داخل وَحْدة جوهرية مطلقة. وهكذا تتيح المقاربتان فهمًا أعمق للدينامية الداخلية للثالوث بوصفه مجالًا تتفاعل فيه الوَحْدة والكثرة في آن واحد.

إنّ مقارنة الرؤى التي يقدّمها غريغوريوس بالاماس ويوحنا دنز سكوت في تفسيرهما للثالوث تكتسب اليوم أهمية خاصة، لأنّ كلا المفكّرَين يُقدّم إطارًا ميتافيزيقيًا متميّزًا، وإن كان متكاملًا، يسمح بإعادة التفكير في جدلية الواحد والكثير في صميم اللاهوت المسيحي. فبالاماس، بتمييزه الحاسم بين الجوهر الإلهي غير المدرك والطاقات الإلهية غير المخلوقة، يُقدِّم تصورًا يُحافظ على وَحْدة الله المطلقة، وفي الوقت نفسه يُفسِّر تَعدُّد تجلّياته وفاعليته في العالم. وبهذا يفتح مجالًا مفهوميًا يتيح فهم مشاركة المخلوقات في الحياة الإلهية من غير المساس بتعالي الذات الإلهية ووحدتها. أمّا دنز سكوت، فبفضل نظريته في وَحْدة مفهوم الوجود وتمييزه الصوري بين العلاقات داخل الثالوث، يُقدِّم بناءً عقلانيًا دقيقًا يُتيح التفكير في تعدّد الأقانيم الإلهية من غير الوقوع في تفكيك الجوهر الواحد أو تعدّده.

وتكشف المقارنة بين هاتين المقاربتين عن إمكان تجديد التفكير المعاصر في التوتر البِنيوي بين الوَحْدة والكثرة: فبالاماس يُبيّن كيف يُمكن للكثرة أنْ تتجذَّرَ في الحياة الإلهية ذاتها من دون أنْ تمسَّ بالواحد المتعالي، بينما يُقدِّم سكوت أدوات مفهومية تسمح بفهم الاتساق الداخلي لهذه الكثرة ضمن وَحْدة جوهرية مطلقة. ومن ثمّ، فإنَّ وضعَ هذين التصورين في حوار واحد لا يضيء فقط النقاشات اللاهوتية الراهنة بشأن الثالوث، بل يُسهم أيضًا في توضيح قضايا فلسفية أوسع تتعلّق بالعلاقة بين الهُوية والاختلاف، والبساطة والتعقيد، والتعالي والمحايثة.

أولًا: اللاهوت الأرثوذكسي – مقاربة غريغوريوس بالاماس (1296–1359) [1]

في سياق السعي الدائم في مواجهة التأثيرات الوثنية والهرطقات التي أحاطت بسرّ الثالوث عبر القرون، بذل اللاهوتيون وآباء الكنيسة جُهدًا متواصلًا لصياغة فهمٍ دقيق ومتماسك لهذا السرّ المركزي في الإيمان المسيحي. ويُعَدّ غريغوريوس بالاماس إحدى الشخصيات المحورية في دراسة الثالوث ضمن اللاهوت الأرثوذكسي لعدة أسباب جوهرية. أولًا، طوَّر بالاماس تمييزًا لاهوتيًا بالغ الأهمية بين جوهر الله الذي يبقى متعاليًا وغير قابل للإدراك، والطاقات الإلهية غير المخلوقةincréées énergies divines التي بها يتجلّى الله ويعمل في العالم. وقد سمح هذا التمييز بالحفاظ على وَحْدة الذات الإلهية مع تفسير كيفية مشاركة البشر في النعمة الإلهية[2]. ثانيًا، كانت مناظرته الشهيرة مع برلعام القلوري Barlaam le Calabrais حدثًا حاسمًا في توضيح الرؤية الأرثوذكسية للثالوث وتثبيتها، إذ أكّد بالاماس أنّ معرفة الله لا تقتصر على العقل النظري، بل تشمل أيضًا الخبرة الرُوحية والممارسة النسكية، مما عمّق الفهم الأرثوذكسي للعلاقة بين الله والإنسان[3]. ثالثًا، لا تزال كتاباته—وخاصة “الثلاثيات[4] Triades ” و”المقالات البرهانية بخصوص انبثاق الرُوح القدس Traités apodictiques sur la procession du[5] Saint-Esprit ” و”العظات Homélies[6]  “—محلَّ دراسة وتقدير كبيرين، نظرًا لما تحمله من عمق لاهوتي ورُوحي يعكس جوهر التقليد الأرثوذكسي. ويُعدُّ كتاب “سرُّ الثالوث الأقدس عند القديس غريغوريوس بالاماس Le mystère de la Sainte Trinité selon Saint Grégoire de Palamas ” للميتروبوليت أمفيلوخيوس (رادوفيتش)  Métropolite Amphiloque (Radović) du Monténégro et du Littoral من الجبل الأسود واللِّتّورال[7] مرجعًا أساسيًا لكل من يرغب في التعمّق في اللاهوت الثالوثي بحسب رؤية بالاماس.

يُشدِّد غريغوريوس بالاماس على أنّ الله، “بفهمه واحدًا وثالوثًا في آنٍ معًا، يكون صَلْبًا للعقل البشري وموتًا له، وكذلك موتًا للقوانين التي يقوم عليها[8]“. كان بالاماس واعيًا تمامًا لهذه الحقيقة، ولذلك يؤكّد أنّ “سرّ الوجود هو في آنٍ واحد غيرُ قابلٍ للفهم كليًا، وقابلٍ للخبرة الرُوحية على نحوٍ سرّي[9]“. ومن هنا، فإنّ بدايةَ المعرفة الحقيقية بالثالوث لا تقوم على جُهد العقل الطبيعي ولا على قدرته التحليلية، بل على الاعتراف العميق بعجز العقل عن الإحاطة بالله[10]. ويترتّب على ذلك أنّ نورَ هذه المعرفة، أي الحكمة الأصيلة، لا يُكتسَب اكتسابًا، بل هو عطيَّةٌ إلهية وكشف يمنحه الله لمن يشاء. وفقط عبر هذا النور يمكن للإنسان أنْ يبلغَ معرفة حقيقية بالثالوث القدوس، وهي معرفةٌ تبقى مع ذلك سرًّا لا يُنطق به ولا يُدنى منه. فالثالوث ليس “موضوعًا” للمعرفة البشرية، بل هو الذي يعرف، وهو الذي يكشف ذاته عندما يشاء وكيفما يشاء. ولهذا، فإنّ هذا السرَّ يقتضي تسليمًا كاملًا من العقل البشري لمنطقٍ إلهي يتجاوز كل منطق، وانفتاحًا على مستوى من المعرفة لا يتحقّق إلا بتخطّي حدود الفكر الطبيعي[11].

أمام عجز العقل البشري عن الإحاطة بسرّ الثالوث أو إخضاعه لقواعد المنطق الطبيعي، يطوّر غريغوريوس بالاماس تصورًا لاهوتيًا يجعل من الثالوث مجالًا تتجاوز فيه الحقيقة الإلهية حدود التفكير المجرّد، دون أنْ يُلغى إمكان معرفتها معرفةً حقيقية. فبالاماس لا يسعى في تفسير الثالوث تفسيرًا عقليًا كاملاً، بل إلى إظهار كيف يُمكن للإنسان أنْ يدخلَ في علاقة معرفية معه عن طريق تمييز جوهري بين ما لا يُدرَك وما يُختبَر. وهكذا يصبح سرُّ الثالوث عنده مجالًا تتفاعل فيه وَحْدة الجوهر الإلهي مع تعدّد الأقانيم بطريقة لا تُختزل إلى منطق بشري، بل تُفهم ضمن منطق إلهي يتجلَّى عبر الطاقات غير المخلوقة.

وفي هذا الإطار، يحتلُّ الآب موقعًا محوريًا في بِنية الثالوث. فهو “الشخص الأول في الثالوث القدوس، الوحيد غير المولود، غير المنبثق، الذي لا علة له”، وهو “أبو الأنوار غير المنفصلة والمتساوية في الكرامة، أي الابن والرُوح[12] “. فالآب، بوصفه غيرَ منظورٍ وغيرَ جسديٍ، هو علّة الصدور الذي لا يُنطق به la cause  de l’ineffable provenance، وهو مصدر العلاقة المتبادلة بين الأقانيم، ومبدأ التداخل المتبادل compénétration (perichoresis)  الذي يضمن وحدتهم الجوهرية  connaturalité. وهو أيضًا علّة المساكنة في الطبيعة الواحدة، وعلّة الاتحاد والرباط الذي يجمع الابن المنبثق والرُوح المنبثق، وهو “المنشئُ” و”الضامن لوَحْدة من وُلد (الابن) ومن انبثق (الرُوح) [13]“.

بهذا التصور، يوفِّقُ بالاماس بين وَحْدة الله المطلقة وتعدُّدِ الأقانيم عبر إسناد مبدأ الوَحْدة إلى الآب بوصفه الأصل غير المعلول، مع الحفاظ على تميُّز الابن والرُوح من داخل علاقات صدور مختلفة، دون أنْ يؤديَ ذلك إلى أي انقسام في الجوهر. فالوَحْدة تُحفظ في الجوهر الإلهي المتعالي، والتعدد يُفهم ضمن العلاقات الداخلية التي لا تمسُّ هذه الوَحْدة. وهكذا يصبح الثالوث عند بالاماس ليس لغزًا عقليًا يُحَلُّ، بل سرٌّ يُختبَرُ، تُنارُ معرفته بنور إلهي، وتُفهم ديناميته عبر جدلية الواحد والكثير في الحياة الإلهية نفسها.

غير أنّ كونَ الآب “علّةٌ” للابن والرُوح القدس لا يعني بأي حال من الأحوال وجود أسبقية زمنية له عليهما، لأنّ العلاقاتِ الثالوثية لا تنتمي إلى مجال الزمن أصلًا. فالآب والابن والرُوح القدس أقنومٌ واحدٌ في الجوهر، متساوون في الأزلية، ولا يوجد بينهم من هو أقدم أو أسمى من الآخر. ولهذا يقول التقليد الآبائي: “إنّ اللهَ من دون كلمته ليس هو اللهُ. فكلمة اللهِ هو منذُ الأزل كلمةُ الآب […] وهذا الابن الأزلي، الابن الوحيد لله، هو من ذات جوهر الآب ومساوٍ له في القدرة[14] “. وفي هذا السياق، يُصرِّح غريغوريوس بالاماس في عظته الثانية والعشرين بأنّ الابنَ: “هو هو دائمًا، قبل الدهور كُلّها، وفي جميع الدهور، وما بعد الدهور، باقٍ بلا تَغيُّر، لا بداية له ولا نهاية، لا يخضع لصيرورة، ولا للفساد، ولا يعرف نموًا ولا نقصانًا، ولا يتبدَّلُ في كيفية وجوده أو في موضعه، لا بدء له، غير مخلوق، ثابت بلا تغيّر، بلا اختلاط، غير محدود[15] […]”.

وعلى الرغم من أنّ الابنَ “مولودٌ من الآب[16] “، فإنّ هذا لا يعني البتَّة أنّ الآبَ يسبقه في الزمن، لأنّ العلاقاتِ الثالوثية لا تخضع لمقولة الزمان أصلًا. فالآب والابن والرُوح القدس معاصرون أزليًا coéternels، لا يسبق أحدهم الآخر، ولا يمتاز أحدهم بأسبقية أو تفوّق. لكنّ الحديثَ عن الآب بوصفه “علّة” الابن والرُوح القدس يعني النظر إليه بوصفه أصلًا أو جذرًا لهما، لا بوصفه سابقًا عليهما في الزمن. وهنا يُميِّزُ بالاماس بين علّية وجودية ومبدئية (principielle)، وبين علّية زمنية. فالعلّية الوجودية هي علّية أزلية، تُمَثِّلُ جزءًا من بِنية الوجود الإلهي الواحد، ولا تتضمّن أيَّ ترتيب زمني. ويمكن توضيح ذلك بمثال رياضي: فالمتّجهvecteur يمتلك “نقطة أصل” و”نقطة نهاية”. إنّ نقطةَ الأصل هي علّةُ المتّجه في المبدأ والماهية، لكنّها لا تسبقَه في الزمن، لأنّ المتّجهَ لا يوجد إلا بأصله ونهايته معًا. فهما يكونان وَحْدة واحدة في معاصرة دائمة. أمّا العلّية الزمنية، فهي علاقةُ سبب بنتيجة داخل إطار الزمن، إذ يتقدَّمُ السببُ على النتيجة. ويمكن توضيح ذلك بمثال بسيط: الحرارة سببٌ زمني للتعرُّقِ. فالحرارةُ والتعرُّقُ شيئان منفصلان، لكنّهما يرتبطان بعد حدوثهما بعلاقة سببية تخضع للمدة الزمنية. بهذا يؤكّد بالاماس أنّ العلاقاتِ الثالوثية علاقاتٌ أزلية، وأنّ “العلّيةَ” التي تُنسب إلى الآب ليست علّيةً زمنية أو سببية بالمعنى المخلوق، بل هي علّيةٌ أزلية تُعبِّرُ عن ترتيب شخصي داخل الحياة الإلهية، دون أنْ تمسَّ وَحْدة الجوهر أو المساواة الكاملة بين الأقانيم.

يُبيِّنُ الميتروبوليت أمفيلوخيوس، استنادًا إلى التطابق في الطبيعة والقدرة والجوهر بين الآب والابن، أنّ الابنَ “ليس إلهًا آخرَ غيرَ الآبِ؛ إنّه “آخرٌ” ولكنْ بطريقةٍ مختلفةٍ، أي في الأقنوم، فيما هو واحدٌ في كل شيء مع الآبِ والرُوحِ القدس[17] “. وباختصار، “لا يُمكن تصوُّرُ الآب، العقل الأزلي الذي لا بداية له، من دون الكلمة الذي هو أيضًا بلا بداية؛ وكذلك لا يُمكن تَصوُّر الكلمة الأزلي من دون الرُوح الذي يشاركه الأزلية[18] “. أمّا الكلمةُ، وهو الأقنوم الثاني، فهو مثل الآب بلا صورة ولا يُمكن تَمثُّله بأي طريق، لأنّه “فوق الجوهر” (suressentiel).  ويسمّيه غريغوريوس بالاماس “الحكمة الأقنومية للآب السامي[19] Sagesse hypostasiée du Père suprême “.

أمّا الرُوحُ القدس، فهو الأقنومُ الثالث في المونادة الثالوثية، موجود منذ الأزل، ويأتي من الآب بالابن. فهو يصدر من الآب بالانبثاق، ويأتي الابن من الآب بالولادة، أي بعلاقة البُنُوَّةِ. وكما أنّ الولادةَ صادرةٌ عن الطبيعة الإلهية بحسب الأقنوم الأبوي، كذلك الانبثاق هو أيضًا صدورٌ من الطبيعة الإلهية بحسب الأقنوم الأبوي نفسه. فالابن والرُوح كلاهما صادران من جوهر الآب، ولكنْ بطريقة مختلفة. وكما أنَّ الابنَ مولودٌ من الآب مباشرة، كذلك الرُوح القدس منبثق من الآب مباشرة. والرُوحُ القدس، في انبثاقه، لا ينفصل عن الآب الذي منه ينبثق، ولا عن الابن الذي يستقرُّ عليه منذ الأزل. فالانبثاق من الآب هو نمطُ الوجود الخاص بالرُوح، وهو نمطٌ لا يُمكن تفسيره أو الإحاطة به. وكل ما نعرفه عن هذا النمط هو أنّه يختلفُ عن الولادة، أي عن نمط وجود الابن، ويختلف أيضًا عن نمط وجود المخلوقات. فالابن موجود لكونه مولودًا من الآب، والرُوح موجود لكونه منبثقًا، ولكل منهما أقنومه الخاص، وجميع الكائنات الأخرى مخلوقة صادرة عن الخالق[20].

إنّ هذا الصدورَ يُشبه العلّيةَ الوجودية التي ينسبها التقليد إلى الآب مقارنة بالابن، أي أنّه لا يدلُّ على أيّ تعاقب زمني، لأنّ الأقانيمَ الثلاثة متساويةٌ في الأزلية، متّحدة من دون اختلاط، ومتميّزة من دون انقسام[21]. وتُستخدم أوصافٌ عديدة للإشارة إلى الرُوح القدس مثل: “المحبّة”، “المعزّي”، “إصبع الله”، “رُوح الحق”، “رُوح التبني”، و”الكِيان الفاعل بحسب الطاقة être agissant suivant l’énergie “… غير أنّ الرُوحَ لا يمكن اختزاله في أيٍّ من هذه الصور، لأنّه، شأنه شأن الآب والابن، فوق الجوهر (suressentiel)  ومتجاوزٌ لكلّ تمثيل أو تصور. والرُوح القدس، بصفته الأقنوم الثالث، هو أيضًا مساوٍ في الطبيعة والجوهر والأزلية للآب والابن. وهو “القوّةُ التي بها يتجلّى ملكوت الله[22] “. ويُظهر هذا البعد أنّنا أمام سرّ مزدوج: سرّ التمييز الذي لا يُنطق به بين الأقانيم، وسرُّ الوَحْدة التي لا تُنطق بها في آن واحد، عندما تتجلّى الهُوية المشتركة للأقانيم من دون اختلاط، وتتجلّى أيضًا المساكنة المتبادلة  (perichorèse) التي تجعل كلَّ أقنوم حاضرًا في الآخر من غير أن يُلغيه أو يذوبه[23].

يَظهَرُ الرُوح القدس في التاريخ الخلاصي بوصفه إرسالية الآب بالابن، من غير أن ينفصل عنهما في أي لحظة. فهو يُرسَل ليدخل “في صيرورة الكائنات المخلوقة من أجل تجديدها”، وذلك “كي يُجمع كلُّ شيء في الابن، وكي يصير البشرُ ذوي طبيعةٍ إلهية–إنسانية، يعيشون وينظّمون وجودهم على مثال المسيح[24] “. وهذه المشاركة التي يُحقِّقها الرُوح القدس تحدث عبر طاقاته غير المخلوقة، لا عبر أقنومه المتجاوز لكلّ تمثيل، من غير أن يمسَّ ذلك تعالي الله ووحدته المطلقة. ويشير غريغوريوس بالاماس إلى وجود “اختلاف لا يُنطق به بين طاقات الرُوح”، غير أنّ هذه الكثرةَ لا تُضعف وَحْدة الرُوح، تمامًا كما أنّ تمييزَ الأقانيم داخل الإله الواحد ذي الأقانيم الثلاثة لا يمسُّ وَحْدة الجوهر الإلهي. فالرُوح القدس، “المنقسمُ بلا انقسامٍ، والمشتركُ فيه بلا تجزئة  indivisiblement divisé et imparticiblement participé عن طريق طاقاته”، لا يتعرّض لأيِّ انقسام أو نقصان في ألوهيته أو أبديته، بل “يبقى دائمًا واحدًا هو هو[25]“. وعلى الرغم من الجهودِ التي بذلها اللاهوت الأرثوذكسي للابتعاد عن التأثيرات الأفلاطونية المحدثة، يبقى من الصعب إنكار وجود بعض أوجه التشابه. فالتصوّر الأفلوطيني للـ “واحد” يقدّمه تقديم المنبع الذي يفيض بالوجود “عن فيضٍ” دون أنْ يكونَ هو ما يفيضه، ودون أنْ يَفقدَ شيئًا مما يفيضه l’Un comme se donnant par surabondance, sans être ce qu’il donne et sans manquer de ce qu’il donne. وهذا التشابهُ لا يعني تطابقًا، لكنَّهُ يكشف عن تقارب في البِنية المفهومية التي تجمع بين وَحْدة المبدأ وتعدّد تجلّياته، وهو ما يعالجه بالاماس بطريقة لاهوتية متميّزة داخل إطار الثالوث المسيحي.

يُقدِّمُ غريغوريوس بالاماس تصورًا عن الله بوصفه واحدًا وثالوثًا في آنٍ معًا: وَحْدة إلهية تتقوّم بثلاثة أقانيم—الآب والابن والرُوح القدس—متميّزين أقنوميًا، لكنهم يشتركون في طبيعة واحدة وجوهر واحد. وهذا يعني أنَّ تمايز الأقانيم لا يمسُّ بساطة الله، بل يُتيح التمييز بين ما هو من حقل الجوهر الإلهي وما هو من حقل الطاقة الإلهية. وقد اتَّهم خصوم بالاماس هذا التمييز بأنّه يُفضي إلى ثنوية في الألوهية، يرونَ أنَّ الفصل بين الجوهر والطاقة يُقدّم “ألوهية فاعلة” مُغايرة لـ “الألوهية الجوهرية[26]“. غير أنّ بالاماس يؤكّدُ أنّ جوهرَ الله غيرُ قابل للمشاركة إطلاقًا، وأنّ مشاركةَ الإنسان في الحياة الإلهية تحصلُ عبر طاقات غير مخلوقة، لا عبر الجوهر الإلهي ذاته. ويُبرز بالاماس هنا تمييزًا أساسيًا بين ما ينتمي إلى الذات الإلهية وما ينتمي إلى تدبيرها (oikonomia)  في العالم. وفي هذا السياق يكتب الأب كونغار Père Congar: “إنّ اللهَ هو اللهُ لا في ذاته فقط، ولكنْ فينا أيضًا. إنّه هو هو على الأرض كما في السماء”. ومن هذا المنطلق، يُفهَم أنَّ الرُوحَ القدس—الذي يُمثِّلُ اكتمال التواصل الداخلي للحياة الإلهية—هو أيضًا مبدأُ التواصل الإلهي خارج الذات، أي في العالم. ووفقًا للاهوت الأرثوذكسي الذي وجد تعبيره المنهجي في الفكر البالامي، فإنّ هذا التواصلَ يحدث عبر الطاقات غير المخلوقة، وهي “اللهُ القابل للمشاركة[27]“. وهذه الطاقات غير المخلوقة ليست خاصّة بأقنوم واحد، بل هي مشتركة بين الأقانيم الثلاثة. غير أنّ وَحْدةَ الفعل الإلهي تتجلّى وفق ترتيبٍ لاهوتي: “فالآب يخلق ويؤلّه بالابن في الرُوح القدس… طاقة واحدة بعينها تنطلق من الآب، عبر الابن، في الرُوح القدس الذي يعلنها[28] “. وهكذا، فإنّ علاقةَ الإنسان بالله —وفق التقليدِ الأرثوذكسي— تحصلُ عبر هذه الطاقات الإلهية التي تعمل في التاريخ البشري، في حين يبقى الله في جوهره متعاليًا عن الإنسان، داعيًا إيّاه إلى التألّه بالنعمة. وهذه النعمة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعملية التألّه وبمسار الإنسان نحو “الصيرورة الإلهية[29]“.

ثانيًا: اللاهوت اللاتيني – مقاربة يوحنا دنز سكوت (1265–1308)

يُعَدُّ سرُّ الثالوث “أحدَ أكثر النقاط غموضًا، ولاعقلانيةً، وصعوبةً في اللاهوت المسيحي[30] “، كما يصفه عدد من المفكّرين الغربيين. وقد شهدت القرون الوسطى، ولا سيما عصر النهضة، سجالاتٍ لاهوتية حادّة بخصوص طبيعة الثالوث، شارك فيها عددٌ من كبار اللاهوتيين مثل: أنسلم دو كانتربري Anselme de Cantorbéry (1109)، وبرنار دو كليرفو Bernard de Clairvaux (1153)، وبيار لومبار Pierre Lombard (1160)، وريشار دو سان-فيكتور Richard de Saint-Victor (1173). وقد بلغت الكتابات اللاهوتية اللاتينية في تناولها للثالوث ذروتها في القرن الثالث عشر مع ازدهار المدرسية (la scolastique)، بفضل أعلام المدرسة الفرنسيسكانية مثل ألكسندر دو هال Alexandre de Halès (1170–1245)، وبونافونتور Bonaventure (1221–1274)، ودنز سكوت (1265–1308)، وكذلك أعلام المدرسة الدومينيكانية مثل توما الأكويني Thomas d’Aquin (1225–1274) وألبير الكبير Albert le Grand (1200–1280). وفي هذا السياق، يُمثّلُ دنز سكوت مرحلة مفصلية في تطوّر الفكر اللاتيني عن الثالوث، نظرًا لعمق أدواته الفلسفية ودقّة تمييزاته المفهومية. [31]

يُعَدُّ دنز سكوت إحدى الشخصيات المحورية في تعميق فهم سرِّ الثالوث داخل التقليد اللاتيني، وهو موضوعٌ يحتلُّ حيّزًا واسعًا في الكتاب الأوّل من شرحه لـ العبارات[32]  (Sentences). وتبرز أهميته لعدة أسباب، من بينها أنّه حاول القيام بإحدى أكثر المحاولات جرأةً وراديكالية في تاريخ الفكر لإقامة برهان قبليّ (a priori) على إمكان الثالوث وواقعيته. فقد تناول مسألة الثالوث تناولًا منهجيًا وفلسفيًا، ساعيًا في إظهار أنّ الإيمانَ بالثالوث ليس محض معطى لاهوتي، وإنما يُمكن الدفاع عنه انطلاقًا من مبادئَ عقلية. وفي كتابه [33] Ordinatio، وهو تعليقه الرئيس على Sentences de Pierre Lombard، يعالج سكوت التمييز بين وَحْدة الجوهر الإلهي وتميُّز الأشخاص الإلهيين. وقد أبرز إتيان جيلسون Etienne Gilson ، في دراسته لفكر سكوت، الطريقة التي يتناول بها هذا الأخير مسألة بساطة الجوهر الإلهي وصفاته، ولا سيما في عمله الكبير [34]Opus Oxoniense.  وتكمن أصالة سكوت، مقارنةً بتوما الأكويني، في تمييزه بين بساطة الجوهر الإلهي من جهة، وتعدُّد الصفات الإلهية من جهة أخرى، مع الحفاظ على وَحْدة الجوهر وعدم انقسامه. وهذا التمييز أساسي لفهم كيفية اشتراك الأقانيم الثلاثة في جوهر إلهي واحد مع بقائهم متميّزين أقنوميًا. ولهذا يعالج سكوت على نحو منفصل:

  1. كون الله واحدًا في جوهره،
  2. والأقانيم الإلهية وما يَصْدُرُ عنها داخل الحياة الإلهية[35].

وبذلك يُقدِّمُ دنز سكوت إطارًا فلسفيًا دقيقًا يسمح بفهم العلاقة بين الوَحْدة الجوهرية والتعدّد الأقنومي، وهو ما يُمَثِّلُ إحدى الإسهامات الكبرى للاهوت اللاتيني في تفسير سرِّ الثالوث في جدلية الواحد والمتعدد.

قبل أنْ ينتقلَ دنز سكوت إلى بحث الأقانيم الإلهية، يُقدِّمُ في الكتاب الأوّل من العبارات (Sentences) جُملة من الملاحظات الأساسية عن وَحْدة الله، تُعدُّ شرطًا منهجيًا لفهم الثالوث دون المساس ببساطة الجوهر الإلهي:

  1. الله بسيطٌ وغيرُ مركَّبٍ أي أنّه لا يُمكن تحليله إلى مكوِّناتٍ أو أجزاءٍ. ومن ثمّ، لا يُمكن رؤية الأقانيم الإلهية “مظاهرَ” مختلفة داخل الله[36]، وهو ما يستبعد كلَّ نزعة توحيدية-صورية[37] (modalisme). وهذا يقود إلى مفهوم فوق-الجوهرية[38]  (suressentialité)  الخاص بالأقانيم، التي لا يُمكن تمثيلها أو تصويرها بأيّ طريق، لأنها ليست “مظاهرَ” بل “طرائقَ وجودٍ أقنومية” داخل الجوهر الواحد.
  2. اللهُ غيرُ قابلٍ للانقسام[39] وهذا يعني أنّ الأقانيمَ الإلهية لا يُمكن تحديدها بحدود أو فواصل كما لو كانت كِيانات منفصلة، من دون أن يؤدّي ذلك إلى دمجها أو محو تمايزها. ومن هنا يَظْهَرُ مفهوم التداخل المتبادل (périchorèse)، الذي توجد فيه الأقانيم الثلاثة في مساكنة متبادلة: لا اختلاط، ولا انفصال، ولا انقسام، بل حضورٌ متبادلٌ داخل الوَحْدة الإلهية.
  3. اللهُ وجودٌ ضروريٌّ، لا يتضمَّنُ أيَّ صورةٍ من صورِ الإمكان أو العَرَض[40] فالأقانيم ليست “أعراضًا” طارئة على الجوهر الإلهي، بل هي طرائقُ وجودٍ أزلية داخل هذا الجوهر. وهذا يقتضي الإقرار بأنّ الأقانيمَ الثلاثة معاصرةٌ للجوهر الإلهي، ومساويةٌ له في الأزلية، ولا يُمكن تصوّر أحدها تصوُّرَ حادثٍ أو متأخّرٍ أو تابعٍ.

تجدر الإشارة الى أنّ المودالية[41]  أو السابيليانية[42]  هي إحدى البدعُ التي ظهرت في روما في مطلع القرن الثالث على يد الكاهن سابيليوس، وقد انطلقت من نيّة تبدو في ظاهرها حسنة، وهي حمايةُ التوحيد من أيّ فهم يُفضي إلى تعدّد الآلهة. فقد جاءت المودالية ردًّا على تيار آخرَ كان شائعًا آنذاك، هو التثليثية، الإيمان بثلاثة آلهة، المتطرّفة (trithéisme)  التي كانت تُعلِّمُ بوجود ثلاثة آلهة مستقلّين. غير أنّ الموداليةَ، في محاولتها الدفاع عن وحدانية الله، أنكرت وجود ثلاثة أقانيم متميّزين في الله، ورأت أنّ ما يُسمَّى “الآب” و”الابن” و”الرُوح القدس” ليس سوى طورٍ واحدٍ لإله واحدٍ يَظْهَرُ بثلاثة “أنماطٍ” أو “مظاهرَ” مختلفة بحسب علاقته بالعالم ومن هنا جاءت تسمية modalisme.  وكأنّ اللهَ، بحسب هذا التصوّر، يمتلك ثلاثة “وجوه” أو “أقنعة” يستخدمها في تدبيره للعالم[43]. وتذهب الموداليةُ إلى أنّ “الابنَ ليس إلا مظهرًا يتجلَّى فيه الآبُ ليخلِّصَ البشر، وأنّ الابنَ لا يمتلك شخصية أقنومية حقيقية”. وإذا دُفع هذا المنطق إلى نهايته، يصبح من الممكن القول إنّ الآبَ هو الذي تألَّم على الصليب، وهو الموقفُ الذي عُرف لاحقًا باسم الباتريباسيانية[44] ([45]patripassianisme). وهكذا، فإنّ الموداليةَ تُلغي فعليًا سرَّ الثالوث، إذ لا تعترف بأيّ تمييز حقيقي بين الأقانيم الإلهية الثلاثة. وقد كان ترتليان[46] من أشدِّ معارضي هذا التيار، وأسهم بقوةٍ في تفنيده. وفي النهاية، رفضت الكنيسة رسميًا المودالية حوالي سنة 262، معتبرة إيّاها انحرافًا خطيرًا عن الإيمان القويم بالثالوث[47]. وبذلك يضع سكوت الأساس الفلسفي واللاهوتي الذي يسمح بفهم التعدُّد الأقنومي داخل الوَحْدة الجوهرية دون الوقوع في التثليث العددي (Trithéisme)  أو في التوحيد الصوري(modalisme)، مُمهدًا الطريق لتمييزاته اللاحقة بخصوص “اللا‑تطابق الصوري” و”التمييز الصوري” بين الأقانيم.

يتَّفقُ يوحنا دنز سكوت مع توما الأكويني في ثلاثة مبادئ أساسية تتعلَّق بوَحْدة الله:

  1. غياب أي تركيب من مادة وصورة في الله؛
  2. عدم قابلية الله للانقسام وغياب أي أجزاء مكانية أو زمانية فيه؛
  3. ضرورة الوجود الإلهي، أي أنَّ اللهَ لا يعتريَهُ أيَّ تغيُّرٍ عَرَضي أو طارئ[48].

غير أنّ سكوت، بخلاف توما الأكويني —وبطريق يُذكِّرُ بموقف غريغوريوس بالاماس— يرفض القولَ بأنّ اللهَ مطابقٌ لصفاته، أو أنّ الصفاتَ الإلهية مطابقةٌ بعضها لبعض على نحو يجعل الجوهر الإلهي قابلًا للاختزال إلى الأقانيم أو الصفات[49]. فعند الأكويني، وَحْدة الجوهر الإلهي تقتضي أنّ الصفاتِ ليست سوى تعابيرَ مختلفةٍ عن ذاتٍ بسيطة واحدة. أمّا سكوت، فلا يقبل هذا الاختزال.

يُبرز سكوت ما هو ثابتٌ وغيرُ متغيّرٍ في الله، وهو ما يُقرِّبُه من التصوُّرِ الأفلوطيني للصور المعقولة، الذي يُميِّزُ أفلاطون فيه بين “الجميل” و”الجمال في ذاته”. غير أنّ أفلاطونَ يُجسدُ (substantialisation) الصفات، فيمنحها وجودًا مستقلًا وعالمًا خاصًا هو عالمُ المثل. سكوت لا يذهب إلى هذا الحدّ: فهو لا يمنح الصفاتِ الإلهية وجودًا مستقلًا، لكنَّهُ في الوقت نفسه لا يختزل الجوهر الإلهي في صفاته كما يفعل الأكويني.

وبذلك يحتلُّ سكوت موقعًا وسطًا بين:

  • أفلاطون الذي يمنح الصفات وجودًا جوهريًا مستقلًا،
  • وتوما الأكويني الذي يختزل الجوهر الإلهي إلى صفاته.

الله وصفاته جوهر واحد وطبيعة واحدة عند سكوت، لكنّ الجوهرَ الإلهي لا يُختزلُ في صفاته، لأنّه قادرٌ دائمًا على أنْ يكونَ “أكثر” ممّا هو عليه في تعيّناته الصفاتية. إنّ الاختلافَ بين الجوهر الإلهي وصفاته ليس اختلافًا في الماهية ولا في الطبيعة، بل هو اختلافٌ في القدرة على الوجود  (aptitudo ad esse). فالجوهر الإلهي ينفتح بلا حدود على ما يمكن أن يكونه وما يمكن أن ينسبه إلى ذاته، من غير أن ينحصر فيما نسبه بالفعل.

يُسمِّي دنز سكوت هذه القدرة على الوجود بـ “المبدأ الفعّال” principe actif أو “المبدأ المنتج”. Principe productif  ويؤكّد أنّ “كلّ ما يكون، بحسب مفهومه الخاص، مبدأٌ منتجٌ، سيكون مبدأً منتجًا أينما وُجد، ولكنْ بحسب الطريقة التي يكون عليها في ذلك الموجود[50]“. وهذا يعني أنّ هذا المبدأَ الفعّال واحدٌ في ذاته، سواء كان في الوجود اللا متناهي أو في الوجوداتِ المحدودة، غير أنّ اختلافَهُ يَكمن في نمط وجوده لا في طبيعته. و”الله عند سكوت هو الوجودُ اللا متناهي Dieu est l’être infini “، ويرى توما الأكويني أنّ “اللهَ هو فعلُ الوجود Dieu est l’acte d’être “. وهكذا، فإنّ الوجودَ عند سكوت مشترك ومُوحَّد المعنى  (univoque) بين الله والإنسان، في حين أنّه عند الأكويني تمثُّلي ومُشابه (analogue)، أي أنّ وجودَ الإنسان ليس إلا ظلًّا أو تمثّلًا ضعيفًا للوجود الإلهي[51] .

ويذهب سكوت إلى أنّ “الجوهرَ الإلهي ذو طابعٍ كليّ” —أي أنّه يُمثِّلُ التعريف الكلّي لله— ولذلك يُمكن القول إنّ الأقانيمَ الإلهية هي تعيّناتٌ  (instantiations) للطبيعة الإلهية المشتركة. غير أنّ هذه التعيّناتِ instanciations الثلاثة—الآب والابن والرُوح القدس—ليست ثلاثة آلهة، بل إنّ كلَّ واحدة منها هي الإلهُ الواحد نفسه. فالله واحد، وهذه التعيّنات الثلاثة ليست سوى طرائقَ وجودٍ أقنومية للجوهر الإلهي الواحد[52]. وبذلك، فإنّنا أمام إله واحد وثلاثة “تعيّنات” instanciations أو “دعامات أقنومية” (suppôts)، مع بقاء الجوهر الإلهي غير قابل للاختزال إلى هذه التعيّنات. فالجوهر الإلهي فالجوهر الإلهي يفوق على الدوام ما يتحدّد به، ويبقى أرحب من كلّ ما يُنسب إليه من صفات أو علاقات، فالجوهر الإلهي يتجاوز دائمًا ما يتعيّن به، ويظلّ أوسع من كلّ ما ينسبه إلى ذاته من صفات أو علاقات.

يُقدِّمُ دنز سكوت نظرية في التركيب الصوري  théorie de la composition formelle يسمّيها بدقّة “اللا‑تطابق الصوري” (non-identité formelle). وتفيد هذه الفكرة أنَّ الشيءَ الواحد يُمكن أنْ يشتملَ على مكوّنات متميّزة composants distincts  من دون أنْ يفقدَ وحدته أو هُويته. فالشيء الواحد قد يحتوي على “حقائق” مختلفة، ومع ذلك يبقى هو هو في الجوهر[53]. ويتناول بونوّاه  (Boulnois) هذا المفهوم بعمق، ولا سيما فيما يتعلَّقُ بالتمييز الصوري بين الجوهر الإلهي والدعامات الأقنومية (suppôts)  أو الأقانيم عند سكوت، وهو تمييز أساسي لتجنُّب الوقوع في فخّ المودالية التي تنكر التمايز الحقيقي بين الأقانيم.

وفي مقاله “اختراع الواقع” (L’invention de la réalité) ، يبيُّنُ بونوّاه أنّ العقلَ يُميّز بين نوعين من الاختلاف:

  1. اختلافٌ يقوم على تصوُّرٍ موضوعات صورية مختلفة؛
  2. واختلاف يقوم على تصوُّرٍ الموضوع نفسه، ولكنْ وَفْق أنماطٍ أو طرائقَ مختلفةٍ للتفكير فيه.

ومن هذين النمطين ينبثق نمطان لفهم الفرق بين الجوهر والعلاقة (والعلاقة هي أساسُ الأبوة في الله). [54] فالتمييز بين الجوهر والأقانيم ليس:

  • اختلافًا بين “أشياءَ” مختلفةٍ،
  • ولا اختلافًا بين “طرائقَ إدراكِ” الشيء نفسه.

بل هو تمييزٌ من نوع ثالث، يصفه سكوت بأنّه تمييز افتراضي (distinctio virtualis).  فهو يقول إنّ “الجوهرَ الإلهي” و”الأبوة” لا يختلفان فعليًا، لأنّ “هذه الحقيقةَ” (haec res) التي هي الأبوةُ ليست “حقيقةً أخرى” (alia res)  غير الألوهية (deitas).  ولا يختلفان أيضًا بالقوّة، لأنّه لا وجود في الله لقوّة تسبق الفعل. ومن ثمّ، فهما يختلفان بطريقة “وسطى”، أي اختلافًا افتراضيًا  différence virtuelle، لأنّ الأبوةَ كامنةٌ بالقوّة في الجوهر الإلهي.

وهذا التمييزُ الافتراضي يفترض في الوقت نفسه:

  • هُوية حقيقية بين الأقانيم والجوهر الإلهي،
  • وتمييزًا صوريًا بين “السبب الصوري” للجوهر الإلهي raison formelle de l’essence divine و”السبب الصوري” للأقانيم raison formelle des hypostatses. [55]

وبذلك يوفِّقُ سكوت بين وَحْدةِ الجوهر الإلهي وتميُّز الأقانيم دون الوقوع في التثليث العددي أو في المودالية، إذ يُتيح فهمًا دقيقًا لكيفية وجود “حقائق صورية” متمايزة داخل “شيء واحد بسيط” هو اللهُ. تُعَدُّ التمييزية الصورية distinction formelle عند دنز سكوت طريقةً للتفريق بين جوانبَ أو اعتباراتٍ ليست منفصلةً تمامًا مثل الأشياء المتمايزة، وليست أيضًا محض تمايزاتٍ ذهنية لا وجود لها إلا في الفكر. فهي تقع في منزلة وسطى بين التمييز الحقيقي—الذي يفصل بين موجودات مستقلّة—والتمييز العقلي المحض—الذي لا يتجاوز حدود الذهن. وبحسب سكوت، فإنّ الجوهرَ الإلهي واحدٌ وغيرُ قابلٍ للانقسام. وهذا يعني أنّ الآبَ والابنَ والرُوحَ القدسِ يشتركون في الجوهر الإلهي نفسه من دون أيّ تجزئة أو تعدّد في الطبيعة. غير أنّ التمايزَ بين الأقانيم الثلاثة يقوم على علاقات صوريةrelations formelles  موجودة حقًا في الطبيعة الإلهية، ولكنْ من دون أنْ تُحدثَ أيَّ انقسام في الجوهر. وفي هذا الإطار، يكون الآب متميّزًا عن “الله” في كونه أقنومًا إلهيًا، لا في الجوهر. فتميُّز الآب هو تميُّزُ علاقةٍ صورية، أي أنّه يختلف عن الجوهر الإلهي في “الاعتبار الصوري” الذي يحدِّدُ هُويته الأقنومية، لا في الطبيعة. وهذا التمييز لا يعني انفصالًا أو استقلالًا عن الجوهر الإلهي، بل يُعبِّرُ عن نمط وجود أقنومي داخل الوَحْدة الإلهية البسيطة[56].

يعتمد دنز سكوت في تفسيره للعلاقات الصورية بين الأقانيم الإلهية على ما يسمّيه التقليد اللاتيني “الثالوث النفسي” trinité psychologique de l’être humain، وهو نموذجٌ أوغسطيني يُشبِّهُ الثالوثَ ببِنية النفس البشرية (الذاكرة، العقل، الإرادة) [57]، غير أنّ سكوت لا يقبل هذا التشبيه على نحو تمثيلي كما فعل توما الأكويني، بل يعكس المنهج تمامًا، إذ ينطلق من حقيقة الله كما يُعلنها الإيمان ليستنتج منها كيفية عمل قوى النفس، واضعًا الإيمان فوق العقل وجاعلًا الفلسفة خادمة للوحي. ويرى سكوت أنّ الله في ذاته عقل وإرادة، وأنّ الابن هو “الكلمةُ” الناتجة عن تأمُّل العقل الإلهي لذاته الكاملة واللا متناهية، فينتج معرفة مولودة هي الفكرةُ الإلهية عن الذات، أي الله نفسه، لكنها تبقى مُتميِّزةً صوريًا عن العقل والجوهر. فالابن هو الله حقًا، لكنه ليس “العقل”، والعقل هو الله حقًا، لكنه ليس “الكلمةَ”، ما يعني وجود اعتبارين صوريين داخل الجوهر الواحد، ولذلك يعدُّ سكوت الكلمةَ “دعامة أقنومية” suppôt متميِّزَةً، لأنّ ما يُنجِب ليس هو عينُ ما يُنجَب[58] ، وإن كان كلاهما الله الواحد اللا متناهي. ولا يقتصر التمييز على الأقانيم فيما بينها، بل يشمل أيضًا تمييزها عن الجوهر الإلهي، إذ إنَّ الجوهرَ واحدٌ وبسيط، لكنْ داخلَهُ علاقاتٌ صورية حقيقية مثل علاقة “المُنجِب” (الآب) و”المولود” (الابن)، وهي علاقاتٌ تُميِّزُ الأقانيمَ دون أن تُقسِّمَ الجوهر أو تضيف إليه أجزاء. ومع ذلك يبقى الآب والابن إلهًا واحدًا يشتركان في الطبيعة نفسها، كاملين، لا متناهيين، وأزليين[59].

وبالطريقة نفسها التي يشرح بها سكوت ولادة “الكلمة” من فعل العقل الإلهي، يشرح أيضًا صدور الرُوح القدس من فعل الإرادة الإلهية. فكما أنَّ العقل، عندما يتأمَّل ذاته الكاملة واللا متناهية، يُنتج “المعرفة المولودة” التي هي الابن، كذلك الإرادة الإلهية، عندما تتوجَّه نحو ذاتها التي تعرفها في الكلمة، تنتج “محبة” تجاه هذه الذات الإلهية. وهكذا، عندما يعرف الله ذاته في الكلمة—معرفةَ الذات الكاملة، الأزلية، واللا متناهية—فإنّ الإرادةَ الإلهية، بوصفها إرادةَ الآب، تُنتِجُ حُبًا مطابقًا لهذه المعرفة، حُبًا كاملًا، أزليًا، ولا متناهيًا، وهو الرُوح القدس. وكما أنّ ولادةَ الكلمة من فعل المعرفة الإلهية أمرٌ ضروري لا يُمكن أنْ يتخلَّفَ، كذلك صدور الرُوح القدس من فعل المحبة الإلهية هو أيضًا أمرٌ ضروري لا يُمكن ألا يحدثَ. فالله عندما يتأمّل ذاته، لا يمكنه إلا أن يُنجب مفهومه الكامل عن ذاته (الابن)، وعندما يعرف كماله اللا متناهي، لا يمكنه إلا أن يُنتج محبة مطابقة لهذا الكمال (الرُوح). وهذه المحبة الصادرة ليست هي المُنتِج نفسه، ولذلك فهي “أقنومٌ آخرُ”، أو “دعامة أقنومية”[60] متميّزة. ومع أنّ الرُوحَ القدس هو اللهُ حقًا، إلا أنّه يبقى متميّزًا صوريًا عن الآب والابن، من دون أنْ يكونَ منفصلًا عنهما، لأنّه يشترك معهما في الجوهر الإلهي نفسه، وفي الكمال نفسه، وفي الأزلية نفسها.

بحسب دنز سكوت، هناك إنتاجان إلهيّان يصدران عن الآب:

  1. ولادةُ الكلمة (الابن)،
  2. وانبثاقُ الرُوح القدس.

فالابن يُولَد من الآب “بطريقة الطبيعة”، بينما الرُوح ينبثق من الآب “بطريقة الإرادة”. ورغم اختلاف نمطَي الإنتاج واختلاف مصطلحَي الإنتاج (الكلمة والمحبة)، فإنّنا لا نزال أمام إلهٍ واحدٍ قائم في ثلاث دعائم أقنومية. [61] ويعبُّرُ سكوت عن ذلك بقوله: “أصلٌ واحد يُنتج نتيجتين وفق نمطين مختلفين من الإنتاج: فالكلمة (أو الابن) يصدر عن الآب بطريق الطبيعة، أمّا المحبة (أو الرُوح)، فتصدر عن الآب بطريق الإرادة”. وقد فسَّرَ اللاهوتيون هذين الإنتاجين وفق نموذجين مختلفين. النموذج الأول، الأقرب إلى أوغسطين، يرى أنّ الرُوح القدس يأتي ليُكمل دائرة الوَحْدة بين الآب والابن. وهذا التصوُّر مرتبط بعقيدة الفيليوكه  Filioque، التي ينبثق الرُوح فيها من “الآب والابن” معًا، وكأنّ العلاقةَ بين الآب والابن تُنتج الرُوح القدس في حركة دائرية مغلقة. أمّا النموذج الثاني، الأقرب إلى التقليد اليوناني، فيشدّد على ملوكية الآب بوصفه المبدأَ الوحيد داخل الثالوث. ووفق هذا النموذج، هناك صدوران ينطلقان من الآب مباشرة، في رمزٍ يُشبه حرف V مقلوبًا:

  • ولادة الابن،
  • وانبثاق الرُوح القدس.

هذا النموذجُ مستوحًى من لاهوت باسيليوس الكبير، ويُبرز أنّ الآبَ هو المصدرُ الوحيد دون أن ينفي تميّز الأقانيم. وبطبيعة الحال، لا يمكن للاهوت اللاتيني أنْ يقولَ إنّ الرُوحَ ينبثق من الآب وحده—لأنَّ ذلك يناقض الفيليوكه—لكنْ بعض اللاهوتيين اللاتين، مثل هنري دو غان Henri de Gand  وفي التقليد الفرنسيسكاني، رأوا أنّه يُمكن استنتاجُ انبثاق الرُوح من الآب وحده “في المبدأ”، ما دام أنّ الابنَ نفسه لا يملك مبدأً مستقلًا عن الآب، بل يشارك فيما هو للآب[62].

يَظْهَرُ الإشكالُ عند ملاحظة أنّ الاستدلالَ السكوتي على ولادة الابن وانبثاق الرُوح يستند إلى خصائص أساسية في الله—العقل والإرادة—وهي خصائصُ تعود إلى الجوهر الإلهي نفسه، لذلك فهي مشتركةٌ بين الأقانيم الثلاثة، وليست خصائص “شخصية” تخصُّ أحدها دون الآخر[63]. فإذا كان العقل والإرادة من صفات الجوهر، وكان كلُّ أقنومٍ يشترك في الجوهر الإلهي اشتراكًا تامًا (بما أنّ الأقانيمَ متساوية في الجوهر، والأزلية، والتداخل المتبادل)، فكيف يمكن القولُ إنّ الآبَ وحده هو مبدأُ ولادة الابن وانبثاق الرُوح؟ يردّ سكوت على هذا الاعتراض بالتمييز بين الخصائص الجوهرية والأفعال الإنتاجية. فالعقل والإرادة هما بالفعل صفات جوهرية مشتركة، لكنَّ طريقة استعمالهما في “الإنتاج الأقنومي” تختلف. فالآب هو الأصلُ لأنّه، بحسب سكوت، يقوم بالفعل الإنتاجي مرّتين:

  • مرةً عندما يُفكِّرُ في ذاته بوصفه عقلًا، فينتج الكلمة؛
  • ومرةً عندما يُحبُّ ذاته بوصفه إرادة، فينتج الرُوح.

وبهذا المعنى، فإنّ “الأفعالَ الإنتاجية” (ولادة الابن وانبثاق الرُوح) مؤسَّسة على الأفعال الجوهرية (التفكير والمحبة). فالجوهر الإلهي، بما هو عقلٌ وإرادة، يسبق الأقانيم ويؤسّسها ويحدّد ترتيبها[64]. ولذلك يُشدِّد سكوت منذ البداية على ضرورة التمييز بين الجوهر الإلهي والأقانيم الثلاثة: فالجوهر هو مبدأُ الفعل، والأقانيم هي نتائجُ هذا الفعل، من دون أن يكونَ هذا التمييزُ تمييزًا في الطبيعة أو في الزمن أو في المكان. إنّ هذا التمييزَ، كما يوضّحه سكوت، هو تمييزٌ في القدرة على الوجود بطريقة مختلفة (aptitudo ad esse aliter)، أي أنّ الجوهرَ الإلهي يمتلكُ “قابليةً” أو «استعدادًا” لإنتاج علاقات أقنومية متميّزة. وهذا ما يُسمّيه سكوت “المبدأ الفعّال” أو “مبدأ الإنتاج”، وهو الذي يسمحُ بفهم كيف يُمكن لجوهر واحد بسيط أنْ يكونَ أصلًا لثلاثة أقانيم متميّزة دون أنْ ينقسمَ أو يتعدَّد.

لا يُعارض دنز سكوت عقيدة الـ [65]Filioque، لكنَّهُ يُقدِّمُ تفسيرًا لولادة الابن وانبثاق الرُوح لا يعتمد عليها. فوفقًا للـ  Filioque، يعرف الآب ذاته، ومن هذا الفعل المعرفي يولد الابن. وبما أنّ الابنَ يعرف ذاته بدوره، فهو يُحبُّ ذاته، لأنّ المحبةَ تفترض المعرفة. غير أنّ هذه المعرفةَ تتضمّن مُسبقًا وجود “الكلمة” بوصفها نتيجة فعل المعرفة. وهكذا، فإنّ “الأمرَ” أو “الدافع” يأتي من الجوهر الإلهي نحو الآب ليعرف ذاته، ومن هذا الفعل يولد الابن. ثمّ يَصْدرُ من الجوهر نفسه “أمرٌ” آخرُ للآب بأن يُحبَّ ذاته عن طريق الابن، وهذا الفعل الإرادي يُنتج الرُوح القدس. فالآب إذن يعرف ذاته في الكلمة، ويحبُّ ذاته في الرُوح، لأنَّ معرفته لذاته تمرُّ عبر الكلمة. والكلمة، في كونها معرفةَ الله لذاته، تصبحُ سببًا لمحبة الله لذاته، لكنّ فعلَ المحبة نفسه ينطلق من الآب نحو الكلمة. وبهذا المعنى، لا يأتي “أمرُ المحبة” من الآب نفسه، بل من الجوهر الإلهي الذي يوجّه الآب إلى إنتاج هذا الحبّ. فالجوهر يأمر، والآب ينتج. ومن هنا يقول سكوت إنّ “المحبةَ (أي الرُوح) تنبثق من الآب بطريق الإرادة”، ويمكن استنتاج هذا الانبثاق من دون الحاجة إلى المرور بالابن، أي من دون الاستناد إلى الـ [66]Filioque. وهذا ما يجعل النموذج الأقرب إلى سكوت هو النموذجُ اليوناني الذي يشبَّه بحرف V مقلوب، الذي يصدر فيه الابن والرُوح كلاهما مباشرة من الآب بوصفه المبدأ الوحيد. وفي النهاية، يذكِّرُ سكوت بأنّ الثالوثَ ليس “تخفيفًا” للأحادية أو حلًّا وسطًا بين إله واحد وآلهة متعددة، بل هو طريقةُ وجود الإله الواحد نفسه[67] ، أي الهيئة التي تكون فيها أحادية الله حيّة، ديناميكية.

الخاتمة

يُميّز غريغوريوس بالاماس، في شرحه للعلاقات داخل الثالوث، بين نوعين من العلّية يساعدان على فهم كيفية ارتباط الأقانيم الإلهية بعضها ببعض: العلّية الوجودية (أو المبدئية) والعلّية الزمنية (أو العلّة والمعلول). فالعلّية الوجودية تُشير إلى الأصل والمصدر، أي إلى الجهة التي تنبع منها الوجودات من دون أيِّ معنًى للسبق الزمني. ووفق هذا الفهم، يكون الآبُ هو المبدأ الوجوديُ لكلٍّ من الابن والرُوح القدس: فهو يلدُ الابن وينبثق الرُوح القدس بطريقة أزلية، لا بداية لها ولا تخضع لأيّ تسلسل زمني. إنّها علّية تتعلّق بالهُوية والأصل، لا بالزمان. أمّا العلّية الزمنية، فهي العلّية التي نعرفها في العالم المخلوق، التي تسبق بها العلّةُ المعلولَ في الزمن، ويحدث الفعل بعد سببه. غير أنّ هذا النوعَ من العلّية لا يُمكن تطبيقه على الثالوث، لأنّ العلاقاتِ بين الأقانيم الإلهية أزلية وخارجة عن الزمن. فلو فُهمت العلاقاتُ الثالوثية فهم العلاقاتِ الزمنية، لكان ذلك يعني أنّ أحدَ الأقانيم يسبقُ الآخر في الوجود، وهو ما يناقض تمامًا المساواة والأزلية المشتركة بين الآب والابن والرُوح. لهذا يُؤكِّد بالاماس أنّ العلاقاتِ داخل الثالوث يجب فهمها حصريًا ضمن إطار العلِّية الوجودية: الآبُ هو المصدرُ الأزلي، والابن والرُوح هما منه، لكنْ من دون أيّ ترتيب زمني أو تفاضل في الوجود. إنّها علّية تتعلّق بالأصل، لا بالحدوث، وبالهُوية، لا بالتسلسل.

من جهته، يُقدِّمُ دنز سكوت مقاربةً مميَّزة لمسألة التمايز بين الأقانيم الإلهية، باستخدام مفهومي اللا‑تطابق الصوري والتمييز الصوري. فسكوت يرى أنّ الصفاتِ الإلهيةَ، رغم كونها واحدةً وموَحدة في الله، ليست متطابقة صوريًا. وهذا يعني أنّ صفاتٍ مثل: القدرة والحكمة والصلاح، وإن كانت جميعها تُعبِّرُ عن جوهرٍ واحد بسيط، يُمكن مع ذلك تمييزها صوريًا من دون أنْ تكونَ كِيانات منفصلة أو أجزاءَ مستقلة داخل الله. فالتمييز هنا ليس تمييزًا واقعيًا بين أشياء مختلفة، بل هو تمييزٌ في “الاعتبار الصوري” الذي يسمح للعقل بأن يُدرك في الجوهر الواحد وجوهًا متعددة من دون أن يُقسِّمَهُ. وهذه اللا‑تطابقية الصورية هي التي تفتح المجال لفهم كيفية كون الأقانيم الإلهية متميّزة حقًا في العلاقات الأقنومية، وفي الوقت نفسه متساوية في الجوهر، أي مساوية في الألوهية. فكما يُمكن للصفات الإلهية أنْ تكونَ مُتميّزة صوريًا من دون أنْ تكونَ مُتعدِّدة وجوديًا، كذلك يُمكن للأقانيم أنْ تكونَ متميّزة في “العلاقات” من دون أنْ تكونَ ثلاثة آلهة. وهكذا يُقدِّمُ سكوت إطارًا دقيقًا يسمح بفهم التمايز الأقنومي داخل الوَحْدة الجوهرية، من غير الوقوع في المودالية التي تُذيب التمايز، ولا في التثليث العددي الذي يُجزِّئُ الألوهية.

باستعمال مفهومه للـعلّية المبدئية، يُركّز غريغوريوس بالاماس على علّية ذات طابع وجودي تَهْدِفُ إلى تفسير الأصل المتزامن والأزلي للأقانيم الإلهية. أمّا دنز سكوت، فيقدِّمُ مقاربة مختلفة تقوم على مفهوم اللا‑تطابق الصوري والتمييز الصوري. فهو يُبيِّنُ أنّ الأقانيمَ الإلهية متساوية في الجوهر. وبذلك، يُقدِّمُ بالاماس وسكوت رؤيتين متكاملتين عن سرّ الثالوث: فبالاماس يوضِّحُ بِنية الأصل الأزلي للأقانيم عبر مفهوم العلّية المبدئية، ويوضِّح سكوت البِنية الداخلية للوَحْدة الإلهية عبر مفهوم اللا‑تطابق الصوري. فالأول يحلُّ مفارقة العلّية واللا تزامن، والثاني يحلُّ مفارقة التمايز والوَحْدة الجوهرية.

في ختام هذا التحليل، نعرض في الجدول الآتي بعض الخصائص المشتركة التي تُعدُّ بمنزلة ثوابت لاهوتية تتعلَّق بالأقانيم الثلاثة في الوَحْدة الإلهية المثلّثة.

الجدول 1: الخصائص المشتركة للأقانيم في اللاهوت المسيحي الثالوثي

  الشرح الخاصيّة
  جميع الأقانيم في الوَحْدة الإلهية تشترك في الجوهر نفسه، ولا يمتلك أيٌّ منها جوهرًا مغايرًا. الجوهر الواحد (التساوي في الجوهر – Consubstantialité)
  جميع الأقانيم أزلية معًا، فلا وجود لواحد قبل الآخر أو بعده. الأزلية المشتركة (Coéternité)
  لا يمكن لأيّ أقنوم أن يوجد مستقلًا عن الآخرين، بل يستمدُّ وجودَهُ من علاقته بالأقنومين الآخرين؛ لذلك لا يمكن الحديثُ عن “أقنوم” بالمفرد، بل دائمًا عن “أقانيمَ” بالجمع. الترابط الوجودي (Codépendance)
  جميع الأقانيم تتداخل وتتقاطع وجوديًا في حركة ديناميكية دائمة، ولا يمكن وضعُ حدودٍ تفصل أحدها عن الآخر. التداخل أو المحايثة المتبادلة (Périchorèse)
  لا يمكن تصويرُ الأقانيمَ أو تمثيلها بصريًا، إذ إنّها تتجاوز كلَّ صورة أو تمثيل حسّي. التعالي عن التمثيل أو “فوق الجوهرية” (Suressentialité)

 

إنّ تطوُّرَ مفهوم الثالوث في اللاهوت المسيحي يشهد على سعيٍ لا ينقطع في فهم هذا السرِّ الإلهي والتعبير عنه. فعلى الرغم من أنّ مَجْمعي: نيقية والقسطنطينية قد وضعا أُسُسًا عقائدية متينة، فإنّ النقاشَ الفلسفي بشأن الثالوث لا يزال مفتوحًا ولم يُحسم نهائيًا. ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين المنظورين الأرثوذكسي واللاتيني، إذ لا يمكن التقليل من قيمة هذا التكامل. فإسهامات المفكِّرين الشرقيين مثل غريغوريوس بالاماس، بمنهجه الصوفي والتجريبي، وإسهامات اللاهوتيين الغربيين مثل دنز سكوت، بمنهجه المدرسي الدقيق، تُظْهِرُ أنّ هذين التقليديْن قادران على توسيع آفاق التفكير الفلسفي وتعميق فهمنا للثالوث الإلهي.

لا تزال جوانبُ عديدةٌ في حاجة إلى مزيدٍ من البحث، ولا سيما ما يتعلَّقُ بعلاقة الثالوث بالعالم وبكثرة الخليقة. فسرُّ تجسُّدِ الكلمة وما يترتَّب عليه من أسئلة عن المحايثة المتبادلة (périchorèse)  يطرح إشكالاتٍ جوهريةً بخصوص كيفية تفاعل الإلهي والإنساني. وعند الجمع بين رؤى الشرق والغرب، تبرز إسهامات مفكّرين مثل: مايستر إيكهارت ونيقولاي بردياييف بوصفها مَحطَّاتٍ لا غنى عنها. فإيكهارت[68]، على سبيل المثال، يقترح منظورًا جريئًا يرى فيه ولادة الكلمة داخل النفس البشرية لا داخل الثالوث نفسه—فكرة يجد فيها بردياييف صدًى عميقًا—وهو ما يفتح آفاقًا جديدة ومحفّزة للتأمّل الفلسفي.

ومن جهة أخرى، يُقدِّمُ بردياييف[69] مفهوم الثُلاثية[70] (trinalité)، الذي تتحوّل فيه عقيدة الثالوث إلى رمز وأرشيتيب archétype لمسار التطوّر الإنساني. وبهذا يصبح الثالوث نموذجًا وجوديًا يُلهم الإنسان في سعيه نحو الوَحْدة والشركة. وتُقدِّمُ هذه الرؤى دينامية تطورية ترى أنّ البشريةَ مدعوّة إلى عكس صورة الشركة والوَحْدة الثالوثية في مسارها الخاص. وخلاصة القول، إنّ عقيدةَ الثالوث ما تزالُ أرضًا خصبة للتفكير الفلسفي، تُقدِّمُ باستمرار رؤًى متجدّدة عن طبيعة الله والخليقة والإنسان. وما ستشهده الأبحاث والنقاشات المقبلة سوف يُسهم بلا شك في تعميق فهمنا لهذا السرّ المركزي في الإيمان المسيحي.

يُمكنُ جمع كلّ ما سبق ضمن أفقٍ أوسع هو جدليّةُ الواحدِ والمتعدِّدِ، التي تظهر فيها الثالوثيّة المسيحيّة بوصفها خوارزميّة وجوديّة فريدة لقراءة هذا التوتُّرَ البنَّاء بين الوَحْدة والتعدُّدِ. فالثالوث، عن طريق تمايز الأقانيم الثلاثة وتداخلها، يُقدِّمُ نموذجًا يُظْهِرُ أنَّ الوَحْدة الحقيقية ليست نفيًا للتعدّد، بل هي صورةٌ أرقى من احتوائه. إنّ “نَسْجَ” الأقانيم الثلاثة—الآب والابن والرُوح—يعمل عملَ الآليّة التي تكشفُ أنّ الواحدَ لا يتحقّق إلا عبر تعدّدٍ داخليّ، وأنّ التعدُّدَ لا يستقيم إلا داخل وَحْدة تتجاوز الانقسام. بهذا المعنى، تتحوَّل الثالوثيّة إلى منطق جديد للمشاركة: مشاركة التعدُّد في الوَحْدة، ومشاركة الوَحْدة في التعدّد، مشاركةً يصبح بها الوجود نفسه حركةً دائبة بين الانبثاق والعودة، بين الاختلاف والاتحاد. ومن هنا تتجاوز الثالوثيّة حدود اللاهوت لتقدّم نموذجًا أنطولوجيًا يُمكن أنْ يُلهمَ فهمًا جديدًا للعالم، وللعلاقات، وللهُوية الإنسانية، لا تكون الوَحْدة فيه نقيضًا للتعدّد، بل شرطٌ لظهوره، ولا يكون التعدُّدُ تهديدًا للوَحْدة، بل طريقٌ إلى اكتمالها.

______________________________________________

قائمة المصادر والمراجع

  1. BERDIAEFF, Nicolas, Esprit et liberté, Paris, éditions « je sers », 1933.
  2. BERDIAEFF, Nicolas, Le sens de la création. Un essai de justification de l’homme, Traduit du russe par Mme Julien CAIN, Préface de Stanislas FUMET, Paris, Desclée de Brouwer, 1955.
  3. BOIREAU, Alain, « Pierre Michon et le Filioque », Critique, n° 61(694) (2005), p. 164-173.
  4. BOULNOIS, Olivier, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », Les Études philosophiques, 2020, vol. 133, no 2 (2020), p. 67-90.
  5. BOULNOIS, Olivier, « L’invention de la réalité », Quaestio, n° 17, « La réalité/ Reality and its Concepts » (Bari, Turnhout, 2017), p. 136.
  6. BŒSPFLUG, François, La Trinité dans l’art d’Occident (1400-1460), Strasbourg, Presses universitaires de Strasbourg (« Collection Art et Histoire », n° 12), 2006, p. 15-35.
  7. CHEVALLIER, Max-Alain, « L’évangile de Jean et le “Filioque” », Revue des Sciences Religieuses, n° 57(2) (1983), p. 93-111.
  8. CLARK, Elizabeth, « The Distinction of Persons in Scotus’ Trinitarian Thought », Scotist Studies, vol. 28, no 3 (2020), p. 99-118.
  9. CONGAR, Yves, Je crois en l’Esprit Saint, t.3 — Le Fleuve de Vie (Ap 22,1) coule en Orient et en Occident, Paris, Les éditions du Cerf, 1980.
  10. CROSS, Richard, “Duns Scotus on Divine Simplicity”, Medieval Philosophy and Theology no 10 (2001), p. 1-24.
  11. DAVIS, John, « Aquinas and Scotus: A Comparative Study on the Trinity », Medieval Studies Quarterly, n° 51(4) (2019), p. 301-320.
  12. DE HALLEUX, André, « Cyrille, Théodoret et le Filioque », Revue d’histoire ecclésiastique, n° 74 (1979), p. 597-625.
  13. DE VIOLET, Simon, Catholand, Histoire des conciles. Partie II. Le concile de Nicée, [vidéo], YouTube. https://youtu.be/SP3EdXQ5cwg, 2023.
  14. DUNS SCOT, Joannes, Lectura I, d. 2, p. 2, q. 1-4, ed. Vaticana, XVI.
  15. ECKHART, Maître, Le Livre de la consolation divine, Traduit par Jeanne Ancelet-Hustache, Paris, Le Seuil, 1953.
  16. FRITZ, Luc, « Tertullien. Dire Dieu un et trois », Cours n. V, Initiation à la théologie patristique, 2005.
  17. GILSON, Étienne, « Simplicité divine et attributs divins selon Duns Scot », Archives d’Histoire Doctrinale et Littéraire du Moyen Âge, no 24 (1949), p. 9-43.
  18. GREEN, Andrew, « Scotus and Aquinas on the Trinity », Journal of Scholastic Thought, n° 29(4) (2016), p. 201-220.
  19. GRUMEL, Vitalien, « Photius et l’addition du Filioque au symbole de Nicée-Constantinople », Revue des études byzantines, n° 5 (1947), p. 218-234.
  20. JUGIE, Martin, « Origine de la controverse sur l’addition du Filioque au Symbole », Revue des sciences philosophiques et théologiques, n° 28(1) (1939), p. 264-280.
  21. LARCHET, Jean-Claude, La théologie des énergies divines : des origines à saint Grégoire Palamas, Paris, Éditions du Cerf, 2010.
  22. LEE, Samuel, « The Unity of the Trinity in Aquinas and Scotus », Medieval Theology Review, n° 42(1) (2018), p. 55-78.
  23. LISON, Jacques, « L’énergie des trois hypostases divines selon Grégoire Palamas », Science et esprit no 44 (1992).
  24. MACAIRE DE CORINTHE & NICODEME L’HAGIORITE, Philocalie des pères neptiques, Tome A, volume 1… Athènes, 1976 ; Bellefontaine, 1979-1991, p. 36.
  25. MARROU, Henri, Nouvelle histoire de l’Église, vol. 1, Paris, Seuil, 1963 ; « Le Duns Scot », Revue des sciences philosophiques et théologiques, no 1 (1939), p. 264-280.
  26. MEYER, Harding, « La situation actuelle du dialogue œcuménique sur le filioque », Revue d’histoire et de philosophie religieuses, n° 64(1) (janvier-mars 1984), p. 13-26.
  27. MEYENDORFF, Jean, A Study of Gregory Palamas, London, Faith Press, 1964.
  28. MEYENDORFF, Jean, « Une lettre inédite de Grégoire Palamas à Akindynos », Θεολογία no 24 (1953).
  29. MEYENDORFF, Jean, Introduction à l’étude de Grégoire Palamas, Paris, Éditions du Cerf, 1959.
  30. MORLET, Sébastien, « Les origines du concept de Trinité », Les Études philosophiques, 2020, no 4 (2020).
  31. PALAMAS, Grégoire, Homélies : le cycle des douze fêtes majeures, traduit par Jérôme CLER, Paris, Éditions Lis & Parle, 2021.
  32. PALAMAS, Grégoire, Homélies : le cycle des douze fêtes majeures, op. cit., Homélie 21.
  33. PALAMAS, Grégoire, Homélies : le cycle des douze fêtes majeures, op. cit., Homélies 22, paragraphe 3.
  34. PALAMAS, Grégoire, Traités démonstratifs sur la procession du Saint-Esprit, traduit par Yvan KOENIG, introduction de Jean-Claude LARCHET, Paris, Éditions du Cerf, 2017.
  35. PALAMAS, Grégoire, Triades, traduit par Jean MEYENDORFF, Paris, Éditions du Cerf, 1959.
  36. PAPADEMETRIOU, George C., « The Essence-Energies Structure in the Theology of St. Gregory Palamas », Greek Orthodox Theological Review 18, no 2 (1973), p. 141-165.
  37. ROQUES, Magali, art. « Duns Scot (A) », dans Maxime Kristanek (dir.), l’Encyclopédie philosophique, 2016.
  38. TRUC, Gonzague, « Le “Duns Scot” de M. Gilson », Hommes et mondes, n° 118 (mai 1956).
  39. VANNIER, Marie-Anne, Maître Eckhart et le prologue de Jean, Paris, Cerf, 2010.
  40. VANNIER, Marie-Anne, « L’apport de la Clarification sur le Filioque », Revue des Sciences Religieuses, n° 75(1) (2001), p. 97-112.
  41. VAN STEENBERGHEN, Fernand, « L’édition critique des œuvres de Jean Duns Scot », Revue Philosophique de Louvain, troisième série, tome 50, n° 28 (1952).
  42. WILLIAMS, Thomas, « The Doctrine of Univocity of Being in Duns Scotus », The Journal of the History of Philosophy 25, no 2 (1987), p. 191-211.
  43. GRUMEL, Vitalien, « Photius et l’addition du Filioque au symbole de Nicée-Constantinople », Revue des études byzantines, n° 5 (1947), p. 218-234.
  44. CHEVALLIER, Max-Alain, « L’évangile de Jean et le “Filioque” », Revue des Sciences Religieuses, n° 57(2) (1983), p. 93-111.
  45. LEE, Samuel, « The Unity of the Trinity in Aquinas and Scotus », Medieval Theology Review, n° 42(1) (2018), p. 55-78.
  46. DAVIS, John, « Aquinas and Scotus: A Comparative Study on the Trinity », Medieval Studies Quarterly, n° 51(4) (2019), p. 301-320.
  47. CONGAR, Yves, Je crois en l’Esprit Saint, t.3 — Le Fleuve de Vie (Ap 22,1) coule en Orient et en Occident, Paris, Les éditions du Cerf, 1980.

[1] يُعَدّ غريغوريوس بالاماس (1296–1359) أحدُ أبرزِ اللاهوتيين البيزنطيين ورهبانُ الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، وقد اشتهر بدفاعه القوي عن الروحانية الهدوئية (الروحانية الهدوئية (Hesychasm) هي تقليدٌ رُوحي مسيحي أرثوذكسي يقوم على السكون الداخلي والصلاة المتواصلة، بهدف الاتحاد بالله عبر صفاء الذهن والقلب. إنها ليست محض هدوء خارجي، ولكنها ممارسة عميقة للجهاد الرُوحي ضد الأهواء والتخيّلات، وقد بلغت ذروتها في القرن الرابع عشر مع القديس غريغوريوس بالاماس.).الهسيخاستية spiritualité hésychaste). وُلد في القسطنطينية، ثم اختار الحياة الرهبانية في جبل آثوس، حيث طوّر وعلّم «صلاة القلب»، وهي ممارسة تأملية عميقة تهدف إلى بلوغ السكون الداخلي والاتحاد الروحي بالله. ويُعرف بالاماس خصوصًا بتمييزه اللاهوتي بين جوهر الله الذي يظلّ متعاليًا وغير قابل للإدراك، والطاقات الإلهية غير المخلوقة التي يتجلّى الله من خلالها ويعمل في العالم. وقد أكّد أنّه رغم استحالة بلوغ الجوهر الإلهي، فإنّ المؤمنين قادرون على اختبار الطاقات الإلهية مباشرة عبر الصلاة والنسك. وقد مَثل هذا التمييز محور الجدل الهدوئي، الذي دافع فيه بالاماس عن الممارسات الروحية للرهبان الهدوئيين، مبيّنًا أنّ خبرتهم ليست وهمًا نفسيًا، بل مشاركةٌ حقيقية في النعمة الإلهية.

[2] Jean-Claude Larchet, La théologie des énergies divines : des origines à saint Grégoire Palamas, Paris, Éditions du Cerf, 2010.

[3] تُمثل هذه الجدالات محورًا أساسيًا في أعمال غريغوريوس بالاماس، إذ تتعلّق أساسًا بالدفاع عن الروحانية الهدوئية (الهسيخاستي hésychaste) وبالتمييز بين الجوهر والطاقة الإلهية. ويقدّم ماينندورف Meyendorff تحليلًا مفصّلًا لحجج بالاماس ضد برلعام، الراهب الكلابري الذي انتقد ممارسة الصلاة الهدوئية ولاهوت الطاقات الإلهية. John Meyendorff, Introduction à l’étude de Grégoire Palamas, Paris, Éditions du Cerf, 1959.

[4] Grégoire Palamas, Triades, traduit par Jean Meyendorff, Paris, Éditions du Cerf, 1959. هذا الكتاب يُعدّ دفاعًا عن اللاهوت الهسيخاستي في مواجهة انتقادات برلعام الكلابري. ففيه يطوّر غريغوريوس بالاماس التمييز بين جوهر الله وطاقاته الإلهية، مؤكدًا أنّ جوهر الله يظلّ غير قابل للبلوغ أو الإدراك، ويمكن للمؤمنين اختبار طاقاته الإلهية عن طريق الصلاة الهدوئية والمسار النسكي. بهذه الرؤية، يبيّن بالاماس أنّ العلاقة مع الله ليست معرفة عقلية بالجوهر، بل خبرةٌ حيّة للطاقات التي يشترك فيها الإنسان دون أنْ يلمس جوهر الله المتعالي.

[5] Grégoire Palamas, Traités démonstratifs sur la procession du Saint-Esprit, traduit par Yvan Koenig, introduction de Jean-Claude Larchet, Paris, Éditions du Cerf, 2017. يُعدّ هذا العمل من المؤلفات اللاهوتية الكبرى التي تتناول مسألة انبثاق الروح القدس. وقد كُتبت هذه الرسائل في سياق المناقشات البيزنطية‑اللاتينية في القسطنطينية، وتهدف إلى دحض عقيدة الـ Filioque، وهي المقولة التي أضافتها الكنيسة اللاتينية إلى قانون الإيمان، والتي تنصّ على أنّ الروح القدس ينبثق من الآب والابن معًا.

[6] Grégoire Palamas, Homélies : le cycle des douze fêtes majeures, traduit par Jérôme Cler, Paris, Éditions Lis & Parle, 2021. هذه العظات تقدّم شروحًا تفسيرية معمّقة للكتاب المقدّس، وتعرض تحولًا وتطوّرات لاهوتية متجذّرة في التقليد الآبائي، وتتخلّلها أحيانًا نبرة شعرية رفيعة، ولا سيّما في المناسبات المريمية.

[7] Métropolite Amphiloque (Radović) du Monténégro et du Littoral. Le mystère de la Sainte Trinité selon Saint Grégoire de Palamas, Suivi d’un entretien avec l’archiprêtre Jivko Panev, Préface Jean-Claude Larchet, Paris, Cerf, 2012

[8] Métropolite Amphiloque (Radović) du Monténégro et du Littoral. Le mystère de la Sainte Trinité selon Saint Grégoire de Palamas, op. cit., p. 141.

[9] Ibid., p. 22.

[10] Ibid., p. 45.

[11] Ibid.

[12] Ibid., p. 116.

[13] Ibid., p. 118.

[14] Ibid., p. 124.

[15] Grégoire Palamas, Homélies : le cycle des douze fêtes majeures, op. cit., Homélies 22, paragraphe 3.

[16] Métropolite Amphiloque (Radović) du Monténégro et du Littoral, Le mystère de la Sainte Trinité selon Saint Grégoire de Palamas. op. cit., p. 125.

[17] Ibid., p. 126.

[18] Ibid.

[19] Grégoire Palamas, Homélies : le cycle des douze fêtes majeures, op. cit., Homélie 21.

[20] Métropolite Amphiloque (Radović) du Monténégro et du Littoral. Le mystère de la Sainte Trinité selon Saint Grégoire de Palamas, op. cit., p. 193.

[21] Ibid., p. 131-132 et p. 193-194.

[22] Ibid., p. 133.

[23] Ibid., p. 194.

[24] Ibid., p. 137.

[25] Ibid.

[26] Jean Meyendorff, « Une lettre inédite de Grégoire Palamas à Akindynos », Θεολογία no 24 (1953), p. 562.

[27] Yves CONGAR, Je crois en l’Esprit Saint, t.3 — Le Fleuve de Vie (Ap 22,1) coule en Orient et en Occident, Paris, Les éditions du Cerf, 1980, p. 204.

[28] Jacques Lison, « L’énergie des trois hypostases divines selon Grégoire Palamas », Science et esprit no 44 (1992), p. 72.

[29] Nicodème l’Hagiorite et Macaire de Corinthe, Philocalie des pères neptiques, Tome A, volume 1 : d’Antoine le Grand à Marc l’Ascète. Notices et traduction par Jacques Touraille, précédées d’une « Introduction à la spiritualité philocalique » par Olivier Clément, 4e éd., Athènes, 1976, Les Éditions monastiques de l’Abbaye de Bellefontaine (« Collection Monastique », n° 1), 1979-1991, p. 36.

[30] Sébastien Morlet, « Les origines du concept de Trinité », Les Études philosophiques, 2020, no 4 (2020), p. 15.

[31] François Bœspflug, La Trinité dans l’art d’Occident (1400-1460), Strasbourg, Presses universitaires de Strasbourg (« Collection Art et Histoire », n° 12), 2006, p. 15-35.

[32] Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », Les Études philosophiques, 2020, vol. 133, no 2 (2020), p. 67-90 ; Elizabeth Clark, « The Distinction of Persons in Scotus’ Trinitarian Thought », Scotist Studies, vol. 28, no 3 (2020), p. 99-118.

[33] ولإبراز مدى تعقيد عمل تحقيق مخطوطات دنز سكوت والصعوبات التي واجهتها اللجنة السكوتية في هذا المشروع العلمي الضخم، نشير إلى المقطع التالي الوارد في

Fernand Van Steenberghen, « L’édition critique des œuvres de Jean Duns Scot », Revue Philosophique de Louvain, troisième série, tome 50, n° 28 (1952), p. 608

« On savait depuis le XIVe siècle que Scot avait expliqué les Sentences à Oxford et à Paris. A partir du XVIIe siècle l’opinion prévalut selon laquelle ces deux enseignements avaient donné naissance à deux écrits inégalement authentiques : l’Opus Parisiense (ou Reportata Parisiensia), témoin de l’enseignement du maître à Paris, et l’Opus Oxoniense, appelé Ordinatio parce que cet ouvrage aurait été “ordonné”, c’est-à-dire “composé” par les disciples de Scot à l’aide de ses commentaires d’Oxford complétés par ceux de Paris. Telle était, notamment, l’opinion de Wadding. On le voit, selon ces vues courantes depuis le XVIIe siècle, la rédaction de l’Opus Oxoniense ne serait pas l’œuvre de Scot lui-même. Mais l’étude approfondie du codex A a permis au P. Balic de renverser cette opinion traditionnelle et d’établir la thèse suivante: l’Opus Oxoniense tel que nous le possédons aujourd’hui dérive du texte que Duns Scot a lui-même dicté, revu et mis au point en vue de la diffusion de son ouvrage ; ce texte est appelé Ordinatio parce qu’il a été “ordonné”, c’est-à-dire “mis en ordre” par l’auteur ; pour rédiger ce texte définitif, Scot s’est servi de la Lectura Oxoniensis et de la Lectura Parisiensis, c’est-à-dire des notes provenant de son enseignement à Paris et à Oxford. L’édition critique vise à restituer le texte original de cette Ordinatio ».

[34] Étienne Gilson, « Simplicité divine et attributs divins selon Duns Scot », Archives d’Histoire Doctrinale et Littéraire du Moyen Âge, no 24 (1949), p. 9-43

[35] Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », op. cit.

[36] Lectura I, d.8, §12 (XVII, 4) cité dans Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », op. cit.

انظر أيضًا في هذا السياق مقالًا مهمًا للغاية يستكشف نظرية “وحدة دلالة الوجود” عند يوحنا دنز سكوت، وهي النظرية التي تؤكّد أنّ لفظ «الوجود» يحمل المعنى نفسه عندما يُطبَّق على الله وعلى المخلوقات—وهو موقف يخالف تمامًا الرؤية التوماوية للوجود:

Thomas Williams, « The Doctrine of Univocity of Being in Duns Scotus », The Journal of the History of Philosophy 25, no 2 (1987), p. 191-211.

[37] Richard Cross, “Duns Scotus on Divine Simplicity”, Medieval Philosophy and Theology no 10 (2001), p. 1-24. يتناول هذا المقال مفهوم البساطة الإلهية عند يوحنا دنز سكوت. ويشرح كروس كيف يؤكّد سكوت أنّ الله بسيط وغير مركّب، ما يعني أنّه لا يمكن تقسيمه إلى جنس وأنواع. وتستبعد هذه البساطة أيّ شكل من أشكال المودالية، إذ تؤكّد أنّ الأقانيم الإلهية ليست “أشكالًا” مختلفة، بل تشترك في جوهر واحد فريد.

[38] فيما يتعلّق بمسألة “فوق‑الجوهرية” (suressentialité) لدى الأقانيم، يؤكّد غريغوريوس بالاماس أنّ الأقانيم الإلهية، على الرغم من تمايزها، تشترك في جوهر واحد غير قابل للمشاركة، الأمر الذي يجعلها غير قابلة للتمثيل ومتسامية عن كلّ تصوّر. وفي إطار عقيدته حول التألّه (théosis)، يبرز بالاماس هذه الفوق‑الجوهرية بوصفها عنصرًا أساسيًا في فهم العلاقة بين الله والإنسان. فهو يميّز بوضوح بين الجوهر الإلهي الذي يظلّ غير مدرك وغير قابل للاتصال، وبين الطاقات الإلهية التي من خلالها يتجلّى الله للمخلوقات ويتدخّل في سبيل تألّهها. George C. Papademetriou, “The Essence-Energies Structure in the Theology of St. Gregory Palamas », Greek Orthodox Theological Review 18, no 2 (1973), p. 141-165 et John Meyendorff, A Study of Gregory Palamas, London, Faith Press, 1964.

[39] Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », op. cit.

[40] Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », op. cit.

[41] المودالية: ترجمةٌ دقيقة للمفهوم العام الذي يركّز على “الأطوار” أو “الأشكال”.

[42] السابيليانية: ترجمةٌ خاصةٌ تربط المذهب باسم صاحبه التاريخي، وتُستخدم عادةً في الدراسات اللاهوتية لتحديد النسخة التي نشرها سابيليوس.

[43] Simon De Violet. Catholand, Histoire des conciles. Partie II. Le concile de Nicée, [vidéo], YouTube. https://youtu.be/SP3EdXQ5cwg, 2023.

[44] الكلمةُ مركّبة من اللاتينية: Patri الأب passio + الآلام/المعاناة .المعنى الحرفي: «آلام الأب» أو «معاناة الأب». الترجمة العربية «الباتريباسيانية» تحافظ على البنية الصوتية والاشتقاقية الأصلية، مع إضافة صيغة النسبة العربية «ـية» للدلالة على المذهب أو التيار الفكري. هذا المذهب يرى أن الآب نفسه هو الذي تألّم وصُلب، وليس الابن وحده، وهو ما يتعارض مع التمييز التقليدي بين الأقانيم في العقيدة المسيحية. لذلك، التسمية نفسها تحمل مضمونًا عقائديًا: فهي تشير إلى الفكرة الجوهرية بأن الآلام نُسبت إلى الآب.

[45] Luc Fritz. « Tertullien. Dire Dieu un et trois », Cours n. V, Initiation à la théologie patristique, 2005, p. 147.

[46] كان ترتليان أحد كبار اللاهوتيين، وُلد في قرطاج حوالي سنة 160. وقد أبدى تعاطفًا مع الحركة المونتانية، وهي حركة نبوية ظهرت نحو سنة 172، قادها مسيحي حديث العهد بالإيمان يُدعى مونتان. يقوم المونتانية على الإيمان برسالة “البارقليط” المتجسّدة في شخص مونتان نفسه. وقد أثار هذا التيار الكاريزماتيكي مقاربة جذرية للإنجيل، تقوم على أخذه بكل جدّية وبالحرف.

كان المونتانيون يدعون إلى عدم الهروب من الاستشهاد من دون السعي إليه، ويدعون إلى العفّة من غير إدانة الزواج، كما كانوا يرفضون الزواج الثاني، وغيرها من الممارسات التي اعتُبرت تعبيرًا عن تشدّد روحي وأخلاقي. وقد رأت الكنيسة في هذه الراديكالية مبالغة، فاعتُبر المونتانية تيارًا هامشيًا سرعان ما تمّ احتواؤه، “إذ لم يكن هرطوقيًا من حيث العقيدة بقدر ما كان مُنفّرًا من حيث الانضباط والصرامة التي كان يفرضها على أتباعه”. (Luc Fritz. « Tertullien. Dire Dieu un et trois », Cours n. V, Initiation à la théologie patristique, 2005, p. 146).

علاوة على ذلك، كان ترتوليان يحارب المودالية. وقد كتب كثيرًا ضد هذا التيار الذي سمّاه (patripassianisme)، أي القول بأنّ الآب هو الذي تألّم، لأنّ أنصار المودالية كانوا يعلّمون بأنّ الآب نفسه قد تألّم على الصليب. وكانت الكنيسة ترفض بشدّة هذا التصوّر. (Luc Fritz. « Tertullien. Dire Dieu un et trois », Cours n. V, Initiation à la théologie patristique, 2005, pp. 140-156).

[47] Simon De Violet. Catholand, Histoire des conciles. Partie II. Le concile de Nicée, [vidéo], YouTube. https://youtu.be/SP3EdXQ5cwg, 2023.

[48] Ibid.  John Davis, « Aquinas and Scotus: A Comparative Study on the Trinity », Medieval Studies Quarterly, n° 51(4) (2019), p. 301-320 ;  Samuel Lee, « The Unity of the Trinity in Aquinas and Scotus », Medieval Theology Review, n° 42(1) (2018), p. 55-78 ; Andrew Green, « Scotus and Aquinas on the Trinity », Journal of Scholastic Thought, n° 29(4) (2016), p. 201-220.

[49] Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », op. cit., p. 75.

[50] Lectura I, d.2, §165 (XVI, 167) cité dans Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », op. cit., p. 75.

[51] Gonzague Truc, « Le “Duns Scot” de M. Gilson », Hommes et mondes, n° 118 (mai 1956), p. 236.

[52] Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », op. cit., p. 75.

[53] Ibid.

[54] Olivier Boulnois, « L’invention de la réalité », Quaestio, n° 17, « La réalité/ Reality and its Concepts » (Bari, Turnhout, 2017), p. 136.

[55] Joannes Duns Sotus, Lectura I, d. 2, p. 2, q. 1-4, ed. Vaticana, XVI, § 271, p. 215, cite dans Olivier Boulnois, « L’invention de la réalité », op. cit., p. 136.

[56] Magali Roques, art. « Duns Scot (A) », dans Maxime Kristanek (dir.), l’Encyclopédie philosophique, 2016.

[57] Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », op. cit.

[58] Lectura I, d.2, §165 (XVI, 168) cité dans Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », op. cit., p. 77.

[59] Ibid., p. 77.

[60] Ibid.

[61] Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », op. cit., p.80.

[62] Ibid., p. 79.

[63] Ibid., p.80.

[64] Ibid., p.81.

[65] فيما يتعلّق بمسألة الـ Filioque عند دنز سكوت، انظر

Marrou Henri, Nouvelle histoire de l’Église, vol. 1, Paris, Seuil, 1963 ; Marrou Henri, « Le Duns Scot », Revue des sciences philosophiques et théologiques, no 1 (1939), p. 264-280. Marrou explore les distinctions que Duns Scot fait entre la philosophie et la théologie, et les capacités respectives de ces deux disciplines et analyse comment ces distinctions influencent la compréhension de la Trinité et du Filioque chez Scot. Pour approfondir les débats autour du Filioque voir : Vitalien Grumel, « Photius et l’addition du Filioque au symbole de Nicée-Constantinople », Revue des études byzantines, n° 5 (1947), p. 218-234 ; André de Halleux, « Cyrille, Théodoret et le Filioque », Revue d’histoire ecclésiastique, n° 74 (1979), p. 597-625 ; Marie-Anne Vannier, « L’apport de la Clarification sur le Filioque », Revue des Sciences Religieuses, n° 75(1) (2001), p. 97-112 ; Harding Meyer, « La situation actuelle du dialogue œcuménique sur le filioque », Revue d’histoire et de philosophie religieuses, n° 64(1) (janvier-mars 1984), p. 13-26 ; Max-Alain Chevallier, « L’évangile de Jean et le “Filioque” », Revue des Sciences Religieuses, n° 57(2) (1983), p. 93-111 ; Martin Jugie, « Origine de la controverse sur l’addition du Filioque au Symbole », Revue des sciences philosophiques et théologiques, n° 28(1) (1939), p. 264-280 ; Alain Boureau, « Pierre Michon et le Filioque », Critique, n° 61(694) (2005), p. 164-173.

[66] Olivier Boulnois, « Duns Scot et la déduction a priori de la Trinité », op. cit. p.80.

[67] Ibid., p.85.

[68] Maître Eckhart, Le Livre de la consolation divine, Traduit par Jeanne Ancelet-Hustache, Paris, Le Seuil, 1953 ; Marie-Anne Vannier, Maître Eckhart et le prologue de Jean, Paris, Cerf, 2010.

[69] Nicolas Berdiaeff, Le sens de la création. Un essai de justification de l’homme, Traduit du russe par Mme Julien Cain, Préface de Stanislas Fumet, Paris, Desclée de Brouwer, 1955.

[70] Nicolas Berdiaeff. Esprit et liberté, Paris, éditions « je sers », 1933.

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete