مفهوم الخلافة في القرآن الكريم وسلطة المفسر

 المقدمة

تعدّ مقولة “إعادة الخلافة الإسلامية” أبرز المقولات التأسيسيّة في الخطاب الإسلامي المعاصر في وجهيه عند الجماعات الإسلامية و الكثير من علماء المؤسسات الدينية، والفارق بينهما أن الجماعات تعمل على استعادتها بحيلة السياسية أو صراحة السلاح، بينما يرى الكثير من علماء المؤسسات الدينية العدول عنها عدول المضطر المعذُور، فالخلافة من منظورهم النظام الإسلامي الرباني الثابت للدولة، وليست منتجا إنسانيا تاريخيا متغيرا، فالدولة الإسلامية  من منظورهم جزء أصيل لتحقق الهوية الإسلامية، وكأن هوية المسلم ليست في عقيدته وعبادته وسلوكه بل في دولته أو خلافته الإسلامية المفقودة، فهي فردوسهم الذي يحلمون به ظنا منهم أنها الحل السحري لمشاكلهم، وطوق النجاة لهم من العولمة والحداثة.

انطلاقا من هذه الإشكالية في فكر ووجدان المسلم المعاصر تأتي أهمية هذه الورقة البحثية في التعرف على مفهوم الخلافة في لغة العرب وفي القرآن الكريم، والوقوف أمام الأحاديث التي استند إليها المفسر في تناوله لآيات الاستخلاف، وقد أخّر الباحث أقوال المفسرين عن دراسته المباشرة على اللفظ القرآني؛ لرفع الوساطة التراثية بين الباحث وبين القرآن الكريم، وليست هذه دعوة لإهدار جهود القدامى، بل للاستفادة منها بوضعها في مكانتها الحقيقية وضرورة قتلها بحثا.

والبحث محاولة للإجابة عن سؤال: هل “الخلافة الإسلامية” نموذج شرعي ديني ثابت توقيفي انتجه الوحي المقدس يجب استعادته، أم نموذج تاريخي متطور انتجه الفعل الإنساني المتأثر بقيمه وبيئته الزمنية والمكانية؟؟ كيف تحوّلت الخلافة في الوجدان الإسلامي إلى حلم، وأصبحت أصلا يعود المسلمون للطواف حوله مرارا، لا يملكون تجاوزه؟ هل عرف تاريخ المسلمين مجتمع راشدا؟ وهل على المسلمين أن يعيشوا بين حنين لحلم خلافة راشدة مضت؟ ووعد بخلافة راشدة في آخر الزمان؟

البحث محاولة لممارسة القراءة التحليلية النقدية البعيدة عن التبريرية أو الاعتذارية أو الدوغمائية السائدة في الخطاب الإسلامي لإظهار أوجه التعدد في أقوال القدامى، وفهمهم الظني المتأثر بثقافة عصرهم لنصوص ذات دلالة احتمالية.  فأخطر ما وقع فيه الخطاب الإسلامي المعاصر تثبيت المعنى عند فهم المفسّر وترويجه كأنه المعنى الوحيد المطابق لمراد الله، مما أعطى للمنتج البشري سلطة الإلهي، وعليه تأسس مفهوم الخلافة الإسلامية في الثقافة الإسلامية المعاصرة.

الخلافة في لغة العرب

تعود الدراسة بكلمة الخلافة إلى جذورها اللغوية الأولى، بعيدا عن الاستعمالات المعاصرة الشائعة للخلافة الإسلامية، فكثيرا ما يذهب الدارسون إلى النص القرآني بمفهوم استقر في أذهانهم، ويريدون له سندا ودليلا من القرآن الكريم، فيستدل باللفظة في الآية القرآنية على معنى لم تُوضع له في أصل الاستعمال العربي الذي نزل به القرآن، فيريد بها دلالة حديثة اكتسبها اللفظ مؤخرا مما يُحدث خلطا في الدلالة، وارتباكًا في المفهوم، ينبني عليه فهْما ضبابيا للآية القرآنية.

والخلافة في لغة العرب من الجذر اللغوي خَلَف، ومنه اشتقت الأفعال استخلف، وأخلف، وكلمة خليفة، وجمعها خلفاء وخلائف، وقد تعددت دلالات الكلمة، وتفاوتت في الاستعمال بين الشهرة والندرة، ([1]) وهذا ما نجمله فيما يلي:

أ- خَلَف الشئ خُلُوفا: تغير وفسد، يقال: خلف الطعام، وخلف فم الصائم، وفي الحديث: “لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك”، ويقال خلف فلان أي تغير خلقه وساء، وخلف عن الشئ أي أعرض عنه.”

ب- خَلَف بمعنى تناول سيفه، يقال: “أخلف الرجل أي ضرب الرجل يده إلى قراب سيفه؛ ليأخذ سيفه إذا رأى عدوا، فيقال: أخلف الرجل إذا أهوى بيده إلى سيفه ليسله، وفي حديث عبد الرحمن بن عوف: “أن رجلا أخلف السيف يوم بدر، يقال: أخلف يده إذا أراد سيفه، وأخلف يده إلى الكنانة، ويقال: خلف له بالسيف إذا جاء من ورائه فضربه. وفي الحديث: “فأخلف بيده وأخذ يدفع الفضل.”

ج- خَلِف خَلَفًا مَالَ على أحد شِقيّه، ويقال لأحول العينين أخلف.

د- خلف فلانا أي صار خلفه، وفلان خَلَفًا لفلان أي جاء بعده فصار مكانه، وكان خليفته، واستخلفه جعله خليفته، والخِلافُ: شجر الصَّفصاف، ويقال جاء خلافه أي بعده، وفي التنزيل العزيز: “إذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلا”، والخَلْف بإسكان اللام القَرْن يأتي بعد القرن.”، يقال: “استخلف فلان من فلان جعله مكانه، وخلف فلان فلانا إذا كان خليفته. يقال: خلفه في قومه خلافة، وفي التنزيل العزيز “وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي”، وفي الحديث “أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله؟” فأخلفت الرجل في أهله إذا أقمت بعده فيهم، وقمت عنه بما كان يفعله، وأخلف فلان خلفا صدق في قومه أي ترك فيهم عقبا. وأعطه هذا خلفا من هذا أي بدلا. والخالفة: الأمة الباقية بعد الأمة السالفة؛ لأنها بدل ممن قبلها وأنشد: كذلك تلقاه القرون الخوالف.

وخلفته أيضا إذا جئت بعده، ويقال: خلفت فلانا أخلفه تخليفا واستخلفته أنا جعلته خليفتي. واستخلفه: جعله خليفة، والخليفة: الذي يستخلف ممن قبله.”

ه- الخليفة بمعنى زعيم وشيخ القبيلة، والأمير ومنه قول الشاعر الجاهلي أوس بن حجر:

إن من الحي موجودا خليفته     وما خليف أبي وهب بموجود

وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة: “كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فُوا ببيعة الأول فالأول”([2]) ومنه دلالة لفظ الخليفي في حديث عمر رضي الله عنه: لولا الخليفي لأذَّنت، وفي رواية: لو أطقت الأذان مع الخليفى، بالكسر والتشديد والقصر، بمعنى الخلافة.”

و- الخليفة بمعنى السلطان الأعظم، يخلف من قبله ويسدُّ مسدَّهُ.([3])

ونخلص مما سبق إلى أمور نجملها فيما يلى:

1- اشتراك جميع دلالات اللفظ في معنى التغير والتحول من حال إلى حال.

2- انتقال المعنى من الدلالة الحسية الظاهرة لتغير وتحول الأشياء الجامدة إلى دلالة معنوية لتغير وغياب الأشخاص.

3- إطلاق لفظ الخليفة على القائد وزعيم القبيلة، عرفها العرب قبل الإسلام كما جاء في بيت أوس بن حجر في دلالة (ه)، فدلالة كلمة خليفة على الأمير دلالة عربية تطوّر إليها الاستعمال العربي للفظ قبل الإسلام، لا تحمل قدسية ولا اصطلاحية شرعية استحدثت مع الإسلام.

4- أن القرآن الكريم –كما ستبين الدراسة- اختار الدلالة (د) دون غيرها من الدلالات اللغوية؛ لاستخدام اللفظ ومشتقاته.

5- أن الدلالة (د) اكتسبت شهرةً وانتشارًا عن غيرها من الدلالات، وساعد في ذلك الاستعمال القرآني لها.

6- أن الحديث النبوي لم يتقيد بدلالة لغوية واحدة لمادة خلف  كما جاء في القرآن الكريم، بل استعملها بمختلف الدلالات.

7- إطلاق الخليفة على السلطان الأعظم -الدلالة (و)- متأخرة زمنا في الاستعمال اللغوي مقارنة بغيرها من الدلالات، فهي تعبير عمّا صارت إليه الدلالة في استخدام المتأخرين في القرن الحادي عشر الهجري، والتي باتت الدلالة الأكثر استدعاء في الواقع المعاصر، واستعمالا في الخطاب الفكري الحديث.

الخلافة في القرآن الكريم

لم ترد الخلافة في القرآن الكريم، وإنما وردت مشتقات أخرى من جذرها اللغوي خلف، ويمكننا تصنيف الصيغ التى وردت في القرآن الكريم في ست صيغ لغوية:

(أ) جاءت في صيغة استخلف في أربعة مواضع:

1- ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [سورة الأنعام: 133]

2- ﴿قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأعراف: 129]

3- ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سورة هود: 57]

4- ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾. [سورة النور: 55 ]

(ب) استخدم القرآن الكريم كلمة خليفة في موضعين:

(1) ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 30]

(2) ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [سورة ص: 26]

(ج) جاءت بصيغة الجمع في أربعة مواضع بلفظ خلائف، وموضعين بلفظ خلفاء.

1- ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورةلأنعام الآية165]

2- ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة يونس الآية 14]

3- ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [سورة يونس الآية 73]

4- ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [سورة فاطر:39]

5- ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [سورة الأعراف:69]

6- ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [سورة الأعراف: 74]

(د) جاءت بلفظ خَلْف في ثلاثة مواضع:

1- ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [ سورة الأعراف: 169]

2- ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [سورة مريم:59]

(ه) جاءت بصيغة خَلْف بمعنى وراء في أربعة مواضع مثل قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [سورة يونس: 92]

(و) جاءت بصيغة خَلْف جزء من تركيب لغوي مقابل لـ “بين يديه”، أو “بين أيديهم” في عشر مواضع، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران]

بالنظر إلى مادة كلمة الخلافة في القرآن الكريم نستخلص مجموعة من النتائج:

أولا: لم يرد لفظ الخلافة صراحة في القرآن الكريم، وإنما جاء الفعل يستخلف، والمفرد خليفة، والجمع خلائف وخلفاء، والمفرد خَلَف، وخَلْف.

ثانيا: أن كلمة (خَلْف) من بين مشتقات مادة خَلَفَ اللغوية الأكثر استعمالا في القرآن الكريم كما جاء في (د)، (ه)، (و) مفيدة الظرفية الزمنية، فهي تشير إلى سابق ولاحق، ففي (د) أفادت معنى القرن يأتى بعد القرن، أو العوض والبدل، وفي (ه) أفادت معنى وراء، وفى (و) جاءت كلمة خلف مضادة لكلمة أمام المدلول عليها بلفظ “ما بين أيديهم”؛ ليدل التركيب بطريق الكناية على معاني الإحاطة، والشمول، والعموم، والتخلل تارة صفة لعلم الله “يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم”، وتارة صفة لتقوى العبد في قوله تعالى: “اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم”، وتارة صفة للتأمل والنظر كما في قوله تعالى: “أولم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم”.

ثالثا: أن الآيات تحدثت عن استخلاف الله للإنسان بالفعل يستخلف في (أ)، والاسم خليفة وخلفاء في (ب)، و(ج) في قوله تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة” أي أن آدم ومن بعده بنيه خلائف الله في الأرض، والدلالة هنا ليست بالمعنى المعجمي للكلمة الذى يقتضي جعل الإنسان محل الله وبدلا عنه؛ لأن الدلالة اللغوية الحقيقية للكلمة مستخلِف يرحل، ومستخلَف يحل محله، ويقوم مقامه، وهذا المعنى الحقيقي يمتنع إرادته بالقرينة النقلية والعقلية ، فالوحي والعقل يأباه.

فما دلالة الاستخلاف؟

يُوضِّح ذلك حوار الملائكة قائلة: “أتجعل فيها من يُفسد فيها، ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟” فتحدثت الملائكة بنقيض حقيقة الاستخلاف التي قد يُضيعها آدم أو بنيه من بعده.

فحقيقة الاستخلاف القرآني الذي عهد به الله لآدم وبنيه كامن في تعمير وإصلاح الأرض، فلا يفسدون فيها، والتعايش رغم اختلافهم فلا يسفكون الدماء، والتعبد بكلمات الله كما تسبح الملائكة وتقدس لله.

رابعا: لم يُضف القرآن الكريم دلالة جديدة إلى لفظ الخلافة، مثل كلمة صلاة التى أضيف إلى مدلولها اللغوي (دعاء) دلالة اصطلاحية شرعية جديدة بالاستعمال القرآني لها، فأصبحت اسما لشعيرة تعبدية تمثل إحدى أركان الإسلام، ومثلها كلمة زكاة، بخلاف كلمة خلافة التي لم تكتسب مفهومًا شرعيًا جديدًا في الاستعمال القرآني، كما روّج لذلك الكثير في خطابهم الدعوي.

خامسا: الأساليب القرآنية التي ورد فيها مشتقات الخلافة ليست من قبيل الأساليب الإنشائية التى تحمل معنى الأمر أو النهي مثل آيات التكليف في القرآن الكريم، بل جاءت آيات الخلافة في سياقات خبرية تنوعت بين التذكير بنعمة الله امتنانا على الإنسانية في عمومها أو الفئة المؤمنة المتعبدة المتبعة لنبي بعينه، فأتت كلمة خلائف وخلفاء في سياق التذكير بنعمة تجدّد الحياة جيلا من بعد جيل، ومنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وأتت تارة أخرى في معرض الوعيد والتهديد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ﴾  ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ﴾ وأتت تارة في أسلوب حث واستنهاض كما جاء استعمالات اللفظ في سياقات قصص النبيين، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.

فمن الأخطاء الشائعة في التعامل مع دلالات القرآن الكريم البحث عن معنى الكلمة المعجمي منفردًا واختيار الدلالة التاريخية المتأخرة، والصواب حسم دلالته المعجمية من خلال الاستعمال الوظيفي للكلمة في السياق القرآني، فمعاني القرآن تكمن في سياقاته اللغوية، وليس بعزل الألفاظ والبحث في دلالاتها الحديثة ثم إعادة إسقاطها على القرآن الكريم مرة أخرى.

سادسا: أن الاستخلاف يقتضى سيادة الإنسان على الكون، وهذا لن يتحقق إلا بإطلاق نعمة التفكير العقلي مناط التكليف والتكريم، والتميز الإنساني، عن سائر المخلوقات، فيكون الكون خاضعا لعقل الإنسان، ويكون الإنسان روحيا في الكون متعبدًا لله، فلا يطغى فيه، فآيات الاستخلاف في القرآن الكريم تأكيد على قيادة العقل البشري للأرض وفق مبادئ وقيم القرآن العامة.

سابعا: استخلاف الله لداود في الآية الكريمة رقم (2) من قبيل استخلاف النبوة هداية وعدلا، وليس ملكا، مثل استخلاف الله لسائر النبيين في تبليغ رسالة، فاستخلافهم سبب عن نبوتهم، وإن كان داود وسليمان -عليهما السلام- ممن جمع الله لهما النبوة والملك، فاصطفاء الله لبني إسرائيل أثبته القرآن الكريم بالنبوة أو بالملك أو بهما معا، فطالوت ممن اصطفاه الله للملك دون النبوة في قوله تعالى: “وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ” [سورة البقرة: 247]

غير أن آية الاستخلاف “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ” تقترن بصفة داود نبيا منفصلة عن صفته ملكًا، فالسياق السابق واللاحق لآية الاستخلاف يرجح تلك الدلالة، فقد جاء حديث الله عن استخلاف داود بعد قصة تعجل داود في الحكم بين المتخاصمين حين سمع لأحدهما، فأصدر حكما، ولم يسمع للآخر، وسرعان ما أدرك داود أنها فتنة (اختبار) فخرّ راكعا وأناب، وهنا ذكّره ربه بعد الامتنان عليه بالمغفرة في قوله: “فغفرنا له ذلك” بقربه منه بالنبوة تلك التى جعلته خليفة في الأرض، “وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ”، ويأتى السياق اللاحق معقبا بالفاء، فما سيأتى هو علة، وسبب الاستخلاف؛ فيقول تعالى: “فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ”، وكأن العلة من جعلك خليفة أن تحكم بين الناس، فإحدى غايات الوحي إليك العدل؛ لذا استخلف الله داود؛ ليُعَلِّم قواعدَ العدل للناس تطبيقا عمليا، فالقضية التى جاءت في سياق الآية الغاية منها إبراز قواعد التقاضي العادل استماعا للمتخاصمين دون تعجل لأحدهما، والنظر في البينة، فبعد أن ذكر القرآن داود بالخليفة تحدث عن داود القاضي الذى يعلم الناس قواعد العدل ويقضي بينهم به، وليس داود الملك الذى يحكم الناس، ففرق كبير بين حكمه بينهم، وحكمه لهم.

ثامنا: أن القرآن الكريم اقتصر من المعانى اللغوية لمادة الخلافة اللغوية على معنى الاستبدال والتغيير والإنابة في مفهومها العام، دون غيرها من الدلالات اللغوية بما فيها معنى السلطان أو الأمير، فمفهوم الإمارة تحدّث عنه القرآن بلفظ الملك كحديث القرآن عن ملك طالوت وسليمان..

الخلافة في أقوال المفسرين

تعرض تفسير القرآن الكريم في تعاملنا المعاصر إلى معضلتين:

الأولى: تجاهل وجود المفسّر، فتداول البعض أقوال المفسرين وكأنها مطابقة لمراد الله في الآية، فألغى المسافة بين ذات المفسِّر المفكرة والموضوع متمثلا في النص الديني، فبات تفسير النص له سلطة المطلق الإلهي.

والثانية: تعظيم البعض أقوال المفسِّر ظنًّا أن فهم المفسّر موضوعي تماما ليس فيه حضور لذات المفسر برؤيته الإنسانية النسبية المحتملة للصواب والخطأ المتأثرة بالأفق التاريخي، والنسق الثقافي لعصرها، فأمسى لتراث المفسرين مكانة ترتفع بكتاباتهم عن النقد والمراجعة والتجاوز، فتوقف أكثر الدارسين عند حدود الشرح والترديد؛ لذا أخّر الباحث أقوال المفسرين عن دراسته المباشرة على اللفظ القرآني، في محاولة لرفع الوساطة التراثية بين الباحث وبين القرآن الكريم، وليس هذا دعوة لإهدار جهود القدامى، بل للاستفادة منها بوضعها في مكانتها الحقيقية وضرورة قتلها بحثا.

وبالنظر في أقوال المفسرين حول آيات الاستخلاف في القرآن الكريم، نجد أن علاقة المفسر بالنص القرآني أخذت اتجاهين التفسير اللغوي ببيان دلالة اللفظ في لغة العرب، والتفسير بالمأثور تجميع المرويات والأدلة التاريخية رجاء الوصول إلى معنى الآية.

 

التفسير اللغوي لآيات الاستخلاف

ويمكن إجمال أقوال المفسرين المستندة للغة في فهم دلالات الاستخلاف في آيات القرآن الكريم في النقاط التالية:

أولا: اكتفى المفسرون في تناول كلمات خليفة، خلفاء، خلْف، خلَف ببيان الدلالة المعجمية لها، ومنه قول الزمخشري: “الخليفة من يخلف غيره، والمعنى خليفة منكم؛ لأنهم (الملائكة) كانوا سكان الأرض، فخلفهم فيها آدم وذريته..”، ([4]) وقول ابن جرير الطبري في قوله تعالى: “فخلف من بعدهم خلف” بمعنى فتبدل من بعدهم بدل منهم”([5]) في تفسيره لقوله تعالى: “(إني جاعل في الأرض خليفة) أي قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرنٍ، وجيلا بعد جيل، كما قال تعالى (هو الذي جعلكم خلائف الأرض)، وقوله: (ويجعلكم خلفاء الأرض)، وقوله: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون)..”([6])

ثانيا: اختلف المفسرون في المراد بالخليفة في آية سورة البقرة، فمنهم من جعله عاما في آدم وبنيه من بعده، ومنهم من جعله خاصا بآدم مستعينين في الترجيح بالمرويات، ومنهم من قال باحتمال الدلالتين.([7])

ويتغيّر معنى الاستخلاف تبعا للتخصيص والتعميم، فلو قيل بأن الخليفة آدم خاصة، يكون معنى الاستخلاف هو تبليغ الوحي، وإن قيل بأنه عام في بنيه فيكون معنى الاستخلاف التعمير والتعبد، وكلاهما تحتمله الآية، وإن كان سياق القصة وحوار الملائكة يميل بالآية إلى الدلالة العامة.

ثالثًا: يدخل في التفسير اللغوي بعض محاولات([8]) إبراز المعنى السياقي، فالآيات أتت في سياق الامتنان والتذكير بنعم الله؛ فهي -كما يراها الباحث- لا تحمل دلالة حكائية خاصة لكنها خطاب عام لاستنهاض الهمم الإنسانية للقيام بدورها في علاقتها بالكون تعميرا وبربها تعبدا مثل آيات سورة الأعراف وفاطر.([9])

رابعا: كلمة الخليفة في آية سورة ص دلالتها صريحة في تخصيص داود بمعنى الاستخلاف، وليست ذات دلالة احتمالية كما في استخلاف آدم في سورة البقرة، ثم اختلف المفسرون([10]) هل هو استخلاف نبوة أم ملك؟؟  وأرى أن اختلاف المفسرين ناتج عن اختصاص داود وسليمان دون غيرهم من النبيين بالملك والنبوة، فحديث القرآن الكريم عن الإصطفاء من بني إسرائيل أخذ ثلاثة أشكال ملكا ونبوة، أو ملكا فحسب مثل طالوت، أو نبوةً فحسب مثل زكريا ويحيي وموسى وعيسى وغيرهم من النبين.

خامسًا: تفسير استخلاف التمكين في آية (55) من سورة النور بأنه الملك، فالله سيجعل من المسلمين خلفاء يتصرفون في الأرض تصرّف الملوك، غير أن المفسّر قيده بالإيمان وعمل الصالحات، ولا يخفى عموم كلمة الصالحات فيدخل فيها كل أوجه الخير من إصلاح وتعمير وتعبد وغيرهم، ممّا يُقرّب هذا الفَهْم إلى مفهوم الاستخلاف في سورة البقرة.

ومن المفسرين القلائل الذين أشاروا إلى هذا القول دون ترجيح له القرطبي في جمعه للأقوال التي قيلت في معنى الآية ونسبه لابن عطية.([11]) واختار الشوكانيّ هذه الدلالة اللغوية مهملا المرويات الموجّهة للدلالة، رغم تأخره زمنا واطلاعه على أقوال سابقيه من المفسرين الذين اعتمدوا على الأثر في توجيه معنى الآية، فأبقى الشوكاني الاستخلاف والتمكين على عمومه -كما جاء في غيرها من الآيات- دون ربطه بحادثة تاريخية، أو زمن بعينه، فهو وعد الله المطلق، وجعل دلالة “الذين من قبلهم” في الآية عامة، وليست خاصة ببني إسرائيل بل في كل أمة خلت.([12])

ولم يُكتب لهذا التفسير اللغوي للآية شهرة لقلة ترديده في الخطاب الإسلامي المعاصر، وندرة اعتماد الكتب المعاصرة عليه على نقيض ما حدث مع  تفسير الآية بالمرويات.

تفسير آيات الاستخلاف بالمرويات

اشتهر تفسير آيات الاستخلاف بالمرويات، والشواهد التاريخية، واكتسب فهم المفسر ظني الدلالة سلطة دينية في أذهان كثير من المسلمين، ولعل ذلك نابع من عدة عوامل:

أولا: ربط المفسر فهمه للآية بمرويات عن النبي –صلى الله عليه وسلم- فأعطى لفهمه سلطة نص، وهذا ما جعل فهم المفسِّر له شبه قداسة في تداول المتأخرين مستمدة من الحديث النبوي الذي يستند إليه المفسر، فما قاله عن دلالة الخلافة أصبح كأنه المعنى الإلهي للكلمة في الخطاب الإسلامي دون أن نشعر أننا نمارس الدينية في أكثر صورها جمودا.

ثانيا: استدعاء السلطة السياسية لهذا الفهم لتجييش الرعية خلفها، والتسليم بسلطتها بوصفها دولة الخلافة الإسلامية التي تحدّث عنها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

ثالثا: اعتماد الجماعات الدينية حديثا على هذا التفسير في تعزيز وجودها بوصفها القائمة على تحقيق وعد الله في الاستخلاف والتمكين، وإثارة مشاعر الشعوب للوقوف خلفها في سعيها لاستعادة سلطة (الخلافة الإسلامية) التى يُسوّق شعارها كأنه الحل السحري لواقع متخم بأزمات معقدة يستعصى على الجماعات الخوض في تفاصيلها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية؛ لذا يلجأون إلى تسطيح توصيف المشكلة في غياب الخلافة الإسلامية، ويختزلون الحلّ في العمل على استعادتها بحيلة السياسة أو بقوة السلاح.

فأُهمل التفسير اللغوي للآية، وكثرت الاستدعاءات الأيدلوجية النفعية لتفسير الآية بالأثر؛ لكونه الأقرب إلى حلم المستضعف الباحث عن الأمنية والأمل في واقع أفضل ليس بيده بل بيد قدر موعود به بقوة النص الشرعي.

فاستند أكثر المفسرين في محاولة فهم استخلاف التمكين في آية سورة النور إلى عدد من المرويات في مقدمتها رواية سبب نزول الآية، بأن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- شكا جهد مكافحة العدو، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم، وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزلت الآية.

قال أبو العالية: مكث رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بمكة عشر سنين بعد ما أوحي إليه خائفًا هو وأصحابه يدعون إلى الله سرا وجهرا، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح، فقال رجل من الصحابة: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا أما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع عنا السلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة، وأنزل الله هذه الآية” وزادت رواية “والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون.”([13])

وأرى أن الآية –في ضوء المروية سبب النزول- لا تحمل أكثر من كونها تبشيرا بذهاب الخوف، والخروج من حالة الاستنفار التام بحمل السلاح، فيُعلن المسلم عن دينه دون خوف، وليس في سياق الحديث إشارة إلى زمن أو تخصيص بخليفة أو ملك أو أمير..

غير أن المفسر قرأ الآية قراءة تاريخية زمنية محدودة، وخصها بسبب لاحق، وكأنه سبب للنزول، فجعل جملة “لا تلبثون إلا يسيرا” في المروية إشارة إلى زمن اقترب، فدلالة الآية عنده متحققة في الفترة التالية لعهد النبي صلى الله عليه وسلم، معتمدا على حوادث التاريخ اللاحقة في فهم مروية سبب النزول، ففسّروا استخلاف التمكين في الآية بالعقود الأربع الأول من تاريخ المسلمين، حيث قوة الجيوش ونشاطها العسكري الجهادي فترة حكم النبي –صلى الله عليه وسلم- وما تبعه في عهود الخلفاء الأربعة، وجعلوا الكفر في الآية في زوال ملكهم، فهو ليس من قبيل الكفر بالله بل كفر بنعمة الله.

وذهب بعض السلف إلى أن الآية نص صريح في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما،([14]) وقيدها القرطبي في أحد الأقوال نقلا عن مالك بنهاية خلافة عثمان، ثم عاد وأدخل خلافة علي رضي الله عنه،([15]) وجعلها أحمد بن حنبل حتى آخر خلافة الحسن بن علي.

ولا يختلف في ذلك ابن كثير صاحب التفسير المعتمد عند التيار السلفي المعاصر، وما انشق عنه من جماعات، فتفسير ابن كثير له حضور قوي في خطاب السلفية المعاصرة لا يقل عن حضور صاحب تفسير “في ظلال القرآن”([16]) في خطاب جماعة الإخوان المسلمين، فالاستخلاف في الآية –من منظور ابن كثير- متمثل في الخلفاء حتى عثمان رضي الله عنه، فهم -على حّد قوله- الأئمة الذين سيخضع لهم العباد، واستخلافهم من مظاهره إبادة مملكة كسرى، ومقتلة الأتراك، والتوسع في بلاد المشرق والمغرب، فاستخلاف التمكين عند ابن كثير قوة وسيادة امتدت على حساب امبراطوريات ذاك الزمن؛ لذا أخذ يشرح الآية بتتبع النشاط العسكري للنبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من بعده، حتى أنه خلط بين النشاط التوسعي للأمويين وعثمان بن عفان رضي الله عنه، فنسب فتوحات الأمويين وما كان من معارك في عهدهم إلى عهده.([17])

فربط المفسر التمكين -وفق ثقافة الممالك المتصارعة في عصره- بقوة الجيوش وغلبة المعارك، وهذا هو الفهم الذي أعادت الجماعات الإسلامية بعد مئات الأعوام ممارسته بالوسائل نفسها، فجعلت التمكين والقوة في ميادين المعارك بسلاح لم يصنعوه، وليس في ميادين البحث العلمي وتطوير مناهج الفكر، والقدرة على توجيه إمكانيات الطبيعة في خدمة الإنسان.

وعلة المفسرين في جعل الخلافة في القرآن محصورة في الخلفاء الأربعة أمرين: أولها تبشير النبي –صلى الله عليه وسلم بقرب زمن وضع السلاح وشعور المسلم بالأمن على نفسه في أن يُعلن إسلامه دون خوف، ثانيها: ما أُثر عن النبي من تبشير بخلافة راشدة، فاستدعى المفسرون أجزاءًا من مرويات حديثية بشأن المستقبليات؛ لتعزيز فهمهم للآية، في محاولة لإضفاء قوة وترجيحا لفهمهم للآية الذي سرعان ما اكتسب عند المتأخرين سلطة وقداسة باسم النص النبوي الذي اعتمد عليه المفسّر، من مثل “زويت لي الأرضُ مشارقُها ومغاربُها وسيبلغُ ملكُ أمتي ما زُوِيَ لي منها”([18])

وأغفل المفسّر أن المروية أتت بلفظ الملك، وأنها جزء من حديث طويل بشّر وحذّر النبي فيه من أشياء كثيرة، غير أن المفسرّ في سياق استضعاف تاريخي يحتاج إلى رفع همّة المسلمين بمثل هذه البشرى، فاستقطع من النص ما يستدل به على فهمه للآية، ولم يستوقفه ما تحمله الرواية كاملة([19]) من أن الحرب متى وقعت بين المسلمين فلن تنته إلى يوم القيامة، وغيرها من الأمور التي تحمل في ظاهرها تناقضا مع نصوص أخرى مما يحتاج إلى تأويل.

فمن الواضح أنه استقرّ في عقل المفسر فهم للآية فذهب للمأثور يستدل به على ما في نفسه، مجتزأ من تنبؤات النبي –صلى الله عليه وسلم- ما يؤكد قناعاته حول الآية، ومن ذلك الاجتزاء أيضا ما نقله المفسر من مرويّة حاتم الطائي مغفلا سياق الموقف الذي حكاه الرواي نفسه كعلة لتبشير النبي –صلى الله عليه وسلم له، فيحكى “أنه كان عندَ النَّبيِّ إذ أتاهُ رجلٌ فشَكا إليهِ الفاقَةَ ثمَّ أتاهُ آخرٌ فشَكا إليهِ قطعَ السَّبيلِ وكانَ عَديُّ قد وَفِدَ علَى النَّبيِّ ليدخلَ في الإسلامِ وخَشيَ النَّبيُّ أن يفُتَّ في عضُدِهِ و يُثَبِّطَهُ عندما يرَى مِن ضعفِ أهلِهِ وفقرِهم وعدَمِ انتشارِ الأمنِ في أرضِهِم حينذاكَ فألقَى بالبشاراتِ المذكورةِ في الحديثِ تَرغيبًا وتَثبيتًا. فقال: يا عَديُّ هَل رأيتَ الحيرةَ ؟ قال: لَم أرَها وقد أُنبِئتُ عنها قال: إن طالَت بكَ حَياةٌ لترَينَ الظَّعينةَ تَرتحلُ مِن الحيرةِ حتَّى تطوفَ بالكعبةِ لا تخافُ أحدًا إلَّا اللهُ وفي روايةٍ أنَّه لا يأتي علَيكَ إلَّا قليلٌ حتَّى تخرجَ العيرُ إلى مكَّةَ بغَيرِ خَفيرٍ قال عَديُّ: قلتُ فيما بَيني وبينَ نَفسي فأينَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذينَ قد سَعَّروا البلادَ وأكملَ النَّبيُّ حديثَهُ إليهِ فقال: ولَئنْ طالَت بكَ حَياةٌ لتُفتَحَنَّ كُنوزُ كِسرَى قال: كِسرَى بنُ هُرمُزَ قال:كِسرَى بنُ هُرمُزَ ولَئنْ طالَت بكَ حَياةٌ لترَينَّ الرَّجُلَ يُخرِجُ مِلْءَ كفِّهِ مِن ذهبٍ أو فضَّةٍ يطلبُ مَن يقبلُهُ مِنهُ فلا يجدُ أحدًا يقبلُهُ مِنهُ.”([20]) فالمعنى السياقي أو المقامي لحديث النبي –صلى الله عليه وسلم- كما قال الرواي: “الترغيب والتثبيت”، فالرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- أراد أن يبث معاني الأمل في نفس عدي بن حاتم والمسلمين بأنه رغم ما هم عليه من فقر وخوف واستضعاف سيكون الغنى، والأمن والمنعة.. بهذه الكلمات الثلاث يمكن أن نفهم الحديث كبشرى نبوية تتجدد في كل زمان، ومكان لم يربطها النبي –صلى الله عليه وسلم- بحوداث تاريخية بعينها، وإنما ربطها المفسرون الأوائل، وظل المتأخرون ينقلون عنهم..

ومن أهم مرويات المفسرين في الاستدلال بالآية على تحديد الخلافة تاريخيا، روايتي: “الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا” قال سفينة: أمسك عليك خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشرا وخلافة عثمان ثنتي عشرة سنة وخلافة علي ستا، قال فوجدناها ثلاثين سنة. قَالَ سَعِيد: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ، قَالَ: كَذَبُوا بَنُو الزَّرْقَاءِ بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مِنْ شَرِّ الْمُلُوكِ”([21])

ورواية “تكونُ النبوةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ ثم يرفعُها إذا شاء أن يرفعَها ثم تكونُ خلافةٌ على منهاجِ النبوةِ فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ ثم يرفعُها إذا شاء أن يرفعَها ثم تكونُ مُلكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ ثم يرفعُها إذا شاء أن يرفعَها ثم تكونُ خلافةٌ على منهاجِ نبوةٍ ثم سكت..”([22])

فهم المفسر من هذه الروايات أن حياة المسلمين إلى يوم القيامة تنقسم حرفيا إلى أربع كتل زمنية ضخمة: نبوة ثم خلافة راشدة التى في آية سورة النور ثم ملك عضوض جبري ثم خلافة راشدة لما تأت بعد.. وبناءًا على هذا الفهم تأسست رؤية الخطاب الإسلامي المعاصر للتاريخ الإنساني في حتمية أن نعيش في ظل أنظمة جبرية مستبدة، وأن الخلافة الراشدة انتهت متمثلة في حكم الراشدين، وأننا في انتظار تحقق وعد الله بخلافة راشدة في آخر الزمان، ولا يخفى ما يحمله مثل هذا الفهم من استسلام وسلبية وجمود أبرز سمات العقل المسلم المعاصر، أو يؤدى هذا الفهم إلى إيجابية في غير موضعها عند البعض الآخر، فيكون الانحياز للجماعات الساعية إلى تحقيق وعد الله بحيلة السياسة، أو صراحة السلاح، بحركتهم العكسية في غير اتجاه الزمن، فلا يتبعون مسار التطور الإنساني التقدمي إلى الأمام بل يقفون عند نقطة من الماضي يريدون الارتداد بالزمن إليها، في الخلف حيث دولة الخلافة بكل تفاصيلها التاريخية.

وهذا الفهم الحرفي الضيق الذي يرى الأزمنة منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا أربعة عصور تاريخية لا تستقيم عقلا، فتعدد صور الحكم بين راشد يتوخى منظومة الإسلام القيمية، وغير راشد يُفسد، ويظلم تكررت، وستتكرر آلاف المرات في تاريخ المسلمين، فكل ملك من ملوك المسلمين في مسيرة الدولة القديمة المركزية المعروفة بدول الخلافة الممتدة لقرون يُمثِّل تجربة قائمة بنفسها يمكن أن نحكم عليها، وكذلك الأمر بعد انقسامها إلى دول، بل تجربة الولاة والأمراء قد تكون تجربة استخلاف أو ملك..

ومن جانب آخر إذا سلّمنا بهذا الفهم الحرفي لظاهر الحديث بحجة أنه هكذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم- فسنجد أنفسنا أمام رواية أخرى عند البخاري([23]) تُقسّم الزمن تقسيما مختلفا: نبوة ثم خلافة ثم ملك ثم فساد إلى يوم القيامة؛ فأي المرويات تقسيمها أولى إذا كنا سنتعامل مع التقسيم بدلالته الحرفية، لاسيما أن الرواية الثانية التي أسقطت الخلافة الراشدة، وجعلت الفساد إلى يوم القيامة أقوى سندا من الرواية التي يعتمد عليها خطاب الجماعات!! ومثل هذا الفهم الحرفي سيؤدي إلى أفكار خاطئة مثل اعتقاد يزيد بن النعمان بن بشير في زمانه أن خلافة عمر بن عبدالعزيز هي الخلافة الراشدة المنتظرة في آخر الزمان.([24])

وأرى أن الخلافة الراشدة في الروايات استخلاف إنساني عام كما أشار إليه الخطاب القرآني، وأنه يتعين تأويل الأحاديث وعدم تقييدها بحوادث تاريخية، أو التمسك بظاهر لفظها حتى لا يحدث تعارض بين المرويات، فأحاديث التبشير والتحذير مثل آيات الاستخلاف لا تحمل تحديدا ولا تخصيصا، ولا تحكى وقائع تاريخية بعينها، فمحاولات المفسر إسقاط المرويات على الواقع احتمالية، لا يملك أن يقطع بها، فكيف نجعلها يقينية مقطوعا به! كما أن تقييد معاني القرآن بوقائع تاريخية ينتهى عندها دلالة النص القرآني لا يتسق مع كونه خطابًا متجددًا لكل زمان ومكان.

وأن الخلافة ليست رجلا خليفة أو ملكا أو رئيسا بل فِعْل إنساني عام تعبد وعمران وإصلاح يشترك فيه الرعيّة والراعي معا، أو بلغتنا المعاصرة الشعب والنظام الحاكم معا. فالمرويات تحكى حالة متجددة متغايرة في المسار الإنساني بين استخلاف يصلح فيُحقّق مبادئ الإسلام، وملْك يركن إلى الأطماع فيُفسد ويهدر قيم العدل والحرية والمساواة وغيرها من مبادئ الإسلام، فكل ممارسة إنسانية تحترم مبادئ الإسلام وثوابته تُعد جزءًا من البشرى النبوية، فالمعنى مرهون بالإنسان الذي يقيم مبادئ الإسلام أو نقيضها في الأرض.

 

ومن المرويات التي استند إليها المفسرون رواية ابن أبي عمر عن سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول “لايزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم إثنا عشر رجلا (وفي رواية خليفة) ثم تكلم النبي –صلى الله عليه وسلم- بكلمة خفيت عني فسألت أبي ماذا قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال: قال كلهم من قريش.”([25])

فأسس ابن كثير بفهمه لهذا الحديث على وجوب وجود اثني عشر إمامًا ليسوا بأئمة الشيعة، وأن منهم الخلفاء الراشدين الأربعة، الذين يمثلون معنى الاستخلاف والتمكين في آية سورة النور، وأن هناك خلافة موعودة -لما تأت بعدُ- ليكتمل عدد الخلفاء إلى اثني عشر خليفة آخرهم المهدى المنتظر آخر الزمان..

وتناقض ابن كثير مع نفسه فمرة أدخل فيهم بعض خلفاء بني العبّاس في تفسيره لآية سورة المائدة “وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا”([26]) ومرة أخرى سكت عن خلافة العباسيين فلم يدخل أحدا منهم في الخلافة الاثنا عشرية المبشر بها في الحديث والتى جعلها مراد الله من الاستخلاف في آية سورة النور.([27])

وأظن أن الحديث ليس إخبارا عن عدد حقيقي، فكما عدّ ابن كثير البَعْديَّة في قول النبي –صلى الله عليه وسلم- “الخلافة بعدي” ليست على الحقيقة كان الأولى جعل العدد ليس على الحقيقة، فحصر المفسر الاستخلاف في مسار الإنسانية في تجارب محدودة مجموعها اثني عشرة آخرهم خلافة المهدي المنتظر آخر الزمان ضيق الدلالة الواسعة للآية، وجعل الكثير من ممارسات المسلمين الحضارية عبر تاريخهم كأنها لم تُوجد، والأولى جعْل كل تعمير وتعبد وإصلاح إنساني هو تحقيق لمعنى الاستخلاف القرآني.

من ناحية أخرى الحديث لا يحتمل دلالة واحدة كما فهمها ابن كثير، وتداولها الخطاب الإسلامي المعاصر، كأحد أخطر إشكالياته في تثبيت المعنى عند فهم وترويجه في صورة الدين المنزل، ففهم الحافظ ابن حجر العسقلاني يختلف عن فهم الحافظ ابن كثير الذي يرى البعدية في قول النبي –صلى الله عليه وسلم- “الخلافة بعدي” حقيقية، وأن الخلفاء الاثني عشر([28]) أتى زمانهم وانتهى، فالخلافة الراشدة –من منظور ابن حجر- امتدت من أبي بكر الصديق حتى خلافة عمر بن عبدالعزيز المتوفي 101ه بلا انقطاع، ولما كان المجموع أربعة عشر خليفة، أخرج خلافة معاوية بن يزيد، وخلافة مروان بن الحكم، فأبطل خلافتهما، ليكون مجموع الخلفاء اثني عشر، ويؤكد ابن حجر على صحة فهمه بحديث “خير القرون قرني”، فحكم الاثني عشر خليفة المتتالي يُعادل القرن الأول كاملا خير القرون بدلالة الحديث.

وأرى أن تمسّك المفسرين بحقيقة الأرقام في الأحاديث يحدث تناقضا بين كون الخلافة ثلاثين عاما، وكونها قرنا حتى تتحقق دلالة كونها في اثني عشر خليفة، وأظن أن المرويات –إذا سلمنا بصحة متنها- لا تحمل أكثر من كونها مبشرات بتدوال التبليغ والدعوة للإسلام من جيل إلى جيل، وأنه ستدوم إمارة المسلمين منتقلة من أمير إلى أمير وليس العدد مراد في حقيقته، ولا تحمل كلمة خليفة في الأحاديث النبوية التى استشهد بها المفسرون دلالة شرعية؛ لأن كلمة خليفة تشكّل مفهومها السياسي وتطوّر في مرحلة تاريخية متأخرة بعد انتهاء الوحي، والمفسر يقرأ الآية القرآنية، ويستدعي الحديث بمفهوم استقر في عقله، وتشكّل وفق ثقافة زمانه وتجربة عصره مع دولة خلافة يستبشع واقعها، ومتمنيًا خلافة راشدة مفقودة تتوق نفسه إليها.

ويعضد هذا الفهم ما قاله الدكتور بشار عوّاد([29]) من أن الأحاديث التي ساقها مصنفو كتب الحديث في الإمارة ليس فيها أي تقنين لنظام الحكم، معقِّبًا على حديث “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين عضوا عليها بالنواجذ” بأن الحديث صحَّحه الترمذي في الجملة، وحسنه هو في تعليقه على ابن ماجه من حيث السند، لكن متنه فيه نظر.. في عبارة “وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين” إذ كيف يُمكن إقرانُها بسنّة النبيّ –صلى الله عليه وسلم- الواجبة الاتباع، فالنبي يُوحي إليه، ولا يقرّه الله على خطأ، بينما الخلفاء من بعده لا يُوحَى إليهم لا بتصحيح خطأ ولا غيره، كما أن تعبير (الراشدين) قد استعمل بعد انقضاء عهد الخلفاء الأربعة الأوائل؛ تمييزًا لهم عمّن جاء من بعدهم. فضلًا عن أنّ هذه العبارة ليس لها شاهد صحيح في الحديث النبوي، كما تشهد بذلك الصناعة الحديثية.. فلفظ خليفة كلمة استحدثت وصفا لرجل على رأس السلطة بعد وفاة النبي –صلى الله عليه وسلم-، وكان يُمكن أن يُسمى بتسمية أخرى، ورغم ذلك صار هذا المصطلح ذا صفة دينية، وكأنه نظام وضعه الإسلام أو أمر به النبي –صلى الله عليه وسلم- حتى صار نظام الخلافة مقدَّسًا عندَ الكثير من الجماعات قديما وحديثا.

ويرى الدكتور بشار عوّاد -مشيرا إلى روايتي “اثنا عشر خليفة”، و”اثنا عشر رجلا”- أن رواية الحديث جاءت بالمعنى، وأن هذا جائز ومعروف؛ لذا تعدّدت ألفاظ الروايات، فمجيئ كلمة “خليفة” في أحاديث الفتن والتنبُّؤات وأشراط الساعة من قبيل الرواية للحديث بالمعنى، والكثير منها أحاديثُ ضعيفةٌ لا تصحُّ، والقليل الصحيح استعمل لفظ الخليفة بالمعنى الذي عُرف فيما بعدُ في عصر الرواة. ([30])

ومن جانب آخر يستوقفني في الحديث كلمة “قرشي” التى بنى عليها فقهاء أهل السنة لزوم قرشية الخليفة، أي أن يكون الحاكم العام للمسلمين من عائلة بني النضر بن كنانة، فلا يجوز إمامة غير القرشي عندهم، لأن الوحي متمثلا في قول النبي “الأئمة من قريش”  قدّم القرشي، وكأن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال آمركم ألا يتولى أمركم إلا رجل من قبيلتي، وهذا الفهم المتداول للحديث يتنافي مع رسالة النبي –صلى الله عليه وسلم- الهادمة للعصبية، والمرسية للعدل، فليس من المساواة التفاضل بالأنساب، ففي مقابل هذا الحديث مئات الأحاديث والممارسات النبوية التي تُبطل التفاضل العِرقي.

وفي الجدل الذي أُثير في سقيفة بنى ساعدة حول الأحق بخلافة النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يستند أبو بكر –رضي الله عنه- إلى قوة نصٍّ قدر استناده إلى عارض تاريخي استقر في نفوس الناس في هذا الزمن فحسب، قائلا: “يا معشر الأنصار فإنكم لا تذكرون منكم فضلا إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش وهم أوسط العرب دارا ونسبًا.”([31])

واكتفى الفقهاء بكلمة “قرشي” من الحديث، ولم يستوقفهم قيد أنهم اثنا عشر خليفة فقط؛ لعموم دلالة حديث “الأئمة من قريش”، ولم يشرحوا كيف يُتصور تحقق القرشية في سائر أئمة المسلمين؟!  كما قال نجم الدين عمر النسفي صاحب العقائد النَّسفية إن في الأمر معضلة علماء أهل السنة يوجبون نصب الإمام على الأمة الإسلامية وأنهم آثمين إذا لم ينصبوا إماما، ثم اشترطوا قرشية، وهذا أصبح معضلا بعد الخلفاء العباسيين.

ولا يخفى أن الشيعة رأوا أن الخلافة في العلويين دون غيرهم بأحاديث نبوية، فاستند بنو أمية ومن بعدهم بنو العباس إلى الأحاديث أيضا؛ لإثبات أحقيتهم بالحكم، فيكمن جوهر الاختلاف في العصبية والصراع السياسي الذي احتاج إلى غطاء شرعي، سرعان ما تحوّل إلى أصل ديني؛ لذا كانت حجة الخوارج –قديما- وأكثر المعتزلة في رفض هذا الشرط مقبولة عقلا، ومتسقة مع الوحي بأنه لا دخل للنسب في أمر يعود للأمة كالخلافة، وقيدتُ الخوارج بكلمة قديما، لأن الجماعات الخارجة الآن على الأنظمة الحاكمة مثل الدولة الإسلامية (داعش) تتمسك بشرط القرشية في اختيار الخليفة الذي نصبته حاكما لدولتها الإسلامية، وأخذت له البيعة.

وأرى داخل بنية خطاب المفسرين في فهمهم لكلمات: قريش، الأئمة، الخلفاء، الاثنا عشر تأثرا بالخطاب الشيعي، فإذا كان الشيعة قد قالوا بأن الإمامة نصيّة أي الإمام تمّ الإخبار عنه بالوحي نصًّا، فاشتراط أهل السنة كون الحاكم إماما قرشيا بدلالة الحديث هي نصيّة تتناقض مع قول أهل السنة الخلافة باختيار الأمة؛ لأنهم عادوا وقيّدوا اختيارهم بعائلة بعينها بقوة النص.

ومحاولة المفسر ربط تفسير الآية بالأحاديث النبوية متأثر بحرص الشيعة على ربط قضية الإمامة بسلطة أعلى هي السلطة الإلهية، فلا تختلف المرجعية الشرعية للسنة عن مرجعية الشيعة في الاستناد إلى وجود أئمة اثنا عشرية من قريش، فالنصوص واحدة تداولتها كتب السنة والشيعة.([32])

فالمفسّر السنيّ كان تحت تأثير الخطاب الشيعي الذي يُخاصمه فكريا لكنه ليس منفصلا عنه، فمثلما صنف المتكلمون والفقهاء في باب الخلافة تحت عنوان الإمامة بتأثر من تنظير الشيعة السابق عليهم، كذلك تأثر المفسرون بالشيعة حين ارتفعوا بعهد الخلفاء الأوائل إلى منزلة قريبة من منزلة عهود الأئمة المعصومين في الفكر الإسلامي الشيعي، فإذا كان للشيعة أئمة فللسنة أئمة هم خلفاء الله في الأرض، ومن ثمَّ تشكلت الدلالة اللغوية المتأخرة لكلمة خليفة متأثرة بثقافة المفسر، فأصبح الخليفة الإمام والسلطان الأعظم، وارتفع المفسر بتلك الحقبة الزمنية إلى منزلة مثالية في حياة الإنسانية، فجرَّد من النتاج البشري التجريبي المتطور تجربة تاريخية أعطاها قداسة المطلق كأنهم عاشوا زمنا ملائكيا.

وفي الوقت الذي جعل المفسر فترة الخلافة الراشدة صورة ثابتة، كان الواقع التاريخي لها يقول شيئا آخر من اختلاف في الرؤى حول الكثير من المواقف والقرارات ابتداء من اختلاف طريقة كل منهما في اختيار خليفته، وقرارات الحرب والمهادنة التي ظهرت في اختلاف أبي بكر وعمر حول حرب القبائل العربية الممتنعة عن الزكاة، وطريقة تقسيم الغنائم الذى استحدث فيها عمر نظاما يخالف ظاهر النص القرآني، وصنيع سابقه أبي بكر، مراعاة من عمر لمتغيرات الواقع الجديد في لفتة تُظهر تاريخية وزمنية بعض الأحكام، بل تبدّل الاتفاق إلى اختلاف في المواقف في أواخر عهد عثمان رضي الله عنه ثم صراع واقتتال في عهد علي رضي الله عنهم جميعا.

ولم تشمل الخلافة الإسلامية من منظور المفسرين كامل المسار التاريخي من خلافة أبي بكر وصولا لعصورهم، بل ميزوا عهود الصحابة الأربعة بالخلافة الراشدة، ورأوا ما عداها خلافة صورية وملكا جبريًا، ولا يخفى أن تمسك المفسر بالمروية في فهم الآية أبطل خلافة الأمويين والعباسيين، فهي ملك عضوض رغم أنها حققت نبؤة الحديث في التوسّع والمنعة، وكونها من أهم فترات ازدهار الحضارة الإسلامية واتساع ساحتها شرقا وغربًا، إلا أن ذلك لم يشفع لها، فهي ملك جبري بقوة دلالة النص النبوي الذي استحضروه حتى أن الإمام أحمد بن حنبل اعتمد عليه في القول بكراهة إطلاق لفظ “الخليفة” على من جاء بعد الحسن بن علي رضي الله عنهما.

فالمفسر استلهم تاريخ المسلمين الأوائل من مرويات الحديث، وليس من أحداثه، متأثرا في فهمه بشواغل عصره، وهمومه وما تتوق له نفسه من خلافة عادلة على منهاج النبوة لم يرها في الماضي القريب أو في واقعه الذي تعاقب عليه خلفاء رأى فيهم ضعفا وظلما انتهى بالتفكك والانهيار؛ لذا ميّز خلافة الصحابة الأوائل عنهم بكلمة “راشدة”.

فالخلافة الراشدة ليست لها دلالة شرعية دينية كما أوهم فهم المفسر بل وصف تاريخي استحدثه المفسر لفترة توّفر في أمرائها عدة خصائص ميّزتهم عن ملوك العرب من الغساسنة والمناذرة، وهي أنهم أقوياء وأمناء يميزون بين ملكيتهم الخاصة المحدودة والملكية العامة، والحرص على تحقيق العدل، وعدم جعل الحكم في عصبتهم بتوريث الحكم في ذويهم، فالخلافة ملك راشد على منهج النبي، حاول فيه الصحابة التزام مبادئ الإسلام في إمارتهم.

ولم يحمل إطلاق الخليفة على أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- دلالة جديدة تتجاوز الدلالة اللغوية إلى إنابة رجل في مهام خاصة حدّدتها عبارة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة “لابد لكم من رجل يلى أمركم ويصلِّى بكم ويقاتِل عدوَّكم”([33]) هذه واجبات تلك اللحظة التاريخية، فبالإضافة إلى الإمامة في الصلاة وقيادة الجيوش تأتي ولاية أمر المسلمين، فهم في بدايات التحوّل من القبيلة بزعامتها العِرقية إلى إنشاء كيان جديد أقرب إلى الممالك المعاصرة في مركزيته لكنه يخضع لتعاليم الوحي العامة.

واختيارهم لفظ الخليفة ثم أمير المؤمنين دون لقب “مَلِك”، لأنه مصطلح ارتبط في ثقافة عصرهم بالتسلط والسطوة، وليس أدل على ذلك من رواية سفينة،([34]) فملوك العرب من الغساسنة والمناذرة عُرفوا بظلمهم وشدة بأسهم، واستحواذهم على مقدّرات الرّعية؛ لذا لم تخضع العرب في نجد والحجاز لملك، وأول من جمعهم نبي.

وميّز سلمان الفارسي –رضي الله عنه- بين الخلافة والملك في كلمة واحدة هي التعفف عن المال العام أو بلغتنا المعاصرة “النزاهة المالية وعدم الفساد”، وقد عاصر سلمان نمط الملك قبل هجرته إلى المدينة وإسلامه ونمط الخلافة في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فيروى سلمان أن عمر بن الخطاب قال له: أمَلِكٌ أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جَبَيْتَ من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه، فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر (أي بكى)”. وعن سفيان بن أبي العوجاء قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملِك؟ فإن كنتُ ملكا فهذا أمر عظيم (أي بالغ السوء والخطورة). قال قائل: يا أمير المؤمنين إنَّ بينهما فرقا. قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا، ولا يضعه إلا في حق، فأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا. فسكت عمر.”([35])

وإن وصفت إحدى المرويات الخلافة بالملك، في حديث “زويت لي الأرض، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها”([36]) إلا أن المفسّر اختار خلافة راشدة، وليس ملكا رشيدا، كمحاولة لاستثناء فترة حكم الصحابة من المسار التاريخي، متجاهلا أن المسلمين في ذلك الوقت مثل غيرهم من الأمم والشعوب حين توحدت قبائلهم بدافع قوي من أخوة دينهم بدأوا ينقلون سنن الممالك في تسيير أمور الناس جندا ومالية وخراجا وغيرها.

ورشد الخلافة من منظور المفسِّر توجّه إلى شخص الخليفة بوصفه السلطة في ثقافة ذلك العصر، وأبرز مظاهر الرشد التي ميزتهم عن ممالك عصرهم العمل على تحقيق مبدأ العدالة والتساوي في الحقوق، الابتعاد عن النمط القبلي العائلي في توسع النفوذ والسلطة باستثناء عثمان بن عفان رضي الله عنه، فمع طول حكمه وكبر سنّه استبد بعض ذويه بالنفوذ من أمثال مروان بن الحكم مما قلب الرعية عليه، وكان مقدمة لصراعات عُرفت تاريخيا بالفتنة.

والإشكالية أن الرشد تحوَّل إلى مرادف لكلمة مثالي، ثم أصبح صفة اجتماعية ملاصقة لكل من عاش الأربعين عاما الأولى من تاريخ المسلمين، وهذا يتنافى مع الطبيعة البشرية، فالتجربة الإنسانية تقول بأنه لا يوجد مجتمع مثالي، والواقع التاريخي يؤكد ذلك، فالمجتمع الأول ضمَّ جميع ألوان الطيف مثل غيره من المجتمعات، غير أن تلك الفترة من التاريخ اكتسبت رفعة مكانة في نفوس المسلمين لمنزلة أصحابها وقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا يتعين التمييز بين أمانة الصحابي في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحرصه على التأسي به التى أثنت عليها المرويات الحديثية ولا نتحدث عنها، وبين ممارساتهم الحياتية، وأفعالهم الإنسانية القابلة للقصور والأخطاء والنقد والمراجعة بما في ذلك السلطة بوصفها تجربة إنسانية يجتهد فيها فيصيب ويخطئ كما عرفوا هم بأنفسهم.([37])

فلم يكن مجتمع المسلمين الأول ملائكيا بل مجتمعا إنسانيا شهد من الجرائم ما نزل فيه الوحي مصوبا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وإخراج النبي –صلى الله عليه وسلم- العرب من العصبية القبلية إلى الأخوة في الدين تحقّق في زمنه لكنهم ظلوا حديثي عهد بعصبية قبلية جاهلية، كان لها اعتبار في قرارات النبي –صلى الله عليه وسلم- فيقول: “لولا أنَّ قومَك حديثُ عهدٍ بجاهليَّةٍ لهدَمْتُ الكعبةَ وجعَلْتُ لها بابينِ”([38]) وظهرت بعد النبي –صلى الله عليه وسلم- فكيف نتصور مثالية في حياة القبائل العربية في ظل حكم الخلفاء الراشدين؟!! وكأن الخلافة الراشدة لم تبدأ مسارها التاريخي بأكبر حركة ارتداد قبلي جماعي عن الإسلام، وامتناع قبلي جماعي عن أداء الزكاة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى أن أبا بكر -رضي الله عنه- عاش مرحلة تأسيس ثانية حتى تدين القبائل العربية بمنطق السلطة الموحدّة، وكأنه لم يُوجد أشرار استوجب شرهم أن يستحدث عمر بن الخطاب عقوبات جديدة كالحبس، وصولا لخلافة علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- في لحظة انقسام تاريخي بين مناصر له ومناصر لمعاوية وخارج على كليهما، فمجتمع الخلافة الراشدة لا يختلف عن غيره من المجمتعات الإنسانية في جمعه بين مختلف أنماط البشر، حتى مدينة النبي –صلى الله عليه وسلم- لم تكن المدينة الفاضلة كما يروق للبعض أن يصوّر.. فيقول القرآن الكريم “وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ” [سورة التوبة، الآية.101]

واستمدت الثقافة الإسلامية المعاصرة من خطاب المفسر بسلطته التراثية القديمة مفهوم الخلافة الإسلامية في صورتها الأولى: خلافة راشدة محددة بالعقود الأربع الأولى تغير فيها الناس وتحوّلت المجمتعات، فتبدو فترة استثنائية عاش المسلمون سلطة ومجتمعا المدينة الفاضلة، في كل مناحيها، ويتدارسون ذلك في صورة مواقف تنتقى من التاريخ، وتزخر بها  كتب التراث؛ لذا تحوّلت الخلافة الراشدة من حلقة في مسيرة تاريخ إنساني يعتريه كل ما يعترى المجتمعات الإنسانية إلى حلمٍ يسعون للعودة إليه، ويتمنون أن يقترب تحقق وعد الله بإعادتها؛ ليتغير واقعهم، وهذا يُوضح علة الهروب المستمر لدي المسلم المعاصر من واقعه إلى تلك الفترة التاريخية حيث الصورة المتخيلة لدولة ملائكية بلا خلاف ولا ضعف ولا شائبة ظلم، إنه فردوس الخلافة المفقود..

وتوسعت الثقافة الإسلامية المعاصرة في فهم الاستخلاف والتمكين متجاوزة فهم المفسّر مع ازدياد تدهور مجتمعات المسلمين، فكانت الصورة الثانية للخلافة الإسلامية متمثلة في كل مملكة أو سلطنة امتدت عبر التاريخ من أمويين أو عباسيين أو أتراك حتى سقوط دولة العثمانيين1924م. فظلت لدولة العثمانيين سلطة دينية في نفوس العامة رغم تدهور أحوالهم فقرا وجهلا وظلما وامتهانا في ظلها؛ وليس أدل على ذلك من واقع مصر المتخلف حضاريا -كولاية من ولايات الدولة العثمانية- وقت وصول الحملة الفرنسية إلى شواطئها؛ ليكتشف المصريون عمق وسعة الفجوة الحضارية بينهم وبين مستعمر غربي قادم للبحث عن الموارد الطبيعة تحت أقدامهم، وتحويلهم إلى سوق كبير..

الخاتمة

– امتناع أن يُراد بالخليفة في القرآن الكريم المعنى اللغوي الحرفي الذي يقتضي جعل الإنسان محل الله وبدلا عنه؛ لأن الدلالة اللغوية تحمل دلالة مستخلِف يرحل، ومستخلَف يحل محله، ويقوم مقامه، وهذا المعنى الحقيقي يمتنع إرادته بالقرينة العقلية والنقلية، فالعقل والوحي يأباه.

– حقيقة الاستخلاف القرآني أن الله عهد للإنسان بمهمة التعمير والإصلاح في الأرض، فلا يفسد فيها، والتعايش رغم الاختلاف فلا يسفك الدماء، والتعبد بكلمات الله كما تسبح الملائكة وتقدّس لله.

لم يضف القرآن الكريم دلالة جديدة إلى لفظ الخلافة، مثل كلمة صلاة التى أضيف إلى مدلولها اللغوي “دعاء” دلالة اصطلاحية شرعية جديدة من الاستعمال القرآني لها.

-أن القرآن الكريم اقتصر من المعانى اللغوية لمادة الخلافة اللغوية على معنى الاستبدال والتغيير والإنابة، دون معنى السلطان أو الأمير كما لم تحمل الآيات الدلالات اللغوية المختلفة للفظ في لغة العرب والتى سبق وأشرت إليها.

– استخلاف داود في الآية استخلاف نبوة وليس ملكا، وإن كان داود وسليمان ثبت لهما اصطفاء النبوة والملك، فوصف داود بالخليفة جاء في سياق الآية الغاية منها إبراز قواعد التقاضى العادل استماعا للمتخاصمين دون تعجل لأحدهما، والنظر في البينة، فبعد أن ذكر الله داود بالخليفة تحدث عن داود القاضي الذى يعلم الناس قواعد العدل ويقضي بينهم به، وليس داود الملك الذى يحكم الناس، ففرق كبير بين حكمه بينهم، وحكمه لهم.

– الأساليب القرآنية التي ورد فيها مشتقات كلمة الخلافة ليست من قبيل الأساليب الإنشائية التى تحمل معنى الأمر أو النهي مثل آيات التكليف في القرآن الكريم، بل جاءت آيات الخلافة في سياقات خبرية تنوعت بين التذكير بنعمة الله امتنانًا على الإنسانية في عمومها أو الفئة المؤمنة المتعبدة المتبعة لنبي بعينه، وأتت تارة في أسلوب حثٍّ واستنهاض كما جاءت استعمالات اللفظ في سياقات قصص النبيين.

-من الأخطاء الشائعة في التعامل مع دلالات القرآن الكريم البحث عن معنى الكلمة المعجمي منفردًا واختيار الدلالة التاريخية المتأخرة، والأولى حسم الدلالات المعجمية من خلال الاستعمال الوظيفي للكلمة في السياق القرآني، فمعاني القرآن تكمن في سياقاته اللغوية، وليس بعزل الألفاظ والبحث في دلالاتها الحديثة ثم إعادة إسقاطها على القرآن الكريم مرة أخرى.

– أن فهم المفسر للآية في ضوء حديث نبوي لا يعطى لفهمه سلطة، ولا يحوّله لمرادف قاطع الدلالة لنص احتمالي الدلالة، وتداول الخطاب الإسلامي المعاصر إحدى الآراء دون غيرها أخطر إشكاليات الخطاب المعاصر في تثبيت المعنى عند فهم وترويجه في صورة الدين المنزل.

– ربط المفسر دلالة كلمة خلافة بمعنى تاريخي نشأ في عصره، واستشهد بأحاديث تؤيد فهمه، مما أعطى كلامه سلطة عند المتأخرين الذين باتوا يتعاملون مع فهم المفسر، وكأنه مطابق لمراد الله بدلالة الحديث، وفات المفسر مقارنة الرويات، أو لم يتيسر له ذلك، كما أنه لم يتوقف عند المعنى المقامي للمرويات، مجتزأ منها ما يؤيد فهمه.

– الخلافة ليست رجلا سواء كان خليفة أو ملكًا أو رئيسًا بل فِعْل إنساني عام تعبد وعمران وإصلاح يشترك فيه الرعيّة والراعي معا، أو بلغتنا المعاصرة الشعب والنظام الحاكم معا.

– يتعين تأويل الأحاديث وعدم إسقاطها وتقييدها بحوادث تاريخية، أو التمسك بظاهر لفظها حتى لا يحدث تعارض بين المرويات، فأحاديث التبشير والتحذير مثل آيات الاستخلاف لا تحمل تحديدا ولا تخصيصا، ولا تحكى وقائع تاريخية بعينها. فالروايات تحكى حالة متجددة متغايرة في المسار الإنساني بين استخلاف إنساني يُصلح، ومُلْك يطمع فيُفسد، وكل ممارسة إنسانية تحترم مبادئ الإسلام تُعد جزءًا من البشرى النبوية، فالمعنى مرهون بالإنسان الذي يقيم مبادئ الإسلام أو نقيضها في الأرض.

– أن وعد الله بالاستخلاف والتمكين في الآية (55) من سورة النور عام في كل إنسان حقّق معنى الإيمان والصالحات دون تخصيص بزمن أو تاريخ.

-تأثر المفسر السني بالخطاب الشيعي الذي يُخاصمه، فالمفسر لديه رؤية اثني عشرية لأئمة السنة مستمدة من النص تشبه في مكانتها وتمجيدها منزلة الأئمة الاثني عشرية الشيعية.

-أن التفسير بالرواية هو المؤسس لخطاب الجماعات في سعيها لاستعادة سلطة (الخلافة الإسلامية) التى يُسوّق شعارها كأنه الحل السحري لواقع متخم بأزمات معقدة يستعصى على الجماعات الخوض في تفاصيلها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية؛ لذا يلجأون إلى تسطيح توصيف المشكلة في غياب الخلافة الإسلامية، ويختزلون الحلّ في العمل على استعادتها بحيلة السياسة أو بقوة السلاح.

فهرس المصادر والمراجع

– أبو الحسن على بن أحمد الوادحدي. أسباب النزول، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، 1421ه-1421م.

– أبو الحسين مسلم بن حجاج بن مسلم، الجامع الصحيح (صحيح مسلم) بشرح النووي. دار الفجر للتراث. القاهرة. الطبعة الثانية. 1425-2004.

– أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم دار الفكر، بيروت،1401.

– أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

– أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المشهور بتفسير الطبري، دار الفكر، بيروت، 1405.

– وكتابه: تاريخ الرسل والملوك، المعروف بتاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1407.

–  أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، المشهور بالشيخ الصدوق، الأمالي، ط. مؤسسة البعثة. طهران. الطبعة الأولى 1417ه. وكتابه: الخصال، مؤسسة النشر الإسلامي لجماعة المدرسين بقم، إيران، 1420ه.

– أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع الصحيح (صحيح البخاري)، المكتبة التوفيقية، القاهرة.

– أبو عبدالله محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، تحقيق محمد عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1410ه-1990م.

– أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة الربعي القزويني، صحيح سنن ابن ماجه، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى، 1417-1997م.

– أحمد بن عبدالحليم بن تيمية، مجموع الفتاوى، دار إحياء التراث، القاهرة.

– إسماعيل بن حماد الجوهري، تاج اللغة وصحاح العربية، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1407ه-1987م.

– المتقي الهندي، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق صفوت السقا، بكري الحيّاني مؤسسة الرسالة.

– بشار عواد معروف (دكتور)، مجلة الأزهر، ذو الحجة 1436هــ- سبتمبر، أكتوبر 2015م.

–  جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، لسـان العـرب، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى.

– زين الدين العراقي، محجة القرب إلى محبة العرب، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، 1420هـ

– سيد قطب، في ظلال القرآن الكريم، دار الشروق، الطبعة الثانية والثلاثون، القاهرة، 1423ه-2003م.

– عبدالله بن عمر البيضاوي الشيرازي، تفسير البيضاوي “أنوار التنزيل وأسرار التأويل” دار الفكر، بيروت.

-على بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق محب الدين الخطيب، دار الكتب السلفية، القاهرة.

– فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1421ه – 2000م.

– مجمع اللغة العربية. المعجم الوسيط. المكتبة الإسلامية، تركيا.

– محمد الطاهر عاشور، التحرير والتنوير، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، 1997م.

– محب الدين محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، دار الفكر، بيروت.

– محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، جامع الأحكام للقرطبي، دار الفكر، بيروت.

– محمد بن عبدالله الأندلسي (ابن العربي)، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.

– محمد بن علي بن محمد الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار الفكر، بيروت.

([1]) ينظر: -محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب ج9. ص138:132، ط. دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى.

– مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط. ج1. ص251،250، ط. المكتبة الإسلامية، تركيا، د.ط.ت

– إسماعيل بن حماد الجوهري، تاج اللغة وصحاح العربية، ج4. ص1357،1356، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1407ه-1987م.

([2]) أخرجه البخاري في صحيحه (3455)، ومسلم في صحيحه (1842).

([3]) ينظر: محب الدين محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، ج6. ص99، ط. دار الفكر، بيروت.

([4]) أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق عبد الرزاق المهدي ج1 ص153، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت.

([5]) أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج9 ص105، ط. دار الفكر، بيروت، 1405.

([6]) أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي. تفسير القرآن العظيم ج1 ص70، ط دار الفكر، بيروت،1401.

([7]) قال الزمخشري باحتمال الدلالتين “يجوز أن يريد خليفة مني لأن آدم كان خليفة الله في أرضه وكذلك كل نبي.” ويجوز جعلها عامة “فإن قلت فهلا قيل خلائف أو خلفاء قلت أريد بالخليفة آدم، واستغني بذكره عن ذكر بنيه كما يستغنى بذكر أبي القبيلة في قولك مضر وهاشم أو أريد من يخلفكم أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك.” الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل. تحقيق عبد الرزاق المهدي ج1 ص154،153. وجعل القرطبي الاستخلاف خاصا بآدم “فهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره؛ لأنه أول رسول إلى الأرض” (القرطبي 1/66)، وجعل ابن كثير الاستخلاف عاما في بني آدم على الأرض، بقوله: “ليس المراد ههنا بالخليفة آدم -عليه السلام- فقط كما يقوله طائفة من المفسرين وعزاه القرطبي إلى ابن عباس وابن مسعود –رضي الله عنهما- إذ لو كان ذلك لما حسن قوله الملائكة “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء” فإنهم أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمإ مسنون أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من الظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم.” تفسير القرآن العظيم ج1 ص70، ط دار الفكر، بيروت،1401.

([8]) ينظر: عبدالله بن عمر البيضاوي الشيرازي، تفسير البيضاوي “أنوار التنزيل وأسرار التأويل” ج1 ص277. ط دار الفكر. بيروت.فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي، التفسير الكبير “مفاتيح الغيب” ج2 ص.146. ط. دار الكتب العلمية. بيروت. 1421ه – 2000م، الطبعة الأولى.

([9]) ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [سورة الأعراف: 74]، ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [ سورة الأعراف: 169]، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [سورة فاطر:39]

([10]) من أمثلة القولين: قول القرطبي: “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى” أي ملكناك؛ لتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.” (أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. ج15 ص188 ط. دار الشعب. القاهرة.) وقول الطبري بأن الله تعالى “ذكره وقلنا لداود يا داود إنا استخلفناك في الأرض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكما بين أهلها.. فاحكم بين الناس بالحق يعني بالعدل والإنصاف ولا تتبع الهوى يقول ولا تؤثر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل فيه فتجور عن الحق فيضلك عن سبيل الله.” (تفسير الطبري، ج23 ص151)

([11]) تفسير القرطبي، ج12، ص300.

([12]) يقول صاحب فتح القدير “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات” هذه الجملة مقررة لما قبلها من أن طاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبب لهدايتهم، وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم في الأرض لما استخلف الذين من قبلهم من الأمم وهو وعد يعمّ جميع الأمة وقيل هو خاص بالصحابة ولا وجه لذلك فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع الله ورسوله واللام في “ليستخلفنهم في الأرض” جواب لقسم محذوف أو جواب للوعد بتنزيله منزلة القسم لأنه ناجز لا محالة ومعنى ليستخلفنهم في الأرض ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف الملوك في مملوكاتهم وقد أبعد من قال إنها مختصة بالخلفاء الأربعة أو بالمهاجرين أو بأن المراد بالأرض أرض مكة وقد عرفت أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وظاهر قوله: ” كما استخلف الذين من قبلهم” كل من استخلفه الله في أرضه فلا يخص ذلك ببنى إسرائيل ولا أمة من الأمم دون غيرها وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم معطوفة على ليستخلفنهم داخلة تحت حكمه كائنة من جملة الجواب والمراد بالتمكين هنا التثبيت والتقرير أى يجعله الله ثابتا مقررا.. (محمد بن علي بن محمد الشوكاني. فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، ج4 ص47، ط دار الفكر، بيروت.)

([13]) ينظر: – تفسير الطبري، ج19، ص 211:209. – الجامع لأحكام القرآن. ج12، ص279:276. – تفسير ابن كثير، ج6، 81:78. – محمد الطاهر عاشور، التحرير والتنوير، ج19، ص285:282، ط. دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، 1997م.– أبو الحسن على بن أحمد الوادحدي. أسباب النزول، المسألة 646، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، 1421ه-1421م.

([14]) هذا مما نقله ابن كثير في تفسير الآية بقوله: “وقال بعض السلف خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حق في كتاب الله ثم تلا هذه الآية”. (تفسير القرآن العظيم، ج5، ص121)

([15]) نرى ذلك جليًا في لغة القرطبي مستدلا بالآية على حدث تاريخي متأخر عن الآية، فيقول موافقا الضحاك وابن عربي وغيرهم “هذه الآية دليل على خلافة الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم- وأن الله استخلفهم ورضي أمانتهم، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم؛ لأنهم لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فاستقر الأمر لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذبّوا عن حوزة الدين فنفذ الوعد فيهم، وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نجز وفيهم نفذ وعليهم ورد ففي من يكون إذًا وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا ولا يكون فيما بعده رضي الله عنهم.” (جامع الأحكام للقرطبي، ج12ص300:298. وبمثل هذا قال ابن جرير الطبري، فجعل الاستخلاف في الآية في إرث المسلمين الأوائل ملك الأرض من العرب والعجم بإيمانهم وعمل الصالحات كما استخلف الذين من قبلهم من بني إسرائيل إذ أهلك الجبابرة بالشام، وجعلهم ملوكا، فيقول: “أظهرهم الله على جزيرة العرب فآمنوا ثم تجبروا فغير الله ما بهم وكفروا بهذه النعمة فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم قال القاسم قال أبو علي بقتلهم عثمان بن عفان -رضي الله عنه – واختلف أهل التأويل في معنى الكفر الذي ذكره الله في قوله فمن كفر بعد ذلك فقال أبو العالية ما ذكرنا عنه من أنه كفر بالنعمة لا كفر بالله..” (تفسير الطبري.ج18. ص160:158.)، وجعل ابن العربي وعد الاستخلاف عام إلا أنه لم ينفذ فيما مضى إلا في الخلفاء الأربعة أحكام القرآن لابن العربي. ج3. ص413، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.)

([16]) جمع سيد قطب بين التفسير بالدلالة اللغوية والمرويات على تحو أشعر الباحث أنه أمام صوتين مختلفين في تفسير الآية الواحدة، فيقول عن حقيقة الاستخلاف في الآية “ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم، إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه؛ وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض، اللائق بخليقة أكرمها الله. إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد، وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر، وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان!” ثم عاد وجعله بموجب الحديث متحققا تاريخيا في خلافة الخلفاء الثلاثة الأوائل وليس الأربعة “ولقد تحقق مرة وظل واقعا ما قام المسلمون على شرط الله يعبدونني ولا يشركون بي شيئا، فكانوا آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه.” (ينظر: سيد قطب، في ظلال القرآن الكريم، ج4. ص2530،2529 ط.دار الشروق، الطبعة الثانية والثلاثون، القاهرة. 1423ه-2003م.)

([17]) “هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد وليبدّلنهم من بعد خوفهم أمنا وحكما فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى وله الحمد والمنة فإنه –صلى الله عليه وسلم- لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر واسكندرية وهو المقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة رحمه الله وأكرمه ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واختار الله ما عنده من الكرامة قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق فلم شعث ما وهى عند موته رضي الله عنه وأطد جزيرة العرب ومهدها وبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس صحبه خالد بن الوليد رضي الله عنه ففتحوا طرفا منها وقتلوا خلقا من أهلها وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة رضي الله عنه ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام وثالثا صحبة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى بلاد مصر ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها وتوفاه الله عز وجل واختار له ما عنده من الكرامة ومن على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق فقام بالأمر بعده قياما تاما لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها وديار مصر إلى آخرها وأكثر أقليم فارس وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته وقصر قيصر وانتزع يده عن بلاد الشام وانحدر إلى القسطنطينية وأنفق أموالهما في سبيل الله كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن.” تفسير ابن كثير. ج3. ص1321،1320.

([18]) وردت الرواية مختصرة في تفسير ابن كثير وشيخه ابن تيمية في كتابه. مجموع الفتاوي. ج5. ص473.

([19])”زُوِيَتْ لي الأرضُ حتَّى رأيتُ مشارقَها ومغارِبَها وأُعطيتُ الكَنزينِ الأصفَرَ أو الأحمرَ والأَبيضَ يَعني الذَّهبَ والفضَّةَ، وقِيلَ لي إنَّ مُلكَك إلى حيثُ زُوِيَ لكَ وإنِّي سَألتُ اللهَ عزَّ وجلَّ ثلاثًا أنْ لا يسلِّطَ على أُمَّتي جوعًا فيهلكَهم بهِ عامَّةً وأنْ لا يَلبِسَهم شيَعًا ويُذيقَ بَعضَهم بأسَ بَعضٍ وإنِّه قِيلَ لي إذا قَضيتُ قضاءً فلا مردَّ لهُ وإنِّي لنْ أُسلِّطَ علَى أُمَّتِك جوعًا فيُهلكَهم فيهِ ولَن أجمعَ عليْهِم من بينِ أقطارِها حتَّى يُفنِيَ بعضُهم بَعضًا ويقتُلُ بعضُهم بَعضًا وإذا وُضِعَ السَّيفُ في أُمَّتي فلَن يُرفَعَ عنهم إلى يومِ القيامةِ وإنَّ ممَّا أتَخوَّفُ على أُمَّتي أئمَّةً مضلِّينَ وستَعبدُ قبائلُ مِن أُمَّتي الأَوثانَ وستَلحَقُ قبائلُ من أُمَّتي بالمشركينِ وإنَّ بينَ يدَي السَّاعةِ دجَّالينَ كذَّابينَ قريبًا مِن ثلاثينَ كلُّهم يزعُمُ أنَّه نبيٌّ ولن تزالَ طائفةٌ من أُمَّتي على الحقِّ مَنصورينَ لا يضُرُّهُم مَن خالفَهم حتَّى يأتيَ أمرُ اللهِ عزَّ وجلَّ.” صحيح سنن ابن ماجه. الحديث 3207.

([20]) صحيح البخاري. الحديث 3595.

([21]) جامع الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلافة، رقم الحديث: 2156، وأورده بلفظ غير هذا ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج5، ص92.

([22]) رواية النعمان بن بشير “كنا قعودًا في المسجدِ وكان بشيرُ رجلًا يكفُّ حديثَه فجاء أبو ثعلبةَ الخشنيُّ فقال يا بشيرَ بنَ سعدٍ أتحفظُ حديثَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الأمراءِ فقال حذيفةُ أنا أحفظُ خطبتَه فجلس أبو ثعلبةَ فقال حذيفةُ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تكونُ النبوةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ ثم يرفعُها إذا شاء أن يرفعَها ثم تكونُ خلافةٌ على منهاجِ النبوةِ فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ ثم يرفعُها إذا شاء أن يرفعَها ثمتكونُ مُلكًا عاضًّا فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ ثم يرفعُها إذا شاء أن يرفعَها ثم تكونُ خلافةٌ على منهاجِ نبوةِ ثم سكت”

([23]) “إنَّ هذا الأمرَ بدأ رحمةً ونُبوَّةً ثم يكون رحمةً وخلافةً ثم كائنٌ ملكًا عضوضًا ثم كائنٌ عتُوًّا وجبريةً وفسادًا في الأرض يستحِلُّون الحريرَ والفروجَ والخمورَ ويرزقون على ذلك ويُنصَرون حتى يلقَوا اللهَ عزَّ وجل.” البداية والنهاية ج8. ص21، شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني. ج2. ص367.

([24]) “لمَّا قامَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ، وَكانَ يزيدُ بنُ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ في صحابتِهِ ، فَكَتب إليهِ بِهَذا الحديثِ أذَكِّرُ إيَّاهُ ، فَقلتُ إنِّي لأَرجو أن تَكونَ أميرَ المؤمنينَ، يعني عمرَ، بعدَ الملكِ العاضِّ والجبريَّةِ ، فأُدْخِلَ كتابي على عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فسُرَّ بِهِ وأعجبَهُ” (زين الدين العراقي. محجة القرب إلى محبة العرب. ص175. ط دار العاصمة الرياض الطبعة الأولى 1420هـ)

([25]) صحيح مسلم. الحديث 1821.

([26]) “ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحا يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وجد منهم أربعة على نسق، وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنم ، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس. ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره. (تفسير ابن كثير، ج3. ص92.)

([27])”في هذا الحديث دلالة على أنه لابد من وجود اثني عشر خليفة عادل وليسوا هم بأئمة الشيعة الاثني عشر فإن كثير من أولئك لم يكن لهم من الأمر شيء فأما هؤلاء يكونون من قريش يلون فيعدلون وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين بل يكون وجودهم في الأمة متتابعا ومتفرقا وقد وجد منهم أربعة على الولاء وهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم ثم كانت بعدهم فترة ثم وجد منهم ما شاء الله ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله تعالى ومنهم المهدي الذي اسمه يطابق اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم”. (تفسير ابن كثير، ج3. ص1321،1320.)

([28])”فالأولى أن يحمل قوله “يكون بعدي اثنا عشر خليفة” على حقيقة البعدية، فإن جميع من ولي الخلافة من الصديق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفساً، منهم اثنان لم تصح ولايتهما ولم تطل مدتهما وهما: معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم، والباقون اثنا عشر نفسا على الولاء كما أخبر صلى الله عليه وسلم، وكان وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وتغيرت الأحوال بعده، وانقضى القرن الأول الذي هو خير القرون.” فتح الباري 13/260.

([29]) بشار عواد معروف العبيدي الأعظمي البغدادي، مفكر ومؤرخ وكاتب عراقي ومحقق لقرابة ثلاثمائة مخطوطة، وصفه الشيخ أبو إسحاق الحويني بأنه أحد أئمة تحقيق الحديث النبوي.

([30]) ينظر: د.بشار عواد معروف. مجلة الأزهر. ص2722:2720، ذو الحجة 1436هــ- سبتمبر، أكتوبر 2015م.

([31])  ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، المعروف بتاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط4، دار المعارف، ج.3 ص206،205.

([32]) من الأحاديث المعتمدة في كتب الشيعة “الأئمة من قريش”، “يملك اثنا عشر خليفة كلهم من قريش”، “لا يزال أمر أمتي ظاهرا حتى يمضي اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش” ينظر: الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، الأمالي، ص388،387، ط. مؤسسة البعثة. طهران. الطبعة الأولى 1417ه. وكتابه: الخصال، ص447،473، ط. مؤسسة النشر الإسلامي لجماعة المدرسين بقم. إيران. 1420ه.

([33]) ينظر: الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة (1/32) القاهرة. 1904م.

([34])”إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ، قَالَ: كَذَبُوا بَنُو الزَّرْقَاءِ بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مِنْ شَرِّ الْمُلُوكِ”جامع الترمذي، (2156)

([35]) ينظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (3/306)،كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال (12/567)

([36]) صحيح مسلم (7440)

([37]) ينظر: ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج3، ص224. ج4، ص215،214.

([38]) صحيح النسائي، (2902)

    اقرأ ايضا

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete