تكوين
ملخص
هذا العمل بحث في مفهوم “عقل” في عصر النهضة العربية. ومن أجل بلوغ غايتنا كان لا بد من دراسة كم كبير من الكتب والمقالات في شتى اختصاصات المعرفة (أدب، عقيدة، تاريخ، معجم، فكر سياسي…) لأن البحث في المفهوم عمل تنظيري خالص وخاصة في المفاهيم المجردة. فكان من الضروري البحث في مجالات اشتغال المفهوم، أي في مجموع المعقوليات التي يتجلى فيها نشاط العقل. هذا فضلا عن الوقوف عند الكلمات التي استُعملت على الترادف مع كلمة “عقل” مثل “علم” أو “نظر” أو التي تشترك معها في الحقل الدلالي مثل “إصلاح” و “تمدّن” و”تنظيمات”…
وقد حرصنا على أن نتابع بعض مظاهر التحول في المفهوم أو دخول مفاهيم جديدة حقل الاستعمال خلال المدة الزمنية التي ندرسها وهي تمتد على ما يقرب من قرن ونصف. (من بداية القرن 19م إلى منتصف القرن 20م).
ABSTRACT
This work investigates the concept of « mind » during the Arab Renaissance.
To this aim, it was necessary to study a large number of books and articles relating to various knowledge disciplines (literature, doctrine, history, political thought..) because concept research is a purely theoretical work , mainly in the case of abstract concepts. It was then necessary to conduct research in the fields of concept manifestation i-e scrutinizing the totality of intelligibles in which the activity of the mind is manifested, along with highlighting the words used synonymously with the word « mind », such as « science », « realization » or that share it the semantic field such as « Reform » and « Tandhimat ».
We have endevoured to shed light on some aspects of the shift in the concept or the use of new concepts during the period, under study, extending over nearly one century and a half. (From the beginning of he 19 th to the 20th century).
لكلمة “عقل” خصيصتان رئيسيتان:
الخصيصة الأولى، إنّها عموما كلمة إشكالية من جهة أنها يمكن أن تحيل على الآلة الإدراكية بحيث يكون العقل هو ما به نميّز ونتأمّل ونفهم ونفكّر، سواء كانت هذه الآلة نورا إلهيا أو غريزة بشرية أو ملكة تمييزية أو كفاءة مجردة. ومن جهة ثانية يمكن للعقل أن يكون موضوع تفكير ومعرفة ودراسة وتحليل فيمسي والحال تلك مفكّرا ومفكًّرا فيه، كفاءة شغّالة وموضوعا للتأمل والتقييم. فإذا رمنا تدبر كلمة “عقل” في عصر النهضة العربية فلا شكّ أننا إزاء وضع يكون فيه العقل الذي نمتلكه في الآن والهنا أداة لمحاصرة العقل الذي كان في عصر النهضة. وهذه المسافة الزمنية هي من جهة مكسب معرفي إذ تسمح بالفهم والتقييم من حيث أن الموضوع صار من التراث القابل للمراجعة والتمحيص. وهي من جهة ثانية حدّ معرفي من حيث ما نفترض من الشقة المعرفية بين الفترتين، وهذا يقتضي أنّ تعقّلنا للعقل سينصرف إلى التعامل معه فينومينولوجيا أي باعتباره موضوعا للوعي بالظواهر ودراسة لكيفية حضور الظواهر في خبرته.
إن كلمة “عقل” زمن النهضة العربية تُستخدم مبدئيا بحمولات عقل النهضة بما أنّ كل فكر يشتغل داخل دائرة المتاح معرفيا. وهكذا يمكن أن يكون العقل موضوعا وآلة في الآن نفسه وهو ما يجعل كل اجتهاد للحياد والموضوعية متجذّرا في النسبية. فالسلفي المعاصر الذي يعالج عقل السلفيين في القرن 19م لا شك يجد متسعا من التماهي مع هذا العقل. وكذا الأمر مع العلماني المعاصر الذي يتدبر فكر العلمانيين في الفترة عينها. أما العلماني المعاصر الذي يقرأ العقل السلفي في عصر النهضة أو السلفي المعاصر الذي يقرأ عقل العلماني في ذلك الزمن، فقلما يجد له منطقا مستساغا وإن اجتهد في أن يضع هذا العقل في حدوده الايبستمولوجية ضمن منطلقاته المعرفية.
الخصيصة الثانية، أن “العقل” من الكلمات الفاصلة الواصلة في اللغة العربية. هي كلمة تعود إلينا من الماضي فنستدعيها بحمولاتها وتكون واصلة بتراث واسع من الاستعمال. وهي ذاتها كلمة فاصلة بين نسق قديم للتفكير والتصور وتمثّل العالم يتّبع مراحل إدراك لها خصوصياتها ورهاناتها، ونسق حديث قطع في حيّز هام منه مع النسق القديم في التفكير والتصور وبنى أسسا جديدة لإدراك الطبيعة والنظر إلى الموجودات والتعامل مع المفارق. فكلمة “عقل” التي تعني الفعل المجرد للفهم والاستيعاب هي نفسها كلمة “عقل” التي تعني في المستوى الحسي الربط وشدّ الوثاق، وربما تكون اللفظة قد تطوّرت من المستوى المادي العملي إلى المستوى النظري المجرّد وحافظت على واسطة العقد في المعنى وهو ربط الأشياء بعضها ببعض أو ربط المقدمات بالنتائج والأسباب بالمسببات.
لكن معاني الجذر (ع،ق،ل) تطوّرت بفعل عوامل كثيرة من أهمها ظهور الإسلام والحضور البيّن للفعل “عقل” وخاصة بصيغة المضارع في النص القرآني وفي الحديث النبوي. كما حضرت في النصوص التأسيسية الإسلامية الأفعال والكلمات التي تدور في فلك فعل “عقل” (يتدبرون، ينظرون، يتفكّرون، يعلمون، يفقهون…). ومن عوامل هذا التطوّر أيضا طريقة تلقي المسلمين لجملة الألفاظ والمعاني الحافة بكلمة العقل خاصة أن عوامل عديدة أثّرت في اتجاهات هذا التلقي من قبيل دخول الفلسفة اليونانية والفكر الإشراقي إلى ساحة الفكر العربي الإسلامي، وتلاقح هذا الفكر بمكونات ثقافية كثيرة وافدة.
وبالرجوع إلى حضور كلمة “عقل” ومشتقاتها والمعاني الحافة بها ومرادفاتها في عصر النهضة العربية، لا بدّ من تتبع صنوف من الكتابات التي تكشف مستويات هذا الحضور من جهة، وترصد طبقات المعنى التي تراكمت واستمرت من جهة ثانية، وتحاصر الدوال والمدلولات التي نجمت بفعل التطور الحضاري والتلاقح الثقافي الذي عرفه العصر الحديث من جهة ثالثة. ولعل أول المداخل التي تتيح تحديد دلالة “عقل” في عصر النهضة هو المدخل اللغوي / المعجمي الذي يقتضينا تدبّر نماذج مما كُتب في هذا السياق بين مطلع القرن 19م ومنتصف القرن 20م.
العقل في المنجز المعجمي زمن النهضة العربية
إن علاقة العقل بالمستوى اللساني المعجمي درجة من درجات العلاقة الغنية بين اللغة والعقل. فاللغة ليست معجما فحسب، إنها الاستعمال والكلام والجدال والكتابة والقراءة، وهي الشفوي والمدوّن والرسمي والشعبي… ومن ثمة نفهم فائض الدلالات التي تكتسبها الألفاظ مع وجوه التداول المختلفة. لكن الوقوف عند البعد المعجمي اللساني يسمح بالوقوف عند جانب هام من جوانب المفهوم. فبالعودة إلى قاموس محيط المحيط لبطرس البستاني (1819-1883م) وهو قاموس أراده تهذيبا وتثقيفا للقاموس المحيط للفيروزبادي (تـ 817هـ)، نلاحظ أن المادة اللغوية تتكرر في الكتابين من جهة الجذر الاشتقاقي والدلالات التراثية لفعل “عقل” بمعنى ربط أو أمسك ولمعنى العقال وهو الحبل الذي يوثق به. و”عاقلة الرجل أي عصبته وهم القرابة من قبل الأب الذين يعطون دية من قتله خطأ. وقال أهل العراق هم أصحاب الدواوين…والعاقلة قوة العقل كما أن الذاكرة قوة الذكر”[1]وعقل الغلام: أدرك. والعقل مصدرا يعني الربط والإمساك وعقل البطن إمساكها ومنه اعتقال اللسان. والعقل: الملجأ. وهو الحجا والنهى وهو ضد الحمق والجهل… ثمّ يكرّر البستاني ما يذكره الفيروزبادي في المعنى الاصطلاحي للعقل بحرفه ومعناه تقريبا. فــ “العقل: العلم، أو بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها أو العلم بخير الخيرين وشرّ الشرّين أو مطلق الأمور أو لقوة بها يكون التمييز بين القبح والحسن ولمعاني مجتمعة في الذهن، يكون بمقدمات يستتب بها الأغراض والمصالح ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه. والحق أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية. وابتداء وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ”[2].
ما الذي يضيفه البستاني فوق ما ذكره الفيروزبادي؟ إنه يضيف المعاني التي استقرّت في الفكر الفلسفي الموروث. لذلك يستحضر ما يذكره الجرجاني (تـ 816هــ) في تعريفاته من أن العقل جوهر مفارق للمادة وقوة للنفس الناطقة، مستحضرا مراتب العقل (العقل الهيولاني، العقل بالملكة، العقل بالفعل، العقل المستفاد)[3]. والجرجاني نفسه يأخذ هذه المعاني عن الفارابي (تـ 339هـ) وخاصة عن ابن سينا (تــ 427هــ) الذي يميز في النفس الإنسانية بين العقل النظري والعقل العملي كما يميز بين العقل بالقوة والعقل بالفعل محددا مراحل الانتقال من الأول إلى الثاني، “وكل عقل من هذه العقول يمكن أن يكون عقلا بالقوة بالنسبة إلى ما فوقه وعقلا بالفعل بالنسبة إلى ما تحته، ولا يتمّ الانتقال من القوة إلى الفعل إلاّ بواسطة عقل مفارق هو دائما بالفعل وهو العقل الفعّال”[4]، ومنزلته فوق العقل الإنساني.
أما الشرتوني (1847-1912م) فيذكر فضلا عما ذكره البستاني أن العقل “غريزة يتهيّأ بها الإنسان لفهم الخطاب. والعقل أيضا: القلب”[5]. وما نلاحظه أنه أضاف إلى التعريفات السابقة أمرا يتصل بالمفهوم وأمرا يتصل بالوظيفة. وهكذا فمن جهة المفهوم، يمكن أن يكون العقل جوهرا مجردا وقوة في النفس الناطقة أو نورا روحانيا، كما يمكن أن يكون غريزة أو يكون في معنى القلب ذاته. أما من جهة الوظيفة فالعقل ليست مهمته إدراك العلوم فحسب، وإنما فهم الخطاب أيضا. فكأن العقل هو هذه الكفاءة الخاصة بفهم الكلام وتبين وجوه الفصاحة في القول. ويكرر جرجي شاهين (1883-1945م) ما يذكره الشرتوني منتهيا إلى أن “العقل: مصدر وجوهر مجرد عن المادة مقره الدماغ به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية”[6]. أما رفائيل نخلة (1890-1973م) فيرى أن العقل هو الذهن وهو الحجا و “علمه: عقله في العلم وشعره: عقله في الشعر”[7]، لكأن العقل ملكة للمهارة في أي فن وأي علم.
والثابت لدينا بعد استقراء كثير من المعاجم والقواميس، أن مفكري النهضة احتفوا بمفهوم “العقل” وحاولوا أن يستحضروا في تعريفه كل الموروث اللغوي والفلسفي والديني والكلامي مع بعض التنبيهات إلى أمور لم ترد في الكتب التراثية كإشارة البستاني إلى أن “العاقل عند الدروز المطّلع على أسرار الدين ويقابله عندهم الجاهل”[8]، ولعل الأمر من نتائج التأثير التاريخي الديني والسياسي للصراع بين الموارنة والدروز في منطقة الشام في ما بين 1840 و 1860م. فالعقل معجميا هو تقريبا العقل الموروث بامتياز.
مفهوم العقل في الكتابات الفلسفية العقدية:
نعمد في هذا المقام إلى مجموعة من المصنفات التي عالجت المسائل الفلسفية والعقدية حسب السلم الزمني صعودا من أقدمها ظهورا إلى أحدثها. ومن المؤلفات الأولى التي يمكن الرجوع إليها للظفر بمفهوم للعقل في هذا الضرب من التوجهات الفكرية، الرسالة التي ظهرت سنة 1852 تحت عنوان “ذكرى العاقل وتنبيه الغافل” لعبد القادر الجزائري (تــ 1883). والرسالة مبنية على مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة. أما المقدمة فكانت في الحثّ على النظر وذمّ التقليد. وجاء الباب الأول في فضل العلم والعلماء وبه فصل تحت عنوان “في تعريف العقل”. والعقل عنده هو “الذي به إدراك العلوم وتكملة في القوى الأربع التي إذا اعتدلت في الإنسان يكون إنسانا كاملا”[9]. وهذه القوى الأربع هي قوة العقل وقوة الشجاعة وقوة العفة وقوة العدل. وقوة العقل هي المتحكمة في قوى النفس الأخرى حتى يحصل الاعتدال بين الأنفس ( الشهوية والغضبية). وينبه عبد القادر الجزائري في هذا الفصل على فضل إدراك العقل على إدراك الحواس مقسما العلم إلى محمود ومذموم.
كما يفاضل بين العاقل والجاهل مؤكدا أن العاقل هو من “يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال” لأن الجاهل يتبع غيره والعالم يتبع عقله، وشأن المقلد أن يكون كالأعمى الذي يقود الناس إلى الهلاك.
وما نتبيّنه من رسالة عبد القادر الجزائري أنه يكاد يطابق بين كلمة “عقل” وكلمة “قلب” انسجاما مع الموروث الفقهي. يقول “وكل إنسان من حيث هو إنسان، فهو مستعدّ لإدراك الحقائق على ما هي عليه لأن القلب الذي هو محل العلم، بالإضافة إلى حقائق الأشياء، كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلونات، تظهر فيها كلها على التعاقب”[10]. ويقول أيضا: “فكل قلب فهو بالفطرة الإلهية صالح لإدراك الحقائق”.[11] لكنه يقول في مقام آخر: “اعلموا أن العقل منبع العلم وأساسه ومطلعه، والعلم يجري من العقل مجرى الثمر من الشجر والنور من الشمس والرؤية من العين”.[12]
والعقل في معانيه لا يخرج عن أربع مراتب وهي:
- الوصف الذي يفارق الإنسان به جميع البهائم وهو الذي يستعد به لقبول العلوم النظرية.
- العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز.
- العلوم التي تستفاد من التجارب.
- قوة الغريزة التي يعرف بها الإنسان عواقب الأمور.
وما نستنتجه من هذا التصنيف أن الجزائري كما يطابق بين العقل والقلب فهو يطابق بين العقل والعلم. وهذا لا يخرج عمّا قرره الفقهاء في شأن قوله تعالى “أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” (الحج/46). وأشهر مثال على ذلك ما ذكره ابن تيمية في الفتاوى لمّا قال “من الناس من يقول: العقل هو علوم ضرورية. ومنهم من يقول: العقل هو العمل بموجب تلك العلوم. والصحيح أن اسم العقل يتناول هذا وذاك. وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان التي بها يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار. كما قال ابن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما : إن العقل غريزة، وهذه الغريزة ثابتة عند جمهور العقلاء كما أن في العين قوة بها يبصر وفي اللسان قوة بها يذوق وفي الجلد قوة بها يلمس عند جمهور العقلاء”[13]. وأما عن مسكن العقل فهو يرى أنه “قائم بنفس الإنسان التي تعقل وأما من البدن فهو متعلق بقلبه… وقيل لابن عباس: بم نلت العلم؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول. لكن لفظ القلب قد يراد به المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن التي جوفها علقة سوداء. وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقا”[14].
ومن كتابات عصر النهضة العربية التي يمكن الرجوع إليها في هذا المبحث “رسالة التوحيد” لمحمد عبده (تــ 1905م) وقد كانت في الأصل دروسا قدمها للطلاب حين كان في منفاه ببيروت بين 1885 و 1886، وظهرت للعموم بعد عقد من الزمن تقريبا. وهذه الرسالة ليست مجرد عمل كلامي لعرض آراء السابقين، وإنما هي كذلك رؤية نقدية وتصور مخصوص للعقيدة ودورها في التغيير. ويبدو أن مضمون الرسالة كان سليل الخلاف العقدي الموروث داخل الفكر السني بين المنتصرين للأشاعرة باعتبارهم يمثلون نزعة في الدفاع العقلي عن الدين، والمنتصرين للفكر السلفي ولطرائق أهل السنة والجماعة في بسط العقائد وشرحها والرد على الخصوم. هو خلاف بين الذين يقرؤون العقائد “كما جاءت” بلا كيف ويميلون إلى التنزيه في الذات والصفات، وأولئك الذين يستنفرون الحجاج العقلي ويأتون التأويل والقياس للدفاع عن العقيدة كما يفعل المتكلمون ومن ضمنهم الأشاعرة. فهذان الخطّان يحضران في فكر الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد، وهذا يظهر في جنوحه إلى أهل السلف بحفاظه على عبارة “علم التوحيد” بدل “علم الكلام” وفي انتصاره للفلسفة على حساب علم الكلام وفي دعوته للفصل بين الحكمة والشريعة، إذ “لم يكن من همّ أهل النظر من الفلاسفة إلاّ تحصيل العلم والوفاء لما تندفع إليه رغبة العقل من كشف مجهول أو استكناه معقول… وما كان عاقل من عقلاء المسلمين ليأخذ عليهم الطريق أو يضع العقاب في سبيلهم إلى ما هدوا إليه بعدما رفع القرآن من شأن العقل وما وضعه من المكانة”[15]. لكن منزلة الفلاسفة عند المسلمين قد سقطت نتيجة خلطهم مسائل الكلام بمسائل الفلسفة، لأن علم الكلام خرج عن سننه الأولى التي هي تقرير العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والنقلية وانصرف نحو الخوض في جنس النظر وجنس الدليل وجنس العلم وأغرق في التأويل حدّ التشبيه. لقد نعى محمد عبده على الفلاسفة العرب تقليدهم الأعمى لفلاسفة اليونان – والتقليد عدو كل فكر حر – كما نعى عليهم خلطهم الدين بالفلسفة لأنه ليس لذلك كانت الفلسفة.
إن علم الكلام مهم على أن يبقى في حدود التأكيد على فكرة التوحيد والفلسفة مهمة على ألاّ تخوض في مسائل الدين، ذلك أن الإسلام “دين توحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد، العقل من أشد أعوانه والنقل من أقوى أركانه، وما وراء ذلك فنزغات شياطين وشهوات سلاطين”.[16]
من جهة أخرى، يعتبر محمد عبده أن العقل البشري – وهو يميز الحسن من القبيح في المحسوسات والمعقولات لأن التمييز بينهما تمييز بين الفضيلة والرذيلة – في حاجة إلى معين يهتدي به إلى معرفة أحوال الآخرة، إذ “ليست عقول الناس سواء في معرفة الله تعالى ولا في معرفة حياة بعد هذه الحياة…وليس في سعة العقل الإنساني في الأفراد كافة أن يعرف من الله ما يجب أن يعرف ولا أن يفهم من الحياة الآخرة ما ينبغي أن يفهم”.[17]وهذا المعين واسطة بين الخالق والمخلوق ممتاز على غيره ثقة وعدلا ومروءة، و”ذلك المعين هو النبي”.[18]وللنبوة دلائل أهمها المعجزة. فلما كانت المعجزة خرقا للعادة وكسرا لقاعدة الاطراد في الطبيعة – والشيخ من أنصار العقل وقوانين العلم – كان لا بد أن يبرّر الأمر بالتنبيه على أن “واضع الناموس هو موجد الكائنات فليس من المحال عليه أن يضع نواميس خاصة بخوارق العادات، غاية ما في الأمر أننا لا نعرفها ولكننا نرى أثرها على يد من اختصه الله بفضل من عنده”[19]. وأما الكرامات فينكرها محمد عبده رغم إقرار جوازها عند الأشاعرة.
العقل عند محمد عبده مشروط بشرطين:
- شرط الانسجام مع عقائد السلف، وهو ما حمله على معاداة علم الكلام كما استقر في التاريخ الإسلامي، والدفاع عن الفلسفة كنشاط عقلي للخاصة دون العامة. فهو في المضمون سلفي محافظ وفي المنهج عقلاني أشعري، فلا حاجة للخوض في العقائد وإرباك العامة وإنما تتوق الجماعة الإسلامية إلى الهدى. فإذا كان الفرد يحتاج إلى عقله فإن الجماعة تحتاج إلى نبي. وكما أن الفرد لا يساوي شيئا بلا عقل، فكذلك الاجتماع لا قيمة له بلا نبوة. والعقل فاعلية ضرورية في شأن الدنيا كما هو فاعلية ضرورية في شأن الدين دون أن يكون طعنا في ثوابت العقيدة.
- شرط الواقع وضرورات الإصلاح، وهو ما جعله يستعجل الحلول العملية لتدارك التأخر الحضاري العام. فنحن في حاجة إلى عقل الفلسفة لأن الإصلاح يقتضي تيقّظ العقول. لكن هذه الحاجة يجب أن تكون في أمور البناء الحضاري وهي أمور ملحّة جعلته لا يكتب نصا فلسفيا معمقا رغم إلمامه الواسع بقضايا الفلسفة. وحاله هذا شبيه بحال فرح أنطون حين ناظره في ما كتب على أعمدة مجلة الجامعة[20]، فأعوزه الفهم المعمق للرشدية[21]. لقد كان الاثنان تحت ضغط اللحظة التاريخية الحرجة، فكان العقل عندهما براجماتيا غير مؤسس على تنظير فلسفي معمّق ولا على بناء فكري متناسق إلاّ اللهمّ الاتساق مع هموم الحضارة العربية آنذاك.
هكذا كان حضور العقل خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. فإذا تقدمنا زمنيا نحو منتصف القرن العشرين ألفينا تغيرا واضحا نتيجة التأثير الأوسع للعقل الغربي سواء كان ذلك بالقبول أو بالرد والسجال. ويمكن الاعتماد في ذلك على ما كتبه مالك ابن نبي (1905-1973م) في كتابه “الظاهرة القرآنية” الذي صدر سنة 1946 والاهتداء بمقدمة الكتاب التي حرّرها آنذاك عبد الله دراز (1894-1958م) .
فهذا الكتاب هو في بعض جوانبه محاولة للردّ على الاستشراق والاحتجاج عليه بعد الإقرار بتأثر الجيل العربي والإسلامي الجديد بالثقافة الغربية عموما. فقد “أوغل الاستشراق في الحياة العقلية في البلاد الإسلامية”[22] وظهر جليا التأثير الكبير للكتابات الأدبية والفكرية لمؤرخين وفلاسفة وأدباء غربيين طبعوا بمذاهبهم فكر جيل كامل من الباحثين العرب والمسلمين، يذكر مالك بن نبي من بينهم التأثير الجلي للمستشرق الإنجليزي “مرجليوث” في طه حسين وكتابه “في الشعر الجاهلي”. ويعتبر بن نبي أنه ممّا “يثير العجب أن نرى كثيرا من الشباب المسلم المثقف يتلقّون اليوم عناصر ثقافة تتصل بمعتقداتهم الدينية وأحيانا بدوافعهم الروحية نفسها من خلال كتابات المتخصصين الأوربيين… إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين قد بلغت في الواقع درجة خطيرة من الإشعاع لا نكاد نتصوّرها”[23].
كتاب “الظاهرة القرآنية” على الحقيقة، اجتهاد من أجل “إيجاد الأسس الثابتة والعقلية للإيمان بالمصدر الإلهي”[24] للقرآن. ففي ضوء المستجدات العلمية والإنسانية كان لا بد للمعرفة الدينية أن تتجدد وتطرح إشكالياتها بشكل مختلف. ولعله “بقدر ما تتطور معارفنا حول الطبيعة والنفس الإنسانية وكلما اكتسبنا سببا جديدا يحملنا على أن نرى الأشياء من زاوية مختلفة، فإن ذلك يدعونا إلى أن نضع المشكلات حين ندرسها بما يتفق وهذا الجديد من واقع العلم. والمسألة القرآنية لا ينبغي لها أن تخرج عن هذه القاعدة”.[25]
وردّا على نقد مالك بن نبي للاحتفاء الواسع الذي يبديه الكثير من المفكرين العرب بديكارت ومنهجه في الشك والنظر، يشيد عبد الله دراز بهذا الاحتفاء ويعتبره مثالا على تطور الفكر ويدعو للعمل بالمنهج الديكارتي القائم على الشك والتفكير النقدي. وهذا الاختلاف بين الرجلين يجب ألاّ يحجب عنّا مجموعة من الحقائق أهمها:
- تشبّعهما بالفكر الحديث علوما ومناهج. فكتاب “الظاهرة القرآنية” حافل بالتحليل العلمي ملتزم بالضبط المنهجي للمعارف. ومن أمثلة ذلك تبسّطه في الحديث عن المذهب المادي والعوامل البيولوجية والكيميائية لتشكل المادة والأجسام على اعتبار أن العالم صادر عنها في مقابل المذهب الميتافيزيقي الذي يعدّ الله أصل كل شيء، خاصة وأن الكتاب وضع باللغة الفرنسية التي تدل على امتلاء الرجل بالأجواء العلمية والثقافية الأوربية.
- ميلهما إلى توظيف المكتسبات العلمية ومستجدات الحداثة المعرفية في التفسير القرآني والمفاضلة بين الأديان (إذ لا يرقى العمل إلى علم مقارنة الأديان) باستثمار علم النفس وعلم الاجتماع على وجه الخصوص. على أن الكتاب ليس إسهاما من إسهامات ما يطلق عليه “الإعجاز العلمي للقرآن”، وإنما هو مبحث لتحليل الظاهرة القرآنية في نطاق التمييز بينها وبين الظاهرة النبوية وتوقّف عند الوحي وعلاقته بالذات المحمدية لينتهي إلى أن الوحي ليس تجربة ذاتية كما يزعم المستشرقون وإنما هو معرفة تلقائية مطلقة لا تقبل التفكير.
- الإيمان بضرورة البعد عن التقليد – سمة العصر السيكولاستيكي – ومحاولة التفكير الجاد والنظر إلى الحقيقة العلمية والتاريخية والدينية بعين جديدة. لذلك شدّد بعضهم على أن “التقليد آفة للأفهام وأي آفة وحجاب لنور العقل وأي حجاب”[26]لأن التقليد ينفي الاجتهاد ويعطل ملكات التمييز والنقد.
العقل الفلسفي العقدي مؤمن عموما بحرية الفكر وبضرورة الاجتهاد والنقد ما لم يخالف ذلك ثوابت الأمة خصوصا في مسائل العقيدة. فهو إذن عقل معقول إلى ما استقرّ في وجدان الجماعة الإسلامية في مسائل التوحيد والعبادات منفتح على مطارحة بعض القضايا الخلافية في التاريخ الإسلامي ولا سيما السيرة النبوية التي – تأثرا بالاستشراق – أدلى فيها الكثيرون بدلوهم في محاولات متكررة لإعادة كتابة السيرة المحمدية باجتهادات متباينة بين الانتصار للمعرفة التاريخية والانتصار للتوجّهات المؤدلجة. وفي كتاب الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس[27] الذي كتبه صاحبه سنة 1933م ولم يظهر للعلن إلا سنة 2002م، واحدة من وجهات النظر التي أسالت الكثير من المداد. وهذه المدة الزمنية التي ظل فيها الكتاب غير منشور لخشية صاحبه على نفسه، دلالة على أن العقل الديني ظلّ محافظا محتاطا من كل مسّ بالمستقرّ في الوجدان الجماعي وإن بدت عليه علامات الانفتاح على محيط أوسع من محيط التراث من جهة مضامين العلم كما من جهة إجراءات المنهج.
وقد عرف المجال الديني عموما بعض التساهل في الأحكام، امتثالا لضغط الواقع الجديد أكثر مما كان احتراما لقوامة العقل كما نتبيّن ذلك من بعض الاجتهادات الفقهية وبعض الفتاوى.
مفهوم العقل في الكتابات الأدبية وكتابات النقد الأدبي
يمكن البحث عن مفهوم للعقل في الكتابات الأدبية من خلال النظر في المنزلة التي يحظى بها هذا المفهوم صلب المضامين الروائية والقصصية ونصوص النقد الأدبي ومجموع الدلالات الممنوحة للعقل باعتباره الملكة التي تسمح بصياغة العالم المأمول. ومن أجل محاصرة هذه الدلالات زمنيا رأينا أن نعتمد على رواية “غابة الحق” لفرنسيس فتح الله مراش (1835- 1873م) ممثلة للقرن التاسع عشر الذي “تمنطق بكل قوة الأزمان الدابرة….وضم شمل الهيئة والمواقع ورفع صولجان العقل القاطع”[28]، وبعض النصوص الأدبية والنقدية لطه حسين (1889-1973م) وميخائيل نعيمة (1889-1988م) لتمثل النصف الأول من القرن العشرين.
تتأسس رواية “غابة الحق” التي صدرت لأول مرة سنة 1865م على مقدمة وثمانية فصول (الحلم، الهواجس، مملكة الروح، السياسة والمملكة، التمدن، قواد الشرّ، المحاكمة، اليقظة). يستعرض مراش في المقدمة بشكل قصصي، الحضارات العظيمة التي شهدتها الإنسانية، وتتراءى لنا مفاهيم العلم والتمدن والعقل والعدل والحرية هي المفاهيم / المفاتيح التي تشكّل نظرته إلى ما يجب أن تكون عليه الحضارة الإنسانية. فقد رأى وهو يضرب “في أودية التأملات العقلية”[29]ممالك العالم بإنجازاتها وعظمتها ورأى شعارات تحدد معالم هذه الممالك من قبيل “العقل يحكم” و “العلم يغلب”[30]. وما بين الحلم حيث تعيش شخصيات رفعت شعارات “هكذا تعيش ملكة الحرية” و “هكذا تحيا ملكة الحكمة”[31]، وشعارات أخرى عنوانها “هذا قائد جيش التمدن” و “هذا وزير محبة السلام”[32]، وحيث يرى الفيلسوف أن التمدّن “ناموس يرشد الإنسان إلى تجويد أحواله الطبيعية والأدبية، وهذا الناموس يبنى على خمس دعائم وهي أولا تهذيب السياسة، ثانيا تثقيف العقل، ثالثا تحسين العادات والأخلاق، رابعا إصلاح المدينة، خامسا المحبة”[33]، ما بين ذاك الحلم واليقظة في نهاية الرواية حيث التفاؤل بالغد وبالإصلاحات العثمانية إذ “لا شك ولا ريب في قدوم الخير والرخاء إلى هذه الديار المستعدة لقبول كل إصلاح لأنها قد وقعت تحت أنظار عناية حضرة ذي الشوكة والاقتدار عبد العزيز خان دام ملكه”[34]، ما بين ذاك وتلك كانت رذائل تُحاكم كالبخل والحسد والكذب والنفاق، وفضائل تّستدعى أهمها التمدّن.
هل نقول إن العقل عند فرنسيس مراش يعني التمدن والإصلاح والفضيلة؟ نعم، فهذا كله خطاب الفيلسوف ودعوة الحكيم. هل يعني ذلك أن فرنسيس مراش مؤمن بإطلاق، بعقل الحداثة الغربية وبعقل الأنوار الأوربية واثق من الإصلاحات العثمانية؟ هنا لا بد من تنسيب. فكثير من الباحثين بيّن أنه كان يتملق العثمانيين خوفا من بطشهم ولذلك دفعته المصائر المزرية للتنظيمات “إلى إعادة تفسير الغرب وتعريفه وإدراك طابعه المتناقض: التقدم واللصوصية، إذ لم تكن البيروقراطية السلطانية الفاسدة مسؤولة وحدها عن إخفاق عملية التنظيمات وانتهائها إلى نقيضها، بل قام الغرب نفسه بتفريغها من محتواها”[35]. ولا بد في الآن نفسه من الحذر أن نتسرع فنقول إنه كفر بالقيم العليا للغرب فثمة فرق بين “موقف مراش السياسي والأخلاقي الناقد لسلوكات أوربية وبين موقفه الداعي للتمدن والعلم والعقل والمساواة”[36]. فما سمة العقل الأدبي انطلاقا مما كتبه فرنسيس مراش؟ إنه العقل الحائر. يرى مراش العقل في مختلف الحضارات ممثلا للقيم العليا بانيا للفضائل، هو قيمة تجاور قيما أخرى من جنسه كالعلم والحكمة والتمدّن والإصلاح، فإذا ساد الجهل والاستغلال والظلم حضرت قيمة من هذه القيم لتضع لهذه الرذائل حدّا. فملك الحرية الذي بدا غاضبا ممّا يعاينه من عنف وتسلط في بعض الممالك، تدعوه “زوجته” ملكة الحكمة إلى التروّي والتعقّل وقد كان “جبينها زاهرا بأنوار النباهة والذكاء وأعينها متقدة بأشعة العقل والفطنة”[37].
فهل يختلف مفهوم العقل عند طه حسين وميخائيل نعيمة بعد ردح من الزمن؟
يمكن تبين حضور العقل في أدب طه حسين في كتابه “الأيام” الذي صدر لأول مرة سنة 1929م ويكاد النقاد يجمعون على أنه من جنس الرواية السيرذاتية. فهي جامعة بين التخييل القصصي وفعل التذكر في السير الذاتية. وما يجمع عليه الدارسون أيضا هو الحضور القوي للعقل في هذا الكتاب اعتبارا إلى تأصّل النقد حتى لا يكاد يغيب عن جزء من أجزاء المتن. فهو ينقد القرية والريف وينقد العائلة والجامع والجامعة والوزارة، وينقد الأهل والأصحاب لا يكاد يستثني أحدا. فالنقد آلية ثابتة على طول كتاب الأيام وهو ما يبيّن إيمان طه حسين بالعقل فاعلية في الاحتجاج والإصلاح. لكنه إلى ذلك، كان يؤمن إيمانا راسخا بالعلم يضحي في سبيله بالمال والعافية وحتى بماء الوجه – شأنه شأن بطل الأيام – الذي “كان من أول أمره طلعة لا يحفل بما يلقى من الأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم وكان ذلك يكلّفه كثيرا من الألم والعناء”[38] لكنه كان يدرك أيضا أن “العلم يكلف طلابه أهوالا ثقالا”[39].
ولعلنا نتبيّن الأمر عينه في المجموعة القصصية “كان ما كان” لميخائل نعيمة وقد صدرت لأول مرة عام 1937. فالأقاصيص الخمس التي تكون هذا الكتاب، حافلة بالنقد الاجتماعي والديني، وربما كانت أقصوصة “العاقر” خير مثال على ذلك لما توفرت عليه من تعريض بالعادات والتقاليد الاجتماعية وما رسمته من نقد للرياء الذي يطبع الكثير من رجال الدين. وكما حمل طه حسين على شيوخ القرية وشيوخ الأزهر حمل ميخائيل نعيمة على رجال الدين. ولتأكيد عمق المنزع النقدي في كتابات الرجلين يمكننا الاستئناس بكتاب ميخائيل نعيمة “الغربال” الذي نشر لأول مرة سنة 1923 و بكتاب طه حسين “مع أبي العلاء في سجنه” الذي صدر لأول مرة عام 1935م.
والنقد عند ميخائيل نعيمة “ضرب من الغربلة لفصل الحبوب الصالحة عن الطالحة وعما يرافقها من الأحساك والأوساخ، وبكلمة أدق هو التمييز بين الصالح والطالح، بين الجميل والقبيح، بين الصالح والفاسد في النتاج الأدبي”[40]. ورغم ميله إلى النزعة الذاتية في النقد، لأن لكل ناقد غرباله، فإن الهدف المشترك كان الحفاظ على الذائقة الرفيعة وتهذيب النفوس “لأن أذواق السواد الأعظم منا مشوهة بخرافات رضعناها من ثدي أمسنا وترهات اقتبسناها من كف يومنا”[41]. فرفض التقليد يسير جنبا إلى جنب مع ترك الأمور في النقد إلى الفطرة، فهناك في التراث الإنساني آثار عظيمة يتذوقها كل حس سليم. وليس رفض البناء على القوالب الجاهزة في الأدب مقصورا على التراث العربي الذي نعى عليه أنه لم يبدع شيئا ذا بال حين تساءل: “أي فكر جديد أودعه العقل العربي منذ خمسمائة سنة في خزانة الآداب العمومية فتداولته الألسن وسهرت فوقه العقول؟”[42]، وإنما هو يرفض أيضا تقليد الغرب إذ لا يرى “كيف يمكننا أن نقلد الغرب في أمر من الأمور دون أن نخون أنفسنا ونمسخ الحقيقة فينا”[43]. فالمعيار الحقيقي للإبداع هو الفطرة السليمة والمواءمة مع روح العصر.
أما طه حسين فقد عالج مسألة الحيرة العقلية لأديب المعرة منتهيا إلى أن مأساة أبي العلاء تعود إلى إيمانه بالقدرات اللانهائية للعقل. لكن العقل حسب طه حسين ملكة تفكر وتتصور وتريد وتعرف وهذه الكفاءات قد تتناسب مع قدرات الجسم وإكراهات المجتمع والتاريخ وقد لا تتناسب. وهذه الكفاءات قد تستطيع معالجة ضرب من القضايا وقد تقف عاجزة كما في المواضيع الميتافيزيقية والدينية. فحيرة المعري العقلية أنه لم يفهم الحكمة الإلهية، حكمة “خالق حكيم خلق هذا العالم ورتبه على هذا النحو الذي رتبه عليه. ولكن لماذا وما بال هذا الخالق الحكيم الذي منحنا هذا العقل وهدانا إلى التفكير لم يكشف لنا القناع كله أو بعضه عن وجه هذه الحكمة التي لا نشك فيها ولا نرتاب؟” ويرى طه حسين أن ” مصدر الشقاء المتصل الذي ألح على أبي العلاء نحو خمسين سنة من عمره هو أن الله لم يهده إلى الإيمان بالنبوات”[44]أو على الأصح ظل دائما مرتابا غير متيقن من أمرها.
إن الغرور والاعتقاد المفرط في أن العقل ليس شيئا إنسانيا بل جوهر رفيع حل بالجسد هو سبب مأساة أبي العلاء وكل من آمن بالقدرات المطلقة للعقل، “فالعقل مهما يكن جوهره ومهما تكن طبيعته، إنساني أي محدود، محدود الطاقة محدود المعرفة كغيره من ملكات الإنسان. فالغريب أن يُتّخذ العقل المحدود سبيلا إلى ما لا حد له وأن تتخذ هذه الآلة القاصرة المتواضعة سبيلا إلى بلوغ ما لا تستطيع بلوغه”[45].
العقل الأدبي عقل مؤمن بالفضيلة وهو عقل النقد والاصلاح. لكنه عقل مرتبط بالفطرة السليمة كما بين ميخائيل نعيمة ومعقول إلى الحدود البشرية كما بين طه حسين. لعله عقل يزاوج بين التأثير الديكارتي في المنهج والتأثير الرومنطيقي في الروح والفكر. وربما يتأكد لنا ذلك أكثر من خلال الترجمات الرائدة التي اضطلع بها كتاب النهضة من قبيل ترجمة الآثار اليونانية الخالدة كترجمة سليمان البستاني (1856-1925م) للإلياذة أو ترجمة لطفي المنفلوطي (1876-1924م) لرواية “الفضيلة” التي تحمل في الأصل عنوان “بول و فرجيني” لجاك هنري بارماردان، أو ترجمة حافظ ابراهيم (1872-1932م) لرواية “البؤساء” لفيكتور هيغو.
مفهوم العقل في الكتابات العلمية
يعتبر شملي شميل (1860-1917م) أحد المثقفين الذين تشبّعوا بالفكر الوضعي الذي ساد في أوربا خلال القرن التاسع عشر، فآمن بقدرة العقل البشري على تفسير سائر الظواهر الطبيعية والإحاطة بقوانينها المادية. ومن ثم نفهم موقفه المناوئ للتفسيرات الدينية والتأويلات الغيبية. فالعقل عنده هو العقل العلمي الصارم الذي يؤمن بقوانين الطبيعة وبالفلسفة المادية بحيث طبّق نظرية النشوء والارتقاء على كل مظاهر الطبيعة من إنسان وحيوان ونبات وجماد. كما أن مختلف الظواهر الثقافية لا تُفهم إلاّ وفق هذا التصور. فالمقومات المجتمعية كالفن والدين والفلسفة ومهارات الصناعة، إنما تنشأ حسب قانون الضرورة ومبدأ المجهود الأدنى. وكل نظريات الدين والسياسة إنما هي مقولات بشرية صرفة قابلة للتغير والدحض ولا علاقة لها بوحي السماء. هذا الخطاب رجّ العقل العربي الموروث المطمئن إلى ماضيه وكان مهادا لتغلغل الفكر العلماني أكثر وتسرب النزعة العلمانية بين كثير من الشباب والمثقفين العرب. يقول شبلي شميل في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب فلسفة النشوء والارتقاء: “فالتعاليم الدينية تفصل الإنسان عن هذا العالم حتى لا يعود يعتد به، وهو بالواقع لا يفصله عنه شيء حتى ولا الموت. والحياة الأدبية تصوره فوق حقيقته بكثير كما تتخيل هي لا كما هو فتزيده ضعفا على ضعفه وتجعل حياته تكلفا ورياء…ولو بني دين الإنسان على علاقته الحقيقية بالطبيعة وأقيمت آدابه على نواميس الاجتماع الطبيعي لكان في كل أعماله متناسبا مع نفسه متوافقا مع تعاليمه…ولاستغنى عن تلك الفلسفة النظرية المضللة المبنية على الخيال وأقام مقامها الفلسفة العملية الهادية إلى السبيل القويم المبنية على العلم الحقيقي ولما كان به من حاجة إلى إقامة تلك العلوم التي هي أشبه شيء بهذيان المصدعين ألا وهي علوم الكلام على الإطلاق لتفسير ما لا يفسر وتأويل ما لا يؤول وتطبيق ما لا يطبق التي أضلت عقولا كثيرة وغلّت عن العمل أيديا كثيرة”[46].
ولئن تبنى اللبناني شبلي شميل الداروينية مذهبا في الفكر ومنهجا في النظر متأثرا بوضعية أوغست كونت الاجتماعية، فإن المصريّين سلامة موسى (1887-1958م) واسماعيل مظهر (1891-1961م) حاولا شرح نظرية تشارلز داروين وتبسيطها للعموم بحيث عبّرا عن إيمان عميق بالمنطق العلمي وبالعقل الطبيعي إلى درجة أن الحواس عند سلامة موسى استحالت إلى عقول مميزة وأهمها عقل العين لأن “العقل العيني هو عقل منطقي موضوعي إلى حد كبير، في حين أن العقل الأنفي أو الأذني هو عقل ذاتي عاطفي، وهذا امتياز عظيم لنا على الحيوان”.[47]وقد راهن الرجلان على التغيير المجتمعي الواسع للتصورات والعقائد الموروثة استنادا إلى نظرية التطور، ذلك أن هذه النظرية ليست “معرفة فحسب، لأننا لا نقتصر فيها على الوقوف على تاريخ الأحياء، بل نكتسب منها مزاجا واتجاها، لأنها تجعل التطور مذهبا حيويا، والارتقاء ضرورة اجتماعية”[48].
ويمكن أن نلاحظ تأثير الفكر العلمي والفلسفي الحديث في كتابات اسماعيل أدهم (1911-1940م) سواء كانت العلوم الصحيحة أو الفلسفات المادية والوضعية التي ميزت ثقافة الغرب في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وذلك عبر بحوثه التفصيلية في الخصائص العضوية والصفات الوراثية التي يتوفر عليها الجسد البشري والعقل الإنساني[49].
العقل العلمي في عصر النهضة نزّاع نحو الفكر الوضعي والفلسفة المادية، مؤمن بالعقل الديكارتي والعلم الدقيق، نتيجة ما يراه المثقفون العرب من التفوق الحضاري لأوربا بفضل التقدم العلمي الكاسح. ولعله لذلك كانت نزعة العلمنة تنتشر بوضوح في العالم العربي وموجة الإلحاد سافرة أحيانا. لكن ذلك لم يمنع أصواتا سلفية نكوصية ترى العلم الحديث كفرا واعتراضا على المعرفة التي تقدمها الكتب الدينية المنزّلة[50].
مفهوم العقل في الكتابات الفكرية والثقافية (السياسية، الاجتماعية، التربوية)
ثمة مجموعة من الأفكار والمساعي، كانت تعبر عن مضمون العقل في عصر النهضة العربية وتؤشر على المفهوم الذي ساد وقتئذ. هذه الأفكار والمساعي يمكن إجمالها تحت عناوين: الإصلاح والاقتباس والإحياء والترجمة. ويمكن التنصيص على غايتها وهي:
أولا، النهضة (العودة إلى مصاف الدول المتقدمة) التي عبر عنها نجيب عازوري (1873-1916م)[51] وجورج أنطونيوس (1891-1942م)[52]– على سبيل المثال – بعبارة “اليقظة” (التنبه بعد سبات أو غفلة).
ثانيا، التمدن أو الحضارة (للالتحاق بركب الأمم المتقدمة)، وقد عبر عنهما رفاعة الطهطاوي (1801-1873م) بــ “المنافع العمومية” و خير الدين التونسي (1822-1890م) بـ “التنظيمات الدنيوية” وعبر عنهما محمد عبده (1849-1905م) وفرح أنطون (1874-1922م) ومحمد فريد وجدي (1878-1954م) وعبد العزيز الثعالبي (1876-1944م) وسواهم بـ “المدنية”. ويستعمل أمين الريحاني (1876-1940م) اللفظين في ذات السياق حين يقول: “التساهل هو أساس التمدن الحديث وهو حجر زاوية الجامعة المدنية”[53]. وقد اعتبر جل السلفيين الذين تتلمذوا على الشيخ محمد عبده أن المدنية هي الإسلام ذاته وكل ارتقاء في مدارج التمدن هو تفهّم أعمق لروح الإسلام وتمثّل أصوب لحقيقته، بينما رأى العلمانيون ومن تجاهر بالإلحاد أن التمدن الحقيقي هو القطع مع روح الشرق عموما. فإسماعيل أدهم يرى أن مصر إذا أرادت أن تنهض فليس عليها إلا أن تلتحق بالغرب وبالفكر الغربي وأن تقطع مع الشرق بكل روحه البدائية. يقول “اعملوا يا أبناء مصر على التحرر من الكابوس العربي واعملوا للرجوع لطبيعتكم الفرعونية ولقحوا ثقافتكم التقليدية بأسباب الذهنية الغربية فتتغاير تلك إلى صورة تتفق والعصر الجديد الذي دلف إليه العالم المتمدن”[54]، ذلك أن “منطق الغرب قائم على العقل والذهن وروح الشرق على العاطفة فحسب”[55].
ثالثا، التقدم (تجاوز الفوات التاريخي) وهو الذي عبّر عنه جمال الدين الأفغاني (1839-1897م) بـ “التغلب”[56] وعبد الرحمان الكواكبي (1854-1902م) بـ “الترقّي”[57]، وعبد العزيز الثعالبي بـ “التقدم والرقي”[58].
لعلّ “أوضح ميزة تنكشف لنا حين تصفحنا تاريخ النهضة العربية هي التقاء النظام المعرفي الإسلامي بالنظام المعرفي الحداثي التقاء جمع التصادم إلى الانبهار والتمثل إلى الرفض والحذر إلى الإعجاب والإقصاء إلى الاقتباس”[59]. ورغم هذا التنافر في المواقف فإن البيّن أن العقل العربي آنذاك كان يفكر كليا تقريبا داخل دائرة “ردّ الفعل”. فهو ليس عقلا فاعلا بقدر ما هو عقل منفعل. وهذا الانفعال ساق إلى مبادرات كثيرة ومتنوعة تختلف في العمق وإن كانت تعبر عن شيء مشترك هو الشعور بالمحنة والإحساس بالأزمة. وكانت النتيجة العمل على النهضة بمساعي متنوعة وأحيانا متظافرة، تعبر عن عقل منفعل بالعصر المأزوم. فالهزائم العسكرية المتتالية للامبراطورية العثمانية خلال القرن السابع عشر ثم حملة نابليون بونابرت على مصر نهاية القرن الثامن عشر ثم المد الاستعماري خلال القرن التاسع عشر جعل فكرة الإصلاح السياسي والعسكري ملحّة. والتصادم بثقافة أوربا المتطورة عبر البعثات والرحلات، ولّد الانبهار بالآخر والخشية على الهوية وكان من نتائج ذلك العمل في مجال الاصلاحات التربوية والدعوة إلى نشر التعليم[60]وتحرير المرأة رغم أن الدعوة إلى التعليم لم تتخلص كليا من التصور الذي يحصره في التعليم الديني[61] أو الذي يراهن عليه أكثر من غيره، وكان تحديث التعليم – في ما عدا ذلك – متوجها إلى المدارس العسكرية بالأساس ولم يسلم من ذلك القطاع الصحي نفسه[62]. فالعلوم العصرية قاومها معظم الأزهريين في مصر عند دخولها مع حملة نابليون، وكذلك الإصلاحات التي أجريت في عهد محمد علي واسماعيل باشا. “وقد ذكر الجبرتي أن أحد الأشراف لما أراد إدخال العلوم الرياضية إلى الأزهر “قابله صدود العلماء في ذلك الوقت…فأحجموا وقالوا: لا نعرف هذه العلوم” ولا حاجة بها إلا فيما يخدم العلوم الشرعية، ومعرفة هذا الصنف من العلم “من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين”. وهذه المقاومة لا تعود إلى أن هذه المعارف مصدرها الغرب الكافر فحسب، وإنما لأنها لا تمتّ إلى “العلم النافع” بصلة أيضا”[63]. والعلم النافع هو الذي يستحسنه الشرع.
ويعدّ طه حسين من أهم من كتب في المسألة التربوية في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” الذي استهله متبرئا من الروح الشرقية مؤكدا أن العقل المصري القديم ليس عقلا شرقيا ولا علاقة له به، وإنما هو على صلة بالعقل اليوناني، فكان “من أشد الشعوب تأثرا بهذا العقل المصري أولا وتأثيرا فيه بعد ذلك، العقل اليوناني”[64]. وهو لذلك أقرب إلى الروح الأوربية في العصر الحديث منه إلى أي ثقافة شرقية وأدعى إلى أن يتمثل المصريون الفكر الأوربي في حياتهم وتعليمهم، مستعرضا تصوراته الإصلاحية للتعليم في مصر. ومن بين ذلك تعليم العربية بالطرق الحديثة وتعليم اليونانية واللاتينية لأن طه حسين “مؤمن أشد الإيمان وأعمقه وأقواه بأن مصر لن تظفر بالتعليم الجامعي الصحيح ولن تفلح في تدبير بعض مرافقها الثقافية الهامة إلاّ إذا عُنيت بهاتين اللغتين”[65]. وينتقد الكاتب التعليم الأزهري سواء في تدريس العربية أو في التعليم الديني نفسه ملحا في ضرورة “أن يتثقف الأزهر بالثقافة الحديثة كما يتثقف بها غيره”[66] حتى يستطيع التواصل مع الأجيال الجديدة فقد بات أقرب في مناهجه ومواده التعليمية إلى روح القرون الوسطى.
وكان من نتائج ذلك أيضا الاصلاحات القانونية السياسية (خط كلخانة 1839م، خط همايون 1856م، عهد الأمان 1857م، الدستور التونسي 1861م، مجلس شورى النواب في مصر 1866م، دستور 1869م). وقد عبّر كل ذلك عن عقل إصلاحي مسقط ناجم عن ضغوطات خارجية في الغالب، وليس عن تفكير ذاتي. وكان الأمر عينه مع الإصلاح الديني[67] الذي قد يكون رغب في القياس على الاصلاح البروتستانتي الذي كان وراء نجوم الحداثة الغربية. ولكن الهوة المعرفية والتاريخية سحيقة بين التجربتين. وبصرف النظر عن الخلاف الإسلامي المسيحي والخلاف السني الشيعي الموروث، كانت خلافات أخرى تتطور بين الفكر الصوفي الطرقي والفكر السني الممأسس. وكان الفكر السلفي نفسه يعرف انقسامات بين وهابية محمد بن عبد الوهاب ( 1703-1792م) وسلفية محمد عبده والفكر الإخواني من حسن البنا (1906-1949م) إلى سيد قطب (1906-1966م).
هذا العقل الإصلاحي ذاته – وفي سياق الحركة الثقافية الكبيرة – فزع إلى الإحياء في مجال اللغة والأدب، من خلال اهتمامات أحمد فارس الشدياق (1804-1887م) اللغوية وخاصة كتابه “الساق على الساق فيما هو الفرياق” الذي جمع غرائب اللغة ونوادر الكلم، أو أعمال محمود سامي البارودي (1839-1904م) الشعرية رغبة في استعادة أمجاد الماضي وتأسّيا بالفكر الإنسي الذي عرفته أوربا منذ القرن الخامس عشر. وقد أكد جورج أنطونيوس في كتابه “يقظة العرب” أن النهضة الأدبية وتيسير البعثات التبشيرية والإرساليات هما العاملان الرئيسيان اللذان كانا وراء النهضة الفكرية والسياسية. وكان من مظاهر هذه النهضة الأدبية إحياء اللغة الفصحى وتنشيط العربية عبر الترجمة والصحافة. وقد أسهمت لغة الصحافة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في تطور العربية وانتشار الفصاحة بين مختلف طبقات الشعب الذين أقبلوا على قراءتها بنهم كبير. فقد كانت لسان حال السياسة والاجتماع والفكر والثقافة وكانت كذلك لسان حال البسطاء من الناس المترجمة لهمومهم. وإلى جانب دور الصحافة في العناية بسلامة اللغة من الأخطاء، كان لها دور في تطوير اللغة العادية المتداولة بتوسيع دائرة دلالات الألفاظ وتحميلها من المعاني الجديدة ما لم تكن تدل عليه بلا تكلف. ولعل هذا ما يفسر وضع اليازجي لكتابه “لغة الجرائد” الذي صدر لأول مرة عام 1901م لتصويب الأخطاء وحماية اللغة من السقطات والابتذال.
وعمل ابراهيم اليازجي (1847-1906م)على خطى والده ناصيف اليازجي (1800-1871م) على الاعتناء باللغة العربية الفصحى منذ سجالاته مع أحمد فارس الشدياق وكتاباته الأدبية في مجلة “الطبيب”. ويعتبر تنقيحه الكتاب المقدس وإخراجه في لغة عربية جزلة من أجلّ ما أسهم به في تعهّد العربية.
منذ بدأت الصحافة تتخذ لها مكانا في حياة الفرد العربي أسندت لها مهمة التوعية ونشر الثقافة لكنها أخذت على عاتقها أيضا تعريب الكلمات التي اقتضاها العصر الحديث ودخلت حياة الإنسان وعالمه اليومي ومن بين عشرات الكلمات التي ترجمها أو نحت لها مصطلحات رجالات الصحافة، “برقية” و” بصمة الأصابع” و”نخبة” و”آلة كاتبة” و”آلة تصوير”. وقد أوردت مجلة الهلال في عددها لشهر أبريل 1893 مجموعة من الاعتراضات على الترجمات غير الموفقة واستبدلتها بغيرها مما ظل مستعملا إلى اليوم من مثل رفضها لتغيير كلمة أفوكاتو بــ “مدْره ” (المتحدث باسم الناس) واقتراح كلمة “محامي” بدلا عنها.
نشأت الصحافة وراجت خلال القرن التاسع عشر وكانت في أحيان كثيرة تمثل صوت الحكومة التركية وتكتب بلغة الترك أو تترجم بعض موادها بالعربية في موازاة النص التركي كما كان الشأن مع جريدة الوقائع المصرية التي بعثت سنة 1828. ولم تصبح جريدة عربية خالصة إلا سنة 1842 حين أشرف عليها رفاعة رافع الطهطاوي. لكن هجمة اللغة الأجنبية بسبب الاستعمار من جهة وتمدن الحياة وعصرنة المرافق من جهة ثانية، خلق لغة هجينة تحاول أن تكون فصيحة فيختلط بها المحلي مع المترجم والأجنبي مع الفصيح. وربما تكون جريدة “التنكيت والتبكيت” لعبد الله النديم (1842-1896م) خير شاهد على هذه المتون التي يتداخل فيها الجد بالهزل والعامية بالفصحى. وكانت جريدة “المقتطف” من أوائل الصحف الداعية لهذه اللهجة حتى هاجمت الفصحى واعتبرت أن لغة العلم لا بد أن تكون بالعامية التي يفهمها الناس. وكذلك فعلت جريدة المقطم. وأشار البعض إلى محاولات كثيرة للمستعمر وبعض أنصاره لنشر العامية بتبريرات كثيرة كعجز الفصحى عن التعبير عن لغة العلم الحديث، وهي دعوى نشرها القاضي الانجليزي ولمور في كتاب سماه “لغة القاهرة” وكذلك المهندس الانجليزي ولكوكس في خطبة ألقاها وأيده فيها سلامة موسى. بل اقترح لطفي السيد (1872-1963م) كتابة اللغة كما تنطق متخليا عن الحركات مكتفيا بالأصوات والتعبير عنها بالحروف المناسبة[68].
أما نزوع بعض النهضويين إلى الاقتباس فكان ناجما عن شعورهم بأنه حل لا بد أن ينصرف نحوه عقل النهضة إذ يبدو أن استعادة الماضي لم تعد كافية أو مجدية. وهكذا، انفتح أمام رجالات النهضة باب أوربا نموذجا مختلفا بعيد الخطر شديد الإغراء، لكن هذا الإجراء اكتسى بكساء التوفيق والرتق والانتقاء بين ثقافتين متباينتين. فأطروحة الاقتباس التي تعبر في وجه من وجوهها عن الرغبة في الاجتهاد وشجاعة الخروج من نسيج الأنا التاريخي “كشفت أيضا عن أمر نقيض وهو أن اعتبار الحضارات بنى تشتغل داخل أنساقها الخاصة والحميمة يمنع إمكانية تحويل الاقتباس مشروعا حقيقيا للتمدن”[69].
كان العقل يتجلى عند هؤلاء المصلحين في معنى “الإصلاح” وفي معنى “الإحياء” وفي “التمدن” وفي “التنظيمات” وفي “الاقتباس” و “الترجمة” وكذلك في “الوطنية”. ولعل ما كتبه البستاني خير ما يمثل هذه الوطنية وذاك الشعور العميق بالأسف على تناحر أبناء الوطن الواحد. يقول “بماذا نعتذر عن أبناء بلادنا أمام الأجانب، غير الغباوة وعدم التمدن وغلبة شهوة النفس على قوى العقل”[70]
الخلاصة
بصورة عامة يمكن القول إنه من الصعوبة بمكان إعطاء مفهوم واحد جامع مانع للعقل في عصر النهضة العربية، فهو عقل متكثّر ومتحرّك ومتشظّ. ليس له معنى ثابت أو دلالة حصرية. وهو بعد متشظّ بين الأفراد والجماعات وداخل الفرد الواحد.
على أننا يمكن أن نجتهد في محاصرة أهم خصائص هذا العقل انطلاقا من تجلياته ومساحات نشاطه. ونحن نعتقد أن هذا العقل له وجهان، الوجه الأظهر الناطق هو عقل الفكر العالم، والوجه المخفي الصامت وهو عقل الفكر العامّي. أما عقل الفكر العالم فله مظهران:
- مظهر العقل التجميعي المركب: من جهة أنه – في غالب الأحيان -لا يميل إلى الكتابات المتخصصة ولا يفكر في القضايا في استقلال بعضها عن بعض. ولهذا المظهر أسباب منها تلاقح الثقافات وتدافع المعارف الرافدة والوافدة في ذهن المفكر العربي. ومنها استمرار الطابع السيكولاستيكي القديم القائم على الفكر الموسوعي وتعاضد ذلك مع ظهور مفهوم المثقف في أوربا خلال القرن التاسع عشر الذي من أهم صفاته الاهتمام بالشأن العام ومختلف القضايا، فضلا عن طبيعة اللحظة الحضارية الحرجة المتسمة بالتأزم على جميع الأصعدة. ومن نتائج ذلك كل ذلك، ضعف التأسيس النظري للعلوم والظواهر الاجتماعية والتربوية والسياسية والقانونية.
- مظهر العقل الإصلاحي البراغماتي (بمعنى النفعية المباشرة التي تتطلبها اللحظة الضاغطة للشعور العميق بالتأخر وضرورة التدارك): وله اتجاهات فكرية وايديولوجية متقابلة وأحيانا متداخلة على امتداد زمني يؤشر على التواصل الفكري والايديولوجي حينا ويشي بالتطور والقطيعة أحيانا. ويمكن التعبير عن هذه التوجهات الفكرية بالمرايا المتعاكسة التي نحددها في:
- العقل السلفي بتفريعاته وتنويعاته التي أهمها العقل السلفي الثوري (جمال الدين الأفغاني) والعقل السلفي التقليدي (رشيد رضا، محمد فريد وجدي، عبد القادر الجزائري) والعقل السلفي الليبرالي الذي يمتد من إرهاصات الإصلاح قبل تبلور الاتجاهات الكبرى للفكر (الطهطاوي، خير الدين التونسي) إلى عصر التوجهات الكبرى للفكر (محمد عبده، عبد العزيز الثعالبي، مالك بن نبي، علي عبد الرازق، اسماعيل مظهر..). والعقل السلفي الراديكالي (محمد بن عبد الوهاب، حسن البنا، سيد قطب..).
- العقل العلماني بفرعيه: العقل العلماني الليبرالي(أمين الريحاني، فرح أنطون، لطفي السيد، شبلي شميل، ميخائيل نعيمة..) والعقل العلماني الاشتراكي (سلامة موسى).
- العقل المادي الإلحادي (اسماعيل أدهم).
لقد أشرنا في البداية إلى أن هذه العقول تتداخل أحيانا وتتقاطع وأنها قد تتطور وتتنوع في طبيعتها وتوجهاتها حتى داخل العقل الواحد. ولهذا يمكنك أن ترى في فكر طه حسين مثلا، عقلا ديكارتيا أو وضعيا ويمكنك أن تجده سلفيا مطمئنا إلى مسلمات الإيمان. وقد يبدأ وضعيا منطقيا كافرا بالتراث ثم يتحول موفقا بين الماضي والحاضر شأن زكي نجيب محمود. ولهذا قلنا إن من أهم خصائص هذا العقل أنه مترجرج ومتحرك.
ويبدو أنه من آثار العقل البراغماتي أنه لم يتمثل جيدا العقل الأوربي الذي صنع وشكّل الثقافة الأوربية وبالنتيجة لم يحسن استثمار إصلاحاته واقتباساته عن الآخر الغربي. وكان لا بد من الإشارة إلى أن العقل بالمفهوم الفلسفي الكانطي و بالمفهوم المعلمن لم يكن دائما من مجال المفكر فيه. كان الهم الرئيسي للعقل النهضوي هو العثور على التوازن بين الوعي الشعوري والعاطفي والوعي العقلي الثقافي. ومن علامات ذلك صعوبة الفصل بين مجالات المعقول ومجالات المتخيل بحيث يمكن أن نقف على اعتقاد بعض المفكرين بإمكانية مقاربة النص القرآني بما يتوفر من أدوات حديثة بلا شعور بخطورة القطيعة بين الموضوع وأدوات المعالجة، أو الدعوة إلى القطيعة الجذرية مع التراث كما لو أن التراث رصيد مركون للاستعمال حين يعنّ لنا ذلك.
في الخلاصة فإن عقل النهضة العالم عقل مرتهن لعقل التراث من جهة ومرتهن لعقل الحداثة الغربية من جهة ثانية، يتشظّى أمام عقل التراث حتى وهو يقصيه ويتشظّى أمام عقل الحداثة حتى وهو يرفضها.
وأما العقل العامي فهو ذلك الفكر الذي تحركه عفوية الحضور الإدراكي للأشياء. إن كلمة عقل في هذا المقام تعني فقط ما يحيل على الرصانة في التصرف وتعني الثبات والفطنة أو النظر الثاقب. العقل هنا هو عقل الفطرة القائم على ملكة التمييز التي تسم النوع البشري عموما. هو عقل الناس الذين لا يُخضعون سلوكهم وأقوالهم لمنطق التدبر القبلي. ولعلنا يمكن اقتفاء أثر هذا العقل في بعض الكتابات الأدبية أو المتون التاريخية، على ما في تدوين هذه الأقوال وترسيم هذه السلوكات من تدخل عقل التدوين البارد في العقل الشفاهي العفوي. يمكن أن نسمع كلمات من قبيل “عاقل” يعني متزن و “عين العقل” يعني إدراك الصواب و “معقول” يعني منطقي…ويمكن أن نرى تصرفات مقبولة فنحكم بأنها رصينة أو حكيمة. وكثيرا ما تختلط كلمة عقل على الترادف مع كلمات أخرى مثل العلم والنباهة والفهم والذكاء والحكمة….
_____________________________________________
المصادر
محمد عبده، الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، دار الحداثة، لبنان، ط 3، 1988.
السيد محسن الأمين العاملي، أعيان الشيعة، المكتبة الشيعية، الجزء الأول، (تاريخ زيارة الموقع: 25/11/2023). Shiaonlinelibrary.com
عبد الرحمان الكواكبي، الأعمال الكاملة، تقديم محمد عمارة، كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، (د.ت).
سعيد الخوري الشرتوني ، أقرب الموارد في فُصح العربية والشوارد، منشورات آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1403هـ.
الطاهر الحداد، امرأتنا في الشريعة والمجتمع، دار الكتاب المصري، القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت 2011.
طه حسين، الأيام، الفصل الرابع من الجزء الأول، مؤسسة هنداوي 2013،
سليم الياس الحموي، البراهين القطعية على عدم دوران الكرة الأرضية، الاسكندرية سنة 1875م.
عبد المتعال الصعيدي، تاريخ الإصلاح في الأزهر، الطبعة الأولى، مطبعة الاعتماد، مصر.
قاسم أمين، تحرير المرأة، مؤسسة هنداوي 2013
عبد القادر الجزائري، ذكرى العاقل وتنبيه الغافل، المكتبة الشاملة تحت رقم 3036. (الطابع الزمني: 25-29-20-26-11-2020) محمد عبده، رسالة التوحيد، القاهرة، 1960.
أمين الريحاني، الريحانيات، المجلد السابع، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1982.
معروف الرصافي، الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس، دار الجمل، ألمانيا 2002.
مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية، دار الفكر المعاصر، بيروت، ودار الفكر، دمشق، الطبعة الرابعة 1987.
جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى والثورة التحريرية الكبرى، تحقيق صلاح الدين البستاني، دار العرب، الطبعة الثالثة 1993.
فرنسيس مراش، غابة الحق، مؤسسة هنداوي، 2014.
رافائيل نخلة اليسوعي، قاموس المترادفات والمتجانسات، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، (د.ت).
فرنسيس مراش، القرن التاسع عشر، ضمن كتاب “مجالي الغرر لكتاب القرن التاسع عشر“، جمع يوسف صفير، الجزء الأول من القسم النثري، مكتبة المدارس، بيروت، 1906.
اسماعيل أدهم، قضايا ومناقشات، المؤلفات الكاملة، تحرير وتقديم، أحمد ابراهيم الهواري، الجزء الثالث، دار المعارف 1986.
شبلي شميل، كتاب فلسفة النشوء والارتقاء، الجزء الأول، مطبعة المقتطف، مصر 1910.
فضل ابن علوي، مجموع ثلاث رسائل علمية، تحقيق أنور سالم باعمر، دار الضياء، الكويت 2018.
بطرس البستاني، محيط المحيط، مكتبة لبنان PDF تاريخ الإنشاء 9 سبتمبر 2008.
رفاعة رافع الطهطاوي “المرشد الأمين للبنات والبنين” دار الكتاب المصري، القاهرة، ودار الكتاب اللبناني، بيروت 2011.
طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، مصر 2014.
ميخائيل نعيمة، المجموعة الكاملة، الغربال، المجلد الثالث، دار العلم للملايين، بيروت 1979.
طه حسين، مع أبي العلاء في سجنه، الفصل الثالث، مؤسسة هنداوي، 2013.
جرجي شاهين عطية، المعتمد فيما يحتاج إليه المتأدبون والمنشئون من متن اللغة العربية، مكتبة صادر، بيروت 1927.
سلامة موسى، نظرية التطور وأصل الأنواع، مقدمة الطبعة الثانية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، مصر 2012.
بطرس البستاني، نفير سورية، الوطنية الخامسة، طبعة أولى، دار فكر للأبحاث والنشر، بيروت، 1990.
نجيب عازوري، يقظة الأمة العربية، تعريب أحمد أبو ملحم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر (د.ت).
جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثامنة 1987.
المراجع العربية والأجنبية
أثر الصحافة على اللغة العربية في التاريخ الحديث والمعاصر 1881-1955م، سامية محمد عبد الرحمان الشرقاوي، مجلة البحث العلمي في الآداب، عدد 17، ج4، السنة 2016.
الأنسنة العربية الحديثة: ممكنات عصر النهضة والأسئلة الراهنة، محمد الخراط، مؤمنون بلا حدود، الطبعة الأولى 2020.
الاقتباس مفهوما نهضويا: مقاربة تحليلية للفكر الإصلاحي في القرن التاسع عشر، علي الصالح مولى، مجلة “كان” التاريخية، السنة السابعة، العدد 24، السنة 2014.
تاريخ الفلسفة العربية، جميل صليبا، الشركة العالمية للكتاب، 1989.
تحقيق ودراسة لرواية “در الصدف في غرائب الصدف” لفرنسيس مراش، شربل داغر، دار الفارابي، بيروت، 2017.
حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر، حلقة حلب (دراسة ومختارات)، جمال باروت، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1994..
الزعيم الشيخ عبد العزيز الثعالبي وإشكالية فكره السياسي، أحمد خالد، الدار العربية للكتاب، 2001.
الصحة العامة: مهنة الطب وبناء الدولة في الوطن العربي (نظرة تاريخية)، اليزابيث لونغينيس وآخرون، مجلة المستقبل العربي، العدد 419، يناير 2014.
ضحى الاسلام، مكتبة النهضة المصرية، احمد أمين، الطبعة السابعة، الجزء الثالث.
الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق عامر الجزار وأنور الباز، الجزء التاسع، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، الطبعة الثالثة، 2005.
القاموس المحيط، محي الدين الفيروزبادي، دار الحديث، القاهرة 2008.
المسيحيون وفكرة القومية العربية في بلاد الشام ومصر (1840-1914م)، فدوى أحمد محمود نصيرات مركز دراسات الوحدة العربية. 2009.
معجم التعريفات، محمد السيد الشريف الجرجاني، تحقيق محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة للنشر والتوزيع والتصدير، القاهرة (د.ت).
النص والتاريخ، سالم يفوت، فصل “مدخل لقراءة رسالة التوحيد”، دار الطليعة 2003.
Yoav Di-Capua, The Arab project of enlightenment, in book : The combridge companion to modern Arab culture (pp 54-74) March 2015
Peter Hill, Utopia and civilisation in the Arab nahda, Cambridge University Press, 2020
[1] بطرس البستاني، محيط المحيط، مكتبة لبنان PDF تاريخ الإنشاء 9 سبتمبر 2008، ص 621.
[2] محي الدين الفيروزبادي، القاموس المحيط، دار الحديث، القاهرة 2008، ص 1122.
[3] محمد السيد الشريف الجرجاني، معجم التعريفات، تحقيق محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة للنشر والتوزيع والتصدير، القاهرة (د.ت)، ص127-128.
[4] جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، الشركة العالمية للكتاب، 1989، ص 255.
[5] سعيد الخوري الشرتوني اللبناني، أقرب الموارد في فُصح العربية والشوارد، منشورات آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1403هـ، ص 812.
[6] جرجي شاهين عطية، المعتمد في ما يحتاج إليه المتأدبون والمنشئون من متن اللغة العربية، مكتبة صادر، بيروت 1927، ص 533-534 .
[7] رافائيل نخلة اليسوعي، قاموس المترادفات والمتجانسات، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، (د.ت) ص 164.
[8] بطرس البستاني، محيط المحيط، ص 621.
[9] عبد القادر الجزائري، ذكرى العاقل وتنبيه الغافل، المكتبة الشاملة تحت رقم 3036. (الطابع الزمني: 25-29-20-26-11-2020) ص 5.
[10] المرجع السابق، ص 6.
[11] المرجع السابق، ص 7.
[12] المرجع السابق، ص 9.
[13] ابن تيمية، الفتاوى، تحقيق عامر الجزار وأنور الباز، الجزء التاسع، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، الطبعة الثالثة، 2005، ص 153.
[14] المرجع السابق، ص 162.
[15] محمد عبده، رسالة التوحيد، القاهرة، 1960، ص 20.
[16] المرجع السابق، ص 24.
[17] المرجع السابق، ص 78.
[18] المرجع السابق، ص 81.
[19] المرجع السابق، ص 86.
[20] محمد عبده، الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، دار الحداثة، لبنان، ط 3، 1988 ص 208-232.
[21] سالم يفوت، النص والتاريخ، فصل “مدخل لقراءة رسالة التوحيد”، دار الطليعة 2003.
[22] مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية، دار الفكر المعاصر، بيروت، ودار الفكر، دمشق، الطبعة الرابعة 1987 ص 55.
[23] المرجع السابق، ص 54.
[24] المرجع السابق، من مقدمة عبد الله دراز، ص 10.
[25] المرجع السابق، ص 10-11.
[26] السيد محسن الأمين العاملي، أعيان الشيعة، المكتبة الشيعية، الجزء الأول، ص 78.(تاريخ زيارة الموقع: 25/11/2023). Shiaonlinelibrary.com
[27] معروف الرصافي، الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس، دار الجمل، ألمانيا 2002.
[28] فرنسيس مراش، القرن التاسع عشر، ضمن كتاب “مجالي الغرر لكتاب القرن التاسع عشر”، جمع يوسف صفير، الجزء الأول من القسم النثري، مكتبة المدارس، بيروت، 1906، ص 51.
[29] فرنسيس مراش، غابة الحق، مؤسسة هنداوي، 2014، ص 7.
[30] المرجع السابق، ص 8.
[31] المرجع السابق، ص 10.
[32] المرجع السابق، ص 12.
[33] المرجع السابق، ص 47.
[34] المرجع السابق، ص 96.
[35] جمال باروت، حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر، حلقة حلب (دراسة ومختارات)، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1994، ص 81.
[36] شربل داغر، تحقيق ودراسة لرواية “در الصدف في غرائب الصدف” لفرنسيس مراش، دار الفارابي، بيروت، 2017، ص 287.
[37] فرنسيس مراش، غابة الحق، ص 10.
[38] طه حسين، الأيام، الفصل الرابع من الجزء الأول، مؤسسة هنداوي 2013، ص 23.
[39] المرجع السابق، الفصل الخامس من الجزء الثاني، ص 123.
[40] ميخائيل نعيمة، المجموعة الكاملة، الغربال، المجلد الثالث، دار العلم للملايين، بيروت 1979، ص 341.
[41] المرجع السابق، ص 350.
[42] المرجع السابق، ص 372.
[43] المرجع السابق، في مهب الريح، المجلد الخامس، ص 41.
[44] طه حسين، مع أبي العلاء في سجنه، الفصل الثالث، مؤسسة هنداوي، 2013، ص 30.
[45] المرجع السابق، ص 31.
[46] شبلي شميل، كتاب فلسفة النشوء والارتقاء، الجزء الأول، مطبعة المقتطف، مصر 1910، ص 3.
[47] سلامة موسى، نظرية التطور وأصل الأنواع، مقدمة الطبعة الثانية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، مصر 2012، ص 9.
[48] المرجع السابق، ص 10.
[49] اسماعيل أدهم، قضايا ومناقشات، المؤلفات الكاملة، تحرير وتقديم، أحمد ابراهيم الهواري، الجزء الثالث، دار المعارف 1986، ص 19-31.
[50] راجع الحملة التي شنها فضل بن علوي على حملة العلوم العصرية في كتابه “عدة الأمراء والحكام لإهانة الكفرة عبدة الأصنام” وكذلك كتاب سليم إلياس الحموي الذي أنكر كروية الأرض وعنوانه “البراهين القطعية على عدم دوران الكرة الأرضية” الصادر بالاسكندرية سنة 1875م.
[51] نجيب عازوري، يقظة الأمة العربية، تعريب أحمد أبو ملحم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر (د.ت). والكتاب ترجمة عن النص الأصلي : Le réveil de la nation Arabe, Plon, Paris, 1905.
[52] جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثامنة 1987. والنص الأصلي ظهر بالإنجليزية سنة 1939 تحت عنوان: The Arab Awakening
[53] أمين الريحاني، الأعمال الكاملة، الريحانيات، المجلد السابع، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1982، ص 61.
[54] اسماعيل أدهم، قضايا ومناقشات، ص 65.
[55] المرجع السابق، ص 66.
[56] جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، العروة الوثقى والثورة التحريرية الكبرى، تحقيق صلاح الدين البستاني، دار العرب، الطبعة الثالثة 1993، ص 74- 75.
[57] عبد الرحمان الكواكبي، الأعمال الكاملة، تقديم محمد عمارة، كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، (د.ت) ص 409.
[58] أحمد خالد، الزعيم الشيخ عبد العزيز الثعالبي وإشكالية فكره السياسي، الدار العربية للكتاب، 2001، ص 514.
[59] محمد الخراط، الأنسنة العربية الحديثة: ممكنات عصر النهضة والأسئلة الراهنة، مؤمنون بلا حدود، الطبعة الأولى 2020، ص 101.
[60] يمكن الرجوع إلى كتاب الطهطاوي “المرشد الأمين للبنات والبنين” وكتاب “تحرير المرأة” لقاسم أمين وكتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” للطاهر الحداد، على سبيل المثال.
[61] يمكن الرجوع إلى كتاب عبد المتعال الصعيدي الذي \كر في مقدمته أنه كتبه سنة 1943م حيث وقعت استشارة علماء الأزهر للافتاء بمقبولية إدخال العلوم العقلية والرياضية والفلسفية. انظر كتابه : تاريخ الإصلاح في الأزهر، الطبعة الأولى، مطبعة الاعتماد، مصر.
[62] خلال القرن التاسع عشر، ركّزت السلطات العثمانية “على الإصلاحات الصحية والحجر الصحي لحماية الجيوش من الأوبئة. ودعّم تأسيس كليات الطب في القاهرة واسطنبول (1827) هذا النظام حيث كان خريجو هذه الكليات يُستوعبون غالبا في الجيش”. راجع: اليزابيث لونغينيس وآخرون، الصحة العامة: مهنة الطب وبناء الدولة في الوطن العربي (نظرة تاريخية)، مجلة المستقبل العربي، العدد 419، يناير 2014، ص 10-11.
[63] محمد الخراط، الأنسنة العربية الحديثة، ص 211.
[64] طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، مصر 2014، ص 22.
[65] المرجع السابق، ص 173.
[66] المرجع السابق، ص 276.
[67] العقل الديني في عصر النهضة تتوزعه ثلاثة نماذج: فكر المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر مثلا) وفكر الفقهاء الذين يتمتعون بهامش من الاستقلالية للاجتهاد وفكر التصوف الذي يمثل عادة مصدر إزعاج للدين الرسمي.
[68] سامية محمد عبد الرحمان الشرقاوي، أثر الصحافة على اللغة العربية في التاريخ الحديث والمعاصر 1881-1955م، مجلة البحث العلمي في الآداب، عدد 17، ج4، السنة 2016.
[69] علي الصالح مولى، الاقتباس مفهوما نهضويا: مقاربة تحليلية للفكر الإصلاحي في القرن التاسع عشر، مجلة “كان” التاريخية، السنة السابعة، العدد 24، السنة 2014، ص 86.
[70] بطرس البستاني، نفير سورية، الوطنية الخامسة، طبعة أولى، دار فكر للأبحاث والنشر، بيروت ، 1990 ص 25-26.