تكوين
في الجزء السابع من سلسلة مقالات “الوحي وقراءتُه: نحو تجاوز الاستهلاك الأيديولوجي للقرآن” نؤكد أنها مَعْنية بأشكلة النظم المعرفية ودراستها، وأنها لا تُقَدِّمُ قراءةً للقرآن تُزاحم فيها رجال الدين، ومن تزعموا الاختصاص في العلوم الدينية، أو تُنتج فتوى للقراء، ولكنها تطمح لتقديم رؤية عن الوحي وما يدور حوله من إشكاليات في السياق العربي المُعاصر. وكان الدافعُ وراء العمل على هذه السلسلة، الاستهلاك الأيديولوجي للخطاب القرآني، الذي تمارسه الجماعات الجهادية والتيارات الدينية، ورهنت الواقع لفهمها للقرآن وجعلت القرآن يقف بين المسلمين وبين الحضور في الحياة التاريخية والإسهام في بناء الحضارة، وحوَّلته من خطاب للعقل يحثُّه على التفكير إلى أداة لقمع التفكير. وتؤكد السلسلة كذلك المصدرية الإلهية للخطاب القرآني التي تجعله مُختلفا عن غيره من النصوص، وتجعل كثيرًا من المناهج والقراءات المُعاصرة غيرِ ملائمةٍ للتطبيق عليه. وفي الوقت نفسه تؤكد استقباله الإنساني الذي يفرض عليه الخضوع لشروط إنتاج المعني، ومُكْرَهات الأُطر الاجتماعية، اللتان تجعلان السياق المُعاصر للقرآن جزءًا من بَيْنِيَّتِه القرائية، وعدم وضعها في الاعتبار يُمَثِّلُ إخلالًا بالمعنى. والاستقبال الإنساني للخطاب الإلهي يجعله خطابًا للعقل الإنساني، محكومًا بآليات فهمه المُتجددة ومناهجه، ومن ثم يكون مُتجدد القراءات بتجدد الآليات والمناهج.
تناولت سلسلة المقالات في البداية الاستهلاك الأيديولوجي للخطاب القرآني في الأطر المُعاصرة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى تعريف الوحي وعمليات بِناء المعنى، وفي المرحلة الحالية أقدم المفاهيم المطرُوحة للوحي في الرؤى المُعاصرة، وبدأت بمفهوم محمد أركون للوحي، وتوجهت بعد ذلك إلى مفهوم فراس السواح للوحي، والمقال المعني هنا يُقَدِّمُ مفهوم نصر حامد أبي زيد (1943-2010) للوحي. وحمل كل مشروع من هذه المشاريع ما يحمله صاحبه من طابع علمي وخبرات معرفية؛ فقد جاء مشروع أركون فلسفيًا من بِنية المناهج والقراءات الفلسفية، وحاملًا الطابع الفلسفي النقدي الإشكالي. وجاء مشروع فراس السواح تاريخيًا يحمل سِمات التأريخ الميثولوجي الذي يعمل به السواح، عندما أسَّسَ لخطابه تاريخيًا وعرض مفهومه للوحي مُستعملًا الملحمة الدينية الكبرى كما قُدم في المقال السابق. ومثلهم حمل مشروع أبي زيد ملامح صاحبه وانطلق من بِنية الثقافة العربية؛ وبسبب أنه أستاذُ للغة العربية بالأساس، استعان بالمناهج اللُغوية في الثقافة العربية للدفاع عن التأويل والمجاز وارتكن إلى عبد القاهر الجرجاني والفكر الاعتزالي، ثم انتقل إلى محاولة وضع المفهوم النصي للوحي القرآني أيضًا من بِنية الثقافة العربية مُرتكنًا إلى التراث ليكون مرجعية للثقافة العربية الإسلامية، وانتبه إلى أن المفهوم النصي للوحي، جعله يقع في أخطاءِ التفسيرات الكلاسيكية التي أنكرها عليهم، فانتقل إلى المفهوم الخطابي للوحي، ليرى القرآن خطابًا أو على حد قوله خطاباتٍ، لكلٍّ منها سياقه الذي لا ينفكُّ عن معناه.
ومنذ جمع القرآن في المصحف وتدوينه في التاريخ الإسلامي، واعتماد نسخة واحدة من عثمان بن عفان، أضحى النص الذي يحمله المصحف يُمثل الوحي في الذهن الإسلامي، وعملت التفاسير على توضيح النص والحفاظ عليه حفاظَ الوَحْدة الكاملة، وتطالبه في الحين ذاته، بأن يكون حاضرًا وفاعلًا داخل الأطر الاجتماعية. وتعامل التفاسير الكلاسيكية مع القرآن تعامل النص، جعلها ترى في اللُغة مَدخلًا كافيًا للقرآن، وترى في التحليل اللُغوي وَحْده المنهجَ الذي يملك الأدوات الكافية لإنتاج الأحكام من القرآن، وتفعيله داخل الأطر الاجتماعية. والمناهج اللُغوية في هذا الحين تكون عاجزة عن تفعيل القرآن في السياقات والأطر الاجتماعية، لأنها لا تملك أكثر من توضيح المعنى اللُغوي، كما أن التعامل مع القرآن تعامل النص ذي وَحْدةٍ كاملةٍ متناسقة فيما بينه، جعل الجُهود التفسيرية تقتصر على محاولة رفع التناقض الظاهري بين الآيات وبعضها البعض. وخرج نصر ومشروعه من بِنية هذا الخطاب، وبدأ بتقديم التأويل ليكون حلًا وطرحَهُ مرة أخرى على الساحة المعرفية العربية، لتمكين العقل المُعاصر من إعادة قراءة القرآن وإنتاج الأحكام منه، ولكنه اكتشف أن التأويلَ وطرحَهُ ليس المُشكل، ولكنّ المُشكل في مفهوم الوحي الذي يجعل الدراسات والتفسيرات المُقدمة عن القرآن ضمن الوحي الإلهي. وانتقل بعد ذلك إلى المفهوم النصي للوحي الذي يُفصل فيه بين الاجتهادات البشرية والنص الديني الذي تمثل حينها في القرآن والسنة وَفْق نصر. وكانت عُدَّتُه في ذلك، تأكيد المفهوم النصي للوحي، والتغيير الذي رغب فيه القرآن وأحدثه في الثقافة العربية. ولكنه يكتشف أن التعامل النصي للوحي هو المشكل، ويطرح المفهوم الخطابي للوحي، ويُبرز الدورَ الإنساني في جمع المصحف، وكيفية حضور القرآن في الأطر الاجتماعية، والتمييز بين المصحف الصامت، والقرآن الحي.
في مفهوم الوحي
تُجسد الخلفية الثقافية والمعرفية بِنية الشخص ومفاهيمه، ومن داخلها يَفْهم العالم ويُكون رؤيته، وتنمو رؤيته وتتطور بتطوره ونموه المعرفي وانفتاحه على المعارف والعلوم، ونصر حامد أبي زيد مثالٌ حي لذلك؛ فأي قراءة لمشروعه لا تضع انتمائه إلى اللغة العربية وعمله أستاذًا لها نُصْبَ عَينيها، تكون قاصرةً، فقد خرج مشروع أبو زيد بوصفه مُسلمًا عربيًا أولًا، وأستاذًا للغة العربية ثانيًا. بعد هزيمة حزيران 1967 التي كانت هزيمة عربية وحضارية، نبتت جُملةُ مشاريع نقدية هادفة إلى نقد الواقع العربي الإسلامي وتطويره، وكان مشروع نصر ضمن هذه المشاريع، وجاء بوصفه أستاذًا للغة العربية بجامعة القاهرة يُحاول أن يفهم واقعه وأزماته. وكشفت الهزيمة الحاجة إلى التغيير في نظره؛ تغيير على المستويات السياسية والاقتصادية كافة، ولتفسير الهزيمة تفسيرًا دينيًا، كان تغيير الفكر الديني له الأولوية[1]، خاصة أنه مُسيطرٌ على الأطر الاجتماعية، وإجابته مُرضية في أغلب الأحيان.
وفي عملية تحليله للخطاب الديني في كتابه “نقد الخطاب الديني” وجده نصر أبي زيد ينطلق من النص القرآني ويؤسس لسلطته[2]، ويوسع الدائرة النصية لتتضمن الاجتهادات المُقدمة عن النص القرآني ويضعها ضمن النص الديني، ويوحِّدُ بين الفكر والدين ويتعامل مع ما انتجه المفسرين والفقهاء على أنه من بِنية النص الديني. ولانطلاق الخطاب الديني الذي يَهْدِفُ نصر إلى تجديده من النص القرآني، واستغلاله أيديولوجيًا، ومد الاستغلال الأيديولوجي إلى الاجتهادات المُقدمة بخصوص النص، بدأ بنقد التراث. وصرَّحَ في كتابه (فلسفة التأويل) بأن الحلم الذي يسعى فيه هو” النظر في تراثنا الديني بكل جوانبه من خلال منظور علاقة المفسر بالنص”[3]؛ أي نقد التراث من منظور إنساني، يضع في حسبانه بشرية المفسر وخضوعه للحاجات الإنسانية والظروف التاريخية، والاجتماعية، والسياسية. وانتقل بعد ذلك إلى تقديم مفهوم علمي للنص، يُخرِجُ به القرآن من طور الاستهلاك الأيديولوجي إلى الحضور الاجتماعي الحيوي في المجتمعات، ونقد الأساس الذي يقوم عليه الخطاب الديني لتجديده، وفتح الباب أما الإنتاج والمعرفة.
حمل الفصل الأول من مؤلف نصر الأكثر شهرة “مفهوم النص” عنوان “مفهوم الوحي”، وكان مفهومه للوحي مُقدمة أساسية لطرح مفهومه عن النص، وبدأ بتعريف الوحي بأنه عملية اتصال، وأن هذا الاتصال يفترض “شفرة مشتركة بين المرسل والمستقبل أي بين طرفي عملية الاتصال/الوحي”[4]، واستدل على تعريفه هذا ببيت من الشعر العربي قاله عَلْقمة الفحل
يُـــــــــوحِــــــــــي إِلــــــيــــــهـــــــا بِــــــإِنْــــــقَـــــــاضٍ ونَـــــقْـــــنَـــــقَـــــةٍ كـــــــمــــــــا تَـــــــرَاطَــــــــنُ فـــــــــــــــي أَفْـــــدَانِـــــهـــــا الــــــــــــــــرُّومُ
ومن استخدام الشاعر هنا للفعل “يوحي” للإشارة إلى عملية الاتصال، يُقيم نصرٌ استلاله على أن الوحيَ عمليةُ اتصالٍ. وينتقل إلى البناء الثقافي العربي بعد ذلك، ويوضح إيمانه بعالم الجن والاتصال به، ويُقرُّ بأن القرآنَ في صياغته للواقع الثقافي، لم يكنْ بمعزل عن مثل هذه التصورات، وخصص صورة كاملة تتحدث عن تحول عالم الجن وإيمانه بالإسلام.
وفي تحديد الموقف الاتصالي الذي يتضمنه الوحي القرآني تكون العملية أكثر تعقيدً، إذ يكون الاتصال هنا بين اثنين مختلفين في مرتبة الوجود، ويرى نصرُ أن القرآنَ عبَّرَ عن هذا الاتصال بأنه الإلقاءُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]، وشفرة هذا الاتصال هي القولُ. واستنادًا إلى هذا، وإلى التحديد الإلهي لطرائق التواصل معه في قوله تعالى: ﴿۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [ الشورى: 51]، يُميز أبو زيدٍ بين أنواع الوحي ومستوياته؛ فهناك الوحي بالإلهام، مثلما حدث مع أم موسى، ووحي الله عز وجل للنحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا. والثانية من الوحي كانت مع نبي الله موسى عليه السلام، وكانت من وراء حجاب الشجرة والنار والجبل، ويرى أن عمليةَ الكلام من وراء حجاب يُميزها النداء، وذلك استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ﴾ [ سورة طه: 11]، وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [ مريم: 52]. وفي الحالة الأولى لا يكون الكلام باللغة الطبيعية، بل بشفرةٍ خاصة لا يفهمها إلا المُوحى إليه، وفي الثانية كان كلامًا باللغة التي يستوعبها موسى، وهو موقفُ اتصالٍ قولي في ميزان أبي زيد، ويتميز في أنه يحمل قولًا بلاغٍ للناس، خلافَ حالة الوحي الأولى التي لا تأتي بقولٍ، ولكنْ بأمر للفعل بالطريقة التي يفهمها المُستقبل ويُنفذ[5].
والطريقة الثالثة من طرق التواصل الإلهي مع البشر وَفْق الآية المذكورة، تكون بواسطة الرسول يُوحي بما يشاء الله لمن يستقبل الوحي منه، وكانت هذه الطريقة التي نزل بها القرآن على النبي مُحمد ﷺ. والوحي هنا مُتضمنٌ حالتين من الاتصال؛ أولهم الاتصال الإلهي بالرسول الذي يقول عنه أنه الرُوح في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [ سورة الشورى: 52]، وثانيهم اتصال الرُوح بالنبي مُحمدٍ ﷺ. وظهرت التساؤلاتُ عن الشفرة المُستخدمة بين الله وجبريل/الرُوح في عملية الوحي في علوم القرآن، وعما نزل به جبريل إلى النبي ﷺ هل هو اللفظُ والمعنى، أي النص بمضمونه وصياغته، أم هو المضمون والمعنى والمُحتوى ويتولى النبي بعد ذلك صاغته في لغة التبليغ (اللغة العربية)؟ ويُفرد الزركشي (745-794 هـ) ثلاث إجاباتٍ في هذا الموضع:
الأولى، أنه اللفظُ والمعنى وأن جبريلَ حفظ القرآنَ من اللوح المحفوظ، ونزل به.
الثانية، أنه نزل على النبي ﷺ بالمعاني الخاصة، وعبَّرَ عنها ﷺ باللغة العربية وبلَّغ بها، ويتمسكوا بقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُوح الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194 [الشعراء].
الثالثة، أن جبريلَ ألقى على النبي ﷺ المعنى، وعبَّرَ عنه النبي ﷺ بالعربية، وأهل السماء يقرؤنه بالعربية، ونزل كذلك بالعربية[6].
وبعد السؤال عن طبيعة الوحي وما إذا كان بالمضمون/المعنى، أم بالمضمون والصياغة، يبقى السؤال عن كيفية الالتقاء بين النبي ﷺ وجبريل؛ فهما من مرتبتين مختلفتين في الوجود، فكيف يكون اللقاء بينهما، إما أن ينخلع جبريل من الطبيعة الملكية ويتجسد في الطبيعة البشرية، أو ينخلع النبي من الطبيعة البشرية ويذهب إلى الصورة الملائكية. ويرى أبو زيدٍ أن الحالتين موجودتان مع النبي محمدٍ ﷺ، ويشرح في كيفية الحالتين، بأن الأولى دويٌّ يُشبه الإلهام، أو عن طريق الحُلْم في أثناء النوم، إذ يتمكن النبي من الانخلاع من الصورة البشرية، إلى الصورة الملائكية، والثانية تُمَثِّلُ عملية تخاطب، وينخلع في جبريل إلى الصورة البشرية ويُخاطب النبي ﷺ. ويُميز الأولى عن الثانية في أن الأولى تكون بالمعنى، لذا يرى أبو زيدٍ أنها من الممكن أن تكون للأنبياء غير المُرسلين، والثانية تكون باللفظ والمعنى، ومن ثم تكون أشمل من الأولى وتكون للأنبياء المُرسلين.
ويقول أبو زيدٍ: “الحالة الأولى -حالة الانسلاخ عن البشرية- يُمكن أن تكون حالةُ الوحي بالسنة، وتكون الحالة الثانية -حالة تحول الملك إلى البشرية- خاصة بوحي القرآن”[7]، وحمل هذا التصنيف رؤية للسنة على أنها وحيٌ بالمعنى وليس بالمعنى واللفظ مثل القرآن، وهذا ما يُجوِّزُ تحريفها أو نقلها بالمعنى فقط. كما أنه حمل رؤية مُهمة للوحي القرآني على أساس هذا التمييز؛ وهي أنه نزل نصيًا، وعلى هذا الأساس أنتج مفهومه عن النص، الذي حاول فيه أنْ يطرح مفهومًا جديدًا عن النص، يضع فيه الأبعاد الاجتماعية في الصياغة. وجاء مفهوم الوحي هنا بوصفه الحاوي للقرآن والسنة، ويجعلهما نصًا دينيًا بآلية دفاعية مفهومة في إطار التكوين اللُغوي والثقافي لأبي زيد، بوصفه مسلمًا عربيًا خاضعًا للأيديولوجيا المطرُوحة، والرؤى التراثية المفروضة، وأستاذً للغة العربية اهتمامه بالنصوص وتأويلها. ويُشيد أبو زيدٍ في هذه الناحية بالشافعي الذي يجعل السنة مُكملة للنص القرآني. إنه (أي الشافعي) جعل السنة تدخل في نطاق الوحي، حتى وإن كان تفسيرٌ للقرآن؛ وذلك لقوله تعالى: “وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى”، ويحدد دور السنة في أنها تابعة للكتاب مكملة له، بوصفها وحيًا أيضًا[8]، ولكنها (أي السنة) ليست مساويةً له، أو مُهْدَرَةً من قبله، فيصرح بأن مقولةَ الشافعيِ “حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فمعها قرآن عاضد لها، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له ليتبين توافق القرآن والسنة”[9].
ويتقاطع أبو زيدٍ مع فراس السواح في مفهومه للوحي هنا في عدة نقاط، أولها التمييز بين الوحي المنطوق/المكتوب، والوحي بالإلهام، ويشتركا في بناء هذا التمييز من الآية نفسها. ويختلف عنه هنا في أنَّ أبا زيدٍ يرى أن القرآنَ نزل بوحي نصي؛ أي ليس بالإلهام، وهذا ليمنع عنه احتمالية التحريف، وعدم جواز النقل بالمعنى فقط. في حين يرى السواحُ أن القرآنَ نزل على النبي ﷺ بالمعنى، وصاغه النبي بلغة قومه وهي لغةُ التبليغ وليست لغة التنزيل. وحُجة أبو زيدٍ في ذلك قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ ص: 29]، ويجعل السنةَ وحيًا بالمعنى والإلهام الذي يخضع في صياغته إلى الدور النبوي. ويختلفا في زوايا النظر والخلفية الثقافية بطبيعة الحال، فالسواح يقدم مفهومه عن الوحي بوصفه مؤرخًا للميثيولوجيا، ويقدم رؤيته للقرآن ضمن الخط التاريخي للديانات، ويقرؤهُ ضمن هذا الخط كما قُدم في المقال السابق. وأبو زيدٍ ينطلق من أرضية اللغة العربية والتعامل مع النصوص، وحاجة التجديد المُلحة على الواقع العربي، ومحاولة فهم النص فهمًا مختلفًا عن الإطار السائد الذي يسعى في نقده.
أولًا: المفهوم النصي للوحي
في بلورته للمفهوم النصي لوحي القرآن كان نصرُ مدفوعًا بإبراز التغيير النوعي الذي أحدثه في الثقافة العربية، ويرى أن النصَ جاء مُنتميًا إلى ثقافته “في شفاهيته في التلقي والأداء، ولكنه ينفصل عنها باختيار الأسماء الدالة على أجزائه”[10]، فاطلاق النص على نفسه “الكتاب” كان منفصلًا عن هذه الثقافة الأمية، ويُميز نفسه بهذا الاسم عن ثقافة الأميين، وعلى مستواه التداولي الحواري كان منتميًا إلى الثقافة الشفهية. ويرى أن تمييزَ النص نفسه عن هذه الثقافة، دلالةٌ مُهمة على دور النص بوصفه حلقة فاصلة بين المرحلة الشفاهية، والمرحلة الكتابية، وعلى ذلك يرى أنه “يُمكن أن نرى النصَ حلقة فاصلة في تاريخ الثقافة بين مرحلتين: مرحلة الشفاهية ومرحلة التدوين”[11]. ويُشير إلى أن مهمةَ تحويل الثقافة، لم تخرج من النص خروجَ البِنية النصية أو من داخل مُعطاه اللُغوي فحسب، ولكنْ من فاعلية النص في الأطر الاجتماعية في شبه الجزيرة العربية عام 610 م، ويشير في هذا الصدد إلى حرص النبي ﷺ على التعليم والكتابة والقراءة، والتدوين النصي الذي دفعه ﷺ إلى تحديد فدية الأسير بتعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، وتقريرها واعتمادها[12]، وهو تحول نوعي في الثقافة العربية كان الدافع وراءه تدوين النص القرآني. ويُشدد نصر على أن الانتقال لا يُنسب إلى النص وَحْده دون التفاعل الإنساني معه، الذي تحققت فاعلية النص به وإدراكه له بوصفه رسالة وبلاغ، والإنسان هو المُستقبِلُ لهذه الرسالة.
ومن ربط أبو زيد المفهوم النصي للوحي بالتغيير النوعي الذي رغب أن تُنقل إليه الثقافة العربية، جاء تأكيده أن النصَ رسالة هادفة وراغبة في تغيير المجتمع، وهذا ما أعلنه القرآن عن نفسه، ومن بينة مفهوم الرسالة والبلاغ يؤكد نصرُ المفهومَ النصي للوحي، فيقول: “إذا كانت الرسالة لُغوية قولية، كما هو الحال في القرآن، فالمطلوب إبلاغ منطوق الرسالة اللفظي دون تحوير أو تبديل أو تحريف”[13]. ويتضح التغيير الاجتماعي في التدرج التشريعي، فالتدرج في التشريع يُعَدُّ أداةَ الكشف عن الطبيعة التفاعلية للنص القرآني مع الواقع المَعْنِي بمخاطبته، ويستدل أبو زيدٍ على ذلك باقتران آيات التشريع –عادة– بلفظة “ويسألونك” وما تكشفه عن طبيعة الآية، كونها تُمَثِّلُ ردًا عن تساؤلٍ وحاجة اجتماعية مُلحَّةٍ، وما يكشفه عن غاية القرآن التي تتمثلُ في تغيير الواقع، وإنتاج مجتمع يحمل القدر الكافي من الاتزان الذي يجعله قادرًا على تجاوز أزماته [14].
وفي مفهومه النصي للوحي وعده رسالة ذات غاية يوضح نصر أنها رسالةٌ من السماء، وفي الوقت نفسه ليست مفارقة لواقعها الثقافي، وخاضعة لقوانين الواقع الذي تَتَكَوَّنُ من داخله وتسعى في تغييره، ويقول: “إن المُطلق يكشف عن نفسه للبشر، (يتنزَّلُ) إليهم بكلامه عبر نظامهم الدلالي الثقافي واللُغوي”[15]. وبإعلان القرآن عن نفسه أنه رسالةٌ يتَّخِذُ مفهومُ الرسالةِ مدخلًا لتقديم مفهومه للنص القرآني، الذي يختلف عن المفهوم السائد، في أنه لا ينفصل فيه النص عن واقع نزوله وتكوُّنِهِ ويُعد فيه النص منتجًا ثقافيًا، أي جاء متعاطيًا مع ثقافة شبه الجزيرة العربية، وتكون في بضعٍ وعشرين سنة؛ من مفرداتها ومستوى إدراكه، ومجيبًا عن تساؤلاتها واحتياجاتها اليومية[16].
والرسالة “علاقة اتصال بين طرفين تتضمن إعلامًا، وإذا كان ((الإعلام)) لا يتحقق في أي عملية اتصال إلا بأدوات تعبيرية ما، فمن الضروري أن تكون الأدواتُ التعبيرية المُستخدمة في عملية الاتصال والإعلام مشتركة بين المرسل والمستقبل[17] وإلا ما قامت الرسالة بمهمتها، ولا كانت كذلك. والأدوات التعبيرية ولا سيما اللُغوية في حالتنا هذه تخضع للتكوين الزمكاني لها؛ أي للإطار الجغرافي والتاريخي، فلكل عصر مفرداته المُعبرة عن فكره بالضرورة، واختلاف المفردات يعني اختلاف الفكر، ومن ثم عدم الفهم واللقاء، ولا يعقل أن يأتي النص بلغة لا يفهمها متلقيه[18]. والركيزة الأساسية في بناء المفهوم النصي للوحي عنده هي تغيير الواقع، فالواقع –حسب أبو زيد- هو الأصلُ في جميع الخطابات –البشرية منها والإلهية- ولا سبيل إلى إهداره؛ فمن الواقع تكوَّنَ النصُ ومن لغته وثقافته صِيْغَت مفاهيمُه، وإلا أصبح غيرَ مفهومٍ مرفوضٍ من الثقافة، وعن طريق حركته بفاعلية البشر تتجدَّدُ دلالته، والواقع هو الهدفُ النهائي من الديانات، فالواقع أولًا والواقع ثانيًا والواقع أخيرًا[19].
وكان الهدفُ من وراء طرح أبو زيدٍ مفهومه النصي للوحي، نقد الرؤية السائدة للنص القرآني؛ التي تنظر إليه نظرةَ السلطة الرقابية التي يُخضعُ بواسطتها، وأسستها السلطة السياسية تاريخيًا لتحكم به -ويمكن في هذا الخصوص مراجعة الجزء الأول والثاني من سلسلة المقالات هذه- وتنفي الإنسان من الحضور في القرآن، أو الواقع الاجتماعي، وتفرض نمط التعامل معه على أنه نصٌ قابع في الفراغ، وخارج أي مرحلة تاريخية. وكان نصرُ من داخل طرحه في هذه المرحلة يضعُ واقعَ النص ضمن أفقه التاريخي، ويركز على بعده الواقعي، ولا يتعامل معه تعامل النص في الفراغ المعزول عن أي بعد واقعي أو تاريخي. ويظهر هذا في ارتكازه على التغيير الثقافي في شبه الجزيرة العربية، لتأسيس مفهومه الذي يطرحه عن الوحي، وينتقل بعد ذلك ليؤكد المهمة التواصلية التي ينزل بهدفها الوحي، ويُركز عليه بوصفه رسالةً ليُحْضِرَ بها الطرف المستقبل، وهو الإنسانُ في المُعادلة.
-
الرسالة ذات طرفين (حضورُ البُعْدِ الإنساني في مفهوم النص)
باستخدام تعريف أبي زيدٍ للوحي –وهو تعريفٌ شبه متفق عليه في الأوساط الإسلامية- تعريف الرسالة، تضمَّن التعريفُ بالضرورة طرفين (مُرسل ومُستقبل)، فإن إهدار أي بعدٍ من أبعادها يُعَدُّ إهدارًا لمهمتها الوظيفية. فالقرآن إلهي التنزيل إنساني الفهم، فالمصدر الإلهي للنصوص لا يتنافى مع فهمها البشري، تبعًا لتجسدها في التاريخ الإنساني، ومخاطبتها للعقل البشري، بل إنه يؤكده عن طريق القدرة الإلهية المطلقة المقرونة عادة بالتصور الإنساني عن الألوهة، وبواسطة المعرفة الإلهية للنفوس البشرية أكثر من ذاتها، حسب الأنساق الإيمانية والفعل الإيماني ذات البُعد الرُوحي الخاص والمقدس.
في مثل هذا التصور الذي يطرحه نصر وكأن القرآنَ مُتحدثٌ عن نفسهِ، من داخل الثقافات ونظامها اللُغوي، يصبح التركيز على مصدر النص وقائله فقط إهدارًا لطبيعة الوحي ذاته، وإهدارًا لوظيفته في الواقع، وهو ما حدث في الفكر الديني الذي سيطر على التراث والذي ما يزال فاعلًا في ثقافتنا اليوم[20]. كما أن التركيزَ على مصدر الوحي وقائله فقط، جعل من الوحي وقودًا تُسَيَّرُ به قاطرة السياسة، وجعله سلطة يُسيطرُ بها على المؤمنين به، مما يجعل القرآن ذاتَهُ أداةً لهدمِ طبيعته؛ لذا يُصرِّحُ بأن “العلاقةَ بين النص والثقافة علاقةٌ جدلية… فالنصوص لُغوية تكوَّنت في فترة زادت على العشرين عامًا، وحين نقول ((تكوَّنت)) فإننا نقصد وجودها المُتعين في الواقع بقطع النظر عن أي وجود إلهي سابق في العالم”[21]. وإذا كان القرآنُ جاء يُخاطب الواقع ويتدرج في تشريعاته نحو التغيير -وهذا ما جعل أبا زيدٍ يضع تغيير الواقع أساسًا يُقيم عليه مفهومه- فلا يُمكن للعقل الإنساني استيعاب غياب أي علاقة بين القرآن والواقع الذي جاء مُخاطبًا إياه، خاصة إذا كان يُعلن في بعض مفرداته أنه رسالة.
-
التاريخانية وحدودها
تبعًا لهذا المفهوم الذي يقدمه نصر للنص القرآني، يصبح للسياق التاريخي دورٌ في بناءِ النص، فهو يقول: “للنصوص جميعًا –ومنها الدينية- التي لا تتناقض مع الإيمان بمصدرها الإلهي، فالوحي – كما سبقت الإشارة واقعةٌ تاريخية، لا مجال لانتزاع لغته من سياق بُعْدها الاجتماعي”[22]. ومن ثم تعجز كل محاولة تأويلية، عن تقديم رؤية معرفية للنص، ما لم تضعْ السياق الزمكاني للنص ضمن بِنيته، وآليات فهمه. ويفرِّقُ بين التعامل التاريخي –الذي يطرحه- مع النص، وبين علم أسباب النزول؛ الذي يهتم بحاجات الواقع المُثارة في أثناء نزول الآيات، أو علم الناسخ والمنسوخ، المبني على تغيير الأحكام لتغيير الظروف والملابسات، وهما علمان نشآ عن حاجةٍ واقعيةٍ، ومحاولاتِ رفع التناقض عن النص. فالتعامل التاريخي الذي يُدشنه نصرٌ، يعتمد على البعد التاريخي للمفاهيم والتصورات، فالنصوص الدينية تأنْسَنَت منذ تجلت وتجسَّدَت في التاريخ وَفْق أبي زيدٍ[23]، لأنها لا بُدَّ أنْ تخضعَ للصياغة اللُغوية، كون اللغةُ هي أداةُ التواصل في هذا الأمر تحديدًا، ومن ثم لا بُدَّ وأنْ تخضعَ للبناء المفاهيمي التاريخي، الذي تفرضه اللغة (أي لغة). ويصرُّ على أن تاريخيةَ النص بهذا المعنى، لا تتنافى أبدًا مع مصدريته الإلهية، لأنه وفقًا لطبيعة النص الوظيفية –بوصفه رسالةً وبلاغًا– عليه أن يأتي بمفرداتٍ وتصوراتٍ ومفاهيمَ، تتفق مع العقل المُخاطب، في طبيعته الجغرافية وطبيعته التاريخية.
إن الرؤيةَ التاريخية للنص تعني –عند الخطاب الديني التقليدي- ضمنيًا، أن النصَ جاء مُخاطبًا هذه الفئة، من هذه البقعة من الأرض، في هذه الحقبة التاريخية، لغاية جاء لها وحققها وانتهى، إذن فلا دور له في هذا العصر، وهو ما يَحْكم بفناء النص وغيابه، وهو أمرٌ مُفزع عند الخطاب الديني التقليدي. لكنّ نصرًا ينفي هذا الأمرَ ويقدم مفهومًا متطورًا عن التاريخية، مفادَهُ أن تاريخيةَ النص تعني فهم غايته وفقًا لظروفه التاريخية، وعقلية المخاطب من هذا النصِ، التي لا بُدَّ أنْ يكونَ النصُّ قد راعاها، وإلا فإنه متحدثٌ في الفراغ. فالسياق التاريخي الذي جاء فيه القرآن هنا لا يُعَدُّ الحد الذي يقف عنده القرآن بقدر ما يعني أنه أداةٌ مهمةٌ في فهم غايته، من داخل خطابه الذي خضع لشروط إنتاج المعنى من (اللغة، وطبيعة الخطاب، واللهجة، والعرف، والبناء الفكري) القائمة في ظروف نزول النص، فالسياق التاريخي لا يقف عنده النص عند أبي زيد، ولكنه مُفيدٌ في ناحية فهم غايته، ولا يتعارض هذا مع ما جاء به القرآن من طابع سجالي تكوَّنَ عبر بضعٍ وعشرين سنة.
ويفرض علينا مُقترح أبي زيدٍ لمفهوم التاريخية بهذا المعنى، فهم النص عن طريق اكتشافه في سياقه التاريخي والثقافي اللُغوي، ويشير أيضًا إلى أن اعتبارَ النص مُنتجًا ثقافيًا لا يعني غياب قدرته على الإنتاج؛ ومن ثم فهو جاء لفئة من الناس في زمان محدد ومكان محدد، ولا يقف الأمر عند ذلك، بل هو قادر أيضًا على الإنتاج دائمًا، فعن طريق استثمار قوانين الإنتاج، تكون له القدرةُ على الحضور التطبيقي، وإعادة خَلْق الواقع، والحضور في مجال الثقافة العامة[24]. ويبقى السؤال عن كيفية إنتاج الدلالة من النص في نظر أبي زيدٍ قائمًا.
-
الإخفاء والكشف
لا مجال لتحقق أي بعد تطبيقي للنص القرآني، وتقديم قراءة إبستمولوجية له عند أبي زيد، إلا من داخل التاريخية، وذلك يتحقق باستخدام آليتين تقوم بهما القراءة غير المتزامنة مع نزول النص، والتالية عليه، هما “الإخفاء والكشف“، تُخفي ما ليس جوهريًا عندها ولا تهتم به، وتكشف عما هو جوهريٌ عندها عن طريق التأويل؛ إذ لا يوجد ما هو ثابتٌ وجوهريٌ في النصوص ذاتها، بَيْدَ أن لكل قراءةٍ جوهرهَا الذي تكشف عنه في النص[25]. ويعد هذا اعترافًا ضمنيًا من نصرٍ بأن فعلَ التأويل في ذاته فعلٌ أيديولوجي، يحصلُ فيه إسقاط رغباتِ العصر على النص بآلية أيديولوجية، تِبعًا للطبيعة الانتقائية التي يتميز بها العقل البشري. فهو يُقرُّ بأن “الأسئلةَ مرهونةٌ بطبيعة الإطار الاجتماعي الثقافي والفكري الذي يحددها، ولذلك يُمكن أنْ تتغير الأسئلة، ويمكن أنْ تُطرح أسئلة جديدة. ومعنى ذلك أن ((جوهر)) الإسلام ليس مُعطىً ثابتًا، بل هو جوهر قابلٌ دائمًا للاستنباط وإعادة الاكتشاف بحسب تطور الوعي الإنساني”[26]. ويعد هذا إقرارًا صريحًا بأن آليتي الإخفاء والكشف ما هما إلا أدواتٍ أيديولوجية جديدة.
ويقع أبو زيدٍ هنا في الفخ الذي يحاول تفاديه، لأنه يجعل النص خاضعًا لسلطة المؤول -بذهنيته المُكوَّنَةُ اجتماعيًا وفرضياته المسبقة، وحاجته الراهنة- ليتمكن من فرض أيديولوجيته عليه، واستنطاقه بها، ومن ثم يعود بالنص من جديد إلى جدل الثنائيات وفضاء الصراعات الأيديولوجية، ولا يسعُ النصُ الخروجَ عن التوظيف الأيديولوجي واستخدامه استخدام الأداة للنبذ والإقصاء وفرض الرؤية. فثنائية ((الكشف والإخفاء)) لا تختلف عن مثيلاتها من ((المحكم والمتشابه)) و((الناسخ والمنسوخ))، اللهم إلا في التسمية، فهي تخلع على النص أيضًا وظيفته الأيديولوجية التي خلعتها مثيلاتها. وينتبه أبو زيد لهذا وإلى ما يحمله المفهوم النصي للوحي القرآني من مغالطات ومشكلات، فلم يختلف مفهوم النص الذي يطرحه عن مفهوم الفكر الإسلامي التقليدي، وذلك بوصفه بِنية واحدة، ومن ثم يحاول أن يُقَدِّمَ آلياتٍ –كما فعل المشتغلون بالعقيدة والفقه قديما– ترفع التناقض عن مكونات النص، بوصفه ((الكشف والإخفاء))، ولكنه ينتهي إلى ما حاول تفاديه مسبقًا.
-
القرآن في الحياة اليومية للمسلمين.
في دراسة لـ أبي زيدٍ بعنوان: (القرآن في الحياة اليومية عند المسلمين Everyday Life, Qurān In Introduction) في الموسوعة القرآنية التي حررتها الباحثة المتخصصة في تأويل القرآن بجامعة جورج تاون جين دامين Jane Dammen (1944)؛ يُقر بأنا “نجد أنه في الحياة اليومية، يُمكن العثورُ على الوجود الأبرز للقرآن في تلاوته”[27]، فيرى أن حضورَهُ داخل الحياة اليومية، يميلُ إلى الحضور الشفهي أكثر من الحضور النصي، و”الوظيفة المستمرة للقرآن في الحياة اليومية تعتمد اعتمادًا أساسيًا، على خصائصه الأساسية، بوصفه نصًا يُتلى شفهيًا”[28]. ووجوده في الحياة اليومية يعتمد على الشفهية، فوجود القرآن في الحياة اليومية للمسلمين أبرزه عبر التلاوة والاستماع له، وخارج نطاق التلاوة فإن الاستشهاد به شفهيا أقوى من حضوره حضورَ المدونة الرسمية (المصحف).
ويبدو أن أبا زيدٍ في هذه الدراسة بدأ يُدرك البُعد الحيوي للقرآن، الذي يجعله يميل إلى بِنية الخطاب الحيوي، أكثر من ميله إلى النص الصامت، أو الكتاب، وهذا ما جعله يُقر بأن القرآنَ يُمارس وظيفته في الحياة اليومية –بعيدًا عن النخبة- بوصفه ((خطابًا)) لا بوصفه نصًا[29]، فحضوره داخل الحياة اليومية للمسلمين حضورًا شفهيًا. مع الانتباه إلى التناقضات التي يحملها المفهوم النصي للوحي، التي طالما حملها المفهوم التاريخي والسائد والمستقر للوحي بوصفها نصًا، وأن آليتي القراءة اللتان قدمهما (الإخفاء والكشف) لم يُقدما أكثر مما قدمت الآليات التي جاءت بها التفسيرات القديمة. وتعد هذه الدراسةُ حلقةَ الوصلِ بين مفهوم النص ومفهوم الخطاب، فقد أدرك أبو زيد حينها أن مفهومَ النصِ الذي يطرحه عاجزٌ عن تلبية ما يرجوه منه؛ ومن ثم بدأ مفهوم الخطاب في التبلور داخل ذهنه بداية من هذه الدراسة.
ثانيًا: المفهوم الخطابي للوحي
قبل وفاته بوقت ليس بطويلٍ تنبَّه أبو زيد أن المفهومَ النصيَ للوحيِ الذي طرحه وظل يدافع عنه لسنوات هو في ذاته المُشكل؛ فالتعامل مع القرآن منذ جمعه في المصحف على أنه وحي نصي نزل بصورته النصية تلك، مثل ألواح موسى -وهذا ما قصده نصرُ قبل ذلك بأن الوحيَ أطلق على نفسه اسم “الكتاب”- حصرَ مَنْطِقَ التعامل معه في محاولات الدفاع، ورفع التناقض بين أجزاء النص وبعضه، وهذا ما دفع العقل الإسلامي إلى إنتاج آليتي المُحكم والمتشابه في السياق الكلامي، والناسخ والمنسوخ في السياق الفقهي، وآليتي الكشف والإخفاء عند أبي زيد. وكانت هذه المحاولات والآليات تنطلق لإثبات أن النصَ إلهيُ المصدر، ولا يحمل تناقضًا داخليًا، وخرج هذا من مفهومهم النصي للوحي، وإلغاء المسافة بين القرآن والمصحف، والتوحيد بينهما، وعزله عن أي سياق اجتماعي. وجاء المفهوم النصي للوحي في مشروع أبي زيد مُقدمة لإعادة الدور الاجتماعي في التلقي والتأويل مرة أخرى، ووجد أن تعاملَهُ مع القرآن تعامل النص أفضى به إلى ما انتقده من أخطاء، ومن ثم سعى في رؤية جديدة، ثم انتقل إلى المفهوم الخطابي للوحي.
وفي مُحاضرة له تحت عُنوان “إعادة تعريف القرآن” قدمها في مكتبة الإسكندرية عام 2008، قال إن المشكلَ الرئيسَ في التعامل مع القرآن تعامل النص، وأزمة التفسير قديمًا وحديثًا، تكمن في التعامل مع القرآن بوصفه نصًا، ولا يستثني نفسه من هذا الأمر بوصفه في نهاية الأمر جزءًا من الخطاب الثقافي[30]. فمعاملة القرآن معاملة النص جعلت أي محاولة للتأويل تنحصر في بُعدين إما رفع التناقض ما بين الواقع والنص، ومحاولة إسقاط النتائج الواقعية على النص، أو رفع التناقضِ بين أجزاء النص وبعضها، وهو ما أنتج أليتي المُحْكَمِ والمُتشابه في السياق الكلامي، والناسخ والمنسوخ في السياق الفقهي[31]. واعترف بأن الفكرةَ لم تكتملْ بعد، وقال بأنه لا يزال في المطبخ بعد يُعدُّها، وهي الانتقالُ من المفهوم النصي للوحي إلى المفهوم الخطابي للوحي، الذي بموجبه يكون القرآن خطابًا لشبه الجزيرة العربية عام 610 م. ويُعيد تعريف القرآن تعريف الخطاب الذي وُجِّهَ إلى هؤلاء الأشخاص والجماعات، ومن ثم يحمل تناقضات الاجتماع والمواقف.
وفي كتابه “التجديد والتحريم والتأويل” قدم نصرٌ فصلًا بعنوان “مُقاربة جديدة للقرآن: من “النص” إلى “الخطاب” نحو تأويلية إنسانوية”، وقال: “سأنتقل هنا نقلة ليست يسيرة في التعامل مع القرآن لا بوصفه نصًا -كما هو الأمرُ في كتابي ((مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن))– بل بوصفه خطابًا”[32]. وأوضح أن عمليةَ الجمع والتدوين، وما تلاها من عملية التنقيط والإعراب، أديا إلى خلق قناعة بالوحي النصي، ومؤداها أن القرآنَ نصٌ نزل هكذا ويجب التعامل معه على أنه نصٌ والدفاع عن هذا المفهوم، وتم إلى حد كبير تجاهل طبيعته الأصلية التداولية، بوصفه مجموعةً من الخطاباتِ، متعددة السياقات، ومتعددة المستقبلين التاريخين كذلك. ولا يخجل أنْ يعترف أنه بدأ حياته منطلقًا من هذه القناعة، ولكنه عن طريق القراءاتِ والبحوث والتطور المعرفي وصل إلى مفهوم الخطاب، ووضع تفرقة بين كلام الله، والقرآن، والمصحف.
ويقيم نصرُ نقده للمفهوم النصي للوحي الذي قدمه، على التمييز بين ((كلام الله)) وهو المُعَبِّر عن المطلق في ذاته، والقرآن في مرحلة الخطاب الشفهي وهو ما يُسميه نصر بـ ((الخطاب الحي)) نسبة إلى قدرته التفاعلية، وبين المصحف، أو كما يُسميه ((النص الصامت))[33]. ويلتقِي هذا التقسيم -إلى حد التطابق- مع التقسيم الذي وضعه محمد أركون من قبل، الذي يماثل فيه ((كلام الله)) عند أبي زيد ((أم الكتاب)) عند أركون، ويماثل ((القرآن الحي)) عند أبي زيد، ((القرآن)) عند أركون، و((النص الصامت)) عند أبي زيد، يماثل ((المصحف)) عند أركون، وبتفكيك مضامينهم نجد أنها واحدةٌ، وهذا ما سيتضح في الفِقرات التالية.
-
كلام الله
يُمثل ((كلام الله)) -في فكر أبي زيد- كلامًا مطلقًا مفارقًا لا يُمكن تداركه، فكلام الله لا يمكن أن يستنزف ومن المستحيل حصره وغير محدد بلغة معينة كونه إلهًا للعالمين، في حين أن القرآن محدود في الفضاء البشري، لذا يُعَدُّ القرآن تجليًا لكلمة الله. على الرغم من الإشارات المتعددة داخل المصحف إلى نفسه بـ “كلام الله” فإن نصرًا يرى أنه أشار أيضًا إلى أن كلامه (أي الله) لا يأتي إلا من خلف حجاب، وكذلك نزل القرآن عن طريق جبريل إلى النبي ﷺ، وهذا ما يجعله يُصرُّ على أن العمليةَ التواصلية –التي تفترض بالضرورة مراعاة عقلية ولغة المُخاطب– تفضي بنتيجة مهمة مفادها أن ((كلامَ الله)) ليس هو القرآنُ، بل إن القرآنَ هو تجلي ((كلام الله)) وهو (مطلق) في التاريخ الإنساني وهو (نسبي)[34]. فليس للنسبي أن يَفْهم المطلق إلا في حدود نسبيته، وعلى ذلك يُقيم نصر التفرقة بين كلام الله والقرآن.
-
القرآن الحي
يضع أبو زيدٍ تعريفًا للقرآن في خطابه، يقول فيه: “يقترح علماء اللغة أن كلمةَ القرآن مُشتقةٌ إما من القرآن (للجمع أو الجمع) أو من القرآن (للتلاوة). وهنا أُفضِّلُ المعنى المعجمي الثاني للحقيقة الواضحة للغاية، وهي أن القرآنَ نُقل في الأصل إلى النبي مُحمدٍ شفهيًا. ويوضح الأدبُ الإسلامي في كل مكان أن الرُوحَ القُدُسِ كان ينقل أو يُلهم في البداية بعض الآيات إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل جِلسة من جِلسات الوحي، في حين كان النبي يتلوها بعد ذلك على رفاقه.”[35] إذن فالقرآن يُمثل الخطاب الشفهي للقرآن الذي نزل به إلى النبي محمد ﷺ، وما أُبلغ بعد ذلك للناس عن طريق النبي محمد ﷺ، وطريقة تداوله في هذا العصر.
-
النص الصامت
والمصحف أو (النص الصامت) كما يُسميه أبو زيدٍ، كانت أولى مراحل تنفيذه في عهد الخليفة الثالث ((عثمان بن عفان)) (ت: 56 هـ/ 644 م)، وكان أولى مراحل تكوُّنِ المصحف (النص الصامت) في عملية جمعه وتدوينه، التي يُطلق عليها “نصرٌ” عمليةَ التَقْنين، ويرى نصرٌ أنه في عملية التجميع والتدوين أُهمل الترتيب التاريخي لهذه الخطابات، بل دُمجت في وحدات أكبر “السور”، ورُتبت هذه السور حسب أحجامها، فوضعت السور الأطول في المقدمة والأقصر في نهاية المصحف. أي استبدال بالترتيب الزماني الذي يُعرف باسم ((ترتيب النزول))، ((ترتيب التلاوة)) وهو المعروف الآن[36]. وحسب رؤية أبي زيد فإن عمليةَ التَقْنين والجمع، تِبعًا للمرويات التراثية، تُمَثِّلُ أولى عمليات بِناء المصحف في صورته النهائية، لأنه جُمع في عهد الصحابة من دون التنقيط والإعراب، ولكنه مرَّ بمرحلة إضافة التنقيط والإعراب بعد ذلك بوقت ليس بقصير على حد قوله[37].
ويرى أبو زيدٍ في عملية الجمع والتَقْنين بُعْدًا ودورًا إنسانيًا آخرَ بالإضافة إلى البعد الإنساني في عملية الوحي بوصفها فعلًا تواصليًا، أي مخاطبة الله عز وجل البشر بلغتهم وطريقة استيعابهم؛ فلا يمكن إنكار الدورَ الإنساني في عملية التَقْنين والتجميع، وعملية إعادة الترتيب، وعملية تحويل الرسم الصامت إلى نص مقروء بإضافة التنقيط وعلامات الإعراب[38]. والبُعد الإنساني في عملية التَقْنين والتنقيط والإعراب، كما يرى أبو زيدٍ أدَّى إلى خلق قناعة بأن القرآنَ ((نصٌ))، ومن ثم تم تجاهل طبيعته الأصلية، التي يراها طبيعةً تداولية بوصفه ((خطاباتٍ)) متعددةَ السياقاتِ من جهة ومتعددةَ المستقبلين من جهة أخرى[39].
ثالثًا: بين النص والخطاب
يوضح أبو زيدٍ أن ثمةَ فارقًا بين النص والخطاب، إذ يُمَثِّلُ النصَ بِنيةً مستقلة بذاتها تضمن مفهوم المؤلف، القصد، القارئ الضمني، ولا يمكن استبعاد السياق. ويرى أن حضورَ القارئ في ذهنية المؤلف في أثناء تكوين النص أمرٌ ضروري، سواء اعترف بذلك أو أنكر، وهو يؤثر بطبيعة الحال في الحالة الإنتاجية للنص. في حين أن الخطابَ بِنيةٌ سجالية، تحاوريةٌ، تجادليةٌ، تتضمنُ المتكلم، الذي هو في القرآن متعدد الأصوات (بالمعنى السيميولوجي وليس اللاهوتي؛ أي أن اللهَ عز وجل تكلم عن ذاته العُليا بصيغة الضمير الغائب ((هو)) كثيرًا، ففي سورة الإخلاص، وهي السورة رَقْم 112، نجد صوت المقدس وراء فعل الأمر ((قل))، وإذا أخذنا سورة الفاتحة، وهي السورةُ رَقْم 1 المتكلم هو الإنسان، في حين يُشار إلى الله عز وجل بضمير الغائب في الآيات الثلاث الأولى، بهذا المعنى يقصد أبو زيد متعدد الأصوات) والمخاطَب الذي يفرض لغة الخطاب ولهجته، وإذا لم يكنْ للمخاطبِ هذا الدورُ، فقد الخطاب وظيفته التحاورية. ومن ثم يستدعي سياقات وليس سياقًا واحدًا تبعًا للبِنية الحوارية، وللموقف الحواري، ويحيل إلى السؤال عما يقوله الخطاب، وما سَكت عنه، وعن لهجته وما يتبعها من أثر في المتلقي وردة فعله[40].
وكما حاول أبو زيدٍ بِناء مفهوم النص من داخل الثقافة العربية، من داخل النص القرآني أيضًا حاول تقديم طرحه للقرآن خطاب، بوصفه طبيعةً داخل القرآن والثقافة الإسلامية؛ وذلك تأسيسًا على البِنية القصصية للقرآن التي يصفها بأنها ((مُشتتة))؛ فهي لا تسردُ قصة في بِناء سردي واحد متكامل، اللهم إلا سورة يوسف، وهذا يتضمن أن أجزاءَ القصة المتناثرة، ينتمي كلُ واحدٍ منها إلى سياق خطابي، ولحظة خطابية مختلفة، ومن ثم لا سبيل لفهمها دون فهم الأجزاء بلحظتها وسياقها الخطابيين[41]. فضلًا عن أن نصرًا يؤرخ لمفهوم الخطاب، بأنه كان معروفًا بين متلقيه الأوائل بوصفه خطابًا، حتى جُمع في صورته النصية على يد عثمان بن عفان.
فهو يرى أن الطبيعةَ الأصلية للقرآن كونه موجهًا إلى الإنسان دون التقيد بزمان محدد ولا مكان محدد -وفقًا لدعوته العالمية– “((خطابًا)) موجهًا للناس فـ “((الناس)) هم هدف الوحي وغايته… فإن الثقافةَ العربية ذاتها قبل الإسلام تنحو نحو المخاطب في نصوصها أكثر مما تنحو ناحية المتكلم، وانتماء القرآن إلى مجال الثقافة يجعله –من هذه الوجهة– ينحو ناحية المخاطب. وليس أدلُّ على هذا الاتجاه من كثرة دوران أدوات النداء فيه، سواء كان المنادى هو ((الناس)) أو ((بني آدم)) أو ((الذين آمنوا)) أو ((الكافرون)) أو ((أهل الكتاب))، هذا بالإضافة إلى نداء المخاطب الأول بالنبي أو الرسول”([42])، ولمفهوم الخطاب بالضرورة دورٌ كبير في التعامل التأويلي مع القرآن، حيث يختلف سياق الخطاب عن سياق النص.
السياق النصي والسياق الخطابي
يضع نصرٌ فارقًا بين السياق النصي والسياق الخطابي، فالسياق الخطابي أوسع يتطلب تحليل أدوات الرفض، والتأكيد، والإزاحة، والتفكيك، والتركيب المتضمنة في منطوق الخطاب القرآني؛ بمعنى أنه يُحيل انتباهنا إلى الطبيعة الخطابية للقرآن، وليس لطبيعته النصية. فالتركيز على الطبيعة النصية، أفضى به إلى أن أصبح كتابًا، لكل فئة تعدّه كتابًا كما تهوى؛ فيراه جمهورُ المسلمين كتابًا تشريعيًا قانونيًا، وتراه التياراتُ السلفية كتابًا تاريخيًا، وعلميًا، وقانونيًا، واقتصاديًا… إلخ[43]؛ يرون فيه كتابًا حاويًا لكل العلوم والمعارف الكونية، ومن ثم تُنسب الجهود والنتائج العلمية إلى النص، وترفض أي نتائج مغايرة وفقًا لطبيعة العلم المتغيرة. وكذا أيضًا يرفضون أي دراسة تاريخية موضوعية تقوم على أُسسٍ علمية تتعارض مع فهمهم للخطاب القرآني.
ويصرُّ أبو زيد على أن أيَّ قراءةٍ تَهْدِفُ إلى أن تكونَ حية ومنفتحة، يجب أن تضع في اعتبارها الطبيعة الخطابية للقرآن، وتنتبه إلى أنَّ تأويل القرآن هو في حقيقته سعي لصياغة معنى الحياة. وليس ثمة سبيلٌ لتحرير الفكر الديني من سلطة القهر والقوة والسلطة السياسية، إلا بطرح تأويلية تقبل تأويل غيرها وتبني عليه أو تعارضه؛ وذلك تبعًا لفهمها للطبيعة الخطابية للقرآن[44]، فالطبيعة الخطابية للقرآن تفترض ضمنيا عدم القدرة على الوصول للمقصد الإلهي من النص، ومن ثم تفرض على القراءات المقدمة طرح نفسها في إطارها الإنساني، وعدم الحديث عن المعنى الأخير والنهائي (الإلهي) للقرآن.
رابعًا: عودة إلى القرآن الشفهي (الخطاب)
ومن ثم جاء طرح نصرٍ للقرآن بوصفه خطابًا وهو يُمَثِّلُ عودة إلى الخطاب الشفهي للقرآن، قبل تكوُّنِه ليكون نصًا في المدونة الرسمية/النص الصامت (المصحف). لرفع التناقض بين أجزاء النص وبعضها؛ ومن ثم فَهْم كل خطاب، من داخل لهجته وسياقه وتأثيره في المتلقي. فالنص بِنية واحدة تضمن افتراض أنها متكاملة؛ لذا سعت التفسيرات القديمة في رفع التناقض بين أجزائه. بَيْدَ أن التعاملَ معه تعامل الخطاب له تفاعلاته الاجتماعية، أو خطاباتٍ كما يطرح نصرٌ، تتضمن أن كلَ جزءٍ ينتمي إلى سياق مختلف، وموقفٍ اجتماعي مختلف، ومن ثم يختفي أي تناقض تبعًا لفهم كل خطاب في سياقه.
وهذا المفهوم يُسهم في بِناء رؤية جديدة للقرآن؛ تفتح الباب أمام تعدد القراءات وتُمكن الباحثين من استخدام المناهج القرائية المعاصرة في البحوث القرآني، ومن ثم تقديم قراءاتٍ أكثر واقعية وقابلية للاستيعاب داخل الأطر الاجتماعية، لا يقصر الوحي فيها على معناهُ الحرفي ويُلقي الضوءَ على البعد الرمزي الذي يحمله الطابع الديني ولا سيما الوحي بطبيعة الحال، ويلفت الانتباه للدور الإنساني بوصفه متلقيَ الخطاب في صياغة الوحي، إذ لا يُمكن للخطاب أن يتجاوز عقل المخاطب ولغته، وما يُفضي إليه ذلك من أنسنة القراءات المقدمة سلفًا، وفتح الباب أمام القراءات الجديدة.
فتبعًا لهذا المفهوم يُعَدُّ القرآنُ هو الصورةُ الأرضية المشروطة بآليات استيعاب وإدراك الإنسان المعني بهذا الوحي، وليس كلام الله في ذاته (وهو غيرُ قابلٍ للحصر أو التحديد)، وما يعنيه هذا من غياب أي قراءة مُطابقة للمراد الإلهي من النص، وإلا فقد النص طبيعته الراهنية، وأصبح القارئُ يملك عقلًا إلهيًا، استطاع به فَهْمَ المراد من الخطاب؛ الكامن في الضمير الإلهي، وينتج عن ذلك أن القراءات المقدمة كُلها محكومةٌ بإطارها الإنساني المحدود، وهو ما يُفضي إلى إمكان تعدد القراءاتِ، وبناء أنساق فكرية متعددة تُسهم بدور تنافسي في بناء الوعي العربي الإسلامي. وهذا ما جعل أبا زيدٍ يرى في دراسة الخطاب القرآني وَفْق طبيعته الشفهية، والعودة إلى القرآن الشفهي انفتاحًا تأويليًا على المعنى، وما يصحبه من انفتاحٍ فكريٍ وحضاريٍ.
خاتمة
عُنيَ هذا المقالُ بتقديم مفهوم الوحي في مشروع نصر أبي زيد وبدأ بتحديد الملامح الثقافية لنصر أبي زيد، ودوافعه نحو إنتاج مشروعه والتي انطبعت على مفهومه للوحي. وقد جاء طرح أبي زيد بوصفه باحثًا مهمومًا بأزماتِ واقعه مُحاولًا التوفيق بين واقعه المنعزل عن العالم، والعالم من حوله بمنجزاته وتحركاته، وباعتراف منه بأن القرآنَ له الدورُ المحوري في الواقع العربي، جاءت محاولته، لتكون توفيقًا بين القرآن والحداثة، أو العقل المعاصر. وتميز مشروع نصرٍ بمرونته كما أوضح المقال، وهي توضحُ منطق عمله الجاد المتطور بطبيعة الحال، والبحث الواقعي الذي ينعكس على نقلاته. عندما بدأ بتقديم التأويل والدفاع عنه لفتح الباب أما إعمال العقل الإنساني الذي يرى أن إغلاقَهُ جاء باجتهاد بشري مع الشافعي، وافرد كتابًا للشافعي وتأصيل الأصول. وانتقل بعد ذلك إلى وضع إطار ومنهج علميين للنص القرآني، وأوقعه المفهوم النصي للوحي الذي جعله يتعامل مع القرآن على أنه نصٌ، ويبحث في المداخل اللُغوية والمناهج القرائية لقراءته، في تناقضات عديدةٍ اتخذها على الاجتهاداتِ القديمة. واكتشف أن ثنائية الإخفاء والكشف لم تختلفْ كثيرًا عن ثنائية المُحكم والمتشابه في السياق الكلامي، والناسخ والمنسوخ في السياق الفقهي، التي تُوْقِعُ القرآن في ساحاتِ الصراع الأيديولوجي.
وكان نصرٌ في رحلته ساعيًا في الوصول إلى حل إبستمولوجي/منهجي يُمَكِّنُ القرآنَ من الحديث عن نفسه، وفي أثناء عمله على دراسة القرآن في الحياة اليومية للمسلمين، أدرك أن الحضورَ الفعلي للقرآن هو الحضورُ الشفهي، وتوجَّه نحو دراسة الوحي وطبيعته مرة أخرى بخبراتٍ أعمق وحصيلة معرفية أكبر، وانتقد المفهوم النصي للوحي الذي قدمه في “مفهوم النص” الذي حاول فيه تقديم مفهومٍ للقرآن يُخضعه للدراسات المُعاصرة، ويعامله بالمنهج الأدبي. وقدَّمَ المفهومَ الخطابي للوحي ولم يُنكر تأثير البِنية الأيديولوجية فيه، بل اعترف بخطئه، وقال إن الأزمة الأساسية في بناء أي خطاب عن القرآن هي التعامل معه على أنه نصٌ، وهذا ما جعله ساحةَ نزاعٍ أيديولوجية كما هو في المدونة التراثية، ومشكلة الخطاب الثقافي العربي أنه ينطلق من هذه المدونة التي تسوغ وعيه وتصنعُ بِناءَهُ المعرفي، ولا يستثني نفسه من هذا.
ويبقى مشروع أبي زيد فريدًا، لأنه أول من حاول بِناء نسق تأويلي من داخل الثقافة العربية، وبهذا تعد محاولته أولى إرهاصات العقل العربي الإسلامي لبناء نسق تأويلي عربي من داخل بِنية اللغة العربية وثقافتها. ولا يخلوا مشروعه من المآخذ العلمية بطبيعة الحال، ولكنها تظلُّ في إطارها الطبيعي والمعرفي الصحي الذي يجعل المعرفة تكاملية؛ تُكمل بعضها البعض، ونفي أهمته أو الحكم عليه بالنية دون الدراسة أمرٌ غيرُ مهنيٍ أو علمي. ومن محاولات تكفيره والحكم بردته كثيرًا ما ردَّدَ نصرٌ عن حقه في الخطأ الذي كَفَلَهُ الله للبشر جميعًا، وإذا كان الله خلق العقل للإنسان ووجه خطاباته سبحانه وتعالى للعقل، ألا تُعد محاولات سحب حق التفكير، وتكفير الاجتهادات ونفيها وإلغاء العقل -كما حدث مع نصر أبي زيد- مُتعدية على الحق الإلهي الذي كَفَلَهُ لنفسه سبحانه؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1] – نصر حامد أبو زيد، التجديد والتحريم والتأويل بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء -بيروت، ط1، 2014، ص 17.
[2] – نقد الخطاب الدينا، المركز الثقافي العربي، الدار البيضلء- بيروت، ط3، 2007، ص 107.
[3] – أبو زيد (نصر حامد)، فلسفة التأويل (دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين ابن عربي)، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت 1983، ص 11
[4] – نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، المركز الثقافي العربي، ط1، 2014، ص 32.
[5] – أبو زيد، مفهوم النص، ص 40-41.
[6] – الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، تحقيق أبي الفضل الدمياطي، دار الحديث، القاهرة، 1427 هـ/ 2006م ، ص 161.
[7] – أبو زيد، مفهوم النص، ص 48.
[8] – أبو زيد، مفهوم النص، ص125، 127
[9] – زيد مفهوم النص، ص 124
[10] – السابق، 52.
[11] – السابق، 53.
[12] – السابق، ص55.
[13] – السابق، ص 55.
[14] – راجع، نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، صـ 104-105.
[15] – السابق، ص 56.
[16] – نصر أبو زيد، مفهوم النص، صـ 24-25.
[17] – السابق، مفهوم النص، صـ 31-32.
[18] – محمد سالم العنيمي، القراءات الحداثية للنص القرآني، وأثرها على العقيدة، الدار المصرية العربية، القاهرة، 2016، صـ 172.
[19] – نصر حامد أبوزيد، نقد الخطاب الديني، صـ 106.
[20] – المرجع السابق، الموضع نفسه.
[21] – نصرأبو زيد، مفهوم النص، صـ 25.
[22] – نصر أبو زيد، نقد الخطاب الديني، صـ 70.
[23] – راجع، نصر أبو زيد، نقد الخطاب الديني، صـ 87-89.
[24] – راجع، نصر أبو زيد، التفكير في زمن التكفير ضد الجهل والزيف والخرافة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 1، 2014، صـ 227.
[25] – نصر أبو زيد، نقد العقل الديني، صـ 88.
[26] -نصر أبو زيد، دوائر الخوف (قراءة في خطاب المرأة)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط4، 2007صـ 70.
[27]– – Encyclopaedia of Qur’an Index Volume, General Editor Jane Dammen McAuliffe, Georgetown University, Brill, Leiden–Boston–Köln 2001, part 2 , Nasr Hamid Abu-Zayd (Everyday Life, Qurān In Introduction) p.p 86.
[28] – ibid.
[29] – نصر أبوزيد، التجديد والتحريم والتأويل، صـ 194.
[30] – ، محاضرة نصر حامد أبوزيد عام 2008، في مكتبة الاسكندرية بعنوان (إعادة تعريف القرآن)، وراجع أيضا، جمال عمر، أنا نصر أبوزيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2019، صـ 262، 263، 268.
[31] – نصر أبوزيد، التجديد والتحريم والتأويل، صـ 200.
[32] – السابق، ص 189.
[33] – نصر أبوزيد، التجديد والتحريم والتأويل، صـ 194.
[34] – Abu Zayd (Nasr), The Qur’an: God and Man in Communication, inaugural lecture for the Cleveringa Chair at Leiden University (November7th, 2000), pp3-4.
https://scholarlypublications.universiteitleiden.nl/handle/1887/5337
[35] – Abu Zayd (Nasr), The Qur’an: God and Man in Communication, inaugural lecture for the Cleveringa Chair at Leiden University (November 7th, 2000), pp2
https://scholarlypublications.universiteitleiden.nl/handle/1887/5337
[36] – نصر أبو زيد، التجديد والتحريم والتأويل، صـ 191.
[37] – المصدر السابق، صـ 191.
[38] السابق، صـ 191 192.
[39] – نصر أبوزيد التجديد والتحريم والتأويل صـ 192.
[40] – محاضرة (إعادة تعريف القرآن) سبق ذكرها.
[41] – محاضرة أبو زيد (إعادة تعريف القرآن).
[42] – أبو زيد، مفهوم النص، ص 57
[43] – أبو زيد، التجديد والتحريم والتأويل، ص 201-202
[44] – السابق، ص 207