تكوين
- مقدمة
تحضر مسألة التفسير العلمي للقرآن الكريم، عند القدماء وَفْق سياقهم المعرفي، وهو سياق يختلف عن تحديات الزمن والعصر الذي ننتمي إليه، ولهذا من المفيد التمييز بين منهج الأقدمين ومنهج المعاصرين؛ فالمتأمل في تراث كلٍّ من الغزالي، والفخر الرازي، والبيضاوي، وغيرهم من الذين عُرف عنهم استحضار العلوم الطبيعية في تفسير القرآن، يُدرك أنهم لم يتذرعوا بمصطلح “الإعجاز العلمي” بمعناه الذي يُفيد التحدي الذي يجعل من القرآن كتابًا فوق العلم، وهي مسألة تحدُّ من معرفة الإنسان وتجعله في دائرة العجز، فدوره إسقاط ما قال به العلم في موضوع من المواضيع التي قاربت موضوع من مواضيع الطبيعة على مختلف الآيات القرآنية التي تحدثت عن ظاهرة من الظواهر الكونية، وهذه مسألة تلفيقيه تسيئُ منهجيًا إلى الدين وإلى العلم معًا، وينتج عن ذلك حالة من التخلف العقلي سواء في فهم الدين وهدايته المستمدة من قيمة رحمة الله بخلقه التي تسع عموم الناس جميعًا، أو في فهم العلم وأبعاده وتطوراته وإشكالاته؛ التي يرتبط بعضها بسؤال الأخلاق؛ بغاية أن يكون العلم خادمًا للإنسان بدل أن يكون سببًا في دمار حياته؟ وبهذا الأسلوب تتحول مقولة الإعجاز العلمي إلى حالة من تكريس الكسل العقلي إذ لا فائدة من وراء البحث في الطبيعة ما دام أن كل ما سيقول به العلم سبقه إليه القرآن، كما أنه لا فائدة من تجديد فهم الدين ما دام أن الأقدمين قعَّدوا قواعد الفهم والتفسير.
الأقدمون انطلقوا من رؤية أرحب ترى في العلوم الطبيعية أدوات معرفية وضرورةً منهجية لتعميق فهم النص القرآني واستكشاف دلالات آياته الكونية. وقد نزهوا القرآن عن التقلبات الظنية للنظريات العلمية، وجعلوا من العلم خادمًا للتفسير، لا وسيلة لإثبات صدق الوحي، مما مَنح قراءتهم عمقًا إيمانيًا وتوازنًا عقليًا يفتقده كثيرٌ من دعاة مقولة الإعجاز العلمي اليوم.
سنتوقف في هذه الورقة عند موقف كلٍّ من: الغزالي، والفخر الرازي، والشاطبي، وابن رشد، من استحضار العلوم الطبيعية في فهم القرآن وتفسيره. كما سنبحث في أهم المحاولات التي ظهرت في القرن التاسع عشر للتوفيق بين العلم والدين، وهي التي تفسر القرآن بمعطيات العلم الحديث. وسنسلط الضوء على منزلق القول بـ ‘الإعجاز العلمي’ ليكون بديلًا عن التفسير العلمي للقرآن، مع بيان الفروق المنهجية بينهما؛ إذ تحول الإعجاز العلمي إلى أيديولوجيا دعوية تُسيء إلى كل من العلم والدين معًا.
-
1-العلوم الطبيعة وتفسير القرآن عند المتقدمين
- أ- أبو حامد الغزالي (1058م/1111م)
استثمار المعارف العلمية في مختلف مجالات العلوم الطبيعية، فكرةٌ تعود أساسًا إلى المتقدمين وأبرزهم أبي حامد الغزالي؛ الرجل الذي يُمَثِّلُ حلقة مُهمة في الثقافة الإسلامية. فسواء اتفقنا معه أو اختلفنا بشأن كثيرٍ من مواقفه وتصوراته، فإن تراثه كان له أثرٌ بليغ في الثقافة الإسلامية بأساليب مختلفة. وهذا التراث تمت استعادته في القرن العشرين بطرق متباينة، إذ نجد من المفكرين والمثقفين من ناصره ومنهم من عارضه. والحقيقة أن هذا الامتداد الذي حظي به تراث الغزالي على مدار تاريخ الثقافة الإسلامية يلفت نظرنا إلى الأهمية المعرفية لمتنه، وهو متن مركب يجمع بين العقل والنقل، وبين البرهان والعرفان. كما أن عناوين مؤلفاته لم تكن من باب الصدفة، بل هي عناوين تحمل أبعادًا معرفية؛ فصيغة عنوان كتابه “إحياء علوم الدين” تلفت نظر المتلقي إلى أن المؤلف بذل وسعه في إحياء شيء لا يقوم الدين إلا به، وهو علوم الدين. وكذلك كتابه “جواهر القرآن” يُنبه المتلقي إلى طبيعة التمييز بين جوهر القرآن وباطنه وبين ظاهره وهيئته؛ فالعناية بالجوهر أولى من العناية بالمظهر، ومَن فوَّت على نفسه معرفة جوهر الشيء لم يفده الظاهر في شيء. وقد حصر الغزالي جواهر القرآن في ثلاث معارف: (1) معرفة الله عز وجل (المقصد الأقصى) و(2) معرفة الصراط المستقيم (طريق السلوك) و(3) معرفة الحال عند الوصول (المعاد).[2] والسؤال هنا: كيف تنتظم مختلف العلوم وبالأخص الطبيعة منها في علاقتها بمختلف هذه الجواهر؟
نظر الغزالي الذي إلى الوجود كونه فعلًا من أفعال الله، فمعرفة الوجود والموجودات وجه من وجوه معرفة الله. قوله: “وأما الأفعال: فبحرٌ مُتَّسِعَةٌ أَكنافُه، ولا تُنَال بالاستقصاء أطرافُه، بل ليس في الوجود إلا اللهُ وأفعالهُ، وكل ما سواه فِعْلهُ، لكنَّ القرآن يشتمل على الجليِّ منها الواقع في عالم الشهادة، كَذِكْر السماوات والكواكب، والأرض والجبال، والشجر والحيوان، والبحار والنبات، وإنزال الماء الفُرات، وسائر أسباب النبات والحياة، وهي التي ظهرت للحِسّ. وأشرفُ أفعاله وأعجَبُها وأدلُّها على جلالة صانعها”[3]
فالغزالي يؤصِّل في هذا النص لرؤية وجودية شاملة، تجعل من العلوم الطبيعية (دراسة عالم الشهادة) مدخلًا ضروريًا لفهم العلوم الإلهية؛ فهو يرى أن القرآن ليس محض نصوص تشريعية، بل هو عرض لأفعال الله في الكون، بدءًا من حركة الكواكب وصولًا إلى دورة حياة النبات. وبما أن الفعل هو المرآة التي تعكس قدرة الفاعل، فإن الغزالي يحوِّلُ الظواهر الطبيعية (الفيزيائية والبيولوجية) من مجرد جمادات إلى رسائل منظورة داخل النص القرآني، مُعتبرًا أن التفكر في أسرار المادة والحياة هو الطريق الأرقى لإدراك جلال الصانع، وهو ما فتح الباب لمن جاء بعده منهم الفخر الرازي والبيضاوي لدمج حقائق العلوم في تفسير آيات القرآن.
يرى الغزالي بأن
“العلوم ما عددناها وما لم نعدها ليست أوائلها خارجة عن القرآن، فإن جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى، وهو بحر الأفعال […] فمن أفعال الله تعالى وهو بحر الأفعال مثلًا: الشفاء والمرض، كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {وإذا مرضت فهو يشفين}. وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله، إذ لا معنى للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته، ومعرفة الشفاء وأسبابه، ومن أفعاله تبارك وتعالى تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان، وقد قال الله تعالى: {الشمس والقمر بحسبان}؛ وقال: {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب}؛ وقال: {وخسف القمر * وجُمِعَ الشمس والقمر}؛ وقال: {يُوْلج الليل في النهار ويُوْلج النهار في الليل}؛ وقال: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم}. ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان، وخسوفهما وولوج الليل في النهار، وكيفية تكوُّرِ أحدهما على الآخر، إلا من عرف هيئات تركيب السماوات والأرض، وهو علم برأسه. ولا يعرف كمال معنى قوله تعالى: {يا أيها الإنسان ما غرَّك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركَّبك} إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرًا وباطنًا، وعددها وأنواعها وحكمتها ومنافعها، وقد أشار في القرآن في مواضع إليها، وهي من علوم الأولين والآخرين، وفي القرآن مجامع علم الأولين والآخرين.”[4]
ومِن هنا يبدو الربط الذي قام به الغزالي واضحًا، بين “جواهر القرآن” وبين ما أسماه “بحر الأفعال”؛ فإذا كان جوهر القرآن هو معرفة الله، فإن هذه المعرفة لا تكتمل إلا بالغوص في بحار أفعاله الكونية. فمن يدرس الطب أو الفلك من منظور الغزالي لا يدرس علمًا منفصلًا عن الدين، بل هو يستخرجُ جوهر الآية الكونية ويحولها من نصٍّ مقروء إلى حقيقةٍ مشهودة، محققًا بذلك الغاية من إحياء علوم الدين التي لا تنفصل فيها علوم الأبدان عن علوم الأديان.
فالغزالي كان مقصده الأسمى هو الاستثمار المعرفي للعلوم الطبيعية في تعميق معرفة الله. فالكون عنده هو بحر الأفعال الإلهية، والقرآن هو كلام الله المسطور، فدراسة القوانين الطبيعية هي في جوهرها دراسة لآثار حكمة الله وقدرته. وبذلك، تحول العلم في منظور الغزالي من بحث مادي جاف إلى عبادة عقلية تفتح للمؤمن أبواب جواهر القرآن، ليكون فِعل الاستكشاف العلمي طريقًا لاكتشاف عظمة الخالق وحكمته في الوجود. فالعلم بالموجودات ليس غاية في ذاته، بل هو خادمٌ لجوهر الجواهر، وهو معرفة الله وحكمته سبحانه وتعالى.
هذه الرؤية عند الغزالي، التي تستحضر المعارف الكونية في معرفة الله، هي رؤية منفتحة على مختلف التحولات والتطورات؛ فهو لم يَحْصُر معرفة الله في علوم الطبيعة الخاصة بزمانه أو أي زمان آخر، فالمعرفة بالعلوم الطبيعية تظل معرفةً مساعدةً ووسيلةً لإدراك الخالق وليست غايةً في ذاتها. وهذا يعني أن أهل كل زمان يستحضرون هذه العلوم وَفْق ما وصلت إليه من كشوفات وتحولات وحقائق متنوعة. وفي هذا السياق يرى عبد الكريم سروش أن جميع المعارف البشرية، بما فيها المعارف الدينية، مُرتبطة بعضها ببعض؛ لذلك يُفترض، عند حدوث أي تطوُّر في أحد هذه العلوم، أن تتطوَّر معه المعارف كلها، بما فيها المعارف الدينية، ويستتبع ذلك أنَّ فهم الدين وقراءته سوف تتطوَّرُ بقدر تطور العلوم البشرية الأخرى.[5]
-
ب- الفخر الرازي (1150م/1210م)
وبهذا التقعيد المنهجي، يكون الغزالي قد فتح بابًا نقل التفسير من الحيز اللغوي الضيق والاعتماد على الآثار والرواية إلى الفضاء الكوني الفسيح؛ فهو يرى أن النص القرآني ليس فقط ألفاظًا تُشرح لغويًا، ولكنَّهُ “مفاتيحٌ” لعلوم هائلة. فعندما يقرأ المفسر الآيات الكونية، فإن فهمه يظل ناقصًا ما لم يستعنْ بـعلوم الطبيعة. وهذا الباب قد مضى فيه الفخر الرازي وهو مسلكٌ واضح في تفسيره “مفاتيح الغيب”، إذ توسل في تفسير كثير من الآيات الكونية، باستحضار المعارف الطبية والفلكية والفيزيائية وَفْق المعطيات المتوفرة في زمانه. فمثلا في تفسيره لقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار: 7] فمعنى التسوية:
“يريد عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين، فلم يجعل إحدى اليدين أطول ولا إحدى العينين أوسع، وهو كقوله: {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} وتقريره ما عرف في علم التشريح أنه سبحانه ركَّب جانبي هذه الجثة على التسوي حتى إنه لا تفاوت بين نصفيه لا في العظام ولا في أشكالها ولا في ثقبها ولا في الأوردة والشرايين والأعصاب النافذة فيها والخارجة منها”.[6]
ومن باب المثال كذلك تفسير عند تفسيره الآية 164 من سورة البقرة قال تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة:164) أورد أقوالًا كثيرة من بينها قوله: عن ترتيب الكواكب
“ذكروا في طريق معرفة هذا الترتيب ثلاثة أوجه. الأول: السير، وذلك أن الكواكب الأسفل إذا مرَّ بين أبصارنا وبين الكواكب الأعلى فإنهما يبصران ككوكب واحد، ويتميز السائر عن المستور بلونه الغالب، كصفرة عطارد، وبياض الزهرة وحمرة المريخ، ودرية المشتري، وكمودة زحل، ثم إن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة، وكثيرًا من الثوابت في طريقه في ممر البروج، وكوكب عطارد يكسف الزهرة، والزهرة تكسف المريخ وعلى هذا الترتيب فهذا الطريق يدل على كون القمر تحت الشمس لانكسافها به، لكنْ لا يدل على كون الشمس فوق سائر الكواكب أو تحتها، لأن الشمسَ لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال أضوائها في ضوء الشمس، فسقط هذا الطريق عند الشمس. الثاني: اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة، وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل، وأما في حق الشمس فقليلٌ جدًا، فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين، وهذا الطريق بَيِّنٌ جدًا لمن اعتبر اختلاف منظر الكواكب، وشاهده على الوجه الذي حكيناه، فأما من لم يُمارسه، فإنه يكون مُقلدًا فيه، لا سيما وأن أبا الريحان، وهو أستاذ هذه الصناعة ذكر في تلخيصه لفصول الفرغاني أن اختلاف المنظر لا يحس به إلا في القمر. الثالث: قال بطليموس: إن زحل والمشتري والمريخ تبعد عن الشمس في جميع الأبعاد، وأما عطارد والزهرة فإنهما لا يبعدان عن الشمس بعد التسديس فضلًا عن سائر الأبعاد، فوجب كون الشمس متوسطة بين القسمين، وهذا الدليل ضعيف، فإنه منقوض”[7]
يُقِرُّ الفخر الرازي بكروية الأرض قوله: “ظلُّ الأرض مستدير فوجب كون الأرض مستديرة ودليله يعود إلى أن انخساف القمر نفس ظل الأرض، لأنه لا معنى لانخسافه إلا زوال النور عن جوهره عند توسط الأرض بينه وبين الشمس ثم نقول: وانخساف القمر مُستدير لأننا نحس بالمقدار المنخسف منه مستديرًا، وإذا ثبت ذلك وجب أن تكون الأرضُ مستديرةً، لأن امتداد الظل يكون على هيئة الفصل المشترك بين القطعة المستضيئة بإشراق الشمس عليها، وبين القطعة المظلمة منها، فإذا كان الظلُّ مستديرًا وجب أن يكون ذلك الفصل المشترك الذي كوَّنَ كُلَّ الظل مثل هيئته مستديرٌ، فثبت أن الأرض مستديرة ثم إن هذا الكلام غير مختص بجانب واحد من جوانب الأرض، لأن المناظر المُوْجِبَةُ للكسوف، تنفق في جميع أجزاء فلك البروج مع أن هيئة الخسوف أبدًا على الاستدارة فإذن الأرض مستديرة الصورة من كل الجوانب”[8]
يُعَدُّ هذا النص وغيره نموذجًا من بين النماذجِ الكثيرةِ في تطويع المعطى العلمي الفلكي لتجذير الفهم القرآني؛ فالفخر الرازي لا يكتفي بتقرير كُروية الأرض لتكون معلومةً نظرية، وإنما يستحضرُ آليات “علم الهيئة” عبر تحليل ظاهرة خسوف القمر هندسيًا. إن استدلاله باستدارة ظل الأرض على وجه القمر، ليثبت استدارة الأرض من جميع جوانبها، يعكس انتقالًا نوعيًا في التفسير من الرواية إلى الدراية العلمية. وهذا المسلك يؤكد أن الرازي كان يرى في القوانين الطبيعية -مثل: الكسوف والخسوف- لغةً شارحة لإحكام الخلق الإلهي، محولًا العلم الطبيعي من معرفة دنيوية فحسب إلى أداة برهانية لا غنى عنها للمفسر المعاصر لزمانه.
ونُشير هنا إلى أن توسُّلَ الفخر الرازي بمعطيات الطبيعة في تفسير القرآن، يُعَدُّ جزءًا من ترسانة معرفية تدمج بين الجوانب اللغوية والبلاغية والفلسفية والكلامية، إذ يحضر الجانب العلمي بوصفه مكونًا أصيلًا إلى جانب هذه المجالات. فإذا أجرينا مقارنة بين تفسير الطبري (ت 310هـ)، وتفسير الفخر الرازي (ت 606هـ)، فسنقف على فروقات جوهرية؛ أبرزها أن الطبري اعتمد في “تفسير جامع البيان” على حشد الآثار، والمرويات، والقراءات، والاشتقاقات اللُّغوية، بهدفه تثبيت المعنى كما فهمه السلف. أما الرازي في “مفاتيح الغيب”، فقد انطلق من أرضية كلامية وفلسفية، فهو يرى، أن تفسير القرآن لا يقف عند نَظْمِهِ البيانيِّ واللُّغوي، بل يشمل استحضار مختلف العلوم الطبيعية.
فإذا كان الغزالي قد فتح الباب لنقل التفسير من الحيز اللغوي الضيق والاعتماد المحض على الآثار والرواية إلى الفضاء الكوني الفسيح -برؤية الكون بأسره تجليًا لأفعال الله التي ينبغي التأمل فيها والتدبُّر في ملكوتها- فإن الفخر الرازي قد مضى بعيدًا في هذا الطريق؛ فقد عمل على تحويل التفسير من دائرة المأثور إلى رحاب المعقول، مُستخدمًا معطيات الطبيعة لتكون أدواتٍ برهانية لا تنفصل عن النص القرآني. والسؤال هنا: ألم يأتِ بعد الغزالي والفخر الرازي من يعترض على هذا الطرح؟
-
ج- أبو الوليد مُحمَّد بن رُشْد (1126م/1198م)
النظرةُ التي قال بها الغزالي نجدها حاضرةً عند ابن رشد الفيلسوف، وذلك في تقريبه بين الفلسفة والشريعة، لكنْ وَفْق سياق منهجي مُخالف لمنهجية الغزالي الذي عُرف عنه انتقاد الفلاسفة في كتابه “تهافت الفلاسفة” ورد ابن رشد عليه في كتاب “تهافت التهافت”، ورغم الاختلاف المنهجي بين الرجلين فهذا لا يعني، أنهما على قطيعة تامة، فمن المعروف أن ابن رشد قد لخص كتاب “المستصفى في أصول الفقه” الذي ألفه الغزالي في كتاب “مختصر المستصفى”.
يرى ابن رشد أن “الحكمة، هي صاحبةُ الشريعةِ والأختُ الرضيعةِ”[9] مع العلم أن علومًا (مثل: الفيزياء، والرياضيات، والطب) قد نشأت في رحم الفلسفة، فقد كان الفلاسفة الأوائل يبحثون في أصل الوجود والكون، فابن رشد من الفلاسفة الذين بذلوا جُهدًا في تحويل “الفلسفة” و”العلوم الطبيعية” من علوم غريبة أو مشكوك فيها إلى أدوات ضرورية لفهم الدين.
ووفقًا لهذا السياق المنهجي، فتفسير القرآن وفهم أسرار الخلق لا يُمكن أن يكتمل من خلال اللُّغة وحدها، ولكنْ يجب أن يمرَّ عبر بوابة العلوم الطبيعية والفلسفة، لأنها هي التي تشرح لنا ماهية المصنوعات التي أمرنا الله بالنظر فيها. فالفلسفة أو الحكمة في نظر ابن رشد على حد قوله: “ليس شيئًا أكثر من النظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها. وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم، وكأن الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات، وحث على ذلك. فبين أن ما يدل عليه هذا الاسم إما واجب بالشرع، وإما مندوب إليه. فأما أن الشرع دعا إلى رؤية الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به، فذلك بَيِّنٌ في غير ما آية من كتاب الله، تبارك وتعالى، مثل قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي، أو العقلي والشرعي معًا. ومثل قوله تعالى: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء} وهذا نص بالحث على النظر في جميع الموجودات… الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات… فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي.”[10]
لكن لا ينبغي أن نغفل هنا عن الاختلاف المنهجي بين ابن رشد والغزالي في نظرة كل منهما إلى العلم بالطبيعة.
فالغزالي يرى أن العلاقة بين الأسباب ونتائجها في الطبيعة، هي علاقة اقتران زمني وليست علاقة ضرورة عقلية؛ فالفاعل الحقيقي لكل حادثة في الكون هو الله بإرادته المباشرة، وما يبدو لنا مثل: قوانين فيزيائية ثابتة (مثل إحراق النار أو ري الماء) ليس إلا “عادة إلهية” أجراها الله على هذا النحو، وهي قابلة للخرق والتبديل في أي لحظة. ويَهدف الغزالي من هذا الموقف إلى الحفاظ على مفهوم “القدرة الإلهية المطلقة”، وتأمين مخرج منطقي وعقلي لقبول “المعجزات النبوية” التي تكسر قوانين المادة، مُعتبرًا أن العلم الطبيعي، هو فقط وصفٌ لما اعتاد الله خلقه، وليس كشفًا عن طبائع ذاتية في الأشياء تُلزِمُ الخالق أو تمنع إرادته. قوله: “الاقتران بين ما يُعتقد في العادة سببًا وما يُعتقد مُسببًا، ليس ضروريًا عندنا، بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمنٌ لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل: الري والشرب والشبع والأكل والاحتراق ولقاء النار والنور وطلوع الشمس والموت وجز الرقبة والشفاء وشرب الدواء وإسهال البطن واستعمال المسهل وهلم جرا إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه، يخلقها على التساوق، لا لكونه ضروريًا في نفسه غير قابل للفرق، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون جز الرقبة وإدامة الحياة مع جز الرقبة وهلم جرا إلى جميع المقترنات، وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته.”[11]
بينما يرى ابن رشد أن العلاقة بين الأسباب ومسبباتها، هي علاقةُ ضرورة وجودية، نابعة من طبائع الأشياء التي أودعها الله فيها؛ فالعلم عند ابن رشد، هو معرفةُ الأسباب، وإنكار هذه الأسباب، هو إبطالٌ للعقل وهدم للحكمة الإلهية. فهو يرى أن الله، لكونه صانعًا حكيمًا، قد وضع نظامًا مُحكمًا وقوانينَ ثابتةً في الكون (سُنة الله) لا تتغير، وأن دراسة العلوم الطبيعية، هي الوسيلةُ الوحيدة والواجبة شرعًا لفهم عظمة الصانع وإتقان صنعه. وبناءً عليه، فإن أي تعارض ظاهري بين النص القرآني والحقيقة العلمية البرهانية، يجب حله عن طريق التأويل، لأن الحق (الوحي) لا يُمكن أن يُضاد الحق (العقل والعلم)، بل يوافقه ويشهد له، فالمعجزة عنده لا تعني الفوضى أو غياب الأسباب، بل هي خضوعٌ لنظام إلهي أعمق لا ينقضُ مبدأ السببية الذي قامت عليه السماوات والأرض.
الاختلاف بين كلٍّ من الغزالي وابن رشد، ليس اختلافَ من ينطلق من الدين القرآن ومن يُعْرِضُ عنه؛ أو هو اختلافٌ بين من ينتصر للتوسل باستحضار العلوم الطبيعية ومعرفة الوجود في تفسير القرآن؛ أو العكس، كما يسوق البعض. فالغزالي وابن رشد كلاهما ينطلق من القرآن، وكلاهما يَصْدُقُ عليهما لقب الفقيه والفيلسوف في الوقت ذاته، وقد ألف ابن رشد في الفقه كتاب “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” كما كتب في الفلسفة. الفرق بينهما يعود إلى طبيعة مفهوم العلة والأسباب القائم عليها الوجود، وهي مسألةٌ خطيرة. فالتسليم بفاعلية الأسباب في الوجود سيأخذنا إلى البحث فيها وبشأنها؛ وذلك طريق العلم. فالفعل الإلهي وحكمة الله كامنة في مختلف النواميس والأسباب التي تقوم عليها الطبيعة. أما القول بأن الأسباب ونتائجها في الطبيعة ليست ضرورة عقلية، فذلك مسلك لا يحفز على العلم والبحث في قوانين الطبيعة ونواميسها. لقد أخذت أوروبا عن ابن ر شد رؤيته في فهم الطبيعة والوجود، يعني أنها أخذت ابن رشد الفيلسوف، أما ابن رشد الفقيه فلا يعنيها في شيء. أما المسلمون فقد نسو ابن رشد الفيلسوف والفقيه؛ وقد دُفِنَ في مراكش، ونُقِلَ جثمانه إلى قرطبة.
-
د- الشاطبي (1320م /1388م)
إذا كان الغزالي ومن بعده الرازي ومن سار على نهجهم قد رأوا في العلوم الطبيعية وسيلةً لتعميق فهم “جواهر القرآن”، أخذ الشاطبي منهجًا مُغايرًا في كتابه “الموافقات” إذ مَثَّلَ نقطة تحول ومنعطفًا نقديًا كبيرًا في هذا المسار؛ مُحذرًا من الإغراق في تفسير القرآن بغير ما عهده العرب وقت النزول. فهو لا يرفض العلوم الطبيعية في ذاتها، بل يرفض جعلها أصلًا لتفسير القرآن. إذ يرى أن العلم الطبيعي وسيلةٌ لمعرفة عظمة الله في الكون (خارج النص)، لكنْ لا يجوز أن نأتي بنظرية علمية ونقحمها في لفظة قرآنية لم يقصد بها العرب ذلك المعنى وقت النزول. مؤكدًا أن القرآن نزل على معهود العرب في علومها.
فالشاطبي يرى أن ” كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين، من علوم الطبيعيات، والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف وجميع ما نَظَرَ فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، وهذا […] لم يصح […] فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أَعْرَفَ بالقرآن وبعلومه وما أُوْدِعَ فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى […] فليس بجائز أن يُضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصحُّ أن يُنْكَرَ منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه على كل ما يُضاف علمه إلى العرب خاصة.”[12]
يبدوا أن اعتراض الشاطبي اعتراضٌ ضعيف، لأنه ربط فهم القرآن وحصره فيما عهدته العرب في لغتها وعلومها، وهذه مشكلة معرفية كبيرة قد تحكم على فهم القرآن بأن يبقى لصيق معهود العرب، وفي هذا إعلاء من شأن معهود العرب زمن نزول القرآن، على حساب معهودات علمية وثقافية ومعارف متجددة، كأن الفهم والإدراك والنظر في القرآن اكتمل مع معهود العرب. وقد يترتب عن هذا الفهم أن القرآن جاء لمعهود العرب دون غيرهم من الثقافات والشعوب، وهي مسألة تتعارض مع كونية الخطاب القرآني وعالميته. فلا يستقيم الإعراض عن فهم القرآن بعلوم ومعارف ليست حاضرة زمن نزوله بناء على قاعدة مفادها وَفْق ما ذهب إليه الشاطبي: “الشريعة أمية، وأن ما لم يكن معهودًا عند العرب فلا يعتبر فيها “[13] قد يكون اعتراض الشاطبي مقبولًا من زاوية أنه يخشى من ربط النص القرآني بنظريات علمية قد تتغير أو تتبدل بمرور الزمن. لكنَّ طبيعة تقعيد اعتراضه جاءت ضعيفة.
وقد توقف الطاهر بن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير” عند هذه المسألة التي فتح بابها الغزالي واعترض عليها الشاطبي؛ حين رأى أن حصر القرآن في معارف العرب الأولى كما قال الشاطبي (أميّة الشريعة) مسألة لا تنسجم مع رُوح القرآن، وقد جعل الطاهر بن عاشور علاقة القرآن بالعلوم على أربعة مراتب “الأولى: علوم تضمنها القرآن مثل: أخبار الأنبياء والأمم، وتهذيب الأخلاق والفقه والتشريع والاعتقاد والأصول والعربية والبلاغة. والثانية: علوم تزيد المفسر علمًا مثل: الحكمة والهيأة وخواص المخلوقات. والثالثة: علوم أشار إليها أو جاءت مؤيدة له مثل: علم طبقات الأرض والطب والمنطق. أما الرابعة: فهي علوم لا علاقة لها به؛ إما لبطلانها مثل: الزجر والعيافة والميثولوجيا، وإما لأنها لا تُعين على خدمته مثل: علم العروض والقوافي.”[14] فالطاهر بن عاشور بقوله هذا، يكون قريبًا من طرح الغزالي والفخر الرازي.
والحقيقة أن المعرفة الدينية “تحاول باستمرار أن تنسجم والنظريات العامة في علم المعرفة وعلم الأناسة والطبيعة والفلك واللغة… هذه النظريات… عميقة لتغدوا ليس فقط أساسًا لفهم الدين، وإنما أساسُ فهم الفلسفة والعلم والعرفان، ولا بُدَّ أن يكون للناس إدراك عن الكون والإنسان والمعرفة واللغة وغيرها لتكون مقدماتٍ لفهم الدين، فمن دون هذه المقدمات الأساسية والعامة لا يُمكن قبول الدين قبولًا عقليًا مثبتًا، ويصبح فهم النصوص الدينية فهمًا عسيرًا”[15]
-
2- إشكالية علاقة العلم والدين أواخر القرن التاسع عشر
إذا كان الأقدمون قد ناقشوا موضوع استثمار العلوم الطبيعية في فهم القرآن وتفسيره، فإن إقبالهم على هذا الموضوع أو إعراضهم عنه، كان يستند إلى أرضية ثقافية متمثلة في الحالة الحضارية التي كان عليها العالم الإسلامي حينها، بوصفه فاعلًا أساسيًا في مختلف القضايا الفكرية والعلمية والدينية، وهي قضايا كانت تنطلق في معظمها من النصوص المقدسة؛ فالمسلمون واليهود والمسيحيون لم تكن نقاشاتهم في مختلف حقول المعرفة لتفارق رُوح نصوصهم الدينية. والحقيقة أن المسلمين حينها -في بغداد أو القاهرة أو فاس أو الأندلس- كانوا على مستوًى عالٍ من استثمار مختلف العلوم والمعارف التي أخذوها عن سلفهم وعن الحضارات والثقافات التي سبقت الحضارة الإسلامية، وقد أضافوا عليها وأبدعوا في مواطنَ عديدةٍ، ولولاهم لما وصلت الحضارة الحديثة إلى ما هي عليه اليوم.
لكنَّ فلسفة الأنوار في أوروبا، وما تلاها من تحولات، جعلت العلم في منظومة المعرفة الغربية ينفلت من وصاية الكنيسة والكتاب المقدس، مما نتجَ عنه تصورٌ مفارقٌ يرى العلم والمعرفة في تضادٍ مع الدين. وبهذه الرُوح (الصدامية) تجدَّدَ الاتصالُ بين أوروبا والعالم الإسلامي، وهو ما اتَّضَح جليًا في القرن التاسع عشر؛ إذ صاحب هذا الالتقاء حالةٌ من الركود المعرفي في العالم الإسلامي، غلب عليها التكرار واجترار المتون، سواء تعلق الأمر بعلوم الدين أو علوم الطبيعة. وحتى إن ظهرت محاولات عبقرية لتجديد فهم العلوم الطبيعية، فإنها لم تحظَ بالاهتمام الكافي؛ لأن العقل الجمعي أضحى لا يقبل الجديد، مُستسلمًا لكل ما هو قديم. فضلًا على هذا الوضع، كان المسلمون ينظرون في أنفسهم بأنهم لا يزالوا أسياد العالم في مختلف العلوم، فالعلوم القادمة من الآخر ينبغي التوقف بشأنها، في وقت كان الآخر على مستوى عال من التقدم العلمي والحضاري، مصحوبًا بنظرة تصورية مختلفة عن كل من العلم والدين كما كان من قبل، ويحضر في نظرته هذه أن الدين والعلم في حالة صراع نتيجة ما ذاقه العلم في أوروبا من لَّدُنِ الكنيسة من المعارضة والإقصاء والتسلط، عكس ما كان عليه العلم والدين على طول التاريخ الإسلامي.
-
أ- عبد الله فكري باشا (1834م/1889م) ومحمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي (ت.1306هـ)
وَفْق هذا السياق المعرفي الغربي الذي سار حينها يُظلل العالم بأكمله، في أواخر القرن التاسع عشر، تجددت إشكالية العلوم وتفسير القرآن مع رواد النهضة في العالم الإسلامي. يُعَدُّ عبد الله فكري باشا، من أوائل من قارن بين العلم الحديث والقرآن. في كتاب: “مقارنة بعض مباحث الهيئة بالوارد في النصوص الشرعية” نُشر1876م، وهو من أوائل من قارن بين الفلك الحديث والقرآن، فهدفه من الكتاب يسعى في حل أزمة نفسية عند المتدينين في عصره. فهو يرى أن الاعتقاد في وجود تضادٍّ بين العلم والدين يؤدي إلى نتيجتين كارثيتين: إما رفض العلم والوقوع في الجهل، أو الشك في الدين عند رؤية الحقائق العلمية. لذا، ركز في كتابه على أن العلم والدين حليفان لا خصمان، وأن كلاهما يَهْدِفُ إلى الوصول إلى الحقيقة؛ العلم يكتشف “سنن الله في الكون”، والدين يوجِّهُ الإنسان إلى خالق هذا الكون.
وقد صدر لمحمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي كتاب: “كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية“، طُبِعَ الكتاب في ثلاثة أجزاء بالمطبعة الوهبية بمصر عام 1297هـ، ويقع في 678 صفحة تقريبًا. وهي طبعة قديمة جدًا، أُحدِثَتْ بعدها طبعة في جزأين بدار الكتب العلمية ببيروت عام 2010م، بتحقيق أحمد فريد المزيدي، وتقع في 968 صفحة تقريبًا. يُعَدُّ تفسيرُ “كشف الأسرار النورانية القرآنية” للطبيب محمد بن أحمد الإسكندراني، من أوائل التفاسير التي تحدثت عن تفسير ما جاء في كتاب الله تعالى من ذكر الأجرام السماوية والأرضية، والحيوانات والنباتات، والجواهر المعدنية، من خلال مكتشفات العلم التجريبي. ومع تميز المؤلف في عرض موضوعاته، إلا أن الكتاب لم يلقَ حظًا كبيرًا من الباحثين، ولم يكنْ له رواجٌ واسع في الأوساط العلمية.[16]
· ب- حسين الجسر (1845م/1909م)
أثارت نظرية التطور التي قال بها داروين سنة (1859م) جدلًا واسعًا في الدين والعلم، وهذا الجدل لم ينتهِ حتى هذه اللحظة، إذ يتجدد بطرقٍ معرفية ومنهجية مختلفة، فنظرية تنصُّ على أن جميع الكائنات الحية على الأرض تنحدر من سلف مشترك، وأن الأنواع تتغير وتتطور عبر فترات زمنية طويلة جدًا نتيجة لتغيرات في الصفات الوراثية، وهي ركيزة أساسية لعلوم الأحياء الحديثة. وقد بلغ صداها في العالم الإسلامي، إذ نُشرت أولى مقتطفات النظرية باللغة العربية عام 1876م عبر مجلة “المقتطف” التي كانت تصدر في بيروت، ويُعد جمال الدين الأفغاني من بين الأوائل الذي ردوا عليها في كتابه “الرد على الدهريين” وكذلك حسين الجسر (1845م/1909م) في كتابه “الرسالة الحميدية” الذي صدر (1888م).
لقد وضعت نظرية التطور العلم والدين وجهًا لوجه؛ ففي الوقت الذي يقول الدين فيه بنظرية الخلق، يقول العلم بنظرية التطور. فالسؤال هنا هل التطور يحتوي على عملية الخلق؟ أم أن التطور ينفي عملية الخلق؟ رفض النظرية في ذاته يُعَدُّ رفضًا للعلم وسيرورته، وفي حالة تبنيها فكيف يُمكن تأويل النصوص الدينية على ضوئها؟ مُجمل هذه الإشكالات، حاول الحسين الجسر أن يقف عندها أو عند مثيلاتها، إذ خصصَ فصلًا في كتابه الرسالة الحميدية، بعنوان “العلم والإيمان”. وقد تبنى حسين الجسر منهجًا نقديًا وتوفيقيًا في التعامل مع نظرية التطور، يقوم أولًا على التفريق الدقيق بين الفرضية والبرهان؛ فقد جادل بأن نظرية داروين في عصره لم تتجاوز حيز الظن والاحتمال، لذلك لا يصحُّ عقلًا هدمُ نصوص الوحي اليقينية بِناءً على مقدمات علمية غير قطعية. ومع ذلك، فإنه يفتح باب إمكان التأويل بشجاعة معرفية، مُقررًا أنه حتى لو ثبتت هذه النظرية مُستقبلًا بالدليل العلمي القاطع، فإننا نؤول النصوص القرآنية بما يتفق معها، انطلاقًا من أن القرآن حثَّ على النظر في الخلق.[17]
رؤية حسين الجسر لطبيعة العلاقة بين العلم والإيمان تنبني على ركيزتين متكاملتين: الأولى: هي قاعدةُ عدم التعارض المطلق، إذ ينطلق من يقين عقلي مفاده: أن الحق لا يُضاد الحق. فبما أن الله سبحانه هو خالقُ الكون (مصدرُ الحقائق العلمية) ومنزل الوحي (مصدر الحقائق الدينية)، فإن أي تعارض متوهم بينهما هو إما نتيجة لعلم غيرُ مكتمل، لا يزالُ في طور الفرضية. أو فهم خاطئ لمقاصد النص الشرعي. مما يستوجب إعادة النظر في أدوات الفهم لا إنكار أصل الحقائق. أما الركيزة الثانية: فهي رؤية العلم خادمًا للعقيدة لا هادمًا لها؛ فكلما توغل العقل في اكتشاف السُنن الكونية ودقائق الطبيعة -سواء في قوانين الفيزياء أو أسرار التشريح- وجد فيها أدلة مُتجددة على إحكام الصنعة ووجود الصانع الحكيم، إذ يرى الجسر أن العلم وإن كان يشرح كيفية عمل الكون، إلا أن هذا الكيف في جوهره ليس إلا أثرًا ماديًا يتجلى فيه لماذا الوجود المتمثلة في قدرة الله وإرادته.[18]
ومن الواضح أن منهج الجسر فيه استعادة لطرح الفخر الرازي، الذي يتحول فيه العلم من محض معرفة تجريبية إلى “برهان عقلي إيماني” يُعمق الاستبصار بأفعال الله. وهي الرؤية نفسها التي نجدها عند كثيرٍ من رجالات النهضة من بينهم: محمد عبده، فالقارئ لمقدمة تفسير المنار التي قال بها محمد عبده محمد عبده (1849م/1905م) وكتبها تلميذه رشيد رضا، يقف عند هذه الرؤية، كما أنها هي الرؤيةُ نفسها التي نجدها عند المصلح الهندي أحمد خان (1817م/1898م) في الهند الذي يرى أن “العلوم الحَديثَة لا تُخالفُ الإِسلام والْقُرْآن.”[19] وقد فسر القرآن وَفْق هذه الرؤية باللغة الأردية، ولم يُترجم كتابه إلى العربية بعد.
-
ج- طنطاوي جوهري (1970م/1940م)
ومن المحاولات الأولى التي حضرت فيها حضورًا كبيرًا مختلف العلوم والاكتشافات العلمية المعاصرة في تفسير القرآن، تعود إلى طنطاوي جوهري (1970م/1940م) في النصف الأول من القرن العشرين، صاحب تفسير “الجواهر في تفسير القرآن الكريم”. يقول في مقدمة تفسيره “تأملت الأمة الاسلامية وتعاليمها الدينية، فوجدت أكثر العقلاء وبعض أجلة العلماء معرضين عن تلك المعاني، ساهين لاهين عن التفرج عليها، فقليل منهم من فكر في خلق العوالم وما أودع فيها من الغرائب [مما دفعه إلى تأليف]، كتبًا كثيرة مزج فيها الآيات القرآنية بالعجائب الكونية، وجعل آيات الوحي مُطابقة لعجائب الصنع، وحكم الخلق، فتوجه إلى الله يسأله التوفيق إلى أن يفسر القرآن تفسيرًا ينطوي على كل ما وصل إليه البشر من علوم.”[20]
انطلق طنطاوي جوهري من رؤية مفادها أن المسلمين أهملوا آيات الكون، وهي كثيرةٌ في القرآن الكريم واهتموا فقط بآيات الأحكام والتشريع، وكان يرى أن تأخر المسلمين سببه الجهل بعلوم الطبيعة، فأراد أن يثبت أن القرآن يحثُّ على دراسة الهندسة، والفلك، و الطب، والحيوان بقدر ما حثَّ على الصلاة والزكاة، ولهذا فتفسير “الجواهر في تفسير القرآن” الذي يقترن عنوانه بعنوان كتاب الغزالي “جواهر القرآن”، هو صرخةٌ إصلاحية صاغها عالم أزهري صُدِمَ بالفجوة بين تقدم الغرب وتأخر الشرق، فأراد أن يجعل القرآنَ الكريمَ مُحركًا للبحث العلمي. فهو ليس فقط تفسيرًا، ولكنَّهُ محاولةٌ لـعصرنة الفكر الإسلامي وكسر جمود اجترار المتون.
-
د- العلاقة بين العلم والدين والفراغ المنهجي
لا شكَّ بأن هؤلاء الذين جئنا على ذكرهم قد وجدوا أنفسهم في العمل على استرجاع الرؤية التي قال بها الغزالي وطبَّقها الفخر الرازي بمقارباتٍ مُختلفة بهدف أن ينسجوا مُقاربة منهجية لعلاقة الدين بالعلم الحديث، والحقيقة أن هؤلاء وغيرهم لا يملكوا إلا رُوح التراث الذي احتموا به في أحسن الأحوال، وهم يستقبلون الوافد العلمي الجديد في مختلف المجالات، لكنَّ الذي فات هؤلاء أنهم لم ينتبهوا بأن العلم الحديث صاغ مُختلف قواعده ومبادئه على قاعدة مخالفة لزمن كلٍّ من الغزالي والفخر الرازي.
إذ تتمحور الفوارق الجوهرية بين قواعد العلم قديمًا في الحضارة الإسلامية والعلم الحديث حول مسارين: المسار الأول: هو المركزيةُ والغاية، فقد كان العلم قديمًا “إلهيُّ المركزِ” يَهْدِفُ إلى الاستبصار بحكمة الخالق عبر دراسة الطبيعة بوصفها “بحرَ أفعالِ الله” ومجالًا لتقاطع الوحي مع العلم، وتحوَّلَ العلم الحديث ليكون “ماديَّ المركزِ” يفصل تمامًا بين المادة والغيبيات، مُقيدًا دوره في تفسير الظواهر بأسبابها المادية المباشرة دون التفاتٍ لغاية أخلاقية أو إلهية. والمسار الثاني: يتعلق بمنهجية الحقيقة؛ ففي حين اعتمد العلمُ قديمًا على منهج “موسوعي وصفي” يدمج التجربة الحسية بالبرهان الفلسفي، ليُقدم حقائق يقينية تعكس ثبات النظام الإلهي، قام العلم الحديث على “الصياغة الرياضية الدقيقة” التي تُحوِّلُ كل الظواهر إلى معادلات وأرقام، لتغدو الحقيقة العلمية عنده نسبية وغير مطلقة، بل هي فقط “أفضل فرضية مفسرة” تظل قائمة حتى يثبت الدليل التجريبي خطأها أو عدم دقتها.
أمام هذا الوضع المنهجي تبدوا محاولاتُ كلٌّ من الحسين الجسر، ومحمد عبد، وجوهري طنطاوي وغيرهم، محاولاتٌ توفيقية وتلفيقيه أحيانًا، ويغلب عليها الجانب الإنشائي والخطابي، كما أنها تتصف بحالة من الدفاع عن الذات أي الثقافة الإسلامية، وهي تُسقط مشكلات الحاضر التي يرتبط جزءٌ منها في طبيعة العلاقة المنهجية بين العلم والقرآن، على الماضي وكل منهما (أي الماضي والحاضر) له خصوصياته المنهجية، فالغزالي والفخر الرازي كلاهما لا يفيدنا في شيء إن لم نقرأ كلًّا منهما في لحظته التاريخية، لنرى ما الذي نتخلى عنه أو نحتفظ به في بناء المنهج. كلُّ الذين جئنا على ذكرهم، لم يَشغلْ أحدٌ منهم نفسه بالبحث في الفوارق المنهجية بين قواعد العلم قديمًا في الحضارة الإسلامية وقواعد العلم الحديث. وهذا ما أدَّى إلى وقوعهم في حالة من الفراغ المنهجي.
v 3- ترجمة كُتب أبو الأعلى المودودي وتحويل التفسير إلى أيديولوجية
يُعَدُّ أحمد خان (1817م/1898م)، من أبرز المصلحين في القرن التاسع عشر في الهند، ولم يُعرف عنه كثير، لأنه لم يَكتب باللغة العربية، وله آراء تفرد بها، وأثارت بعض أفكاره واجتهاداته جدلًا واسعًا، ومن أبرز المشاكل التي تُحيل بيننا وبين فكر أحمد خان، هي أن تفسيره للقرآن لم يترجم من اللغة الأردية إلى اللغة العربية، باستثناء مجموعة من المقالات والأبحاث التي نقلها مجموعة من الدارسين، وهم يُقربون أفكاره. يقول أحمد خان في مقدمة تفسيره للقرآن: “في الأيام التي كنت أسعى في إشاعة العلوم الحديثة واللغة الإنجليزية بين المسلمين، حاولت معرفة بأن حقيقة هذه العلوم إن كانت هكذا -كما هم يقولون- فهل هي تخالف القرآن والإسلام؟ […] وفي النهاية درست القرآن مباشرة وأمعنت النظر فيه، لأعرف من القرآن نفسه ما هي مرتكزاته، فوجدت بعد التحقيق وفي ضمن القواعد المستنبطة من القرآن أن العلوم الحديثة لا تخالف الإسلام والقرآن”[21] وقد بذل أحمد خان جُهدًا كبيرًا، في تفسير القرآن بصيغة تُوافق العصر، باستحضاره العلوم الحديثة في فهم القرآن، ومعروف عليه أنه لم يتحمَّسْ لما هو أيديولوجي وذلك بتجييش عاطفة المسلمين في الهند أمام الإنجليز التي كانت تستعمر الهند حينها، أو أمام المخالفين لهم في المِلة من هندوس وغيرهم، فالمسألة عنده عقلية وعلمية بدرجة أولى.
ففي الوقت الذي لم يُترجَم فيه تفسير القرآن لأحمد خان، من الأردية إلى العربية، وهو تفسيرٌ حاول صاحبه أن يستحضر فيه مختلف العلوم في تفسير القرآن بغاية إصلاحية كما تمت الإشارة سابقا، تُرجمت كتب أبي الأعلى المودودي (1903م/1979م)، مُبكرًا وخاصة كتابه “المصطلحات الأربعة في القرآن” (الإله، الرب، الدين، العبادة). فأطروحات المودودي أكدت مفهوم الحاكمية، والربط الوثيق بين الإيمان وتطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية. وهي الفكرةُ التي تلقفها سيد قطب وبنا عليها مختلف أفكاره بما فيها تفسيره في الظلال.
لقد كان الأثر الأبرز لأطروحات المودودي يكمن في إضفائه الطابع الأيديولوجي المُسَيَّس في النظر إلى القرآن، مُغايرًا بذلك المداخل المنهجية التي وضعها رجال الإصلاح من قبيل أحمد خان محمد عبده… وتراجعت مسألة تفسير القرآن بمعطيات العصر العلمية والمدنية والقانونية لصالح الإيديولوجية التي ترى في الغرب وفي علومه خصمًا لها، فهي في حاجة ماسة كي تتحداه بأي وجه ممكن، فإذا كان الغرب مُتقدمًا علميًا، فهي ترى بأن الشرق يملك تراثًا ووحيًا لا قبل للغرب به. كأنها تقول للحضارة الغربية أنت تملكين ناصية العلم ونحن نملك قرآنا يتحدى العلم.
-
4- الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي
· أ-التفسير العلمي للقرآن الكريم:
لا شك أن التفسير العلمي نوع من أنواع التفسير من بينها: التفسير بالمأثور ويعتمد على ما ورد في القرآن نفسه أو السنة النبوية وآثار الصحابة والتابعين. والتفسير بالرأي الذي يفتح آفاق الاجتهاد والاستنباط اللغوي والشرعي المنضبط بأصول الشريعة. والتفسير الإشاري الذي يستند إلى تأويل الآيات وَفْق إشارات خفية تَظْهَرُ لأهل السلوك والزهد مع مراعاة الجمع بين الظاهر والباطن. والتفسير المقارن الذي يستعرض فيه المُفسر مختلف الآراء في الآية الواحدة، ليقارن بينها ويرجح أقواها دليلًا. والتفسير الموضوعي منهجًا حديثًا، يستند إلى منهجٍ كلي يجمع الآيات التي تتناول قضية واحدة وموضوعًا من بين الموضوعات، ويفسرها بوصفها وحدةً موضوعية متكاملة تبرز رؤية القرآن الشاملة لذلك الموضوع، ويمكن الحديث عن أنواع أخرى من التفسير. وفي سياق هذا التنوع في دائرة المعرفة التفسيرية للقرآن، أو التنوع من داخل مدونة التفسير الكبيرة التي غطت زمن الثقافة الإسلامية، إذ ليس هناك كتاب حظي بالعناية وبالتفسير من لَّدُن جموع العلماء أكثر من كتاب القرآن. وَفْق هذا السياق العام تبرز ثقافة المفسر وحضورها في تفسيره، سواء كانت هي ثقافة تخصه وحده أو ثقافة تعود إلى عصره وزمانه.
مثال الطبري، وهو مؤرخٌ له كتاب “تاريخ الطبري” وهذا البعد التاريخي الذي همه استحضار مختلف الآثار والروايات والأخبار حاضرٌ بقوة في تفسيره “جامع البيان في تفسير القرآن”، وهو الأمر مع ابن كثير في تفسيره “تفسير القرآن العظيم” وهو صاحبُ كتاب في التاريخ “البداية والنهاية”. وبكون الفخر الرازي مُهتم بالفلسفة وعلم الكلام فتفسيره يطبعه نَفَسٌ فلسفي ولُغوي وكلامي. وبكون القرطبي فقيهًا فالجانب الفقهي حاضرًا بقوة في تفسيره “الجامع لأحكام القرآن، والمُبين لما تضمن من السنة وأحكام الفرقان”، ونجد الزمخشري، كونه من كبار أهل اللغة يغوص في تفسيره “الكشاف” في دقائق الإعراب وأسرار الاشتقاق وجماليات البلاغة، ويَحْضر الجانب العرفاني في تفسير “البحر المديد في تفسير القرآن المجيد” لصاحبه أحمد بن عجيبة الحسني، وهو معروف بنزعته الصوفية. وبالتمعن في مختلف نماذج تفسير القرآن وأنواعه، يتضحُ أن القرآن ظل هو المِشكاة، بينما كانت ثقافة المفسر، هي “العدسة” التي يرى من خلالها تلك المشكاة. وكلما اتسعت ثقافة المفسر وتنوعت، إلا وجاء تفسيره أكثر اتساعًا وانفتاحًا.
وَفْق هذا البُعد المنهجي الذي يتضح معه أن التفسير تحضر معه وفيه ثقافة المفسر وعلمه، فالتفسير العلمي للقرآن الكريم هو نوعٌ من أنواع التفسير، يُقبل عليه من له ثقافة علمية بمختلف العلوم الطبيعية أو بعلم من علومها. فلا مشكلة إذن في استحضار مختلف العلوم في تفسير القرآن، سواء كانت علومًا ترتبط باللغة وعلم اللسانيات، وتحليلَ الخطاب إذ من البدهي، أن تَظْهَرَ لنا اليوم محاولات تفسيرية تحضر فيها فلسفة اللغة الحديثة بدل الوقوف عند علم النحو واللغة كما يتصورها الأقدمون، كما أنه من البدهي أن يستحضر البعض مختلف العلوم الإنسانية في تفسير القرآن، لأن كل ذلك يُعَدُّ من ثقافة العصر. وليست أية مشكلة في التفسير العلمي مادام لا يدَّعي الكمال وأنه هو عين الحقيقة.
أبعاد التفسير العلمي ليست هي الأبعاد نفسها التي تحكم الإعجاز العلمي، إذ يتمحور الفرق الجوهري بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي حول ثبات “الحقيقة” مقابل حركية “النظرية”؛ فبينما يُمَثِّلُ التفسيرُ العلمي محاولةً بشرية جادة لاستنطاق النص الديني وتوسيع دلالاته في ضوء المعارف الكونية المتاحة، فإنه يبقى رهينًا لنسبية العلم واحتمالية الخطأ والصواب في التأويل، مما يجعله “قراءة عصرية” قابلة للتجدد أو التراجع.
-
ب- الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
يتمحور مفهوم الإعجاز في الثقافة الإسلامية حول أصلٍ لُغوي يُشير إلى العجز والضعف وعدم القدرة، إذ يُقال: “أعجزه الشيء” إذا فاته ولم يقدر على نيله. أما في الاصطلاح، فالإعجاز هو ظهور أمرٍ خارقٍ للعادة، مقرونًا بالتحدي، وسالمًا من المعارضة، يُجريه الله تعالى على يد رسوله شهادةً له بالصدق وتأييدًا لرسالته. وقد استند هذا المفهوم إلى آيات التحدي التي تدرجت مع المنكرين، بدءًا من التحدي بالإتيان بمثل القرآن كاملًا ، ثم التحدي بعشر وصولًا إلى التحدي بسورة واحدة، وهو ما رَسَّخ عقيدة عجز البشر أمام النظم الإلهي. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء:88]، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [هود:13] قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [يونس:38].
مرَّ مفهوم الإعجاز بمراحلَ زمنيةٍ كوَّنَت ملامحه في الوجدان الإسلامي؛ ففي العصر الأول، كان التركيز منصبًا على التأثير النفسي والجمال اللغوي الفطري، وهو ما جَسَّدَهُ الوليد بن المغيرة بقوله الشهير: “إنَّ له لحلاوة وإنَّ عليه لطلاوة”. ومع حلول عصر التدوين في القرنين الثالث والرابع الهجريين، بدأت تظهر المصنفات المستقلة التي قعدت لهذا المفهوم؛ فقد ألَّفَ الجاحظ (776 م/ 868 م) كتابه “نظم القرآن”، ليضع اللبنات الأولى في التنسيق اللُّغوي، وتبعه الرماني (909م/ 994 م) في “النكت في إعجاز القرآن” مُقسمًا الإعجاز إلى سبعة أوجه فنية، وركز الخطابي ( 931 م/988 م) في كتابه “بيان إعجاز القرآن” على الأثر النفسي والبياني، وصولًا إلى الباقلاني (950م /1013م) الذي وضع كتابه العُمدة “إعجاز القرآن” ليُفصل في الرد على المنكرين والمقارنة بين القرآن والشعر. ثم بلغت الفكرة نضجها النظري على يدِ عبد القاهر الجرجاني (1009م/ 1078م) في نظرية “النظم”. وفي سياق البحث عن سر الإعجاز، ظهر رأي فريد عُرف بـ “الصرفة”، ذهب إليه بعض المعتزلة، ومفاده أن العرب كانوا يمتلكون القدرة الذاتية على الإتيان بمثل القرآن، إلا أن الله صرفَ هِمَمَهُم وعقولهم عن تلك المعارضة وقت التحدي.
ومِن المُلاحظ أنَّ الذين جئنا على ذكرهم وغيرهم قد خلَّفوا تراثًا لُغويًا في غاية الأهمية، فهم لم يقفوا عند حدود “إثبات المعجزة” بوصفها هدفًا دينيًّا فحسب، ولكنْ غاصوا في فلسفة اللغة. لقد تحوَّلَ النص القرآني عندهم إلى مختبرٍ لُغوي لفهم كيف تُبنى الجملة، وكيف يؤثر التقديم والتأخير في المعنى، وهو ما نُسميه اليوم بـ “بِنية النص” وكأنَّ المسألة لديهم قد تجاوزت موضوع الإعجاز إلى التفكير في طبيعة اشتغال اللغة وطبيعة تَكوُّنِ النص؛ فجزءٌ مما كَتبه هؤلاء كَوَّنَ لبنةً أساسيةً في موضوع علم اللغة، الذي صار اليوم يُعرف باللسانيات المعاصرة، فإسهاماتهم العلمية تُدرس اليوم في مختلف الجامعات عبر العالم بوصفها جذورًا حقيقية لـ “لسانيات النص”.
فكرة الإعجاز العلمي لا وجود لها عند الأقدمين، فهي وليدة العصر الحديث لتكون ردَّ فعلٍ على النهضة العلمية الغربية، سعيًا في إثبات أسبقية القرآن للحقائق المكتشفة حديثًا. يقول منصور محمد حسب النبي، في كتابه “الكون والإعجاز العلمي للقرآن” وهو من أبرز الذين يقولون بالإعجاز العلمي”: اهتممت بنواحي الإعجاز العلمي في القرآن. خاصة ونحن نعيش العصر الذي بدأ فيه ظهور هذا الإعجاز مِصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [ النمل: 93]”[22]
فإذا كان التفسير العلمي يدور حول استحضار المعارف العلمية في تفسير القرآن، فإن الإعجاز العلمي لا يتوقف عند هذا الغرض، إذ يتبنى اليقين والقطع والحقيقة المطلقة؛ فمقولة الإعجاز العلمي تدَّعي تطابق الآية القرآنية مع الحقيقة العلمية، لتغدو برهانًا قاطعا على مصدر الوحي الإلهي، صيغة الإعجاز العلمي لا يهمها استكشاف مراد الله بمعرفة قوانين الوجود، بقدر ما تهمها فكرة “التحدي” بوصفها المحرك الجوهري لمفهوم الإعجاز؛ إذ تتحول المعجزة من محض حدثٍ خارق للعادة إلى برهانٍ معرفي يتجاوز حدود الزمان والمكان.
ويَظهر هذا التحدي في بعدين: أولها: السبق الزمني؛ الذي يضع العقل البشري أمام تساؤلٍ وجوديٍّ عن كيفية ورود حقائق كونية -مثل: توسُّع الكون- في نصٍّ قديمٍ سبقت معارفُه الفيزياءَ الحديثة بقرون. وثانيها: الدقة والمطابقة؛ إذ تتجلى المعجزة في اصطفاء ألفاظٍ لُغوية تصف بدقةٍ مجهرية ظواهر معقدة -مثل: أطوار الجنين- مما يُحقق مطابقةً تامةً مع الواقع التجريبي.
لقد عَرَّفَ عبد المجيد الزنداني الإعجاز العلمي بأنه “هو إخبارُ القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة أثبتها العلم التجريبي، وثبت عدم إمكان إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول. وهذا مما يُظْهِرُ صدق الرسول محمد فيما أخبر به عن ربه سبحانه.”[23]
- 5- مَأسسة فكرة الإعجاز العلمي
لم تتوقف فكرة “الإعجاز العلمي” عند حدود التداول الفكري العام، ولكنْ تجاوزتها لتأخذ طابعًا مؤسسيًا بإنشاء “الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة” في مكة المكرمة عام 1984م، مما منح الفكرةَ مرجعية تنظيمية رسمية. وقد تصدَّرَ مشهد هذه الهيئة أفرادٌ كان أبرزهم عبد المجيد الزنداني، وبالتمعن في سِير القائمين عليها، يُلحظُ بغرابةٍ أن بعضهم يفتقر لتكوينٍ علميٍ رصين في العلوم الطبيعية، بل إن بعضهم لا صلة له بالعلوم المعاصرة إطلاقًا. أما من كانت له صلة بها، فإن خلفيته الأيديولوجية تظل هي الطاغية؛ إذ ينتمون في مجملهم لتيارات السلفية أو الإخوان المسلمين.
ومكمن الغرابة هنا، هو تصدي أشخاصٍ لا علاقة لهم بالعلوم الحديثة، ولا بمباحث الفلسفة أو فلسفة العلوم، ولا حتى بالفلسفة الإسلامية، لقيادة مؤسسة تتخذ من العلم شعارًا لها. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا ارتبطت فكرة الإعجاز العلمي بالإسلاميين، سواء كانوا سلفيين أو إخوانًا؟
الحقيقة أن الحركات الإسلامية اتخذت من مقولة “الإعجاز العلمي” أداةً دعوية عابرة للثقافات، مُستغلةً العلم بوصفه لغةً عالمية قادرة على إبهار غير المسلمين عبر إسقاط معطيات العلم على الآيات القرآنيّة. وبذلك، لم يَعُدْ الهدف عائدًا على العلم أو الدين لذاتهما، بقدر ما ارتبط بالعمل على تعزيز “الشرعية العلمية” لمشروع الإسلام السياسي، وتكريس الشعارات الأيديولوجية من قبيل شعار: “الإسلام هو الحل”. وهم لا ينكرون هذا المعطى يقول زغلول النجار: ” إن المؤامرة الدولية على الإسلام والمسلمين قد أسقطت من أيدينا كل سلاح نستطيع به الدفاع عن أنفسنا، وأراضينا، وعن ديننا، ومقدساتنا، وأعراضنا، وكرامتنا، ولكنْ على الرغم من ذلك، فقد بقي بأيدينا سلاح الدعوة إلى الله على بصيرة بلغة العصر -ومن أقواله: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة- والذي لو أحسنَّا توظيفه لفتح الله -تعالى- علينا الدنيا من أطرافها. والتجارِب المحدودة في هذا المجال تُثبت جدوى ذلك وأهميته.”[24] إنها مسألة أيديولوجية وليست علمية، وما يؤكد هذا المُعطى هو أن الذين يتبنون مقولة الإعجاز العلمي لم يضيفوا للمعرفة العلمية شيئًا يُذكر، لا على المستوى النظري ولا على المستوى العملي والتطبيقي.
والمُثير للاستغراب أنهم قطعوا صلتهم بالتراث الإسلامي الرصين، وأداروا ظهرهم لفكرة الإعجاز اللغوي وفلسفة اللغة كما بلورها كبار اللُّغويين في الثقافة الإسلامية، كما تجاوزوا الفلسفة الإسلامية ولم تَعُدْ تعنيهم نقاشات المتكلمين القدماء والفلاسفة من أمثال: الغزالي والفخر الرازي وابن رشد وغيرهم، بهدف بناء “علم كلام جديد” يتوافق مع مقتضيات العصر. إن هؤلاء يرون أن “العقيدة والإيمان” قد اكتملت صياغتهما وَفْق تصوراتهم الخاصة، لذا انحصر دورهم فقط في إسقاط نتائج العلم الحديث على ثوابت يسلمون بها سلفًا، دون أي محاولة لتقديم رؤية فلسفية أو معرفية عميقة.
ويُمكن تقسيم الذين يقولون بالإعجاز العلمي إلى فئتين: فئة، تنطلق من الحقائق العلمية في اتجاه النص القرآني، وهو المسلك الذي يتبناه المختصون في العلوم الطبيعية؛ إذ يكون العلم هو نقطة الانطلاق. يتم البدء في هذا المسار من حقيقة علمية راسخة أو نظرية رصينة في مجالات مثل: الفلك أو الطب أو الجيولوجيا، ثم يتجه بهذا اليقين المعرفي نحو النص القرآني لمحاولة ربط الحقيقة العلمية بموضوع قد تناوله القرآن الكريم، فوفق هذا التصور استُقبل كتاب موريس بوكاي من لَّدُنِ القائلين بالإعجاز العلمي؛ كتاب “التوراة والإنجيل والقرآن والعلم” وهو كتاب ظهر 1976م ونُقل إلى العربية فيما بعد الكتاب في علم مقارنة الأديان ألفه الطبيب الفرنسي موريس بوكاي عام 1976م.
وفئة أخرى: تنطلق من النص الديني في اتجاه العلم، وهو المسلك الغالب على طرح الدعاة؛ إذ يكون النص الديني هو نقطة الانطلاق والمبتدأ. يبدأ هذا المسار برغبة عاطفية مسبقة لإثبات إعجاز الآية، فيتجه من النص نحو العلم بحثًا عما يؤيده، حتى وإن كانت محض فرضيات غير مؤكدة أو أخبار علمية عابرة.
v 6– القول بالإعجاز العليمي ينقض منهج تدبر القرآن
لقد أسهمت مقولة “الإعجاز العلمي” في القرآن والسنة في تعطيل العقل عن الاستكشاف والبحث الجاد؛ فبدلًا من أن يدفع هذا المنهج المسلمين نحو المختبرات للإسهام في الإنتاج العلمي، تحول البعض منهم إلى ممتهنين لعملية “إسقاط نتائج العلم” على الآيات القرآنية، في غفلة تامة عن التفكير في النسق الذي يشتغل من خلاله العلم، والنسق الذي يتحدث من خلاله الدين. إن هذه المسألة تستوجب عناية خاصة بفلسفة كلٍّ من العلم والدين؛ فالعلم يقوم على مبادئ الحس والتجربة والملاحظة، في حين ينطلق الدين من مبادئ التدبر والتفكر. وإذا كان همُّ العلم هو معرفة الأجزاء الصغيرة من المادة والظواهر المشهودة، فإن الدين ينطلق مما هو كُلي ومركب، إذ يضع المادة في عالم مشهود يلفه الغيب من كل جانب.
العلم ينطلق من دائرة ” التشيؤ” عبر تتبع الأشياء وتحولاتها داخل الطبيعة، فهو مشدود لسؤال كيف؟ كيف تتحرك الكواكب؟ كيف تعمل الجينات؟ إنها تنشغل بـ “الآلية” و”السببية الطبيعية. في الوقت الذي ينطلق فيه الدين من دائرة “الخَلق” وهو مشدود لسؤال لماذا؟ لماذا نوجد؟ وما الغاية من هذا الكون؟ إنها تنشغل بـ “المعنى” و”الغائية الأخلاقية”، ودائرة الخلق لا تُلغي دائرة ” التشيؤ”.[25] والسؤال الفلسفي المعرفي هنا: ما هي نقطةُ الالتقاء بين هاتين الدائرتين؟ إن الإجابة تقتضي العناية بـ “الفكر المركب”؛ وهو منهجٌ ورؤية لا تجعل من الطرفين خصمًا للآخر؛ فدائرة “الخَلق” تلفت نظرنا إلى أن الكون ينطوي على حكمة وغائية أخلاقية، في حين تلفت دائرة ” التشيؤ” نظرنا إلى معرفة السنن والقوانين المادية. وإذا تمكنا من إدراك ذلك، يبرز السؤال: هل يُمكن للعلم أن يُقبل على أي شيء بلا قيود، أم ينبغي أن ينضبط لغاية مصلحة الإنسان والكائنات؟ خاصة في زمن أسلحة الدمار الشامل الذي صار فيه الإنسان يخشى على نفسه من أخيه الإنسان. إن مسار العلم من دون فلسفة الدين قد تؤدي إلى علم متوحش (أسلحة دمار شامل، تدمير البيئة) لأنه “يُشيئ” كل شيء بما في ذلك الإنسان. هنا تتدخل فلسفة الدين لتعزيز أخلاقية العلم. والإيمان لا ينقض القانون العلمي، بل يمنحه سياقًا وجوديًا. فالعالم الذي يكتشف قوانين الطبيعة “التشيؤ” فبوعيه الفلسفي الديني يدرك أنه يكتشف “نظام الخالق”.
إن أصحاب مقولة “الإعجاز العلمي” لا يملكون القدرة على خوض مثل هذه النقاشات؛ لأنهم يفتقرون للأدوات المعرفية في الفكر والفلسفة وتاريخ العلوم وفلسفة الدين، ولا يدركون أن مقتضيات “الإيمان” في العصر الراهن تختلف في أسئلتها وتحدياتها عما كانت عليه بالأمس. ولهذا فهناك تباين جوهري بين مقولة “الإعجاز العلمي في القرآن” ومنهج “التدبر والتفكر الذي نص القرآن عليه”. الإعجاز العلمي يقتصر على محاولة إثبات أن القرآن “سبق” العلم الحديث، أمَّا مبدأ التدبر والتفكُّر يسعى في حثِّ الإنسان على البحث والنظر العقلي والقلبي والعلمي في الوقت ذاته. في حين ينطلق منطق الإعجاز من مقولة “انظروا، العلم يُثبت القرآن”، نجد أن التدبر والتفكُّر يقوم على دعوة “انظروا في الكون لتفهموا عظمة الخالق” والفهم هنا مُتعدد الأوجه. الإعجاز العلمي يربط النص الديني بنظريات قد تتغير أو تُدحض، في حين يضمن التدبر والتفكر “استقلالية العلم” واحترام “قدسية النص”، محولًا العلاقة من مجرد مقاربات يحضر فيها الإسقاط إلى تكامل معرفي يحترم تخصص العلم وهداية الدين. مع الأسف “الإعجاز العلمي” ينقض في جوهره “منهج تدبر القرآن”؛ بينما يقتضي التدبر استنباط المقاصد الهدائية والأخلاقية ورؤية القرآن للعالم، يحول خطاب الإعجاز الآيات إلى محض مقارنات تلفيقية وتوفيقية.
- خاتمة
في الختام، يتضح أن مقولة “الإعجاز العلمي” لم تكنْ مجرد نشاط دعوي عابر، بل كانت تعبيرًا عن أزمة معرفية في التعاطي مع الحداثة؛ بدعوى الخوف على الدين من الحداثة، مما نتج عنه حصر فهم الدين في قوالب تاريخية جامدة. لقد أدَّى طرح الإعجاز العلمي، عبر المؤسسات التي تبنته، إلى حبس النص القرآني في أُطرٍ مغلقة، ولهذا، نجد أن أصحاب الإعجاز العلمي يرفضون أية محاولة تَهْدِفُ إلى “تجديد قراءة القرآن” وَفْق روح العصر، كما يعترضون بحدة على كل مسعى غايته الإصلاح أو التجديد الديني.
إن المخرج من هذا المأزق لا يكون بإسقاط النظريات على الآيات، بل بالعودة إلى منطق “التدبر والتفكر” الذي يُحرر العقل للبحث في قوانين الطبيعة (دائرة التشيؤ) تحت مظلة القيم الأخلاقية (دائرة الخَلق). إن الانتقال من عقلية “إثبات السبق” إلى عقلية “تحقيق الاستخلاف” هو الكفيل بإعادة بناء علاقة متوازنة بين العلم والدين؛ علاقة لا تُلغي خصوصية أي منهما، بل تجعل من العلم أداةً لعمارة الأرض، ومن الدين بوصلةً لترشيد هذا العلم وحماية الإنسان من طغيانه المادي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لائحة المراجع:
- إبراهيم الشاطبي الموافقات، تحقيق، أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط.1، 1997م
- ابن عاشور التونسي، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر، التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، الدار التونسية للنشر، تونس، (د.ع. ط)، 1984م.
- أبو الوليد محمد ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال، تحقيق، محمد عمارة، دار المعارف، ط.2، (دون ذكر تاريخ)
- أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق؛ سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة – مصر، ط.6، (دون تاريخ)
- أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، جواهر القرآن، تحقيق، محمد رشيد رضا، دار إحياء العلوم، بيروت، ط.2، 1986م.
- الحسين الجسر، الرسالة الحميدية، تقديم عصمت نصار، سلسلة في الفكر النهضوي الإسلامي، دار الكتاب المصري؛ القاهرة، دار الكتاب اللبناني؛ لبنان، 2012م
- زغلول النجار، من آيات الاعجاز العلمي في القرآن، الأرض في القرآن الكريم، زغلول النجار، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط.1، 2005م
- طنطاوي جوهري، الجواهر في تفسير القرآن الكر يم، منشورات ملتقى أهل الأثر، طبعة عام 1351هـ
- عبد الكريم سروش، القبض والبسط في الشريعة، ترجمة؛ دلال عباس؛ دار الجديد، لبنان، ط.2، 2010.
- عبد المجيد الزنداني تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، المكتبة العربية بيروت، (دون تاريخ)
- عمر فاروق؛ ومفتي محمد شاه فيصل، السر السيد أحمد خان ومقدمة تفسيره: دراسة تحليلية منهجية، دراسة منشورة بمجلة، الوفاق، المجلد 6، 2033م
- الفخر الدين الرازي خطيب الري (ت ٦٠٦هـ)، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروتط.2، 1420م
- معالم التفسير العلمي عند الإسكندراني في تفسيره: كشف الأسرار النورانية القرآنية. إعداد: بندر بن عبد العزيز اليوسف،
- منصور محمد حسب النبي، الكون والإعجاز العلمي للقرآن، دار الفكر العربي، القاهرة، ط.2، 1991م
- منهجية القرآن المعرفية، أبو القاسم حاج حمد. دار الهادي بيروت لبنان.
- مجلة الدراسات الإسلامية والفكر للبحوث التخصصية، المجلد 6، العدد 1، يناير 2020م، تصدر عن المعهد الماليزي للعلوم والتنمية، الرابط من هنا.
[1] باحث مغربي مختص في قضايا الفكر والدراسات القرآنية
[2] أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، جواهر القرآن، تحقيق، محمد رشيد رضا، دار إحياء العلوم، بيروت، ط.2، 1986م، ص.17
[3] أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، جواهر القرآن، تحقيق، محمد رشيد رضا، دار إحياء العلوم، بيروت، ط.2، 1986م، ص. 26
[4] نفسه، ص.45-56
[5] أنظر: عبد الكريم سروش، القبض والبسط في الشريعة، ترجمة؛ دلال عباس؛ دار الجديد، لبنان، ط.2، 2010.
[6] الفخر الدين الرازي خطيب الري (ت ٦٠٦هـ)، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروتط.2، 1420م ج.31، ص.75
[7] نفسه، ج.4، ص.154-155
[8] نفسه، ج.4، ص.164
[9] أبو الوليد محمد ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال، تحقيق، محمد عمارة، دار المعارف، ط.2، (دون ذكر تاريخ) ص. 67
[10] نفسه، ص.22-23
[11] أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق؛ سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة – مصر، ط.6، (دون تاريخ) ص.237
[12] إبراهيم الشاطبي (ت.790هـ) الموافقات، تحقيق، أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط.1، 1997م ج.2، ص. 127- 130
[13] نفسه، ج.4، ص.261
[14] ابن عاشور التونسي، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر، التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، الدار التونسية للنشر، تونس، (د.ع. ط)، 1984م. ج.1، ص.45
[15] ص.14
[16] معالم التفسير العلمي عند الإسكندراني في تفسيره: كشف الأسرار النورانية القرآنية. إعداد: بندر بن عبد العزيز اليوسف، مجلة الدراسات الإسلامية والفكر للبحوث التخصصية، المجلد 6، العدد 1، يناير 2020م، تصدر عن المعهد الماليزي للعلوم والتنمية، https://jistsr.misd.tech/060112
[17] الحسين الجسر، الرسالة الحميدية، تقديم عصمت نصار، سلسلة في الفكر النهضوي الإسلامي، دار الكتاب المصري؛ القاهرة، دار الكتاب اللبناني؛ لبنان، 2012م، ص.315 (بتصرف)
[18] نفسه،201—358 (بتصرف)
[19] عمر فاروق؛ ومفتي محمد شاه فيصل، السر السيد أحمد خان ومقدمة تفسيره: دراسة تحليلية منهجية، دراسة منشورة بمجلة، الوفاق، المجلد 6، 2033م، أنظر الرابط، من هنا.
[20] طنطاوي جوهري، الجواهر في تفسير القرآن الكر يم، منشورات ملتقى أهل الأثر، طبعة عام 1351هـ ص.3
[21] عمر فاروق؛ ومفتي محمد شاه فيصل، السر السيد أحمد خان ومقدمة تفسيره: دراسة تحليلية منهجية، دراسة منشورة بمجلة، الوفاق، المجلد 6، 2033م، أنظر الرابط، من هنا.
[22] منصور محمد حسب النبي، الكون والإعجاز العلمي للقرآن، دار الفكر العربي، القاهرة، ط.2، 1991م، ص.6
[23] عبد المجيد الزنداني تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، المكتبة العربية بيروت، (دون تاريخ) ص. 14
[24] زغلول النجار، من آيات الاعجاز العلمي في القرآن، الأرض في القرآن الكريم، زغلول النجار، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط.1، 2005م، ص. 19
[25] أنظر: منهجية القرآن المعرفية، أبو القاسم حاج حمد.