مناقشات بشأن مستقبل الإسلام – فكرة التجديد الديني: أين المشكل؟

 تكوين

-1-

بدأ سؤال التجديد يطرح نفسه في العالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر، نتيجة لصدمة الاحتكاك بالحداثة التي ظهرت مع الحملة الفرنسية، وكشفت عن حالة فادحة من التقهقر الحضاري. في هذه المرحلة المبكرة، إذ تكونت نواة لما صار يُعْرَفُ بتيار النهضة، جرى تشخيص المشكل -ببساطة- بوصفه إفرازًا مباشرًا “للنظام التراثي الديني” السائد منذ قرون، وشاع استخدام مصطلح “الإصلاح”، الذي يشير إلى الوعي بوجود خلل هيكلي يستدعي التغيير في بنية النظام الديني، بغرض التوفيق بينه وبين “النظام الاجتماعي” الآخذ في التطور.

لكن اللحظة الإسلامية الراهنة تكشف عن تراجع نسبي في الوعي بهذا الزخم التغييري. فرغم تفاقم وتيرة التطور الاجتماعي قياسًا إلى القرن التاسع عشر، تبدو طموحات الفكر التجديدي اليوم وكأنها تتقلص من مستوى الحديث عن إصلاح “موضوعي” شامل إلى مستوى الحديث عن تطوير “إجرائي”، للغة “الخطاب الديني“. وهي صياغة مخففة لفكرة التغيير، تكاد تبدو اعتذارية، وتعكس حالة فادحة من النكوص المدني على مستوى الدولة والمجتمع.

بوجه عام، يُقرأ هذا التراجع بوصفه ردَّ فعلٍ لمتغيرين صريحين:

  1. ظهور “الفكرة الأصولية” وتفاقمها، التي تحولت بفعل عوامل داخلية وخارجية مساعدة، إلى تكوينات سياسية منظمة، وتيار ثقافي واعٍ بذاته، يسعى في تصدير ضغوط اجتماعية مضادة.
  2. تراجع جاذبية “الحداثة” بوصفها فكرةً تنويريةً، جرى تجاوزها نسبيًا تحت سهام النقد النظري والسياسي، بعد أن رُبِطتْ في الفكر الغربي بأزمات التطور “العلمي”، ومشاكل “العلمانية” والنظام الرأسمالي.

-2-

بخصوص إلى التيار التجديدي المبكر، ظهر مطلب التغيير في إطار التعاطي مع “أزمة” المجتمع، بدءًا من نقطة تتعلق “بالواقع”، أي لحساب النظام الاجتماعي المُتَمِلْمِلُ من هيمنة الثقافة الفقهية، وجرى التعبير عن هذا المطلب بطريقة عفوية صريحة: النظام الديني لم يَعُدْ قادرًا على تقديم إشباع كامل لحاجات النظام الاجتماعي، أو النظام الاجتماعي لم يَعُدْ قادرًا على تحمل الإكراهات التقليدية للنظام الديني.

لكن عملية التغيير تتعلق موضوعيًا بالنظام الديني، الذي يجد نفسه لأول مرة في موقف دفاعي أمام حركة الضغوط التي يفرضها قانون التطور، وهو موقف نظري وعملي مُعَقَّدٌ وغير محسوم: الهياكل الكلية (الاقتصادية/العقلية/الاجتماعية) تتغير لكن على نحو غير جَذْرِيٍّ، أي لم تصل بعد إلى درجة التطور اللازم لزحزحة النظام الفقهي، أو لفرض تحولات جوهرية عليه. لذلك يظلُّ من اللازم تحصيل “موافقة” نظرية من داخل هذا النظام على عملية تطوير “جزئي”. هذه العملية تأخذ هنا شكل الفعل الاختياري، فيما هي في الواقع ردَّ فعلٍ اضطراري من النظام الديني حيال ضغوط التطور.

تاريخيًّا، وبحكم التكوين الدوجمائي، لا يتنازل النظام الديني طواعيةً عن سلطته الموروثة في المجالين العام والخاص، بل يُضطر إلى هذا التنازل عمليًا وبطريقة تدريجية بطيئة تحت الضغط، إذ يفرض “الجديد الاجتماعي” نفسه عليه بقوة الأمر الواقع، فيما يظلُّ هو محتفظًا لبعض الوقت بسلطته النظرية. في هذه الحالة -الواقعية- لا يطلب الجديد موافقة مُسْبَقَةً من النظام الديني، الذي -بدوره- لا يمنح قبولًا رسميًا بمشروعية الجديد.

بل يواصل الجديد حضوره بقوة الأمر الواقع، إلى جوار السلطة الفقهية النظرية المعطلة (راجع على سبيل المثال حالة التجاور الراهنة داخل المجتمعات الإسلامية بين أحكام “الفقه” التقليدي المتشددة وأنظمة اجتماعية واقتصادية سائدة تتعلق بالأزياء والملابس، واختلاط الرجال والنساء، وبالفنون، والبنوك، وفقه المرأة، والأقليات، و…).

لسنا هنا بصدد عملية “تجديد ديني” بالمعنى الدارج، بل بصدد تجدد اجتماعي واقعي. التجديد الديني عملية قصدية منظمة تتم بواسطة النظام الديني ذاته، بالتأسيس على آلياته الداخلية ذات الطابع التأويلي، وتتضمن الإقرار من جانبه بواقعة التجدد الاجتماعي، التي يُعاد تسكينها داخل حدوده الافتراضية الواسعة. هذا الطرح يكشف عن معطى مزدوج:

  1. النظام الاجتماعي يتطور بما يكفي لتكوين ضغوط على النظام الديني.
  2. النظام الديني ما يزالُ قويًّا بما يكفي لعكس هذه الضغوط على النظام الاجتماعي. ومن هنا تظهر وضعية “التوتر” الذي يُسْتَهْدَفُ رفعه عن طريق عملية التجديد، وتطرح الأسئلة الشائكة التي تدور حول محورين رئيسين:
  • من يُمَثِّلُ النظام الديني في هذه العملية؛ من له صلاحية اقتراح ومناقشة واعتماد التغيير، ليحظى بشرعية الانضمام إلى متن المدونة، في ظل غياب مؤسسة جامعة معتمدة من الديانة.
  • ما حدود التغيير “المسموح” من جانب النظام الديني، في ظل المفهوم الدوجمائي السائد، الذي يثبت الدين في جملته بوصفه معطىً نهائيًّا مُطلقًا، أي غير قابلٍ للتغير، ويعمم ذلك على مدونة الفقه الاجتهادي التاريخية التي أنتجها عصر التدوين؟ لكن المسألة تتعلق في الوقت نفسه بحدود التغيير “المطلوب”، من جانب النظام الاجتماعي، وهو يتجاوز عادة حدود المسموح الديني، لأن قانون التطور لا يفرض نفسه في مواجهة الفقه الاجتهادي فحسب، وإنما أيضًا في مواجهة الأحكام الواردة في “النصوص” التأسيسية، التي تشتمل على مادة “تشريعية” تفصيلية، هي بطبيعتها اجتماعية زمنية، أي نسبية قابلة للتغير.

من يُجَدِّدُ ماذا؟

-3-

وفق التصور السُني، لم يَسْنِد النص الإسلامي صلاحيات إنشائية، بعد النبي إلى أي فرد أو مؤسسة، ولم يأخذ بنظام الكهنوت المنظم المعتمد في اليهودية والمسيحية، والذي بلغ ذروته في الكنيسة الكاثوليكية، لكنه في المقابل يدعو الجميع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما صار يفهم بوصفه نوعًا من “التمثيل” على الشيوع للديانة، وفتح الباب لتوليد الفرق والجماعات الأصولية.

في مرحلة التدوين، وهي مرحلة التأسيس الثانية في الإسلام، نَصَّبَت “الدولة” نفسها -بمساعدة “الفقه”- لتكون حارسةً للدين، متقمصة بذلك دور المؤسسة الدينية. فيما تقمص الفقه -بمساعدة الدولة- الجانب الآخر من دور المؤسسة بوصفه شارحًا للشريعة.

مع التراجع التدريجي لسلطة الدولة (السنية) تقلص دورها بوصفها حارسةً للدين، لكن الفقه ظلَّ يحافظ على دوره بوصفه شارحًا للشريعة، وتحول إلى “مؤسسة” ذات سلطة معنوية وارثة لدور الحراسة.

وهي السلطة التي سيجرى تأميمها لاحقًا من الدولة (الوطنية) الحديثة، التي حولت “الطبقة الفقهية” إلى هيئات إدارية ملحقة بجهازها الحكومي، وعادت في إطار عصري (شكلاني مخفف) إلى تقمص دور الدولة الحارسة للدين.

بهذا المعنى صار يُشار أحيانًا إلى هذه الهيئات باسم “المؤسسة الدينية“، وهو مجرد توصيف مجازي، لأنها -خلافًا للكنيسة- لا تستطيع، ولم تنسب إلى نفسها صلاحيات إنشائية داخل الديانة، خصوصًا في اللاهوت وعملية إنتاج “النص”، واقتصر نشاطها على الوظائف الثانوية للمؤسسة التي تدور بين الافتاء والتعليم الديني إضافة إلى خدمة الشعائر والطقوس. ومع ذلك ظلت تقدم نفسها، وظل يُنْظَرُ إليها على نطاق واسع بوصفها مُمثلًا حصريًّا للنظام الديني، وصارت من ثم المرشح الأول للنيابة عنه في ممارسة الدور التجديدي المطلوب.

في النموذج المِصري -الذي يطرح “الأزهر” فيه نفسه ليكون “مؤسسة” جامعة تُمثل الإسلام السني- لا تبدو الطبقة الفقهية مستعدة ولا مهيأة للقيام بمُهمة التغيير. ورغم انتمائها المذهبي الأشعري، وتوافقها المُعْلَنُ مع التوجه المدني المحسوب للدولة (الوطنية)، تمتنع هذه الطبقة عن تقديم طرح تجديدي على مستوى البنية النظرية والتشريعية، لمواجهة المشاكل الحقيقية التي تُثيرها الحداثة أمام المنظومة الفقهية الموروثة. ولا تكتفى بذلك، بل تواصل دورها “الوصائي” لمنع ظهور أي مقاربة تجديدية تَصْدُرُ من خارجها، بما في ذلك المقاربات التوفيقية التي تصدر عن مفكرين إسلاميين ذوي ثقافة علمانية/تراثية مُهَجَّنَةٍ.

تفسيريًا، يتعلق الأمر هنا بالنزوع السلفي المحافظ، وهو نزوع تاريخي راسخ في الوعي الديني عمومًا، ويبلغ ذروته عند الطبقة الدينية المحترفة، التي تكتسب خصائص “الكهنوت”، المنظم وتسعى في الدفاع عن مصالح اقتصادية واجتماعية معقدة.

بالمعايير النصية الخالصة، لا تُمَثِّلُ هذه الهيئة كِيانًا إسلاميًا لازمًا. وبمقاييس الوعي الحداثي، تبدو كطبقة طفيلية زائدة على حاجة المجتمع، ومناقضة لقيم الدستور المدني، وفي جميع الأحوال يذكرنا أداؤها بملاحظات “نيتشه” الدقيقة على تراث الكهنوت، ودوره التخريبي الفادح عبر تاريخ الفكر والرُوح الإنساني.

-4-

بخصوص الدولة يبدو الموقف أكثر تعقيدًا. أتحدث عن الدولة المدنية أو “نصف المدنية” القائمة في المنطقة، فهي رغم تقمصها المُعْلَن لدور حماية الدين، لا تقدم نفسها بوصفها مُمثلًا مباشرًا للنظام الديني، وتُسلم ضمنًا بهذا التمثيل “للمؤسسة الفقهية” التابعة لها. وهذا يكشف عن مسافة غامضة بينهما، تضيق أو تتسع حسب قوة الدولة ودرجة استعدادها للدفاع عن طبيعتها المدنية (العلمانية) الكامنة.

الدولة -المحكومة دائمًا بحسابات التوازن السياسي، والساعية هنا في احتواء التدين الشعبي- صارت تُظْهِرُ كثيرًا من التردد أمام التطرف الأصولي الذي يتفاقم الآن عند الطبقة الفقهية، وهو ما يُشير إلى تراجع نسبي في حيوية الدوافع الوطنية عند الدولة، التي كان ظهورها في ذاته واقعة تجديدية.

السؤال هو إلى أي مدى يمكن التعويل -الآن- على الدولة لتحريك عملية التجديد الديني؟

واقعيًّا ورغم الصعوبات الراهنة، يبدو هذا التعويل “ضروريًا” بالنظر إلى التأثير التاريخي الطاغي للسلطة عمومًا وفي السياق الشرقي بوجه خاص. قياسًا إلى بقية القوى المرشحة للتغيير، تملك الدولة أكثر أوراق اللعبة، عبر أدواتها التشريعية، والتعليمية، والإعلامية.

فضلًا عن قدرتها الموروثة على احتواء الطبقة الفقهية وإعادة توجيهها. في جميع الأحوال، يُمكن الرهان دائمًا على استعادة الدولة لطبيعتها المدنية، التي تحركها دوافع الواقع الأرضي المباشرة أكثر من خطاب الأيديولوجيا ومثاليات المدونة النظرية.

تقليديًا، مارست الدولة دورًا رياديًا في عملية التجديد عبر تبني التحديث الاقتصادي والثقافي وتكريسه في المجتمع، وأسهمت من ثم في توسيع مساحة الضغط على النظام التراثي، وحتى الآن لا يزال وجود الدولة (ذات الدستور المدني) أوضح مظاهر الحالة المدنية القائمة في المنطقة.

-5-

عند هذه النقطة يُثار السؤال عن “إمكانات الفكر النظري“، أعني التيار التجديدي المعتدل، الذي ينتمي إلى الثقافة الإسلامية بالمعنى العام، ويصدر من “خارج” المؤسسة الفقهية. إلى أي مدى يستطيع أن يتحدث باسم النظام الديني ويطرح مقاربات تغييرية فعالة؟

رغم نفوذه التاريخي الرسمي، لا يستغرق “الفقه” مساحة الثقافة الإسلامية العامة. فهي تتسع لتوجهات رُوحية وعقلية متعددة ذات طابع صوفي أو كلامي أو فلسفي، فضلًا عن توجهات التدين الشعبي ذات الطابع الغريزي العملي. قياسًا إلى الفقه تبدو هذه التوجهات أقل نقلية، وأكثر تفاعلًا مع عناصر الواقع الاجتماعي.

التيار التجديدي المعتدل يَظْهَرُ ظهورًا دوريًا عند كل مرحلة انتقالية. وهو تكوين ثقافي مركب، يجمع بين الوعي بسلطة المدونة التراثية والوعي بواقعة الحداثة، ورغم أنه لا يزال يشتغل تحت سقف المبادئ الكلية للمدونة، إلا أنه بحكم موقعه “الخارجي”، وآلياته المنهجية الأكثر عقلية، يبدو أكثر وعيًا من المؤسسة بحجم التطور الاجتماعي وإشكالياته الجذرية، وأكثر جرأة منها على اقتراح تعديلات هيكلية في بنية النظام التراثي.

يبدو التيار التجديدي مُترددًا في تقديم نفسه بوصفه مُمثلًا للنظام الديني، وفيما يسلم بسلطة المؤسسة الفقهية، لا يحظى بصكِّ اعتماد رسمي من هذه المؤسسة التي تتوجس من مفرداته المدنية، وتتهمه بالتعبير عن ثقافة الغرب العلماني. وفي الوقت نفسه لا يحظى بثقة التيارات الوضعية، التي تتوجس من دوافعه الدينية، وتتهمه بتقديم مقاربات ترقيعية ذات غرض دفاعي.

ومع ذلك، يلزم ملاحظة الدور الذي يلعبه هذا التيار الفكري بوصفه وسيطًا موضوعيًّا ضروريًّا في عملية الجدل الدائرة بين القديم التراثي والجديد الحداثي. بوجه عام، لا يتغير الواقع مباشرة بالإرادة المنفردة للفكر، لكن يمكن التعويل دائمًا على قدرة الفكر في تحفيز عوامل التحول الاقتصادي والاجتماعي، وتخفيف حدة الجموح السلفي عند المؤسسة الفقهية، وتشجيع الدولة على استعادة وعيها المدني الطبيعي.

-6-

التفكير إلى الوراء

كيف يفهم “السلفيون” التجديد؟

بوجه عام، يتوجس العقل الديني الكتابي من مفردة التجديد، فهي تتعارض مبدئيًا مع تصور الدين بوصفه نظامًا “مُطلقًا” أي أزليًّا مؤبدًا غير قابل للتغيير. وفى الوعي الإسلامي يتداخل معنى التجديد مع مفهوم “البدعة” الذي يحذر من أي “محدثة” في الدين، بوصفها ضلالة مُفضية إلى النار.

ورغم أن مصطلح التجديد يحضر صراحةً في المدونة الإسلامية في “نص” صريح، إلا أن التفسير السلفي سيسقط عليه تأويله النقلي الخاص، بطريقة لا يكتفى فيها بتفريغه من دلالة التغيير فحسب، وإنما ليضفي عليه دلالة “التثبيت”، وليؤكد مشروعية التقليد.

أشير هنا إلى الحديث النبوي المشهور، الذي أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم (4291) عن أبي هريرة: أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”. وهو حديث “صحيح” بمقاييس الإسناد السلفية، إذ صححه الحاكم في المستدرك، والسخاوي في المقاصد الحسنة، والسيوطي في الجامع الصغير، وابن حجر في فتح الباري، وحصل على صكِّ الاعتماد الأخير من الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (599).

وفق التفسير السلفي -كما يقدمه الشيخ الوهابي ابن باز- يعنى الحديث: “أنه كلما انحرف كثيرٌ من الناس عن جادة الدين الذي أكمله الله لعباده وأتم نعمته ورضيه لهم دينًا، بعث إليهم علماء أو عالمًا بصيرًا بالإسلام وداعيًا رشيدًا يُبصر الناس بكتاب الله وسنَّة رسوله الثابتة، ويجنبهم البدع، ويحذرهم من محدثات الأمور، ويردهم إلى الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فسمي كل ذلك تجديدًا بالنسبة إلى الأمة، لا بالنسبة إلى الدين الذي شرعه لهم وأكمله، فإن التغيير والضعف إنما يرد مرة بعد مرة على الأمة، أما الإسلام نفسه فمحفوظ بحفظ كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم” (فتاوى اللجنة الدائمة 2/247 – 248)

واضح أن التجديد لا يُطرح هنا في إطار النقاش حول الواقع الاجتماعي وعلاقته بالنظام الديني، أي لا يُطْرَحُ بوصفه مُشكلًا يتعلق “بأزمة” المجتمع في اللحظة الراهنة وقدرة المدونة التراثية على تقديم حلول لها، بل بوصفه مُشكلًا يتعلق بانحراف المجتمع عن المدونة التي تُمَثِّلُ جادة الديني. نحن بصدد خطاب تقليدي، غارق في مفاهيم التفكير اللاهوتي السابقة على الحداثة، وذاهل عن مشاغل الوعي العصري. فهو لا يجري لحساب النظام الاجتماعي، بل لحساب التقليد الفقهي الذي تُمثله مدونة “مذهبية” بعينها، هي -عمليًا- مدونة متخلفة بآلياتها المنهجية المنافية للعقل، وبأحكامها الموضوعية المناقضة للواقع.

يرادف الوعي السلفي تلقائيًا بين منطوق مدونته المذهبية. والدين بوصفه مُطلقًا إلهيًّا كُلِّيًا غير قابل للتغير، وهو بذلك يتجاهل حقيقة “التعدد” بوصفها واقعة طبيعية يدل عليها وجود “مدونات” مذهبية تفصيلية مختلفة، تدعي كل واحدة منها تمثيل الإسلام تمثيلًا حصريًّا، ويتجاهل -أيضًا- حقيقة التطور بوصفه واقعة طبيعية وردت بالفعل على جميع المدونات الدينية عبر التاريخ، بوصفها في الواقع إفرازات مباشرة لسياقاتها الزمنية في بيئة اجتماعية بعينها.

وعلى ذلك، فهو يُقِرُّ ضِمنًا بحدوث واقع اجتماعي جديد لا يتوافق مع المدونة التراثية، لكنه لا يقرأ هذا الحدوث بوصفه عملية تطور تجرى بقوانين الاجتماع الطبيعي، بل بوصفه انحرافًا آثمًا عن طريق الدين. ما يجب أن يتحرك هنا هو الواقع الاجتماعي وليس المنطوق التكليفي للمدونة سواء على مستوى التشريع أو التصور المفهومي.

-7-

الاجتماعي مقابل الديني

بوجه عام، ينزع الوعي الكتابي إلى تغييب المعنى الاجتماعي لحساب الفكرة المطلقة. وفي التصور الإسلامي جرى تكريس هذه النزعة نظريًا بتأثير الرؤية “الكلامية” الأشعرية التي سيطرت على المحيط السني بالاشتراك مع الرؤية “الأصولية” الشافعية.

وتم ذلك على حساب الموقف الاعتزالي الذي يَعْتَدُّ بالحضور البشرى في المعادلة، معادلة الدين والاجتماع.

اعترف المعتزلة بقدرة العقل -دون مساعدة الوحي- على التمييز بين الحسن والقبيح في ذاته، ومن ثم بقدرته على إدراك العلة الكامنة في أحكام الشريعة، وفي المقابل نفت الأشعرية وجود حسن أو قبيح في ذاته، وأنكرت من ثم قدرة الإنسان على إدراك علة الأحكام: الله غير ملزم ببيان هذه العلة، بل غير ملزم أصلًا بأن يصدر أحكامه لصالح الإنسان أو لأى علة على الإطلاق، ليس ثمة علل للتشريع الإلهي، ولا طائل إذن من البحث عنها، فالعلة في حال إدراكها ليست سببًا للتشريع، بل اقترنت به اقترانًا عرضيًا (الموقف الأشعري نفسه في نفي العلل الطبيعية، أي نفي الطبع أو قانون السببية). والنتيجة هي: اعتبار المصلحة الكامنة خلف التكاليف هي مبدأ الطاعة في ذاته، فهي المصلحة الوحيدة الجديرة بالاعتبار في عملية التشريع، ما يعنى تغييب المعطى البشرى (الاجتماعي) كليًا عن هذه العملية.

تُعَبِّرُ الأشعرية عن توجه وسط، يحاول التوفيق بين الموقف الاعتزالي العقلي وموقف أهل الحديث بنزوعه النقلي الصارم. لكن هذا التوجه صار يصب -بالنتيجة- في صالح المنظومة النقلية بعد أن قدم لها دعمًا كلاميًا نظريًا، لم تكن تتوفر على أدواته. وفى ظل النزوع الموروث للجمهور (العقل العامي) الأسهل تقبلًا للنقلية، وبمساعدة العامل السياسي المُمثل في سلطة الدولة خصوصًا بعد انقلاب المتوكل “السني”، جرى تعميم وتثبيت الرُوح السفلي النقلي المُشَرَّبُ بالوسطية الأشعرية. الأمر الذي كان يعني تكريس نمط تدين أقل واقعية (اجتماعية) ومن ثم اغترابيًّا.

الموقف الاعتزالي الذي يَعْتَدُّ بالعقل والفعل الإنسانيين (قدرة التمييز، وقدرة خلق الأفعال)، كان مُرشحًا لإدراك الطبيعة الاجتماعية للتشريع، إلا أنه لم يصل تمامًا إلى هذه المنطقة من النقاش، بسبب قوة الإشعاع السلفي المدعم بالسلطة، وبسبب بقائه داخل دائرة “الكلام” التي انطلق منها. لامس المعتزلة فكرة العلل الكامنة خلف الأحكام، وكونها ضرورية على الشارع من جهة استهدافه لصالح الناس، أي للخيِّر الحسن. لكن النقاش انصب على هذا الصالح بسبب أنه فكرة ميتافيزيقية وفردية غالبًا، لا بسبب أنه مصلحة اجتماعية عامة، نسبية ومتغيرة في الزمن. ولم يناقش إمكان تغيير التشريع بتغير المصالح بوصفه فكرةً كليةً شاملةً.

ومع ذلك يلزم قراءة هذا الموقف الاعتزالي في سياقه الثقافي العام، وفي ضوء الطور العقلي الخاضع حينذاك لأدوات واعتبارات التفكير اليوناني، والذي لم يكن مُهيئًا بعد للوقوف على فكرة “المجال الاجتماعي” بوصفها مفهومًا مستقلًا مُقابل “المجال الفردي ” من جهة، و”المجال الديني” من جهة ثانية. وهي المقابلة التي يُنْظَرُ إليها الآن بوصفها أحد إنجازات التفكير الحداثي.

يتبع

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete