مناقشات بشأن مستقبل الإسلام :الدولة والمؤسسة الفقهية… في النموذج المصري بين الإسلام المدرسي والإسلام الأصولي

 تكوين

-1-

تاريخيًّا ومنذ تكوُّنها داخل السياق السني، ظلت الطبقة الفقهية قريبة من الدولة وتعمل لحسابها في المستوى النظري، وفي تسيير القضاء والفتوى وخدمة الطقوس. ورغم أنها لم تتحول قط إلى منظمة عضوية بالمعنى الكاثوليكي، إلا أنها اكتسبت صلاحيات سلطوية معنوية، بالمعنى المؤسسي المعروف في الفكر السياسي، وتكرس وعيها بذاتها بوصفها طبقةً ذات مصالح اقتصادية خصوصًا مع تطور نظام الوقف الأهلي. وظلت تحافظ على مسافة ضمنية “غامضة” مع الدولة، إذ يُمكن الحديث عن علاقة مركبة بينهما تسير وفقًا للمعادلة الآتية: تعمل الطبقة الفقهية إجمالًا تحت السلطة، مع نزوعات استقلالية مُضمرة، تظهر من وقت إلى آخر وعلى نحو محسوب.

هذه المعادلة لم تتغير كثيرًا في ظل الدولة الوطنية الحديثة: فرغم إلحاق الطبقة الفقهية عضويًّا بالجهاز الإداري للدولة، لم تتقلص المسافة الموضوعية الفاصلة بين الطرفين، رسميًّا قُنِّنَتْ حالة التبعية المتحفظة، لكن الطبقة الفقهية صارت أكثر وعيًا بالتناقض الجوهري بين ما تمثله وما تمثله الدولة الوطنية ذات التوجه المدني العلماني.

ومع ذلك تبدو الصيغة الجديدة للمعادلة أكثر تعقيدًا: فالدولة الوطنية -التي لم تستكمل شروط الحداثة المدنية، بسبب ضعف حركة التطور الاقتصادي والعقلي- ظلت تصر على تقمص دور ديني شبيه بدور الدولة السنية الحارسة للدين، بغرض احتواء التوجهات المحافظة للجمهور، ما خلق نوعًا من الازدواجية التي صارت تظهر في أشكال مختلفة تتراوح بين التحالف المعلن والصدام المتحفظ، وهي تعكس مدى اندماج الدولة في الدور الديني، أي مستوى وعيها بذاتها بوصفها قوةً مدنية تجديدية بطبيعة التكوين وسياقات النشأة التاريخية. ومن هذه الزاوية تظهر الفوارق النسبية بين النموذجين المصري والسعودي.

-2-

في النموذج المصري -حيث تبدو الازدواجية أقل حدة- وُلِدَت الدولة الحديثة في سياق اجتماعي ثقافي أكثر تطورًا، بفعل التواصل التاريخي لحضور الدولة، والانفتاح على روافد التأثير الخارجية.

كشفت الدولة منذ بداية ظهورها -مطلع القرن التاسع عشر- عن أغراض مدنية ذات وجه علماني. وفى تصريح مبكر “لمحمد علي” أمام القُنصل الفرنسي، أعلن أن حكومته لا تقوم على الاعتبارات الدينية،

“أنا فوق هذه الاعتبارات، ولا أعتبر نفسي في سياساتي مُسلمًا ولا مسيحيًّا”.

وعلى عكس الحالة السعودية المُبكرة، لم تتأسس الدولة الحديثة في مصر نتيجة لتحالف مباشر بين قوة سياسية وقوة دينية مكافئة تُمَثِّلُ الطبقة الفقهية. ورغم أن هذه الطبقة كانت حاضرة في شيوخ الأزهر، ولعبت دورًا مساعدًا في عملية نقل السلطة إلى “محمد علي باشا”، إلا أن حضورها كان هامشيًّا، ولم يتواصل ليكون قوةً ذات نفوذ سياسي فاعل، وإن ظلت تعمل من خلال الأزهر بوصفها هيئةً تعليمية، تتوفر على موارد مالية مستقلة عن طريق الأوقاف، ولا تزال الحاجة إليها قائمة من الدولة، لتسيير مرافق الفتوى والقضاء.

بداية من “محمد علي” شرعت الدولة تدريجيًّا في تقليص النفوذ السياسي لطبقة الشيوخ، عبر سلسلة من الإجراءات القانونية والإدارية استهدفت تحجيم قدراتها الاقتصادية، بما في ذلك مصادرة الأراضي والأملاك الموقوفة على الأزهر، وإنشاء ديوان عمومي، سوف يتحول إلى وزارة الأوقاف وإلغاء الوقف الأهلي. وفي نهاية المطاف أمكن احتواء هذه الطبقة داخل الجهاز الإداري للدولة.

-3-

لم تُظْهِر الطبقة الفقهية معارضة جديَّة ضد مشروع الدولة الحديثة، وأعادت تكييف نفسها -كالعادة- تحت سلطة الدولة. لكنها لم تندمج موضوعيًا في هذا المشروع، وظلت تشتغل بوصفها رافدًا سلفيًّا محافظًا في مواجهة التيارات التجديدية الناشئة التي تبلورت نتيجة للاحتكاك السياسي والثقافي بالحداثة الغربية.

واقعيًّا، وفي أجواء المد الجارف للثقافة المدنية في القرن التاسع عشر، كان النظام التراثي في لحظة ضعفه القصوى، ولم يمتلك الأزهر بوصفه قوةً محافظة القدرة على مقاومة الضغوط الحداثية، التي فرضت نفسها، وأسفرت بالفعل عن تحولات “علمانية” صريحة، طالت البناء الدستوري للدولة، والتشريعات الرئيسة في القانون المدني والجنائي، ونظام القضاء والتعليم.

وفي هذا السياق أبدى المجتمع نوعًا من الاستجابة السلسة، وكشف عن قابليات متزايدة للتطور الاجتماعي والثقافي شملت تغيير وضعية المرأة، والحقوق الطبيعية للأفراد، وأطلقت حركة واسعة في الفكر والفنون على حساب القيم التقليدية للنظام الفقهي. وبوجه عام، صارت تتكوَّن “حالة مدنية” عامة، تجاور وتغطى نسبيًّا على مكونات الثقافة التقليدية داخل المجتمع.

من جانبها، لم تعمل الدولة جديًّا على تطوير خصائص الطبقة الفقهية؛ فلم تستكمل عملية الاحتواء “الإداري” بعملية موازية للاحتواء الثقافي بهدف إعادة تأهيلها للاندماج في البنية المدنية. موضوعيًّا، ظلت هذه الطبقة تحتفظ بآلياتها التفكيرية القديمة، ومشاغلها التفصيلية المحفوظة من الفقه والكلام، فضلًا عن نزوعاتها الانتهازية الموروثة من تاريخ الكهنوت. وفي المستوى الصوري، صارت -بزيها التقليدي الخاص، ولغة خطابها المتقعرة- تبدو طبقةً مُتَكلسةً تنتمي إلى الماضي، وتقف على مسافة واضحة من ثقافة المجتمع الجديدة.

-4-

لاحقًا، مع التداعيات السياسية والثقافية التي سوف يجلبها المد الأصولي، ستستعيد الطبقة الفقهية نزوعاتها السلفية الكامنة، وسترفع، بأثر رجعي، نغمة اعتراضها على نتائج التحديث. عمليًّا وبحذر “أشعري” محسوب، سوف يشتغل الأزهر على لحظة ضعف الدولة لتحقيق مكاسب “فئوية” تتعلق بالوضع القانوني للمؤسسة ورئيسها الطموح، وتخلق مساحة للتدخل السياسي. عند هذه النقطة سأستدعى مجددًا ملاحظات “نيتشه” عن “المكر التاريخي” للكهنوت، والسجل الانتهازي الثابت للطبقة الفقهية عبر التراث السياسي السُني، لشرح أداء الأزهر وهو يستغل لحظة “اهتزاز” الدولة عقب أحداث يناير 2011:

مَوْضَعَ الأزهر نفسه وسط المعادلة السياسية الجديدة بين تيارات الإسلام السياسي الأصولية التي كانت تقترب من السلطة، والدولة التي كانت تحتاج إلى دعم قوة دينية “المعتدلة” ذات رصيد شعبي.

نظريًّا، يقف الأزهر على مسافة مُتماثلة من طرفي المعادلة (من التيار الأصولي ببنائه السلفي الأكثر نقلية، ومن الدولة ذات الدستور المدني المُعْلَن). وواعيًا بالرهان الدائر على استقطابه وتوظيفه سياسيًّا، لعب على علاقته الملتبسة مع الطرفين، ليبدو محسوبًا على كل منهما، ونجح في تحقيق أفضل نتائج ممكنة:

في فترة حكم الإخوان الخاطفة حصل الأزهر لأول مرة في ظل الدولة الوطنية، على وجود “مؤسسي” رسمي عن طريق الدستور (لا من مجرد نص لائحي أو قانوني)، وأُسْنِدَت إليه صلاحيات “تشريعية” صريحة تدخل أصلًا في اختصاص البرلمان، وجرى النص على استقلال شيخ الأزهر وعدم قابليته للعزل، وحصر طريقة اختياره من أعضاء هيئة كبار العلماء.

جاءت هذه الأحكام في المادة الرابعة من دستور 2012 تحت الباب الأول المعنون بـ “مقومات الدولة والمجتمع – المقومات السياسية”، وتنص على أن “الأزهر الشريف، هيئة إسلامية مستقلة جامعة، يختص دون غيره بالقيام على شئونه كافة، ويتولى نشر الدعوة الإسلامية وعلوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم. ويؤخذ رأى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية. وتكفل الدولة الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه. وشيخ الأزهر مستقل، غير قابل للعزل، يحدد القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء”.

تتناقض هذه المادة صراحة مع المفاهيم الأساسية لدستور مدني حديث، يقوم على تكريس المعنى الوضعي لمبدأي: القانون والمواطنة، فهي تُضفي على الأزهر مُمَثَّلًا فيما يُسمى بـ “هيئة كبار العلماء” سلطة تشريع وصائية ذات طابع كهنوتي، يُصادر على سلطة المجلس النيابي. وتؤكد المادة هذا الطابع الكهنوتي من خلال النص على استقلال شيخ الأزهر (عن الجهاز المدني للدولة)، وتحصينه من العزل، وتحديد طريقة تعيينه عن طريق الأزهر نفسه. ما يعني تكريس وجوده بوصفه مؤسسةً دينية بالمعنى الكاثوليكي القديم. أي مؤسسةً موازية للدولة، أو سلطةً إضافية مزاحمة للسلطات التقليدية الثلاث.

-5-

في سياقات الشرق الإسلامي، قد لا تُعَبِّرُ “النصوص” الدستورية عن حقائق الواقع السياسي، إذ يسهل تجاوزها عادةً، ومن ثم لا يُمكن التعويل عليها لتحديد هُوية الدولة. وإلا فإن المادة الرابعة من دستور 2012 تُشير إلى ملامح واضحة “لدولة دينية” بالمعنى الكاثوليكي السائد في العصور الوسطى: ففضلًا عن الصلاحيات المؤسسية الداخلية، تنصب المادة الأزهر في موقع “أممي” يُوحي بتبني الدولة لمُهمة نشر “الدعوة الإسلامية واللغة العربية في مصر والعالم”. وهي مُهمة تتجاوز الأهداف الطبيعية المباشرة لدولة وطنية ذات دستور مدني، وتتماهى مع الأهداف الأصولية الموروثة من تاريخ الفقه، وذلك بغض النظر عن طابعها الادعائي الخطابي.

لكن الطابع الديني للدولة يظهر ظهورًا أكثرُ “فجاجةً” في المادة 219 من الدستور التي جاء نصها كالآتي: “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية، ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة”.

فُرِضَتْ هذه المادة تحت ضغط التيار “السلفي” الصاعد والمتحالف -حينذاك- مع جماعة الإخوان. وهي تبدو بحمولتها الأصولية ولغتها “المذهبية” الفجة، كجسم غريب مقارنة بالدستور المدني الحديث. نحن في الواقع حيال حالة من “اللخبطة” أو الخلط الفادح بين قيم الدولة الوطنية ومفردات الدولة الدينية داخل دستور واحد.

نظريًّا، لا يعترف التيار السلفي بشرعية الدستور الوطني، لكنه مضطر للتعاطي معه مرحليًّا تحت ضغط الواقع. وكما كشفت التصريحات السلفية اللاحقة، كان الغرض من إقحام هذه المادة تقييد سلطة القضاء في تفسير المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع. فبحسب الاتجاه السائد عند المحكمة العليا، كان مصطلح “مبادئ الشريعة” يُشير إلى القيم الكلية العليا، الثابتة بالنصوص القطعية والمُجْمَعُ عليها من جهة الدلالة، وهي قيم ذات طابع إنساني عام، ولا تؤدى بالضرورة إلى تبني منظومة الأحكام التفصيلية الموروثة من تاريخ الكهنوت الفقهي، والقاصرة عن تلبية الحاجات الاجتماعية الجديدة.

عمليًّا، جرى استخدام هذا التفسير العام ليكون آليةً تِقْنية من الدولة العميقة، للالتفاف على نص المادة الثانية، التي تتناقض تناقضًا جسيمًا مع قيم الدستور المدني، وفكرة المواطنة التي نشأت عليها الدولة المصرية الحديثة. لقد تم إتمام هذه المادة في صيغتها الراهنة منذ دستور 1970، في خُطوة تكشف عن حجم التمدد الأصولي، ومدى التراجع في وعى الدولة بطبيعتها المدينة ودورها التجديدي الريادي الذي مارسته عمليًّا بامتداد القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن الماضي.

في المستوى النظري يُوحي نص المادة بوجود “دولة دينية” بالمعنى الفني المباشر. وهي نتيجة غير مقصودة من واضع النص، الذي كان يناور به، لتحقيق أهداف سياسية بعينها، عن طريق توظيف القوى الدينية الصاعدة لامتصاص المد اليساري المتفاقم.

عادة ما تراهن الذهنية المصرية على خصائصها التوفيقية الموروثة من تاريخها التعددي الطويل، وعلى قدراتها الخاصة في احتواء النصوص وإعادة تأويلها بآليات التجميع ذات الطابع الأشعري. وبوجه عام، تفكر الدولة في المسألة الدينية كالآتي: المُشْكِلُ يكمن في التيار الأصولي الذي يزاحم الدولة على السلطة، أي في تيار الإسلام السياسي المتطرف والطامع في الحكم، وفيما عدا ذلك ليس ثمة مُشكل في الحضور الديني وتفاقمه في مستوى المجتمع، إذ يُمكن على الدوام احتواء نمط التدين الشعبي، وتوجيهه، والتحكم فيه، بل والتحدث باسمه وتبنيه من الدولة.

-6-

هذا النسق من التفكير يؤشر على أن الدولة لم تعد معنية بفكرة “التجديد الإصلاحي” للنظام الديني التراثي، التي تبنتها منذ ظهور نسختها الحديثة، والتي اعتبرت في حينها طريق الخروج الوحيد من حالة التخلف الحضاري المزمنة. وبدلًا من ذلك تبدو الدولة مَعْنية بفكرة احتواء النظام التراثي، وتوظيفه سياسيًّا عن طريق الطبقة الفقهية. ومن هنا تظهر حاجتها لاستقطاب الأزهر، المناقض مذهبيًّا للأصولية السلفية، والأقرب نسبيًّا لنسق التدين الشعبي، فضلًا عن قابليته الأصلية للانضواء تحت الدولة.

صار واضحًا أن الدولة لا تقبل إسلام الإخوان السياسي المتطرف، فيما تقبل إسلام الأزهر المدرسي “المعتدل” حيال السلطة. ما يعنى أنها غافلة تمامًا عن حقيقة المُشْكِل، الذي يكمن -ببساطة- في ثقافة النظام الديني التراثي: الثقافة المشتركة التي يصدر عنها الأزهر والإخوان معًا. وهي ثقافة رجعية متخلفة مناهضة للحداثة والرُوح الإنساني، تعجز عن إشباع الحاجات الاجتماعية الجديدة، وتقف حائطَ صدٍّ فعليٍّ أمام حركة التطور. وهي في الإطار العام ثقافة ذات جذور بدوية خشنة موروثة من سياقات الجزيرة العربية في القرن السابع، ومنافية جوهريًّا لرُوح الثقافة المصرية الدارجة الأقل ميلًا للعنف، والأكثر تسامحًا حيال الآخر، والتي تكوَّنت عبر تراكم حضاري طويل ومتعدد الروافد.

-7-

في 2013 سقطت حكومة الإخوان الخاطفة نتيجة لحراك شعبي واسع. وهي خُطوة تُشير إلى انحياز المجتمع لفكرة الدولة المدنية. استطاعت الدولة تجاوز حالة “التلعثم” السياسي التي نجمت عن أحداث يناير 2011، ونجحت في احتواء النتائج المباشرة للانفجار الأصولي التي بلغت ذروتها باستيلاء الإخوان على السلطة. لكن الدولة لم تَسْلَمْ تمامًا من ضغوط المد السلفي الذي صار يُمَثِّلُ تيارًا سياسيًّا وثقافيًّا مُنظمًا، ويبدو ذلك واضحًا في نصوص الدستور الجديد الذي صدر عام 2014:

تخفف الدستور قليلًا من الحمولة السلفية الفَجَّة، فقد ألغيت المادة 219 ذات الإيقاع الوهابي الغريب الذي يحشر النظام التشريعي في دائرة الفقه المذهبية، وأدخل تعديلًا طفيفًا على نص المادة 4 بحذف الفِقرة التي تشترط أخذ رأي هيئة كبار العلماء في الشئون المتعلقة بالشريعة.

لكن الدستور الجديد ظلَّ مُحَمَّلًا بأعراض أصولية واضحة، تكشف عن حالة مزرية من “الترقيع” السياسي الثقافي: إذ بقيت المادة الثانية التي تفرض الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسًا للتشريع، والتي صارت تبدو بصيغتها الخالدة كصنم مقدس لا يجوز المساس به.

وانتقلت المادة الرابعة بنصها إلى المادة السابعة التي تؤكد الوجود المستقل للأزهر “بوصفه مؤسسة دينية”، وتحصن منصب شيخ الأزهر من العزل، وتحدد طريقة اختياره داخليًّا من بين أعضاء ما يُسمى بهيئة كبار العلماء، والأخطر أنها تُشير إلى تبني الدولة من داخل الأزهر لمُهمة نشر الدعوة الإسلامية واللغة العربية في مصر والعالم.

الآن، يبدو الأزهر أكثر “سلفية” مما تقضي به أصوله المذهبية، وصار واضحًا أن النزوعات الأصولية المُضْمَرَةُ في تكونية الأشعري تتفاقم على حساب النزوعات العملية المعتدلة. وبفعل الخصائص الانتهازية الموروثة من تاريخ الكهنوت لا يزال الأزهر يتقمص دور الوسيط الواعي بموقعه: فبحذر محسوب يواصل نقده المعلن للتيارات الأصولية المتطرفة، فيما يبدو حريصًا -في الوقت نفسه- على إرسال إشارات تفيد عدم التطابق مع مواقف الدولة.

-8-

لا يزال دور الأزهر عند الدولة مطلوبًا بوصفه ظهيرًا معتدلًا، في مواجهة المُشْكِل الأصولي، لكن الواضح أن الدولة صارت تبالغ كثيرًا في تقدير هذا الدور، ومنحت الأزهر مساحة واسعة للتدخل وفرض نوع من الوصاية الفقهية، تخصم بطريقة فجة من رصيد المكاسب المدنية التي أحرزها المجتمع. ويظهر ذلك على نحو متصاعد في السياسات التعليمية والإعلامية. والنتيجة تفشي فادح للمظاهر السلفية التي تدعو إليها التيارات الأصولية المتطرفة.

والمعنى هو أن الدولة لا تبدو واعية -أو لا تبدو مهتمة- بحقيقة المُشْكِل، أعنى بالتشخيص الحقيقي للأزمة: فالقضية في الواقع لا تتعلق بضرورة حماية الدولة/النظام من التطرف السياسي فحسب، وإنما قبل ذلك بضرورة حماية المجتمع من ثقافة الماضي الرجعية التي تحول بينه وبين النهوض من التخلف الاقتصادي والاجتماعي العام.

ومع ذلك، لا يزال بإمكاننا التعويل على قدرة الدولة على استعادة الوعي بطبيعتها المدنية، ودورها التجديدي الريادي الذي مارسته منذ بداية ظهورها في القرن التاسع عشر. لقد ناقشت مُطَوَّلًا كيف أن الدولة في المطلق أو الدولة في ذاتها تكوينٌ علماني بالضرورة، بما أنه يظل محكومًا بغريزة السلطة وأغراضها العملية التي تحركها الحاجات اليومية المباشرة. هكذا كانت الدولة على الدوام حتى في ظل تحالفاتها المؤقتة مع التكوينيات الدينية والأيديولوجية عمومًا. الدولة الوطنية الحديثة لم تَنْشَأ من هذه الطبيعة العلمانية، بل كشفت عنها بطريقة سافرة وأكثر تحديدًا. لقد ولدت هذه الدولة الحديثية وكرست وجودها نتيجةً لواقعة محددة، هي حسم الصراع على شراكة السلطة مع الدين بالذات. ومن هنا فالتناقض بين الدولة و”المؤسسة الدينية” تناقضًا أصليًّا ضروريًّا، لكنه ظل على مدى تاريخي طويل مختبئًا خلف تحالف المصالح المشتركة للطرفين. ويبقى في نهاية المطاف محكومًا بقوة الدولة وإرادتها في التعبير عن طبيعتها العلمانية.

يتبع

 

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete