مناقشات بشأن مستقبل الإسلام: تداعيات الحالة الأصولية

 تكوين

-1-

بدأت الأصولية الإسلامية في نسختها المعاصرة مع تكوِّنِ الحركة الوهابية في الحجاز أواخر القرن الثامن عشر، ثم عبرت عن نفسها بطريقة أوضحَ بظهور جماعة الإخوان في مصر أوائل القرن العشرين. وتفاقم حضورها بامتداد هذا القرن، أي في غضون الفترة التي أخذت تشهد نتائج الاحتكاك بالحداثة الغربية بعد حوالي قرن من بدايته.

كان هذا الاحتكاك، الذي بدأ مع الحملة الفرنسية ونشوء الدولة الوطنية، قد أسفر عن تحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية ظاهرة، ظلَّت تتوسع تدريجيًا على حساب النظام الفقهي التقليدي. ولذلك فقد مثَّلَت استفزازًا مباشرًا لسلطة هذا النظام السائد.

منذ قرون، ومن هذه الزاوية يُمكن النظر إلى تولد التيار الأصولي في مصر في هذا التوقيت بوصفه ردَّ فعل متأخر نسبيًا من النظام الديني على ضغوط الحداثة، التي جرى استقبالها، لا بوصفها حركةً طبيعيةً لقانون التطور الاجتماعي، بل بوصفها فعلًا هجوميًّا من الغرب “المسيحي” يستهدف ضرب الإسلام ذاته.

-2-

مثل الحركة البروتستانتية في القرن السادس عشر الأوربي، كانت الأصولية الإسلامية نوعًا من الاستجابة “الدينية” للمثير الحداثي، لكنها -خلافًا للبروتستانتية- لم تنشأ بوصفها حركة “تجديدية” بالمعنى الإصلاحي. أعنى لم تكن تَهْدِفُ إلى تغيير النظام الديني، ولا متوافقة مع التوجه التجديدي وفكرة المجتمع المدني. كان النشاط الاحتجاجي للبروتستانتية المُبكرة يستهدف بالأساس سلطة الكنيسة وأداءها الديني والاجتماعي، بما في ذلك تغولها الواسع على صلاحيات الدولة وحريات الأفراد، انتصرت البروتستانتية صراحةً وضمنًا لسلطة الدولة على حساب الكهنوت في المجال العام (ونسبيًا في الخاص)، ولم تدخل في صدام أصلى مع الدولة والنظام الاجتماعي بتوجهاته الحداثية المتصاعدة. وبحساب النتائج صبُّ الموقف الاحتجاجي البروتستانتي في مصلحة التيار التجديدي العام، وأسهم في تكريس العلمانية.

-3-

في المقابل، طرحت الأصولية الإسلامية نفسها، لتكونَ حركة مناهضة للتيار التجديدي، الذي أخذ يتكوَّنُ منذ أواخر القرن التاسع عشر فيما صار يُعرف بمشروع “النهضة”، وصَعَّدت الصدام معه من مستوى الجدل الثقافي النظري إلى مستوى الفعل السياسي الاجتماعي. في السياق الإسلامي عمومًا -الذي تحتل فيه الدولة/الشريعة موقعًا مركزيًا في بنية الديانة- تتحول الفرق الأصولية عادة إلى ظاهرة سياسية صريحة، أعني إلى حركة احتجاجية موجهة إلى الأداء الديني للدولة والمجتمع، وثانويًّا إلى أداء الأفراد.

في أواخر القرن العشرين ، ومع تطور النشاط الأصولي في مستوى الحركة والخطاب، تفاقمت مساحة الاشتباك مع الدولة (الوطنية)، التي ظلت -رغم توجهاتها العلمانية- تتقمص دور “الحراسة” التقليدي للدين، الموروث من تاريخ الخلافة السنية. وهذا يشرح شيوع مصطلح “الإسلام السياسي” ليكون مرادفًا لمجمل الحركة الأصولية، التي تتسع لأشكال تدين سلفية لا تصبُّ اهتمامها المباشر على السياسة، بل على جوانب طقوسية أو تعليمية أو رُوحية فردية. لكن التيار السياسي يظل هو التيار الأصولي العام، الذي تصب فيه جميع أشكال التدين التسلطي المعاصر.

-4-

بوجه عام، تطرح التيارات الأصولية نفسها لتكون مُمثلًا وحيدًا للديانة في نسختها المثالية كما تتصورها في عصر التأسيس، أي كما هي عند نقطة بعينها في الماضي. ومع توجهها السياسي الغالب، يظل هذا المعنى السلفي الماضوي جوهر الأصولية الإسلامية الذي يختزل جميع خصائصها في “كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار”.

بموقفها المناهض للكنيسة، كانت الأصولية البروتستانتية توجه طاقتها النقدية إلى سلطة النظام الديني السائد، أي كانت تمضي في اتجاه حركة التجديد الاجتماعي التي أطلقتها تيارات النهضة والتنوير الأوروبي. خلافًا للأصولية الإسلامية، التي لم تُقَدِّم نفسها، لتكونَ جناحًا إصلاحيًّا داخل النظام الديني، بل لتكون مُمثلًا له في صيغته الأقدم الأكثر سلفية، وصبَّت اهتمامها على مقاومة التطور الحداثي وقيم الدولة المدنية.

بالطبع، تنطوي البروتستانتية على رُوح سلفي مستمد من خصائص التدين التاريخي، لكنها تبدو أقل تعارضًا مع أهداف التجديد الاجتماعي قياسًا بالأصولية الإسلامية، بسبب اختلاف الموقف من الدولة وفكرة الشريعة: في السياق المسيحي (الغربي) يُمكن تأسيس العلمانية نظريًّا، على نصوص أصلية، فضلًا عن التاريخ السياسي الفعلي الذي كرَّس حضورًا متواصلًا لسلطة الدولة “المدنية” رغم الهيمنة الواسعة للكنيسة بامتداد العصور الوسطى. الأمر الذي سوف يسهل على النظام الديني عملية الاندماج من جديد في أطر الدولة الحديثة. أما السياق الإسلامي فيواجه صعوبات جادة في تأسيس العلمانية، إذ تحظى “الدولة” تاريخيًا بحضور أحادي جامع (للسلطتين الزمنية/الدينية) ومدعمًا فقهيًّا، وتحظى “الشريعة” بإسناد نصِّيٍّ وفقهي راسخ.

إقرأ أيضًا: نموذج الأصولية (الدينية): مقاربةٌ مفاهيميةٌ وبنائيةٌ ونقديةٌ

واقعيًّا، لا تبدو المسافة واسعة بين الأصولية الإسلامية ومدونتها التأسيسية. صحيح أن الخطاب الأصولي لا يتطابق حرفيًّا مع متن المدونة (خصوصًا من جهة القيم الكلية)، لكنه يستطيع دائمًا تأسيس نفسه على مفردات مختارة من هذا المتن الواسع، الذي ينطوي بالفعل على مفاهيم “حصرية” وعنيفة. وهذا ما يسبب الخلط الشائع بين الخطاب الأصولي الإسلامي والإسلام بوصفه ديانةً، أو بينه وبين الفكرة الكلية للدين في ذاته.

ومثل الأصوليين أنفسهم، يقع في هذا الخلط قطاعات من الفكر الوضعي المعاصر، خصوصًا تيارات اليمين الغربي التي يُعَبِّرُ عنها نموذج “هنتنجتون” في “صراع الحضارات”، ويثيرها الأداء العنيف للإسلام السياسي وتمدده إلى الغرب، عند هذه التيارات ليس ثمة أصولية متطرفة وأخرى معتدلة، فجميعها يعكس الطبيعة الجافة والمتشددة للإسلام بوصفه ديانة راديكالية خشنة ومناقضة جوهريًّا للحداثة، وفى هذا الإطار يتساوى خطاب الإخوان مع داعش، والأزهر مع القاعدة وحزب الله الشيعي، ومحاولات التجديد الترقيعية التي يقدمها مثقفون إسلاميون من خارج المؤسسات التقليدية.

-5-

الأصولية والدولة المدنية

تُعزِّزُ الأصولية الإسلامية مقاومة النظام الديني لضغوط التطور، أي تلعب دورًا “تعطيليًّا” في مسار التحول الحداثي الذي بدأ في المنطقة منذ القرن التاسع عشر، وأدَّى -بالفعل- إلى خلق نُوَاة “لحالة مدنية” واضحة، مركزها الدولة المدنية، وهذا هو التكييف الواقعي للأزمة الراهنة في هذه المنطقة المنكوبة بالدين السياسي.

رغم حضورها الدستوري المُعْلَن، لم يكتمل بناء الدولة المدنية. بسبب انخفاض معدل التطور الاجتماعي العام (الاقتصادي/الثقافي) الأمر الذي تفاقم بظهور التيارات الأصولية وانقطاع عملية التحديث. يُمكن الحديث عن بقاء البنى القبلية العشائرية بأشكالها التقليدية الفجة أو بقيمها الثقافية الموروثة. ومع غياب الشروط “العلمانية” للدستور المدني الذي يقوم على مبدأي المواطنة والقانون، تبدو الدولة وكأنها ظاهرة تسلطية خالصة، لكنها عاجزة، في الوقت نفسه، عن احتواء التركيبة الديموغرافية السياسية المعقدة للطوائف والإثنيات التي تزدحم بها المنطقة، وتوجهها بالأساس محركات “دينية” تاريخية (يهودية/مسيحية/إسلامية سنية/شيعية/درزية/علوية/زيدية).

بوجه عام، يبدو البناء “المدني” للدولة في المنطقة دون مستوى المواجهة مع الواقع “السلفوي” الراسخ في الثقافة، والذي يُعَبِّرُ عن نفسه سياسيًا بتكوينات “دينية” طائفية وإثنية، مُهيأة لإفراز واحتضان التطرف الأصولي.

ومع ذلك، يُمكن الحديث هنا عن فارق نسبي بين النموذج المصري ونماذج “الدولة” الأكثر هشاشة في سورية، ولبنان، والعراق، واليمن؛ ففي النموذج المصري -الأقدم احتكاكًا بفكرة الدولة الوطنية، والأقل تفتتًا في المستوى الطائفي- عبَّرت الأصولية عن نفسها في البداية تعبيرًا أقل تطرفًا، قبل أن تكتسب -عبر التزاوج الوهابي- مزيدًا من السلفية والعنف، وتتحول إلى تنظيمات جهادية قتالية. وبوجه عام، نجحت الدولة في احتواء هذه التنظيمات، فيما ما تزال تحاول امتصاص الزخم السياسي لجماعة الإخوان ونزوعاتها المتصاعدة إلى العنف.

-6-

خارطة الأصولية السياسية

يُمكن الحديث الآن عن أجنحة رئيسة ثلاثة:

  1. جماعة الإخوان المسلمين.
  2. الجماعات الجهادية السنية.
  3. التنظيمات الشيعية

تُعَدُّ جماعة الإخوان حجر الزاوية في حركة الإسلام السياسي المعاصر، فهي الأصل الذي انبثقت عنه الحركة، والتشكيل الأصولي الأكبر حجمًا والأوسع حضورًا في المستوى الشعبي. بالفكر والحركة نحن حيال نموذج براجماتي مراوغ، يُعَبِّرُ عن شريحة اجتماعية ذات نزوع ثقافي هجين، وقابل للتفاعل مع الحداثة السياسية، وهو ما يشرح ظهورها في السياق المصري أوائل القرن الماضي بوصفها ردَّ فعلٍ مضاد لحركة التجديد السياسي والاجتماعي العام.

شاغبت الجماعة سياسيًا بفكرة الدفاع عن قضية فلسطين، التي كانت تُعالج -حينذاك- بوصفها مسألة “قومية”، أكثر من كونها قضية دينية. لكن الشاغل الرئيس للجماعة ظل ينصب على الصدام الداخلي مع الدولة (الوطنية) ويرفع شعار الحكم الإسلامي. ورغم إعلانها عن التوافق مع الخط العام للدستور المدني، رفضت نظام التعددية الحزبية، وأنشأت تشكيلات تنظيمية ذات طابع سري، ومارست أشكالًا من العنف وعمليات الاغتيال.

بامتداد العهد الناصري، حيث ساد الخطاب القومي الشعبوي، قُمعت الجماعة بإجراءات أمنية صادمة، وبدا أنه تم احتواؤها في المستويين الفكري والحركي. لكنها عادت إلى الظهور من جديد مع نظام السادات الذي اشتغل على فكرة التوظيف “المحسوب” للإسلام السياسي في امتصاص المد اليساري الناصري لحساب التوجهات شبه “الليبرالية” الجديدة. غير أن الإسلام السياسي طغى على المد اليساري والتوجهات شبه الليبرالية معًا، وبالتداعيات اللاحقة التي شهدها عهد مبارك، صار من الصعب “احتواء الظواهر” الأصولية التي أطلقها وطورها نشاط الإخوان، بما في ذلك تفاقم الأفكار الوهابية السلفية، وظهور التنظيمات الجهادية العنيفة.

بالوصول إلى يناير 2011، لحظة الفوضى والترهل السياسي الأعلى، كانت “الدولة” في أقصى حالات ضعفها. ومع غياب القوى -المدنية- المنظمة التي جُرِّفَت سياسيًّا طوال العقود السابقة. أمكن لجماعة الإخوان بمساعدة الجماعات السلفية القفز إلى السلطة. لكن سرعان ما أُسقِطت بحركة شعبية واسعة مُدعمة بقوة الجيش.

واقعيًّا، كشفت هذه الحركة عن عمق الشق المدني المضمر في بنية الدولة والمجتمع على السواء: صار واضحًا أن هذا الشق أعمق حضورًا مما يبدو عليه؛ أشير هنا إلى مكاسب الوعي الحداثي التي تراكمت منذ القرن التاسع عشر وكوَّنت ما أسميه بـ “الحالة المدنية” (ثقافة الدستور، والقانون، والمواطنة، وحرية الفكر والفنون، والتجربة العلمية): أظهرت الدولة قدرتها -عند الحاجة- على استعادة وعيها بذاتها بوصفها قوة مدنية، أي علمانية تجديدية بطبيعة التكوين. وكشف المجتمع عن خصائصه الاعتيادية المنافية للتطرف.

إقرأ أيضًا: التفلسف في زمن التطرّف

بطريقة متكررة، تراهن الأصوليات السياسية على نزوعات التدين المفترضة عند المجتمع. وهو رهان خاسر في جميع الأحوال بسبب السمات الطبيعية لنمط “التدين الشعبي”، الذي لا يتطابق مع منطوق المدونة الرسمية (الفقهية)، ولا يتوافق مع الأصولية: بوجه عام يتحرك الشارع الشعبي بآليات الاجتماع الطبيعي التي توجهها الغرائز والمطالب اليومية. ورغم نزوعاته الرُوحية تظل هناك على الدوام مسافة واضحة بين ممارسات التدين الشعبي ومنطوق المدونة. وهو يُبدي قدرة واسعة على مجاراة المدونة والالتفاف عليها في الوقت نفسه، بآليات تأويلية وتأجيلية متعددة، ويبدو، لذلك أكثر قدرة على استيعاب حركة التطور الاجتماعي المتواصلة، وأكثر قابلية للتوافق مع الآخر الديني، ومن ثم أكثر قدرة على تجاوز التطرف.

-7-

 تحول نوعي

ومع ذلك، يلزم ملاحظة التحول الأصولي “النوعي” في العقود الثلاثة الأخيرة: ففي السياق المصري –بوصفه مؤشرًا رئيسًا- يُمكن الحديث عن تراجع الزخم “السياسي” المباشر للمشروع الأصولي كما طرحه الإخوان، لأنه فشل في تقديم بديل إسلامي مقنع لنموذج الدولة الوطنية في المستويين: النظري والعملي، وتم احتواؤه أمنيًّا في نهاية المطاف. لكن يلتزم -في المقابل- رصد “التمدد” الذي أحرزه المشروع الأصولي في المستوى الثقافي الاجتماعي. أشير هنا إلى الاختراق النسبي لمساحة التدين الشعبي من الأفكار السلفية الوهابية، والتي صارت تظهر بصورة فجة في لغة التخاطب اليومي، وطريقة ارتداء الملابس، وسلوكيات الاختلاط بين الرجل والمرأة، وطريقة التعاطي مع الفنون وحرية الفكر، ومع الآخر الديني والطائفي والسياسي.

لا تصدر هذه الأفكار -بالضرورة- عن تكاليف دينية مُلزمة، لكنها تعبر عن ثقافة بيئية وافدة، وغريبة على الحس المصري التقليدي بسماته التسامحية المعتدلة، التي تكوَّنت عبر تاريخ طويل من التعددية والتوافق الثقافي.

هذا التحول هو أحد الملامح المميزة للمشروع الأصولي المعاصر الذي صار يشتغل بوعي أيديولوجي على فكرة الانتشار الشعبي. وهي فكرة لم تكن حاضرة بمعناها الراهن في ثقافة الأصوليات التقليدية التي ظلت تظهر عبر التاريخ الإسلامي “بوصفها فرقًا”، منعزلة أو معزولة عن التيار العام (الدائر إجمالًا في كنف الدولة السنية المتعلبة) وفي هذا السياق يظهر الدور الذي تلعبه الوسائل الإلكترونية وميديا التواصل الاجتماعي.

-8-

مضاعفات أصولية

ما يلزم رصده هنا هو تصاعد الاختراق السلفي، الذي صار يتسرب إلى البنية العميقة للدولة بأدواتها القانونية، والتعليمية، والإعلامية، وحتى الأمنية. والأخطر هو وصول الاختراق بالفعل إلى قلب الأزهر؛ المؤسسة الفقهية التي تُمَثِّلُ المدونة الرسمية للديانة، رغم أنها تنتمي تقليديًا إلى المذهب الأشعري المعروف بسماته التوفيقية الأقرب للاعتدال، والمخاصمة تاريخيًّا للسلفية النقلية الضيقة.

التمدد الأصولي الواسع أدى إلى استفزاز الشق السلفي الأصلي، الكامن عند المؤسسة الفقهية، واستدعى خصائصها الانتهازية الموروثة من تاريخ الكهنوت، وفي ظل التلعثم الثقافي للدولة، واضطرارها إلى استخدام المؤسسة في احتواء التطرف، نجح الأزهر في استغلال الموقف وفرض نفسه، ليكون قوةَ واقع ذات نفس سياسي، محصنة -ربما لأول مرة- بنصوص دستورية وقانونية، وصار يُمارس نوعًا من الوصاية الفقهية داخل المجتمع، وهي وصاية أوسع من مساحته الافتائية الاختيارية المعهودة. ومن ثم فهي سلطة موازية لسلطة القانون، ومجافية للدستور ذاته وقيم الدولة المدنية الحديثة، فضلًا عن افتقارها إلى أي إسناد شرعي، من جهة “النصوص” الإسلامية التي لم تعرف قط فكرة الكهنوت الرسمي المُنَظَّمِ على غرار الكنيسة الكاثوليكية.

هذه الوصاية الفقهية التي تشوش على الطابع المدني للدولة الوطنية، تُسهم في تكريس السمات المرجعية لثقافة التراث بطابعها الحصري الشمولي، وتُعطل عملية تطوير “الواقع” المعيشي بحاجاته المادية وآلياته العصرية الجديدة. ومن ثم فهي تساعد على تثبيت حالة التخلف الحضاري القائمة، وتوطين التطرف. ويبدو الخطر داهمًا مع التوسع في نشر التعليم الأزهري، في ظل التراجع المخيف لمستوى التعليم العام، بفعل تداعيات الأزمة الاقتصادية، والانفلات العشوائي في عدد السكان، مع أعراض الجمود والترهل الإداري، وتزايد نغمة اليأس من التغيير.

إلى أي مدى وصل الاختراق الأصولي على حساب الحالة. المدنية؟ هل يُمكن الحديث عن استغراق سلفي لبنية الدولة ومساحة الشارع الشعبي؟

بوجه عام، يُمكن الإشارة إلى تراجع نسبي -لكن واضح- في وعى الدولة بدورها “التجديدي” الريادي الذي ظلت تمارسه منذ ظهور نسختها الوطنية مطلع القرن التاسع عشر حتى بعد منتصف القرن الماضي. ويمكن الإشارة إلى تمدد أصولي نسبي -لكن واضحٌ أيضًا- داخل مساحة التدين الشعبي، لكننا لا تستطيع الحديث عن استغراق أصولي، ولا حتى عن اكتساح واسع النطاق، لبنية الدولة أو المجتمع.

إقرأ أيضًا: نموذج الأصولية (الدينية): مقاربةٌ مفاهيميةٌ وبنائيةٌ ونقديةٌ

خلافًا لما تُروج له الدعاية الأصولية، ويقع فيه بعض التيارات العلمانية المتشائمة، لم يكن التحول المدني الذي استغرق حوالي قرنين عملية هامشية محصورة في النخب السياسية المتعلمنة، بل أسفر عن حالة ثقافية عريضة، تسربت نتائجها إلى جميع الطبقات، واقعيًّا، كانت عملية التحول تُشير إلى خروج صريح من النظام الفقهي التراثي السائد في المنطقة منذ قرون. وجرى ذلك في مصر بسلاسة نسبية، تكشف عن مدى التناغم بين مطالب الحداثة المدنية وطبيعة الرُوح المصري المعتدلة والموروثة من تجانسه العرقي وتاريخه التعددي الطويل.

والمعنى الواضح هو أن احتواء الردة السلفية ما يزال مُمكنًا بالتعويل على ثقافة الحالة المدنية الكامنة. ما يلزم هنا هو إعادة “تحفيز” خصائص الدولة من جهة، وخصائص التدين الشعبي من جهة أخرى:

1- “الدولة في ذاتها” هي بتكوينها البنيوي كائن اجتماعي طبيعي محكوم بغريزة السلطة، أي مدني علماني بالضرورة. و”الدولة الحديثة” هي في سياق تكونها التاريخي في الغرب، مؤسسة مناقضة جوهريًّا للدين السياسي، بخصائصه الحصرية الشمولية النافية للحريات والتعددية. وهي بمشاغلها المستمدة من حاجات الوعي المعاصر، تجاوزت الاهتمامات التقليدية للاهوت الغيبي، إلى مدارات مغايرة تنصب على “الواقع” المادي وتسعى في تطويره.

2- خصائص التدين “الشعبي” المعتدلة والمرنة، هي بدورها سمات ثابتة بطبيعة الاجتماع. عمليًّا وفى جميع المراحل بما في ذلك مرحلة المد الأعلى للديانة، تظل نصوص المدونة الرسمية منطوقات نظرية “مثالية” غير قابلة للتحقق الحرفي في الشارع العام، المحكوم أصلًا بالدوافع الغريزية وحاجات الواقع اليومي التي يستحيل حصرها مقدمًا من أي نص كان. تاريخيًا وفي جميع السياقات الكتابية، لم تنجح المدونة النصية في فرض نفسها، لتكونَ واقعًا اجتماعيًّا كاملًا، وظل حضورها على الدوام صورة مثالية مفترضة، تنتمي إلى الماضي المتخيل الذي صنعته دعايات الكهنة والفقهاء.

يتبع

 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete