تكوين
-1-
منذ القرن التاسع عشر لم ينقطع السؤال عن مستقبل الدين. في البداية كان النقاش يدور في الغرب، حول نبوءات الزوال التي أطلقها فلاسفة الاجتماع “التنويريون” من كونت إلى دوركايم وماركس وماكس فيبر. أما الآن فصار يشمل “التصاعد” الجديد للدين، وتوغله على حساب الدولة والحريات الفردية ومكاسب العقل، كما يوحى المشهد السياسي والاجتماعي الراهن في الشرق الإسلامي.
لم يتعرض الإسلام في محيطه الجغرافي، أو لم يصطدم -بذات الدرجة من القوة- مع تحدي الحداثة الذي واجهته المسيحية الغربية قبل ثلاثة قرون. لكنه لم يَسْلَم تمامًا من ضغوط هذا التحدي، الذي كان في جوهره مُوَجَّهًا إلى فكرة الدين في ذاته.
عند منتصف القرن التاسع عشر، كانت المسيحية الكاثوليكية قد تراجعت تراجعًا واضحًا عن موقع الهيمنة الذي ظلت تشغله طوال العصور الوسطى في المجالين العام والفردي. جرى التراجع على نحو تدریجي طردي، يعكس حركة التطور في الهياكل الكلية: العقلية، والاقتصادية، والاجتماعية (تفاقم نمط التفكير العقلي/ظهور نتائج العلم التجريبي/تبلور الرأسمالية الصناعية) تكوُّن الطبقة الوسطى/الوعي المتزايد بالفردانية وقيمة التعدد/ومفهوم الحرية بالمعنيين السياسي والاجتماعي). على رأس هذه العوامل سيبرز “العلم” ليكون محركًا أولَ، ونقيضًا مقابل للكنيسة، عَصِيٌّ على المواجهة، ليس فقط بوصفه فكرة نظرية، وإنما بإنجازاته التقنية ذات التأثير الاقتصادي اليومي المباشر.
أوجست كونت -المفكر الاجتماعي الخارج من أتون الثورة الفرنسية- تحدث عن علاقة تلازم عكسي بين تطور العلم وتراجع الدين. فالتقدم العلمي سيشمل المرحلة الأخيرة من مراحل التطور البشري، إذ سيتمكن من معالجة الأسئلة الكبرى التي كان الدين -تقليديًا- يحتكر الإجابة عنها. تكلم كونت عن قانون موحد لتاريخ المجتمع البشري يُسميه قانون “الحالات الثلاث”، فالعالم يتطور عبر مراحل ثلاث:
- الأولى غيبية لاهوتية (خرافية)
- والثانية غيبية عقلية (تجريدية)،
- والأخيرة نهائية تُتَوَّجُ بانتشار العقلانية التجريبية (العلمية).
في المرحلة اللاهوتية يقوم المجتمع على نظام مستمد من كائن متعالٍ مفترض هو الإله، أي على نظام “فوق اجتماعي” أو قادم من خارج الإنسان. وفي المرحلة الثانية يتجه الإنسان إلى تغير العالم من داخله، وليس استنادًا إلى كائن أعلى مفارق، بل من خلال التفكير المجرد، أي الفلسفة. أما في المرحلة الأخيرة فتسود المعرفة العلمية التي تعتمد على التجربة، وتكشف، عبر ملاحظة الواقع، عن قوانين عمل الطبيعة والمجتمع.
-2-
يُكَرِّسُ كونت فكرة “المسار الطردي” للتاريخ باتجاه التقدم، ويتبني فكرة “الحتمية” التي تزعم اكتشاف قوانين مطلقة لحركة الاجتماع مشابهة لقوانين الطبيعة. وكلتا الفكرتين تعرضت للنقد، وجرى تجاوزها من الفكر الحداثي المتأخر، وبدرجة أوضح عند تيارات ما بعد الحداثة.
الاستقراء العام يُشير إلى “تداخل” المراحل، وأحيانًا أشكال من الارتداد العكسي: فمرحلة الفلسفة لم تمحُ اللاهوت، ومرحلة العلم لم تمحُ الفلسفة ولا اللاهوت.
ومع ذلك، لا تستطيع رصد المسار الإجمالي للتاريخ دون استخدام مصطلح “التطور” فثمة على الدوام “تغييرًا” متصاعدًا من إحدى زوايا النظر.
وفقًا لتحليل كونت، تُمَثِّلُ الفلسفة نقلة نوعية واسعة في مسار التفكير البشرى، وكان يُفترض من ثم أن تُمثل تحديًا حقيقيًا للدين. لكن ظهور الفلسفة لم يُسْفر عن تقلص الظاهرة الدينية، بل على العكس، شهدت مرحلة الفلسفة ميلاد الديانات التوحيدية الكبرى الثلاث وتطورها، ولم تستطع أن تطرح نفسها بديلًا عن الإيمان من خلال جواباتها العقلية على أسئلة الطبيعة والاجتماع.
انغمست الفلسفة في الموضوع الإلهي، وقدمت إسنادًا عقليًا لفكرة الإيمان بالإله، فيما تديَّن قطاع منها على النمط اللاهوتي الصريح:
- في اليهودية تظهر المؤثرات الهيلينية بوضوح في النصوص المتأخرة من العهد القديم، وقد بلغت ذروتها في الفكر النظري مع فيلون السكندري في القرن الأول (م).
- وفي المسيحية ظهر مفهوم القديس الفيلسوف، أو الفيلسوف القديس، من أوغطينيوس الذي أمَّم أفلاطون لحساب اللاهوت المسيحي في القرن الخامس، حتى توما الإكويني الذي نَصَّرَ أرسطو في القرن الثالث عشر.
- وفى الإسلام، ورغم الستار الحديدي الذي شيدته مدرسة الحديث، تسربت الفلسفة اليونانية وتفاعلت مع الفكر الإسلامي خارج دائرة الرواية والفقه. ففي منظومة “الكلام” بجميع تياراتها تسري خطوط عقلية منهجية وموضوعية، صريحة أو مضمرة، خصوصًا في طورها التنظيري المتأخر، وتحضر الأفلاطونية القديمة والمحدثة حضورًا مباشرًا عند الفارابي وابن سينا، فيما يحضر أرسطو في ابن رشد وابن باجة.
تاريخيًا، لم تكن الفلسفة “طورًا زمنيًا” فاصلًا بين اللاهوت والعلم، ويمكن وصفها -كما لاحظ برتراند راسل- وسطًا موضوعيًا يجمع بين خصائص اللاهوت والعلم. فهي كاللاهوت من جهة كونها تأملات “غير تجريبية”، وهي كالعلم من جهة استنادها إلى العقل.
يُنْتِجُ العلم في مجال التجريبي مقولات “يقينية”، لكنه لا يستطيع تجاوز مجاله التجريبي. ولذلك فهو لا يبدو قادرًا على معالجة جميع الأسئلة التي كان اللاهوت والفلسفة يحتكران الجواب عنها، بغض النظر عن يقينية أو عدم يقينية هذا الجواب وفقًا لمقاييسه التجريبية. ولاحقًا، سيتجادل الوعي الحداثي بخصوص “اليقينية”، ذاتها بوصفها مفهومًا “متحركًا”، بمعنى أن كل مجال يعتمد نموذجه الخاص لليقينية: العلم يشترط التجربة، والفلسفة تشترط المنطق، فيما يستند اللاهوت إلى محض الإيمان الذي لا نزال نجهل حتى الآن مصدره الجواني الغامض داخل الذات الفردية.
-3-
في القرن التاسع عشر -المفتون بالتجريبية- ساد الإيمان بقدرة العلم المطلقة على الإحاطة بالكائن البشري من جميع جوانبه، وتفسيره باستخدام قانون شامل، يجمع بين علم البيولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع. لكن مع توسع التقنية، وتحولات الوعي -الهائلة في القرن العشرين، سيتراجع زخم الحتمية العلمية، وسنستمع إلى نغمة أكثر تواضعًا في الحديث عن قدرة العلم المطلقة، وصار واضحًا أنه، وقد أحرز انتصارًا صريحًا في الغرب خصوصًا، لم يَعُدْ يحفل كثيرًا بفكرة “الصدام” مع اللاهوت الذي صار أقل اعتدادًا بذاته. واقعيًا، لم يَعُدْ ثمة مواجهة بمعنى المعركة بين اللاهوت والعلم، أو بعبارة أوضح، لم يَعُدْ لهذه المواجهة توترها… “التنويري” المبكر عندما كان اللاهوت يخوضها ببقايا السلطة المتداعية.
ومع ذلك، صار من الواضح -أيضًا- أن خسارة اللاهوت مُمثلًا في الكنيسة لموقع السلطة. أي للهيمنة على المجال العام (السياسي التشريعي)، لم تؤدِ إلى زوال الدين على المستوى الفردي، بل ورغم جسامة التطور العقلي وسيادة العملانية العلمية، ظَلَّت فكرة الدين حاضرة على مستوى المجتمع: ثقافات التدين التاريخية واصلت انتشارها برتابة، ليس داخل الأوساط العامية فحسب، وإنما داخل قطاعات تنتمي إلى دائرة التفكير العلمي. وعادت إلى التعبير عن ذاتها في أشكال أكثر تشددًا من خارج الأطر المؤسسية الرسمية. فيما صارت المؤسسات الرسمية تُبدي مرونة لافتة في التعاطي مع ضغوط التطور، أسفرت عن تنازلات نظرية صريحة لإعادة التكيف مع الواقع الحداثي.
الفارق هنا واضح بين مرونة الكنيسة الغربية (الكاثوليكية خصوصًا) ومرونة “المؤسسة الفقهية” في المحيط الإسلامي، الذي تعرض لمؤثرات تطور أقل جسامة، وما يزالُ لذلك يعيش حالة صدامية بالمعنى الكلاسيكي بين العلم وسلطة الكهنوت الفقهي، فضلًا عن حالة الصدام الأصلي مع فكرة الدولة المدنية.
رصد الفكر الاجتماعي ظهور صور تدين جديدة (غير نمطية) مثل ظاهرة “التدين الذاتي” التي تتجاوز أنساق اللاهوت المدرسي الجمعية، إلى نسق “اختياري” من الإيمان الفردي، قد يجمع بين أفكار مستمدة من ديانات متعددة.
لكن أخطر مظاهر الحضور الجديد للدين تَمَثَّلَ في ظهور صور “التجمع” الأصولي، التي تعمل في شكل “حركات سياسية“. وهي ظاهرة متكررة في السياقات الدينية الكبرى عبر العالم، وإن كان حضورها يبدو زاعقًا بوجه خاص في المحيط الإسلامي المأزوم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي العام.
بدت أشكال التصاعد الديني عند الفكر الغربي ظواهرَ مدهشة بعض الشيء، وظل يقرأها تحت عنوان هادئ هو، “عودة المقدس”، حتى بدأت نتائج التطرف الأصولي (الإسلامي خصوصًا) تتمدد إلى الغرب، فصار يعالجها تحت عنوان “الخطر الإرهابي”.
لكنه كان قد شَرَعَ عمومًا في مراجعة المسلمات الحداثية التي أطلقها الفكر التنويري المبكر، بما في ذلك فرضية التلازم بين تطور العلم وتراجع الدين، وتجاوز فكرة تكييف العلاقة بين الدين والحداثة كمعركة تنتهي حتمًا بزوال الدين، إلى فكرة التعاطي معهما بوصفهما موجودين واقعيين على العالم أن يتعايش بهما معًا.
وصار النقاش يدور عن كيفية التوفيق بين دوجما اللاهوت وحركية الاجتماع المتطور، أو: كيف يمكن عمليًا وضع الدين مع العلمانية في سياق واحد في المستقبل المنظور؟
-4-
مفهوم المستقبل: نقض الحتمية التاريخية
قبل منتصف القرن الماضي، افتتح كارل بوبر نقاشًا موسعًا بشأن مفهوم المستقبل، على هامش الحوار العنيف الذي أجراه مع الماركسية والفلسفات الاجتماعية التي تتحدث عن “حتميات” علمية في مسار الاجتماع البشري، وتقدم نبوءات تاريخية شاملة، وأيضًا مع الفلسفات الاجتماعية التي تناهض العقل، بوصفها جميعًا فلسفات كُلَّانية تُفضي إلى شمولية مناقضة “للمجتمع المفتوح”.
طرح بوبر السؤال كالآتي: “هل في مقدور أي علم اجتماعي أن يُجري نبوءات تاريخية شاملة؟ هل في مقدورنا أن نتوقع الحصول على أكثر من إجابة “عَرَّاف” إذا سألنا عما قد يخبئه المستقبل للجنس البشري؟ وبطريقة مباشرة يُجيب بوبر بأن مثل هذه النبوءات التي تزعم اكتشاف قوانين التاريخ تقع كليًا خارج نطاق المنهج العلمي، وهي “نوع من ميتافيزيقا التاريخ، تُضِرُّ أكثر مما تُفيد، لأنها تعرقل تطبيق مناهج العلم المتدرجة على مشكلات الإصلاح الاجتماعي. المستقبل يعتمد علينا، ولسنا معتمدين على أي ضرورة تاريخية. “ونحن قد نصبح صانعي مصيرنا عندما نتوقف عن تقديم أنفسنا بوصفنا أنبياء” . (بوبر، المجتمع المفتوح واعداؤه، المدخل).
تناقش بوبر مع التوجهات المضادة التي تؤكد أن “مهمة العلم بصفة عامة هي إجراء تنبؤات، أو بالأحرى، تحسين تنبؤاتنا اليومية وترسيخها على نحو أكثر أمانًا، وأن مهمة العلوم الاجتماعية بصفة خاصة هي تزويدنا بتنبؤات طويلة الأجل“. ورأى بوبر أن هذه “المزاعم” تقوم على سوء فهم جسيم لمنهج العلم، فهي تتجاهل التمييز اللازم بين التوقع العلمي “Scientific prediction”، والنبوءة التاريخية “historical prophicy”.
إقرأ أيضًا: الربيع العربي وإعادة تكوين أنماط التدين
وفق بوبر، يستند هذا التمييز إلى التفرقة بين الطبيعة والمجتمع. الطبيعة لا يعتمد مسارها على إرادات البشر، بل على سلسلة من الانتظامات أو القوانين “الثابتة”، والمجتمع يعتمد مساره إلى حد كبير على هذه الإرادات التي تتصف بالتنوع والتغير على نحو غير قابل للاستقصاء. كان الوصول إلى هذا التمييز هو بداية العلم الاجتماعي الذي وُلِدَ مع الفلسفة اليونانية في جدل بروتاجوراس . وهو أحد العلامات البارزة في مسيرة التطور البشرى من المجتمع المغلق (السحري) إلى المجتمع المفتوح (العقلي الفردي).
-5-
يُطلق بوبر على هذه التوجهات المضادة مصطلح “التاريخانية“، ويراها من سمات المجتمع البدائي الذي كان يخلط بين قوانين الطبيعة وقوانين الحياة الاجتماعية (المعيارية)، بمعنى أن كليهما لا يمكن ولا يجوز التحكم فيهما من البشر. إما لأن ذلك هو فعل الطبيعة ذاتها، أو لأن كليهما يصدر من مصدر واحد خارجي هو الله وفق الرؤية الدينية. هذه الفرضية الأخيرة تُشير إلى مرحلة متقدمة نسبيًا في الاجتماع المبكر؛ يشرح بوبر:
“صارت الانتظامات الطبيعية والمعيارية أيضًا، تدرك بوصفها تعبيرات -أو بوصفها مستنده إلى- القرارات التي تصدرها الآلهة الشبيهة بالبشر أو الشياطين. وهكذا فتعاقب الفصول أو انتظامات حركة الشمس والقمر والكواكب، ربما تُفسر أنها طاعة “القوانين” أو “المراسيم” أو القرارات التي تحكم السماء والأرض، والتي وُضِعَت من إله – خالق في البداية. ومن المفهوم أن أولئك الذين يفكرون بهذه الطريقة قد يعتقدون أنه حتى القوانين الطبيعية عُرضة لتحديدات تحت ظروف معينة؟ وقد يؤثر الإنسان فيها أحيانًا بمساعدة ممارسات سحرية، وأن الانتظامات الطبيعية تدعم بالمراسيم كما لو كانت معيارية (اجتماعية). وقد أوضح هيراقليطس هذه النقطة بقوله: لا يُمكن أن تخرج الشمس عن مسارها المرسوم، وإلا فإن إلهات المصير نديمات العدالة سيعرفن كيف يعثرن عليها”.
ويلاحظ بوبر أنَّ إدراك هذا التمييز بين الطبيعي (الوقائعي) والاجتماعي (المعياري)، ما يزالُ صعبًا عند الإنسان المعاصر كما يمكن أن يستدل من حقيقة أنه حتى الآن لم يتأسس في عقولنا، وأن معظمنا فيما يبدو، عنده ميلٌ قوى لأن يقبل خصوصيات بيئتنا الاجتماعية كما لو كانت طبيعية”. (بوبر، المجتمع المفتوح، الفصل الخامس، الطبيعة والعرف).
-6-
بحسب التوجهات التاريخانية تحدث الأحداث الاجتماعية كالوقائع الطبيعية وفقًا لقواعد مضطردة يمكن اكتشافها بالاستقراء، ومن ثم يمكن استخدامها في التنبؤ بعلامات كبرى في التاريخ وبنهاياته الختامية.
المستقبل هنا جزء من صفحة واحدة مكشوفة، أو من “رواية” تجري أحداثها على مسرح مرئي عند مشاهد مُفْتَرَضٍ من خارج التاريخ. وهذه الصورة الأخيرة هي النسخة “الدينية” من التاريخانية، وفيها يوضع قانون التطور التاريخي عن طريق إرادة الله السامية. (سُنَّة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا)، وهذا هو الفارق النوعي الذي يميز بينها وبين بقية نسخ التاريخانية “فالتاريخانية الطبيعانية على سبيل المثال تتعامل مع القانون التطوري بوصفة قانونًا للطبيعة، والمادية التاريخية ستتعامل معه بوصفه قانونًا للتطور الاقتصادي.
تشترك التاريخانية الإيمانية مع هذه المذاهب في فكرة أن ثمة قوانين تاريخية يُمكن أن تكتشف، وعليها يمكن أن تتأسس التنبؤات المتعلقة بالجنس البشري”. وفي هذا الإطار المشترك يُجْرِي بوبر مقارنة بين عقيدة “الشعب المختار” من جهة، وكلٍ من “الآرية” و”الماركسية”، بوصفهما نموذجين حديثين للتاريخانية من جهة ثانية:
- في النموذج الآري (وهو يُمَثِّلُ الحداثة من جهة اليمين)، تحل عقيدة “العرق المختار” محل الشعب المختار، الذي سيرث الأرض في النهاية.
- أما تاريخانية ماركس (التي تمثل اليسار) فتشير إلى “الطبقة المختارة”، التي ستكون أداة خلق المجتمع اللا طبقي، وهي أيضًا الطبقة المُقَدَّر لها أن ترث العالم.
يشرح بوبر: “كلتا النظريتين تؤسس تنبؤاتها على تفسير التاريخ الذي يؤدي إلى اكتشاف قانون تطوره. ففي الحالة العرقية يعتقد في هذا بوصفه نوعًا من القانون الطبيعي: التفوق البيولوجي لدم الجنس المختار، يفسر التاريخ الماضي والحاضر والمستقبل، وهو ليس سوى صراع الأجناس من أجل السيطرة، أما في الحالة الماركسية فالقانون الاقتصادي يفسر كل التاريخ بوصفه نضالًا للطبقات من أجل السيطرة الاقتصادية” (بوبر، المجتمع المفتوح، الفصل الأول).
وفق بوبر التاريخانية وصف لموقف “جبري” مؤداه أن التاريخ مغلق بفعل سلسلة من الحتميات المقررة، وأن المستقبل يظل على الدوام أسيرًا للماضي، وهذا هو جوهر الفهم الديني لحركة التاريخ ومسار المستقبل.
قدَّمَ بوبر شرحًا تفصيليًا لرؤيته في كتابيه الشهيرين: “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، و “بؤس التاريخانية” ودون أن يُظهر موقفًا متطرفًا ضد الدين، شن هجومه الواسع على الحتمية الجبرية بجميع تجلياتها، وجمع في صعيد نقدي واحد بين عدد من المفاهيم المشبوهة في المجالات الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وأيضًا العلمية: مفهوم السلفية الحصرية/سياسة الأمر الواقع/ فكرة الخطيئة الأصلية/ فكرة التطور الاجتماعي عبر الانتخاب الطبيعي/الثورة البروليتارية الحتمية/وأخيرًا مفهوم “العلم السوى” الذي طرحه توماس كون، ويُضْفِي نوعًا من الحصانة السلفوية على سلطة ” البرادايم” العلمي.
عبر هذا النقد الموسع للتاريخانية، كان بوبر يقترب نسبيًا من مشارف الموقف “ما بعد الحداثي”. لكنه لم يدخله، فقد ظلَّ على إيمانه بالعقلانية والعلم، على العكس من جان فرانسوا ليوتار، الذي يتشارك معه في نقد التاريخانية وجرأتها على المستقبل، لكن عبر آليات ما بعد الحداثة، التي فقدت الثقة في مفهوم العقلانية ومفهوم العلم على السواء.
-7-
نقض السرديات الكبرى
ما يعنيه بوبر بالتاريخانية هو ما يُطلق عليه ليوتار مصطلح السرديات الكبرى، وهو يشير إلى نمط الخطابات الكلانية المغلقة التي تقدم تصورات شمولية للإنسان والمجتمع، وتزعم الإلمام بقوانين التاريخ والقدرة على التنبؤ بالمستقبل، وهذه هي “الأيديولوجيا” التي تتمركز حول افتراضاتها المسبقة، وتزعم امتلاك الحقيقة امتلاكًا حصريًا. ومن ثم فهي خطابات سلطوية إقصائية لا تسمح بالتعدد والاختلاف مهما تنوعت السياقات الاجتماعية والثقافية.
وبحسب ليوتار، يُمَثِّلُ هذا المفهوم العلامة الفارقة بين حالتي الحداثة وما بعد الحداثة: “سوف استخدم مصطلح حداثي لتمييز أي علم يمنح نفسه المشروعية بالاستناد إلى خطاب مرجعي فيلجأ صراحة إلى هذه السردية الكبرى أو تلك، مثل: جدل الروح، أو هيرمنيوطيقا المعنى، أو تحرر الذات العاقلة والعاملة، أو خلق الثروة… إنني أُعَرِّفُ ما بعد الحداثي، بأنه التشكك إزاء السرديات المرجعية الكبرى“. (ليوتار، الوضع ما بعد الحداثي، 1979).
إقرأ أيضًا: المفهوم العاشر والأخير.. المستقبل؛ الانحصار في النموذج والمصير المحتوم
يؤكد ليوتار -مع التيار ما بعد الحداثي عمومًا- الطبيعة المفتوحة للتاريخ، وعدم القدرة على التنبؤ به مسبقًا على نحو دقيق، حتى من العلم، الذي لم يَعُدْ يستطيع الدفاع عن مزاعم “الحتمية” المادية، مثلما لم تَعُدْ العقلانية تستطيع الدفاع عن فكرة “الحقيقة”. تدَّعي السرديات الكبرى وجود نظام أو بنية كلية تحكم طبيعة الأشياء وتوجه مسار الأحداث، وتقدر من ثم على تأويل الاجتماع والطبيعة والكون. هذه الدعوى ليست أكثر من ألعاب لغوية (بمصطلح فتجنشتاين)، أي عملية تضليل، تسند الأحكام المعيارية التي تصدرها إلى “قوة” افتراضية خارج المجتمع والتاريخ، لتفسير الحاضر وتقرير المستقبل.
وهذه القوة الميتافيزيقية هي ما يُسميه ليوتار “الصفر العظيم” “The Great zero”.
-8-
يدخل الدين في نطاق الرؤى التاريخانية والسرديات الكبرى على السواء. ومع ذلك لم يُظهر بوبر ولا ليوتار موقفًا “متطرفًا” مضادًا للدين، أعني أن الدين لم يكن المثير الثقافي المباشر عندهما مثلما كان عند الفكر “التنويري” المبكر. بوبر، الحداثي المشغول بالحريات الديمقراطية والمجتمع المفتوح، كان يفكر في الشموليات المُغلقة وهو ينتقد التاريخانية. وليوتار، اليساري الفرنسي المشغول بنقد الحداثة الغربية. كان يُفكر في الأيديولوجيا عمومًا (بشقيها الرأسمالي والاشتراكي) وهو يشير إلى مشاكل السرديات الكبرى.
وهذا مفهوم من جهة أن الدين في لحظة بوبر الثقافية (قبل منتصف القرن الماضي)، لم يكن يمثل مصدرًا للقلق على فكرة “المجتمع المفتوح” في الغرب، إذ كانت العلمانية قد ترسخت على مستوى الثقافة العامة، وكانت ذكريات الصدام المبكر مع اللاهوت تكاد تتلاشى من ذاكرة الحداثة. كان التهديد الموجه إلى المجتمع المفتوح عند بوبر يتمثل في التوجهات الكلانية المتطرفة المتمثلة في العنصرية النازية، والاشتراكية الماركسية.
أما ليوتار فكان يناقش أزمة “الحداثة المتأخرة” الناجمة عن مشاكلها الداخلية الخاصة بها، والتي لم يكن الدين من بينها: (ألعاب اللغة التي تمارسها الأيديولوجيا بشقيها الليبرالي والماركسي تداعيات التكنولوجيا والتحول إلى حوسبة المعرفة/الارتهان الواسع للرأسمالية ونفوذ الشركات الكبرى/التحول في مفهوم السلطة وعلاقتها بالذات الفردية/العقلانية السياسية ومسئوليتها عن شرعنة القمع/…). لم تتوقف السرديات الكبرى عند ليوتار، بل ظلت توجه محركات الحداثة المتأخرة وفي مقدمتها العلم بعد أن تحولت من إطار فكري ظاهر إلى طريقة مضمرة في التفكير والسلوك.
يتبع،،،