من الإسلام السياسي إلى الأصولية الشعبية: مناقشة حول طبيعة التحول الثقافي في مصر

 تكوين

-1-

ثمة شواهد تشير إلى تراجع جزئي في جاذبية الإسلام السياسي، إذ كشفت تجرِبة الحكم الإخواني عن تهافت صورة الحل الإسلامي الجاهز، وتقلصت قدرة الحركات الإسلامية على الحشد السياسي المعلن بسبب القيود الأمنية، وسادت حالة من الإرهاق والسأم الاجتماعي من فكرة تسييس الدين التي تكشفت نتائجها السلبية في عموم المنطقة.

لكن الشواهد تشير -في المقابل- إلى تمدد أصولي واضح على مستوى الشارع الشعبي، الذي صارت “الحالة الإسلامية” فيه تتحول عمليًّا من السياسي المباشر إلى الدعوي الاجتماعي، ونجحت جزئيًّا في إنجاز ما يمكن تسميته بـ “إعادة أسلمة” المجتمع، أعني فرض نوع من الأسلمة “السلفية” المتشددة، على حساب نمط التدين الشعبي المصري المعتاد، بسماته الوسطية المعتدلة، التي تكرّست عبر القرنين الماضيين مع تواصل المد الحداثي ورسوخ الدولة الوطنية. والأخطر هو أن هذه الحالة الأصولية صارت تمثل نوعًا من الضغط السياسي غير المباشر، التي تتسرب تدريجيًّا إلى بِنية الدولة، والتي تبدو الآن وكأنها تتراجع عن أهدافها المدنية الطبيعية، وعن دورها التجديدي المفترض والموروث من نسخة تكوّنها المبكرة في القرن التاسع عشر.

تهدف هذه المقالة إلى تفكيك واقعة التحول الأصولي عن طريق قراءتها في سياقها العام، أي ضمن المشهد المصري المعقد الذي يكشف عن ازدواجية ثقافية واضحة، وحس اجتماعي هجين معتاد على الجمع بين القيم المتناقضة، وإدارة “التوتر” الناجم عن تجاورها على مستوى المجتمع والدولة.

-2-

الأصولية الشعبية

في سبعينيات القرن الماضي، كان قد مرّ نصف قرن على ظهور جماعة الإخوان المسلمين، وأخذت تظهر النتائج الجانبية للنشاط الأصولي على المستوى الشعبي. ويمكن الإشارة هنا إلى متغيرين مؤثرين، الأول: تخفيف حدة القمع الأمني الذي تعرضت له جماعة الإخوان بامتداد العهد الناصري، والثاني: بزوغ التيار “السلفي” الوهابي بطابعه الفقهي التعليمي، الأكثر تسيسًا والمدعم بأموال النفط.

بدءًا من هذه الفترة، يمكن رصد التسرب التدريجي للمظاهر الأصولية في الشارع المصري، ومن ثم إلى خطاب الدولة:

  • 1 ـ الحجاب الذي صار ينتشر على نطاق واسع ليمثّل المظهر الدارج أو الأكثر شيوعًا للمرأة المصرية، ليس فقط في الريف، وإنما على مستوى المدينة، وفي جميع الطبقات الاجتماعية والدرجات التعليمية. مثَّل انتشار الحجاب ردة جزئية ـلكن واضحةـ على وضعية المرأة السائدة في مصر منذ قرنين من التحول الحداثي، حيث كانت قد قطعت شوطًا في مسار التحرر من الفقه التراثي خصوصًا على مستوى المدينة. ومن هنا ينظر إلى عودة الحجاب نظرةَ “ظاهرة جديدة” تنطوي على نوع من النكوص الثقافي. وعلى نطاق أضيق وصلت صرعة التغيير إلى ملابس الرجال، التي صارت تشهد إلى جانب النمط الغربي الشائع، أنماطًا مستعارة من البيئة العربية المجاورة، وحتى من بيئات شرقية بعيدة.
  • 2 ـ ظهور شبكات منظمة تعمل بوعي أيديولوجي على أسلمة المجال الاجتماعي بعيدًا عن السياسة المباشرة: دروس/ مساجد/ مدارس/ مراكز طبية وخدمية/ منصات إعلامية/ دعاة جدد من خارج المؤسسة الدينية الرسمية.
  • 3ـ تطور نسق جديد للتدين اليومي؛ يظهر في تصعيد حضور الطقوس والتكاليف الصورية، وفرض لغة خطاب دينية مباشرة، تبالغ في حشر مفهوم الحلال والحرام، وتستخدم مفردات فقهية تراثية على حساب العامية المصرية الدارجة. ومع ترويج فكرة الدين الحاكم للمجال العام، تراجعت الممارسات الشعبية التقليدية المرنة لصالح الخيارات الفقهية الأكثر حرفية وتشددًا.

مع ذلك، ورغم قوة المد الأصولي، لا يمكن الحديث عن استغراق سلفي كامل للشارع المصري، بل عن اختراق جزئي واضح للثقافة المدنية التي لا تزال توجه سلوك المجتمع. ومن هنا تظهر “المفارقة المصرية” المعروفة: حالة الوسط الهلامي غير الحاسمة؛ خطاب تدين كثيف وحداثة سلوكية عملية: على المستوى اليومي، يمارس المجتمع حداثة فعلية في القوانين والمحاكم والعقود والتكنولوجيا، والبنوك، والطب، والتعليم، والسينما والمسرح والفنون، وهي تعمل بمنطق “وضعي” صريح، لكنه يتبنى على مستوى الخطاب أفكارًا “غيبية” مناقضة لهذا المنطق. ويعمل على احتواء التوتر الناجم عن هذا التناقض داخل وعيه التقليدي “المرن”. (بوجه عام، يتوجس الوعي المصري من فكرة الصدمة التاريخية التي تكسر الواقع، كي ترفع التناقض، ويميل إلى فكرة الامتصاص التدريجي البطيء، وهي بعينها الفكرة التي تتبناها الدولة).

-3-

التسرب إلى الدولة

خلقت الحالة الأصولية بشقيها السياسي والشعبي، ضغوطًا حقيقية على الدولة، التي تقوم على دستور حداثي أي على مدنية علمانية مفترضة. عمليًّا، فشلت الأصولية في هدف السيطرة على السلطة، لكنها نجحت جزئيًّا في التسرب إلى الدولة عبر جهازها البيروقراطي الداخلي:

عملية التحول الحداثي في مصر بدأت أصلاً من نقطة الدولة التي انتقلت إلى النموذج الدستوري الوطني، وقادت فعليًّا مسيرة التجديد الاجتماعي والثقافي بامتداد القرن التاسع عشر وحتى أواخر القرن الماضي، عندما بدأت تتفاقم نتائج التراكم الأصولي على المستويين السياسي والشعبي. لم تولد الدولة مكتملة لشروط الحداثة السياسية، ولكنها قطعت صراحة من النظام الفقهي السائد (لا مع الدين) وظلت قادرة -طوال هذه الفترة ـ على احتواء التيار التراثي المحافظ، الذي لم يكن قد تحول بعد إلى قوة أصولية منظمة. وحتى بعد ظهور جماعة الإخوان، ظل بإمكان الدولة احتواء الشغب الناجم عن الإسلام السياسي، والاحتفاظ بطابعها المدني الصريح.

الأصولية التي تحولت بالتراكم إلى أيديولوجيا سياسية نشطة ومزاج اجتماعي واسع، صارت تفرض حضورها الضاغط على الدولة، وهي تعمل على ضبط الشارع وتوظيف تدينه المحافظ. ومع تفاقم التوتر السياسي يمكن الحديث عن درجة من الارتباك أو التوتر في أداء الدولة، التي صارت أقل وعيًا بطبيعتها المدنية الأصلية، وبدورها التجديدي الريادي المعهود، وصارت أكثر قابلية للاختراق الأصولي:

  • 1- إقحام مفهوم “الشريعة” على الدستور (م ٢)، وهي خُطوة تنطوي على تناقض فادح مع القيم الأولية لدستور مدني حديث يقوم على مبدأ القانون والمواطنة. ورغم أنها لم تترجم “عمليًّا” على مستوى التشريعات الرئيسة، إلا أنها صارت تسبب نوعًا من الإرباك القانوني والقضائي، وتُقرأ “نظريًّا” لتكون إعادة تعريف للشرعية، التي لم تعد مدنية خالصة، وإنما مدنية ذات مرجعية دينية مهجنة.
  • 2ـ تصاعد حضور اللغة الدينية في الخطاب الرسمي على حساب اللغة الوطنية والقانونية التي سادت في الحقبتين الليبرالية والقومية، ما يشير إلى تحول نوعي في المشاغل السياسية التي صارت تفرض مفرداتها الجديدة.
  • 3ـ تعزيز دور الأزهر بوصفه مؤسسة دينية رسمية لمواجهة التطرف الأصولي السياسي، وضبط حركة التدين الشعبي الاعتيادي. قدم الأزهر دعمًا نظريًّا للدولة في حربها ضد التنظيمات الأصولية السياسية، وأطلقت الدولة يده داخل المجتمع. عمليًّا، أدت هذه الخُطوة إلى استفزاز الخصائص “السلفية” الكامنة في الأزهر بوصفه ممثلًا للطبقة الفقهية، وتحول بدوره إلى قوة أصولية جديدة، تعمل تحت عين الدولة، وتمارس نوعًا من الوصاية القابضة على الشارع، وتسهم في توسيع السلفية الشعبية وتكريسها. ومن الواضح أن الأزهر يتقمص هذا الدور السلطوي خصمًا من الصلاحيات الدستورية للدولة، وعلى حساب الحريات الأصلية للأفراد، دون سند ديني نصي.

مع ذلك ورغم قوة الضغط، لا يمكن الحديث عن اختراق أصولي كامل أو نهائي لبنية الدولة، التي تظل قائمة على فكرة الدستور المدني ومدعمة ببقايا الحالة الحداثية. لا تزال الدولة في موقع الهيمنة، لكنها تتمسك بموقفها المعتاد: لا قطيعة مع الدين، ولا سيطرة كاملة على الدين. وسط رمادي هجين يمارس الحداثة ويعتنق التراث، ويؤمن بقدرته على إدارة التناقض الناجم عن الجمع بينهما على المستوى السياسي.

نسبيًّا، نجحت الدولة في تقليص الزخم السياسي للأصولية، لكنها لم تشتغل على “التحول السلفي الاجتماعي”، أعني لم تتعاطَ معه بوصفه ردة طارئة على مكاسب التطور المدني التي أحرزها المجتمع عبر قرنين من التفاعل الحداثي، بل تعاطت معه بوصفه حالة شعبية عادية وقابلة للاحتواء. ، يكمن الخطر عند الدولة في السياسي لا الاجتماعي، والمشكل هنا أن الاجتماعي مرشح على الدوام لإعادة إنتاج السياسي، وأن السياسة في جوهرها تفرض على الدولة مسؤولية الحماية والتطوير الاجتماعي.

ــ 4ــ

هل انتهى الإسلام السياسي: جيل كيبل وأولفييه روا

بحسب كيبل، لم يفشل الإسلام السياسي في مصر بل تحول جزئيًّا: فهو لم ينجح في أسلمة الدولة، لكنه أعاد أسلمة المجال العام. ولا يزال يحافظ على حضوره في صيغ تنظيمية متعددة، ويطور نسخته الجهادية نتيجة لانسداد الأفق والإحباط السياسي. ويرى كيبل أن الأصولية متجذرة اجتماعيًّا وتستند إلى قاعدة شعبية واسعة خصوصًا في الطبقة الوسطى. ونتيجة لذلك سيستمر الإسلام السياسي في الحضور وسيعيد خلق صيغ تنظيمية جديدة، سواء عنيفة أو سياسية معدلة.

قدم كيبل تحليله في كتابه الشهير “النبي والفرعون” الذي صدر بالفرنسية سنة 1984، أي في مرحلة صعود الحالة الإسلامية وتقافم نتائجها على المستوى الاجتماعي. لم تكن هذه الحالة عند كيبل محض تيار ديني، ولكنها رد فعل سياسي على فشل القومية والهزائم العسكرية، وأزمة التنمية، أي ظهرت لتكون بديلًا أيديولوجيًا مناقضًا للحداثة الناقصة التي فرضت من أعلى.

ويرى كيبل أن الإسلام السياسي مرَّ منذ بداية السبعينيات بمراحل ثلاث:

  • 1ـ الصعود (الذي أسهمت فيه الدولة بدعم غير مباشر).
  • 2ـ المواجهة (التي بلغت ذروتها باغتيال السادات).

3ـ الاحتواء (الذي أخذت جاذبيته في التراجع عند الطبقات الأوسع). وفي تفسير هذا التراجع يلاحظ كيبل أن الحركات الإسلامية لم تكن بحكم تكوينها السلفي مهيأة لفهم تعقيدات الدولة الحديثة، وبالغت في تصور قدرتها على إسقاط السلطة وممارسة الحكم، لكنها على كل حال ظلت قادرة على تصدير التوتر إلى الدولة والرهان على مساحة التدين الشعبي.

ــ 5ــ

في تحليله للحالة المصرية يقدم أولفييه روا قراءة مغايرة لقراءة كيبل. وَفْقًا لروا: الأصولية لم تفشل سياسيًّا فحسب، ولكنْ فشلت على المستوى الاجتماعي، فهي لم تستطع بِناء دولة حديثة، أو تقديم نموذج اقتصادي أو مؤسسي قابل للبقاء.

وخلافًا لكيبل، يجادل روا حول حدوث “الأسلمة الاجتماعية” وطبيعتها، فالحركة الأصولية لا تعبر عن إسلام المجتمع العام، بل عن “أقلية مؤدلجة”، تحاول فرض مشروع سياسي باسم الدين، أما المجتمع الذي يتحرك بحس التدين الشعبي المعتاد، وهو لا يتطابق مع النمط الأصولي. الأصولية تظل ظاهرة سياسية منفصلة عن المجتمع.

والأسلمة الاجتماعية ذاتها ولدت سطحية ومفككة، وتتعرض الآن لموجات انحسار واسعة، استجابة للمؤثرات الحداثية وآليات التواصل الاجتماعي، التي تعيد صناعة التدين في نسق فردي (أخلاقي شعائري) غير مؤدلج، وتخصم من جاذبية الدين بوصفه مشروعًا سياسيًا جماعيًا.

الفكرة المركزية عند روا أن الإسلام السياسي فشل عندما حاول ممارسة السلطة. فالأصولية قد تنجح في تقديم معارضة زاعقة، لكنها تفشل في بِناء دولة حديثة معقدة، وهذا ما كشفت عنه تجرِبة الحكم في مصر وفي عموم المنطقة. وهو لا يفسر هذا الفشل بأسباب سياسية مرحلية كما فعل كيبل، بل يشير إلى عجز دائم يعود إلى التناقض البنيوي بين الإسلام الفقهي وفكرة الدولة الحديثة.

خلافًا لكيبل، لا يقرأ روا الإسلام السياسي قراءة رد فعل مناقض للحداثة، بل بوصفه ظاهرة حداثية مباشرة، فالأصولية ليست انعكاسًا لحالة تدين عميق، بقدر ما هي نتيجة لأزمة هُوية حديثة تأخذ مظهرًا تراثيًّا.

بينما كان كيبل يرصد لحظة الصعود الأصولي في أواسط الثمانينيات، كان روا يشرح مظاهر التراجع عند التسعينيات من القرن الماضي. وبالجمع بين الطرحين يمكن قراءة المشهد المعقد للحالة المصرية الراهنة التي تجمع في كادر واحد بين مظاهر أصولية ومظاهر حداثية: الأصولية تتراجع سياسيًّا وتتمدد اجتماعيًّا. وهذا التمدد الاجتماعي ليس خالصًا، وإنما هو جزئي ومتردد، ويعود فيبدو ناعمًا وقابلاً للتدجين. أما الدولة فتُطبِّع جزئيًّا مع الأصولية حتى تبدو عند البعض “دولة دينية”، لكنها تصر على بنائها الدستوري المدني إذ تبدو عند الأصوليين دولة “علمانية كافرة”، وهي في الواقع هجين رمادي براجماتي يجمع باحترافية بين واقعية السلطة وهلامية الرؤية الدينية.

يتبع

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete