تكوين
-1-
يُشير مصطلح الأصولية إلى موقف نقدي معارض لنسق التدين “القائم”، بوصفه مخالفًا لأصول الديانة “المثالية” كما تنزَّلت فى عصر التأسيس. ويُزايد الموقف الأصولي عادة على الصيغة المدرسية المكتوبة التي يتبناها ممثلو الديانة الرسميون (الكهنة / الفقهاء)، لكنه يُعَبِّرُ عن نفسه غالبًا في هيئة سياسية موجه ضد الدولة والأداء العام للمجتمع.
بوجه عام، يُمكن رصد التوجه الأصولي بوصفه نزوعًا ثابتًا فى جميع السياقات الدينية الكتابية، وفي السياق الإسلامي خصوصًا، بسبب بِنيته الحصرية (التوحيدية) الأكثر تشددًا، وتراثه السياسي الصراعي المُنحدر من بيئة اجتماعية قبلية خشنة، والذي تحول بفعل الفقه إلى جزءٍ من بِنية الديانة. (تفرض البنية الحصرية تكريس تصور أحادي مقدس للدين، ونفي أي تصور مخالف ولو باستخدام القوة. وهو ما يتعارض مع واقع التنوع الفردي بوصفه قانونًا اجتماعيًا طبيعيًا، ويُفضي بالضرورة إلى الصراع والعنف. وتاريخيًا، جرى اعتماد المسار الصراعي الدموي لمراحل التأسيس في السياقات الكتابية الثلاثة، وأُلحق بالبِنية الدينية الملزمة، وهو ما يَظهر بصورة أوضح في منظومة الفقه الإسلامي).
والمعنى هو أن التطرفَ الأصولي الإسلامي المعاصر يتناغمُ تمامًا مع البِنية التاريخية المعتمدة للديانة؛ ففي صميم هذه البِنية تكمن دوافع الصراع والعنف جميعًا. لا يتعلق الأمر بالمرجعية “الثانوية” التي يُمثلها الفقه الاجتهادي فحسب، وإنما يُمكن إسناده مباشرةً إلى النصوص التأسيسية. ولذلك يبدو الخطاب الأصولي -بالمقاييس الدينية الموروثة- أكثر تماسكًا من خطاب المؤسسة الرسمية، الذي يحاول تحسين الصورة والالتفاف على مدلولات النصوص تحت دعوى الاعتدال.
ومع ذلك، فالحركة الأصولية المعاصرة ليست فقط نسخةً مُكررة من “فرق الخروج”، التي يزدحم بها التاريخ الإسلامي المبكر والوسيط، وإن كانت تشترك معها فى المرجعية، وتتشابه معها فى الأهداف. عمليًا وهذا طبيعي، تحمل هذه الحركة سماتٍ حداثيةً ظاهرة ومضمرة، خصوصًا على مستوى “الوسائل”، وآليات العمل. فهي تولَّدت بالأساس “لتكون ردَّ فعلٍ” مضادٍ لعملية التحديث المدني، التي نشطت فى مصر بامتداد القرن التاسع عشر ومثَّلت انقلابًا صريحًا على النظام التراثي الفقهي السائد منذ قرون.
وهو ردُّ فعلٍ مُتأخر نسبيًا من النظم التراثي المأزوم وهو يحاول استرجاع قوته. فالحركة الأصولية المصرية تبلورت بوصفها تيارًا سياسيًّا صريحًا على يدِ جماعة الإخوان فى أوائل القرن العشرين، أي بعد ما يزيد على قرن من بداية التحول الحداثي. ومن هذه الزاوية يظهر الفارق بينها وبين الحركة الأصولية الوهابية التي ظهرت فى نجد والحجاز منذ القرن الثامن عشر. فهذه الحركة الأخيرة لم تواجه طريقًا من طُرق التحول الحداثي، بل نشأت في مناخ سياسي اجتماعي تقليدي، لم يتطور كثيرًا عن مناخات الجزيرة العربية فى القرن السابع، واشتغلت بوصفها فرقةً سلفية فجة، تنتمي إلى ثقافة الخروج الإسلامية المقننة في الفقه الحنبلي.
-2-
لاحقًا وبتداعيات التطور السياسي والاقتصادي ستتزاوج الأصولية الإخوانية (المصرية) المقموعة من السلطة، والأصولية الوهابية (السعودية) التي صارت مُدجنة من الدولة، إذ ستتجه الأولى إلى مزيدٍ من التشدد السلفي، وستكتسب الثانية طابعًا فقهانيًا منظمًا، وسيسفر هذا التزاوج عن متغيرين متعاقبين:
- ظهور التنظيمات الجهادية، التي تُمَثِّلُ الجيلَ الثالث من جماعات الإسلام السياسي، الأكثر سلفوية وعنفًا.
- تمدد الظاهرة السلفية على المستوى الاجتماعي الشعبي، فيما يُمكن رؤيتُهُ تخففًا نسبيًا من حمولتها السياسية.
منذ البداية وعبر أجيالها الثلاثة اتخذت الحركة الأصولية صيغة التنظيم السياسي وسعت في الاستيلاء على السلطة.
وعمليًا، لم تشتغل -كونها هدفًا مركزيًّا- على فكرة “التغيير الشعبي”، فهي لم تقم بعملية “تثقيف” فقهي للمجتمع على الأصول السلفية، إذ افترضت عادةً أن هذه الأصول قائمة ومستقرة فى الثقافة الاجتماعية بفعل الحضور الإسلامي المتواصل منذ الفتح، وافترضت -أيضًا- أن عملية التحديث المدني كانت نقلةً سياسية خالصة، طالت الإطار الصوري للدولة، ولم تُنتج أثرًا جديًا على مستوى السلوك الاجتماعي أو الثقافة الشعبية. وظلَّت الحركةُ الأصولية تُراهن على هذه الفرضية المزدوجة فى صراعها السياسي مع الدولة، وفى مجادلاتها النظرية مع التيار التجديدي، وغالبًا ما خَسِرَت الرهان.
لكن أواخر القرن الماضي شهدت تحولًا تدريجيًا فى خارطة الأداء الأصولي، فقد ظهرت تكوينات تنظيمية سلفية ذات قوام “فقهي تعليمي”، تنأى بنفسها عن الصدام السياسي المباشر مع الدولة، لكنها تبدو أكثر تشددًا في تبني الخط السلفي بمعناه النقلي الضيق، الذي يدعو بصرامة إلى استنساخ منهج “أهل الحديث” وممارسة التدين وفقًا لفهم السلف في عصر الصحابة والتابعين، وتركز نشاطها الدعوى على تفاصيل السلوك وممارسات الناس اليومية.
تحمل هذه التنظيمات السلفية نفسًا وهابيًا واضحًا، بنزعتها الفقهانية الصرفة، ومشاغلها التيولوجية الرجعية، ومفرداتها اللُّغوية التي تنتمي إلى المعجم العربي الوسيط، لكنها صارت أكثر وعيًا بحضور المثيرات الحداثية داخل المجتمع، ومن ثم صارت تشتغل على تغييرها.
وبحكم الخلفية الثقافية المصرية (اللا واعية غالبًا)، يبدو خطابها الوهابي الجديد مفتعلًا ومحملًا برطانة غريبة على الحس الشعبي.
وفى هذا السياق ذاته، يلزم الوقوف على تطور إضافي جديد في خارطة النشاط الأصولي؛ أُشير هنا إلى الطبقة الفقهية التقليدية المُمثلة في المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر)، وهي صارت تتخفف من حذرها الأشعري المعتاد (موقف الوسط التوفيقي المعتدل)، وتُسفر عن نزوعاتها السلفية الكامنة، فى صور سافرة من التدخل والوصاية الفقهية، تجري تحت عين الدولة. ورغم خلافها المذهبي مع المنهج السلفي الضيق، وتوافقها المفترض والمعلن مع الدستور الوطني، صار نشاطها الوصائي يصبُّ باتجاه التطرف، ويُسهم فى تصعيد الحالة الأصولية المتفاقمة على مستوى الدولة والمجتمع.
يسعى الأزهر في تأميم “النفوذ” الديني الذي تزايد على يد الجماعات الأصولية، وهو يرى نفسه أَوْلى بامتلاكه من هذه الجماعات، بحكم تاريخه الطويل بوصفه ممثلًا للطبقة الفقهية، بانتهازية أشعرية موروثة، يستغلُّ الأزهرُ حالةَ التراجع المدني عند الدولة بسبب رغبتها في احتواء التطرف، ويستغل فى الوقت نفسه، حالة الانكماش النسبي لجماعات الإسلام السياسي، ليفرض نفسه ممثلًا وحيدًا للنظام الديني التراثي.
-4-
أسفرت هذه التطورات عن تكريس الحالة الأصولية، وتصعيد ضغوطها على الدولة والمجتمع: الدولة التي تراجع وعيها بدورها التجديدي صارت تبدو دائمًا فى موقع الدفاع، وتركز اهتمامها على حماية النظام من توغل الإسلام السياسي، فيما تتأهل -بل وتُشجع أحيانًا- موجة الأسلمة الفقهية التي تتصاعد على المستوى الشعبي.
(واقعيًا، يُمكن تفهم الموقف المُتشدد للدولة من جماعات الإسلام السياسي، التي تستهدف نفي الفكرة المدنية من أساسها، ومن ثم فهي لا تُمَثِّلُ خطرًا على النظام الحاكم فحسب، ولكنْ على وجود الدولة فى ذاتها ” بوصفها كِيانًا ضروريًّا” للاستقرار والأمن الاجتماعي.
أما الموقفُ المتساهل عن السلفية الفقهية، فيمكن قراءته مؤشرًا على نقص الوعي المدني عند الدولة، التي لم تستكمل شروط التحول إلى الحداثة السياسية، وهي نتيجةٌ طبيعية لمستوى التطور الاقتصادي والعقلي والاجتماعي الراهن. ويُمكن قراءته أيضًا، بوصفه موقفًا براجماتيًا وقتيًّا من الدولة، يَهْدِفُ إلى احتواء القوى السلفية الأقل تطرفًا وتوظيفها فى معركة المواجهة مع القوى الأكثر تطرفًا.
بوجه عام، نجحت الدولة في تحجيم الإسلام السياسي على الصعيد الأمني المباشر، ومن هذه الزاوية تبدو الأصولية وكأنها فقدت كثيرًا من زخمها السياسي وجاذبيتها الأيديولوجية. لكنها فى المقابل صعَّدَت حضورها وتمدَّدت تمددًا أفقيًّا على مستوى الشارع والسلوك الاجتماعي العام.
فقد أصبحت التقاليدُ السلفية ذات النفس الوهابي ظاهرةً على نطاق أوسع، بمعنى أنها لم تَعُدْ محض خلفية تراثية مضمرة، ولكنْ صارت جزءًا من الثقافة اليومية المرئية. يُمكن الحديثُ عن انقلاب ظاهرٍ في المزاج الشعبي العام يعكس “استجابة” نسبية من المجتمع لضغوط الأصولية. وجرى ذلك بالطبع خصمًا من رصيده المدني الحداثي الذي تراكم عبر قرنين كاملين، وعلى حساب الخصائص المصرية الأصلية التي تتسم بالانفتاح والتسامح.
والسؤال الآن هو: إلى أي مدى نجحت الأصولية السلفية في اختراق المجتمع؟ هل كادت تقضي، كما يرى البعض، على مكاسب الحداثة المدنية وعلى رأسها نموذجُ الدولة الوطنية؟ أم أن هذه المكاسب لا تزال، رغم تراجعها النسبي، قادرة على الدفاع عن نفسها واحتواء الهجمة التراثية؟
– 5 –
مع الإقرار بواقعة التمدد السلفي، لا يزال المجتمعُ يحتفظ بكتلة مدنية حداثية ظاهرة، لتكون جزءًا من تكوينه المعاصر. لقد ترسخت هذه الكتلة بما يكفي، كي تزاحم الكتلة التراثية بوصفها طرفًا ثابتًا في تركيبة ثقافية ثنائية. عمليًا، تسببت الأصولية في تبطيء حركة التطور وتعطيل عملية النهوض الاقتصادي والاجتماعي، لكنها لم تستطع استرجاع المجتمع إلى ثقافتها الأحادية السابقة على الحداثة.
بل يُمكن الحديث في هذا السياق عن عملية ارتدادية لإعادة التكيف، شرع فيها المجتمع لاحتواء التقاليد السلفية “الجديدة”، وهي عمليةٌ مفهومة بقوانين التفاعل الاجتماعي:
ظهرت هذه التقاليدُ في أواخر القرن الماضي على نحو فُجائي بعض الشيء. ورغم انتشارها عَبر الطبقة الوسطى، ظلَّت تبدو ظاهرةً قلقةً ومُحملةً بشحنة أيديولوجية متوترة، فقد كانت تطرح بوصفها علاماتٍ رمزيةً ذات مدلولٍ سياسيٍ، لا محض تكاليفَ شرعيةٍ مطلوبة لذاتها. وتدريجيًا سيتباطأ إيقاع التمدد السلفي، وستخضع هذه التقاليد لعمليات تَمْصِيْرٍ متوالية، لإعادة ضبطها على مقاييس التدين الشعبي. فعلى سبيل المثال، ستظهر نماذجُ مخففةٌ لحجاب المرأة، ليصبح أكثر عمليةً وتحررًا من النمط الوهابي المُتزمت، قبل أن يعود من جديد نموذج السفور الكامل، ليفرض نفسه ليصير سلوكًا اجتماعيًّا مقبولًا.
لا أتكلم هنا عن اكتساح حداثي مضاد، بل عن تفاعل ثقافي متوازن يجرى دوريًا وَفْق قوانين الاجتماع. فالمجتمع فى التحليل الأخير لا يزال يُعاين حالة “الازدواجية الثقافية” التي تجمع أفقيًّا بين الروافد السلفية الموروثة والعناصر الحداثية المُكتسبة، ولا يزال يتأرجح تحت موجات الصدام المتعاقبة بين الطرفين، وفى اللحظة الراهنة تتصاعد موجة سلفية جديدة داخل المجتمع، لكنها تشقُّ طريقها هذه المرة تحت نظر الدولة، التي تبدو مُنبطحة انبطاحًا “إراديًّا” أمام الضغط الأصولي.
أخذت بوادرُ هذا الانبطاح تظهر فى مصر منذ أواخر القرن الماضي، بالتوازي مع بوادر التحول فى أداء الحركة الأصولية.
وتذهب بعضُ التحليلاتِ إلى تعميم هذه الظاهرة على المنطقة العربية الإسلامية: ( فبموازاة فشل الإسلام السياسي بوصفه مشروعًا مباشرًا، ظهرت عندنا الأصوليةُ الجديدة، والأسلمةُ الثقافية للمجتمع خارج أي نموذج سياسي، بإعادة تدوير الأسلمة على يدِ الحكومات الاستبدادية العربية. إن عُدنا إلى سنوات التعينات، سنجد أن الإسلاميين كانوا مَنْ يطبق الحِسبة، ويلاحقون المثليين، وينادون بتطليق الخارجين عن الإسلام.
والآن من يفعل ذلك؟ المحاكم التابعة للدولة بعد حقبة الإسلام السياسي فى التسعينيات انتقلنا الآن إلى ما يُمكن وصفه بحقبةِ ما بعد السلفية. النموذج السلفي (السياسي) يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهناك تنويع فى الحقل الديني. (أوليفيه روا، فشل الإسلام السياسي، 1992).
يتبع