تكوين
- كائنٌ متفوِّقٌ ولكنْ؟
في كل المسارات التي عاشها الكائن الإنساني بِدءًا من مرحلة التوحش والالتصاق بجذور الطبيعة، انتهاءً بالمرحلة التي ظن فيها أنه سَيُّد الكون، والحاكم الأصلي في مقاليده، هناك حقيقة واحدة طبعَتْ هذا المسار وهذه المنعرجات الإنسانية المعقَّدة. إنها عقدة التفوُّق، تلك العقدة التي شعَرَ فيها الإنسان أنه سيد الكون، والمتحكِّم في دوائر قراره، وأنه المخلوق الوحيد المميَّز على سائر الموجودات. عقدةٌ لم تنشأ من فراغ، ولا تكوَّنت في فضاء خالٍ من التحديات، ولكنها بُنيَت عبْر مسارات متشعبة طوَّر فيها الكائن الإنساني من ذكاءاته إلى الحد الذي لم يعُدْ يرى غيره سيدًا على هذه الأرض، أو قائمًا على شؤونها. لكنَّ المشكلة ليست في العقدة نفسها، فمحدودية الإنسان وقابليته للتطور، يُمكِنها أن توَلِّد مثل هذا الشعور، ولكنَّ المُثيرَ، بل الأخطرُ هو أن الإحساس المفرِط بالتفوُّق يوَلِّد مشاكل وتحدياتٍ يمكن أن يستحيل معها التعايش والتسامح والتواصل الإيجابي مع كل مكوِّن من مكَوِّنات هذا الفضاء الذي يجمعُنا، ويمنحُنا الفرصة للتلاقي مع كل هذا الغِنى وذاك التنوع والاختلاف الذي يتَّسم به هذا الكوكب الأرضي.
هذا هو الإنسان، ولكنْ ليس أيَّ إنسان، فنحن هنا لا نتحدَّثُ عن إنسان فقَدَ السيطرة على نفسه فبدأ يرى نفسه خارج نطاق التحكُّم. بل نحن هنا أمام إنسان أدنى بتعبير علي حرب، مفهومٌ يحيلُنا إلى شكل آخَرَ من أشكال الإنسان، والنظرة إلى مفهومه وامتداداته. ولعلَّ ما قصده علي حرب[1] من هذا المفهوم المُركَّب، هو أن يُعيدنا إلى عمْق الأزمة التي نعيشها، وإن كانت تبدو صادمة لكثيرين، فالإنسان ليس الحلَّ كما تريد أن تقنِعنا بذلك كثيرٌ من الإيديولوجيات التي تكوَّنت وتبلوَرت في ظلِّ فكْرٍ إنساني أو إنسانوي يرى في الإنسان مركزَ الكون، بل هو المشكلةُ. فبعيدًا عن الخطابات التي تمَجِّد الكائن الإنساني وتجعله مصدر الوجود الكوني وغايته، أو تلك التي تراه النموذج الأكمل، أو محور الفكر والتفكير، فإن مفهوم الإنسان الأدنى الذي يقترِحُه علي حرب يضعُنا أمام المَحك الحقيقي لمراجعة الذات بعد أن تكشَّفت النتائج الكارثية لهذا التَّمجيد غير المشروط.
لكن قبل أنْ نتعرف كثيرًا على مفهوم الإنسان الأدنى، فلا بأس أن نعود قليلاً لما كتبه ستيفن لو وهو يُجيب عن سؤال ما الإنسانوية[2]؟ فقد أكَّد في كتابه الإنسانوية مقدمة قصيرة جدًا، أن كلمة «الإنسانوية» منذ نشأتها، لا تزال مُحاطة بكثير من الغموض والالتباس، خاصة أنها توظَّف في سياقات فلسفية مثيرة؛ فهي في معناها العام تُشير إلى تلك الرؤية التي تُعطي وتمنَح الإنسان مركزية في التفكير البشري، فعليه تدُور الأحداث والكرامة والحرية. وبهذا المعنى الواسع، يُمكن القول إن معظم الناس، بل حتى المتدينين منهم، قد يُعدُّون إنسانويين بطريق أو بآخر.
غير أن المنتسبين اليوم إلى التيار الإنسانوي كما يرى ستيفن لو خصوصًا في السياق البريطاني، لهم معنًى آخَر للإنسانوية يختلف نسبيًا مع ما تم إقراره سابقًا. فهم يتبنَوْن تصورًا خاصًا للعالم لا يحظى بإجماع عام، ومن ثمَّ يُمكن رؤية كتاب “الإنسانوية مقدمة قصيرة جدا” لستيفن لو بمنزلة إضاءة على هذا الجانب. لأنه جمَعَ فيه مجموعة من المبادئ الأساسية التي تجمع هذا التيار الفكري، والتي يُمكن تلخيصها فيما يلي:
- أولًا: يحظى العقل والعلم بمكانة مهمة في التفكير الإنسانوي، لأنهما من هذه الوجهة أداتان جوهريتان ينبغي استخدامهما في جميع مجالات الحياة. ولا ينبغي لأي مُعتقد أن يُحصَّن ضد النقد أو يُستثنى من الفحص العقلاني.
- ثانيًا: غالبيةُ الإنسانويين يقفون موقفًا إلحاديًّا أو لا أدريًّا؛ فهم يُشككون في وجود إله أو آلهة، كما يُشككون في وجود الكِيانات فوق الطبيعية مثل: المَلائكة والشياطين وما شابهها.
- ثالثًا: يؤمن الإنسانويون بأن الحياة الوحيدة المتاحة هي هذه الحياة، لذلك لا وجود لكل العقائد الدينية، التي تؤمن بالحياة الأخرى، أو البعث والحساب. وهذا الموقف لا يصدُر عن إيمان عقائدي مضاد، بل هو نتيجة طبيعية للنقد الحاصل في البِنية الفكرية الدينية.
- رابعًا: تؤكد الإنسانوية على وجود قيمة أخلاقية حقيقية، وترى أن القيم الأخلاقية ينبغي أن تُستمدَّ من فهم الطبيعة الإنسانية، وما يساعد البشر على الازدهار في هذه الحياة، لا من وعود حياة أخرى.
- خامسًا: يُشدد الإنسانويون كالوجوديون على رؤية الفرد قيمةً في ذاته، مُشددين على مسؤولية الإنسان في اتخاذ قراراته، وأنه حرٌّ في اختياراته، مع نزع العوامل الخارجية التي يُمكن أن يختفي وراءها الفرد، دينية كانت أو سياسية. من هنا، يؤيدون أنماطًا من التعليم الأخلاقي تُنمِّي التفكير النقدي وتُكسب الأفراد المهارات اللازمة لتحمُّل هذه المسؤولية بوعي ونضج.
- سادسًا: ترى الإنسانوية بأن الحياة يُمكن أن تكون ذات معنًى حتى في غياب الجانب الديني، ويستدلون على ذلك بشخصياتٍ مثل: بيكاسو، وماري كوري، وأينشتاين، وإرنست شاكلتون التي عاشت حياتها دون الحاجة إلى إله.
- سابعًا: تتبنَّى الإنسانوية الموقف المحايد من القضايا الدينية، ومن ثمَّ فهي تدافع عن المجتمع المفتوح، وتلتزم أن تبقى على مسافة واحدة بين الفرقاء والأطراف، خاصة في المسائل الحساسة مثل: القضية الدينية. كما تحمي حرية الأفراد في التعبير وفي اعتناق الأديان أو رفْضِها.
هذا هو التصوُّر الذي أدرجَه ستيفن لو في كتابه المُشار إليه سابقان وهو يحدد طبيعة الإنسانوية، لكننا حينما نعود إلى علي حرب ومفهومه الإنسان الأدنى، فإننا نتكلم عن قضية أخرى، ومسار مختلف نُسائل فيه مفهوم الإنسان نفسه، بمنهجٍ تفكيكي[3] يؤمن بالشَّيءِ ونقيضه، ويرفض فكرة الثبات والتعالي، والهوية، حتى إن علي حرب نفسه كتبَ كتابًا عنونه بكتاب هكذا أقرأ ما بعد التفكيك[4]، يشرح فيه وجهة نظره في الأطروحة التفكيكية التي جعلها مُنطلَقًا لكتاباته، ومصدَرًا من مصادر التوجيه والفهم لأعماله. وحينما نتحدث عن التفكيكية فإننا نستحضر دومًا رائدًا كبيرًا من روادها الكبار وهو جاك ديريدا الذي تُمثِّل أعماله الكثيرة المنطلقات الأساسية لعالم ما بعد الحداثة التي تحدث عنها كريستوفر باتْلر، وهو يتحدَّث عن منهج التفكيك[5].
يقول هذا الأخير، بأن ثقة ما بعد الحداثيين في أطروحاتهم التفكيكية تأثَّرتْ بعُمقٍ بفلسفة جاك دريدا، الذي كان واحدًا من كبار المفكرين الذين رسَموا خط هذا التوجه الفلسفي والفكري والأدبي. ولعل العامل الحاسم في هذا التوجه كان أساسًا هو مبدأ النسبية، ورفْض الإطلاق والثبات وإمكان الوصول إلى تعريفاتٍ نهائية، التي تُعَدُّ فيها الحقيقة نتاجًا لوجهات نظَرٍ وأنساق فكرية مختلفة، لا كِيانًا ثابتًا مستقلًا. بل ترى أن أيَّ تعريف هو بدوره عرضةٌ للتلاعب اللُّغوي، لأن اللُّغة نفسَها بِنية ثقافية غير موثوقة، وعلاقتها بالواقع مُلتبسة.
معنى ذلك أن التفكيكية خاصة مع الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا، ترى بأن التراث الفلسفي والأدبي الغربي قام على تصوُّر ثابت مفاده: وجود علاقة ماهوية ومستقرة ومضمونة بين اللغة من جهة، وبين العالم الواقعي والموضوعي من جهة أخرى، لهذا آمن هذا التصور بـ «التمركز حول العقل» و«الحضور الميتافيزيقي»، أيْ الاعتقاد بأن المعنى يعكِسُ بِنية الواقع مباشرة. وقد انبثق هذا التصوُّر أساسا من عديدٍ من المدارس الفلسفية، على رأسها الوضعية المنطقية أو ما سُمِّي في وقت من الأوقات بمدرسة فيينا. وهي مدرسةٌ خَلقَتْ في بدايات القرن العشرين جدلًا كبيرًا، وانتشرت أفكارُها في مختلف بقاع الأرض، وهي حلقةٌ جديرة بالتأمل والتفكير لما لأفكارها من تأثير على العالم حينذاك، وهنا نستحضر كارل سيجموند[6] في مبحث خاص عنونه بحلقة فيينا بوضوح واختصار:
في عام 1924، أسَّس الفيلسوف موريتس شليك، وعالم الرياضيات هانس هان، والمُصلح الاجتماعي أوتو نويرات، في فيينا، حلقةً فلسفية. وكان شليك وهان آنذاك أستاذين في جامعة فيينا، وكان نويرات يُدير المتحف الاقتصادي والاجتماعي. ومنذ هذا العام أخذَتْ الحلقة تجتمع بانتظام مساء كلَّ خميس، في قاعة صغيرة للندوات بشارع بولتسمانغاسه، لمناقشة قضايا فلسفية من قبيل: ما الذي يُميِّزُ المعرفة العلمية؟ هل للعبارات الميتافيزيقية معنًى؟ وعلى ماذا تقوم يقينية القضايا المنطقية؟ وكيف يُمكن تفسير قابلية تطبيق الرياضيات؟ وقد أعلَن بيان حلقة فيينا أن «التصور العلمي للعالم لا يتميَّزُ بأطروحات خاصة، بقدْر ما يتميَّزُ بموقفه الجوهري، وبوجهة نظره، وبـوجهة بحثة”.
سعَت حلقة فيينا في التفلسف على نحوٍ علمي، من دون خطابات غامضة عصيَّةٍ على الفهم، تُدير ظهرها للعالم، مع ادعائها في الوقت نفسه امتلاءها بالمعنى. ففي العلم لا وجود لـ «أعماق»؛ كلُّ شيءٍ فيه سطح. فمجموع الخبرة المعيشة يُمَثِّلُ شبكةً معقَّدَةً لا يُمكن دائمًا الإحاطة بها من نظرة واحدة، بل نحن أصلا لا ندرك من الأشياء إلا بعض الجزئيات والتفاصيل. لذلك فكلُّ شيءٍ متاح للإنسان، والإنسان هو مقياس كل الأشياء. هذا التقليد الذي درجَتْ عليه حلقة فيينا يعود الفضل فيه إلى إرنست ماخ ولودفيغ بولتسمان، وهما فيزيائيان درَّسا الفلسفة في جامعة فيينا عند منعطف القرن العشرين. كما اتَّخذَت الحلقة نماذج لها مثل الفيزيائي ألبرت أينشتاين، وعالم الرياضيات دافيد هيلبرت، والفيلسوف برتراند راسل. ثم بعد ذلك هيمَن على نقاشاتها كتاب «الرسالة المنطقية-الفلسفية» (Tractatus logico-philosophicus)، الذي نُشر قبل ذلك بوقت قصير؛ وهو كتاب صغير ألَّفه لودفيغ فتجنشتين في أثناء الحرب العالمية الأولى، حين كان ضابطًا في الجبهة.
كان التصوُّر العلمي للعالم وَفْق حلقة فيينا يقوم على أن هذا العالم لا يعرف ألغازًا مستعصية على الحل. فإيضاح المشكلات الفلسفية التقليدية يؤدي جزئيًا إلى فضْحِها بوصْفها مشكلات زائفة، ويؤدي جزئيًا آخر إلى تحويلها إلى مشكلات تجريبية، ومن ثمَّ إخضاعِها لحُكْم علم الخبرة والتجربة. بمعنى أن توضيح المشكلات والعبارات، لا صياغة قضايا «فلسفية» بالمعنى الدقيق، هو ما يُمَثِّلُ مُهمة العمل الفلسفي. وهذا ما دفع عديدًا من الشباب اللامعين إلى الانضمام إلى هذه الحلقة، من بينهم الفيلسوف رودولف كارناب، وعالم الرياضيات كارل منغر، وكذلك المنطقي كورت غودل، الذي سيترك أثرًا حاسمًا عند التخوم الفاصلة بين الرياضيات والفلسفة. كما كانت لـكارل بوبر صلات وثيقة بحلقة فيينا، رغم أنه لم يُدْعَ قطُّ إلى اجتماعاتها. وسرعان ما أصبحت حلقة فيينا المركز الأبرز للتجريبية المنطقية، وتلقَّفَ أفكارها أعظم العقول في براغ وبرلين ووارسو وكامبردج وهارفارد[7].
هذا الفهم المنطقي للعالم وَفْق الوضعية المنطقية أو حلقة فيينا، جعلها هدفًا للنقد الديريدي إن صح التعبير، أو بتعبير أدق للنقد التفكيكي، لأن شكوكية ديريدا اكتسبَتْ جاذبية سياسية وثقافية، مكَّنت أتباعه من نقد الادعاءات التي ترى في العلم أو الفلسفة أو الأدب تمثيلًا دقيقًا للعالم، ومن مُهاجمة الثقة الساذجة بما يُسمى «النصوص الواقعية». فهذا كريستوفر باتلر يقول بأنَّ قراءة أعمال مثل ميدل مارش لجورج إليوت، تؤدي خطأ إلى الاعتقاد بأنَّ النص يُقَدِّمُ نافذة مباشرة على الواقع، ولكنَّهُ هو في الحقيقة بِناءٌ لُغوي مشروط بثقافة وسياق محدّديْن، ويتجلَّى ذلك بوضوح في الاستعارات التي لا تعمل إلا داخل أفُقٍ ثقافي مُعيَّنٍ. ومن ثمَّ فداخل النسق التفكيكي توجَد آليات الهدف منها هو زعزعةُ الثقة التقليدية في العلاقة بين اللغة والعالم، وفضْحِها بوصفها علاقة مضلِّلة. غير أن هذا الموقف يواجه مفارقة أساسية، فالكشف عن «انحراف» اللُّغة يفترض ضِمنًا ثقة ما بها، وإلا استحال التمييز بين الصواب والانحراف. وهنا تكمُن معضلة التفكيكية الدائمة، وسؤالها المفتوح عن مبررات هذا الشك الجذري في التراث الأدبي والفلسفي السابق.
لكنْ تبقى العلامة الفارقة في الوضعية المنطقية هو الفيلسوف فتجنشتاين، وهو ما أكَّده عادل مصطفى[8]، ولو أن حياته الفلسفية عرفَت مرحلتين أساسيين: في المرحلة الأولى، (Tractatus)، سعى فتجنشتاين إلى إمكان تحليل جميع القضايا إلى مُكوِّنات نهائية بسيطة لا تقبل مزيدًا من التجزيء. ومن هنا جاءت تسمية نظريته بـ “الذرية المنطقية” وقد عنى بها أن العالم وكل ما نقوله عنه يمكن تحليله إلى عناصر بسيطة جدًا لا يُمكن تقسيمها أكثر. هذه العناصر البسيطة تُمَثِّلُ “حقائق أولية” أو “ذرات” للواقع، واللغة يُمكن أن تعكس هذه الذرات بدقة إذا استُخدمت بطريقة صحيحة. معنى ذلك أن فهم هذه العناصر واستخدام اللغة وَفْق قواعدها المنطقية يُمكِّنُنا من التعبير عن الواقع بوضوح، وأن كثيرًا من الالتباس الفلسفي ينشأ من سوء استخدام اللغة وعدم إدراك هذه البنية الأساسية.
هذا الرأي تراجع عنه فتجنشتاين في مرحلته المتأخرة من حياته، فقد أنكر إمكان إيجاد مثل هذه اللغة المُعبِّرة بدقَّة عن الواقع، مُعتبِرًا أنه من المستحيل القضاء على الالتباس قضاءً كاملاً ونهائيًا. ومفاد هذا التصوُّر الأخير أن معنى أيِّ كلمة يكمُن في طريقة استخدامها، ويستعين فتجنشتاين بتشبيه لألعاب اللغوية (language games) لتوضيح هذه الفكرة. فنظرية الألعاب اللغوية عنده تعني أن معنى أي كلمة يُحدد بطريقة استخدامها في الحياة اليومية، تمامًا كما تُحدَّد قواعد أي لعبة بطريقة اللعب نفسها. فاللغة تُشبِه لعبة لها قواعد يجب على الجميع الالتزام بها، وأي كلمة تُفهم عبر كيفية استعمالها في المواقف المختلفة. لهذا السبب، ينْبُع فهمُنا للكلمات والمعاني من ممارستنا للغة في سياقاتها العملية، وليس من وجود معنًى ثابتٌ ومستقلٌّ لكل كلمة.
ماذا عن الإنسان الأدنى؟
بالعودة إلى الطرح السابق لعلي حرب في كتابه الإنسان الأدنى، نرى بأن المقصود الأساسي هو أن الجملة تُحدِّد أصل الداء داخل الذات الإنسانية لا خارجها، أي أن المشكلة الحقيقية هي في فرْطِ ادعاءات الإنسان المثالية، وفي نزوعه إلى التألُّهِ، وغطرسته الحضارية، وتوحُّشه التِقْني الذي اجتاح البر والبحر والجو. الشيء الذي يعود بنا إلى تفكيك مفهوم الإنسان وإعادة بنائه، لا بتصوره حقيقة مكتملة أو جوهرًا ثابتًا، بل بوصفه مفهومًا مفتوحًا على إمكاناته وحدوده واحتمالات انحرافه. هنا يرى علي حرب بأن مفهوم الإنسان قد تبلوَر تاريخيًا في نمطين مُهيمِنيْن:
- الإنسان بالوكالة عن الله: وهو تصوُّرٌ ديني لاهوتي وميتافزيقي مفارق للواقع يرى بأن الإنسان خُلِق على صورة الله ويؤدي وظيفة النيابة عن الله في هذه الأرض.
- الإنسان بالأصالة عن نفسه: وهو التصور المادي الذي يرى الإنسان سيد الكون ومركزه ومنطلقه وغايته الأساسية، ومن ثمَّ لا يُمكن أن يكون الإنسان إلا محورَ الكون ونقطة نهايته.
غير أن المفارقة الخطيرة كما يُبين علي حرب، هي أن التصورين السابقين أفرزا لنا واقعًا خطيرًا ومُنفصلاً عن الرؤية الشمولية والمحايدة، إذ بفضل أو نتيجة هذه العلاقة المركزية في نظرة الإنسان إلى ذاته قد حوَّلته إلى مصدر للفساد والتدمير، للإنسان نفسه وللطبيعة معًا. فحين يتصرف الإنسان بوصفه غايةً مطلقة، ينتهي به الأمر إلى سحْق كل الكائنات والموجودات الأخرى بأسماء مختلفة وعناوين جذابة، تارة باسم الإنسان المتألِّه أو خليفة الله في أرضه، صاحب الوظيفة الإلهية والرسالة المقدَّسة، وتارة أخرى باسم الإنسان العقلاني المتعلم المتحرر من كل القيم والأخلاق. وهكذا، نحن أمام نموذجين بشريين يبدوان بأنَّهما متناقضين ومتضادين، في حين أنهما يصدُران عن منطق واحد ألا وهو منطق المركزية الإنسانية، تلك المركزية التي مثَّلتْها المؤسسة الكهنوتية، والناطقين باسم الله، وكذلك في الفلسفات الكبرى، ومشاريع الخلاص والتحرر، من أفلاطون وابن عربي، إلى ديكارت وكانط، ومن ماركس ونيتشه، إلى إدوارد سعيد وتشومسكي، مرورًا بأدونيس ومحمد أركون. فمهْما اختلفت الأسماء والتيارات، هناك حقيقة واحدة، أنهم وجوه متعددة لعملة إنسانية واحدة.
لكنَّ المثيرَ في هذه التصورات أنها أفضَتْ على المستوى الإيديولوجي والعملي، إلى نتائج كارثية، أي أنَّ مركزية الإنسان، ورؤيته سيِّدا للكون كله، أدَّت إلى أنماطٍ مختلفة من التمييز، والاضطهاد، الاستبداد، العنف، والإرهاب، فضْلًا عن الفقر، والأوبئة، والتلوث البيئي. لذلك علي حرب ينتقدُ هذه النماذج لأنها عنده قد فقدَتْ مشروعيتها ومصداقيتها، وترجمَتْ أسمى الشعارات الدينية والفلسفية إلى ممارسات تناقض الإنسان والطبيعة معًا. كأنَّ تجاوز الأزمة الإنسانية لا يمرُّ من خلال صناعة وهْم مركزية الإنسان وتعاليه على كل شيء، بل عبْر نقده، وتفكيك صورته المتعالية، وإعادة التفكير فيه بوصفه كائنًا محدودًا، مسؤولًا، وغير معصوم من الانحراف.
إننا بإزاء ظاهرةٍ تَدَّعي الأنسنة وحقوق الكائن البشري، في حين أن نتائج هذه الأنسنة تغدو كارثية في امتداداتها الواقعية، وهذا الأمر ليس بغريب على مجتمعاتنا، لأننا نعيش هذه الازدواجية في المعايير والمقاييس منذ انبثَق الوعي الإنساني على المفارَقات التي قد تواجه سلوكاته وأفعاله. لذلك فما نراه اليوم، هو ارتكاز أنماط السلطة والفكر على المركزية البشرية، والتعصُّبات الثقافية والدينية والعرقية، والأصوليات المتنوعة التي ترفُض الحوار والتضامن، وتعيق العدالة والسلام. وما دامت هذه الأصوليات تستند إلى هذه القواعد المُلَجِّمَةِ للتواصل الإنساني، بسبب اعتمادها على أسُس القداسة أو البطولة أو المعرفة، فإن ذلك يُفضي بالضرورة إلى الدمار البشري، والتغير القيمي، والانحدار الأخلاقي في جميع المستويات المتعلقة بالحق والعدالة والحرية والعقل، حتى فقدَتْ القيم العظيمة كل قيمتها ومكانتها، وصارت شعارات وعناوين للاستهلاك الإعلامي، أو تحقيق مصالح فئوية.
وإذا أردنا أن نُدرك حجم هذه الهُوَّةِ العميقة التي توقِعُنا فيها هذه المركزيات الإنسانية، والاعتقاد اليقيني بتفوقه الهائل على جميع مُكوِّنات الكون، فإن ما يُنشرُ من البيانات والمؤتمرات التي تتناول حقوق الإنسان، وما يُعلنُه المثقفون والدعاة والتنويريون والإصلاحيون في علاقتهم بقيم العدالة والحرية والكرامة، يَشهدُ على أن الواقع لا يرتفع، وأن الأزمة الإنسانية لا تزال مستمرة على مستوى الانتهاك والاستبداد والفساد. مما يوحي ويعطينا إشارة واضحة بأننا لسنا أمام خلل طارئ، أو أزمة عابرة، وإنما نحن أمام واقع نتَجَ طبيعيًّا جرَّاء علاقاتنا الإنسانية المعقدة، والتداخل الحاصل بين السلطة والقيم والممارسات اليومية، وأيضًا بسبب التفوق الإنساني في المجال العلمي والتِقْني الذي لم يُحسِن الإنسان توظيفه لصالح الإنسان والمجتمع. وبما أننا بهذا الواقع نعيش وسط أعطابنا الهيكلية، وليس مجرد أخطاء مؤقتة، فإن ذلك قد انعكس جليًّا في ضعف الديمقراطية داخل مجتمعاتنا، وتفشي الظلم الاجتماعي، وانتشار العنف الرمزي والمادي، وغياب التضامن الحقيقي بين الناس.
لم تستطعْ كل القيادات والرموز الاجتماعية والدينية والسياسية، على الرغم من الشعارات التي تُوظف لتحقيق مكاسب ومصالح خاصة، أن تقوم بوَقْف النزيف الجاري في عمْق بنائنا الفكري، بل أقصى ما فعلتْهُ هذه النخب المعطوبة ثقافيًا وفكريًا، أن تُديم الأزمة، وتجعل الناس يعيشون قسريًا تحت تأثير سلطات معنوية وأيديولوجية تُحدد لهم مجالات المفكر فيه واللا مفكر فيه، كما ترسُم لهم حدود الواقع الذي يعيشون فيه برسْم بيئة مُضللة، تُغلف الحقيقة الإنسانية بالرموز والأوهام، في حين يحتاج الإنسان إلى الاعتراف بضعفه وحدوده وأخطائه، كي يتمكن من التغيير الفعلي.
إن ما نحتاجه اليوم على حد تعبير علي حرب، هو إدراك حقيقي لحجمنا وقدرتنا، أو بتعبير أدق، هو المزيد من الوعي الحقيقي بضَعْفِنا الإنساني، وإدراك أننا داخل هذا النسيج الكوني لسنا سوى مُكوِّنٍ ضئيل من مكونات هذا الكون الفسيح، ومن ثمَّ فنحن أقلُّ معرفة، وأقلُّ عقلانية، وأقلُّ طُهرًا وسُموًا مما ندَّعي. وحينما نعترف بهذه الحقيقة، وننزع عن أنفسنا غشاء التكبُّر، فحينذاك نكون قد وضعنا أنفسنا أمام الخُطوة الأولى لفهْم جذور مشاكلنا، ولتصحيح علاقتنا بالقيم الكبرى مثل: العدالة والحرية والعقلانية والكرامة، وإعادة النظر في ممارساتنا اليومية، وفي طريقة تفاعلنا مع الآخرين، وفي علاقتنا بالمجتمع والحكْم والقانون. كما سنكون أمام وضعية تسمَحُ لنا بالنزول عن حالة العظمة والسُّموِّ المزعوم التي نشعُر بها، فنواجه واقعَنا بصدق، ونتعلم كيف نمارس الإنسانية ممارسةً صحيحةً، بعيدًا عن الانتهاك والتظاهر الزائف[9].
-
إرادة القوة نحو فهم صحيح لفلسفة نيتشه
إذا كان هناك من الضروري الإشادة بالمنهج التفكيكي، فإن ذلك يُوَجِّهنا كما سبق أن رأينا إلى قدرته على منحِنَا رؤية أفضل لمواضيع قد تبدو لنا مكتملة ومتكاملة ولا تحتاج إلى نقد، وفي مقدمتها مفهوم الإنسان نفسه، هذا المفهوم المُثقَلْ بحمولات فكرية وثقافية وفلسفية وتاريخية، أكسَبتْه مع مرور الزمن نوعًا من الحصانة الداخلية، ولكنَّها في الوقت نفسِه أورثَتْهُ مشاكل وإشكاليات نابعة من عمق الأزمة التي يخلقها هذا المفهوم على عدة مستويات، ولعل أبزرها هو تنامي النزعة التقديسية، وسقوط الإنسان نفسه في فخِّ الاستثناء والتفوُّق على كل مكونات الوجود والمحيط والكون، ومن ثمَّ تجاوُز الإنسان لمحدوديته، وقدرته، وهو أحد الأسباب الرئيسة في ما تُعانيه اليوم الإنسانية من مشاكلَ وتحدياتٍ، وهذا ما كان يُسميه اليونانيون القدامى بـ Hybris كما ينقل ذلك لوك فيري في كتابه أجمل قصة في تاريخ الفلسفة[10]:
وحينما نريد أن نتعرف على هذا المفهوم أكثر عند اليونانيين، فقد نُشير هنا كما يؤكد أيضًا لوك فيري أنه لا يعني فقط الغرور الذي يُصيب الإنسان أو التكبر بالمعنى الأخلاقي السطحي، ولكنْ يُشير إلى تجاوز الإنسان لحدوده الوجودية ونسيانه لمكانه داخل نظام الكون، خاصة وَفْق الرؤية الرواقية التي كانت ترى الإنسان جزءًا من النظام الكوني الكوسمولوجي المتناغِم. وهي رؤية آمَن بها الإغريق ودعَت إليها الرواقية، من خلال رؤية العالم بطريقة مُنظَّمة وَفْق توازن دقيق بين البشر والآلهة والطبيعة، وكانت لكلِّ كائن حدود لا يجوز تجاوُزها. ومن هنا يصير الـ Hybris هي اللحظة التي يتجاوز فيها الإنسان حدود، أو ينساها ويتجاهلها، فيتوهُّم أنه قادر على أن يكون أكثر مما هو عليه، أو أن يكون مساويًا للآلهة، أو أن يُخضع العالم لإرادته المطلقة. إنها ليست طموحًا مشروعًا، بل انفلاتًا من مبدأ القياس والاعتدال.
ومن هذا المُنطلَق، فإن القراءة التي قام بها لوك فيري لهذا المفهوم في الكتاب الذي أشرْنا إليها سابقا، كانت تُحذِّر من خطورة الـ Hybris وترى بأنه ليس خطأ أخلاقي فحسب، وإنما خللٌ أنطولوجي يكشف لنا عن تشقُّق وتصدٌّع في العلاقة القائمة بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه، والذات التي يحمِلها. كأن هذا الكائن المُسمى بالإنسان الـ hybristique لا يعرف حدوده، ولا يقبَلُ هشاشته، فيسقط في وهم القدرة المطلقة، مما يستدعي حتمًا العقاب التراجيدي، الذي غالبًا ما ينبُع من الفعل نفسه، لأن تجاوز الحدود يحمِلُ في داخله بَذْرةَ السقوط.
هذا الفكرة التي عبَّر عنها اليونانيون بالـ hybris تجد أيضًا جوهرها فيما سُمّي عند نيتشه بإرادة القوة، ولو أن هذه الفكرة النتشوية الثورية لم تُفهَم بوضوح، مما جعل الإنسان ينحازُ إلى القوة بدل السلم، والعنف بدل الحوار، والقطيعة بدل التواصل. لهذا يكون لزامًا علينا أن نتحدث عن هذه الفكرة النتشوية من منظور أنها سبب رئيس فيما وصلت إليه الإنسانية اليوم، وما آل وضع الإنسان حينما اعتقد أنه الأقوى والأعلى والأفضل بين مكوِّنات الكون. وكي نُزيل الغموض والضبابية من هذا المفهوم نستحضر ما قاله أيضًا لوك فيري شارحًا لها، ومُزيلا كلَّ ما من شأنه أن يُعمِّق الأزمة الإنسانية أكثر فأكثر.
يخبِرنا لوك فيري في كتابه تعلَّم الحياة، وفي سياق الحديث عن الفلسفة النتشوية، على أن إرادة القوة عند نيتشه من المفاهيم المركزية التي بنى عليها فلسفته المثيرة للجدل، لما لها من صلة وثيقة بالواقع المعيش. أي أنها داخل النسق الفكري النتشوي، ليست فكرة هامشية ولا محض نزعة نفسية، ولكنها صُلْب الواقع الذي ينطلق منه الإنسان. لذلك شدَّدَ لوك فيري على ضرورة استبعاد سوء الفهم الشائع الذي يربط إرادة القوة بشهوة السلطة أو الطموح إلى الهيمنة والمكانة. ولكنْ على العكس، من ذلك وجب النظر إليها على أنها إرادة الكثافة، إرادة حياة تسعى في الامتلاء وتقاوم التمزُّقَ الداخلي الذي يُضعِفُ القوى حين تتنازع فيما بينها، فيذبل معها الشعور بالحياة[11]. نحن هنا بإزاء مفهوم يتعامل مع إرادة القوة، كونها ليست إرادة مال أو نفوذ أو سيطرة، بل رغبةٌ عميقة في حياة كثيفة وحيوية، حياة لا تُنهكها التناقضات الداخلية ولا تَفقِد طاقتها بسبب الخوف أو الندم أو الشعور بالذنب. فالتمزُّق الداخلي، سواء كان واعيًا أو لا واعيًا، هو أحد أخطر أشكال إضعاف الحياة، لأنه يشلُّ القدرة على الفرح والفعل، كما يَظهَرُ مثلًا في مواقف يومية أو رياضية التي يتراجع فيها الجسد عن أدائه بسبب خوف خفي أو ندم غير مُعلَن[12].
إن ما يقصد نيتشه من هذه الفكرة المُثيرة للجدل وَفْق لوك فيري، ليس معناها الحرفي، ولا طابعها الظاهري الذي قد يرى فيها انتصارًا لقيم العنف والقوة والتطرف، وهي قراءة أخرجت وأحرَجتْ الفلسفة النتشوية وجعلَتْها فلسفة للقيم السلبية، بل ما يؤكده نيتشه في هذا السياق هو أن إرادة القوة هي «إرادة الإرادة» نفسها، أي الإرادة التي تسعى في أن تنحاز إلى الذات، فتعمل على تقوية مناعتها ضدَّ الأزمات والهشاشة النفسية للكائن الإنساني. وكأن بهذا المفهوم يسعى الإنسان في تجاوز كل المُثبطات والتحديات التي تُفتِّت الذات الإنسانية من المشاعر القاتلة كالذنب والتردُّد والخوف. وإذا ما استعان الإنسان بهذا المفهوم فلن يتجاوز حدوده إلى حيث الوجود الفعلي للآخرين كما توَهَّم البعض، بل هو سعيٌ في إنقاذ الذات والتحرر من الثقل الداخلي، الذي يستعيد خفة الوجود وبراءته. فبهذا المعنى، تتحقق إرادة القوة حين نتعلَّمُ كيف نعيش دون تلك الصراعات التي تستنزفنا، ونفتَحَ الطريق أمام حياة أكثر انسجامًا وامتلاءً.
نحن هنا أمام قراءة مُغايرة لما تعارف عليه الناس اتجاه الفلسفة النتشوية، ففي كتابه «تعلُّم الحياة» يقدِّمُ فيري قراءة هادئة وعميقة لفلسفة نيتشه، قراءة إنقاذية إن صح التعبير تخرج بفكرة إرادة القوة من حدود السطحيَّةِ التي التصقَتْ بها، أي تلك القراءة المتحيِّزة لمفاهيم مثل إرادة القوة والإنسان الأعلى في العنف والهيمنة والتفوُّق العدواني. وهو بذلك ينطلق انطلاقة مُغايرة لفهم نيتشه بعيدًا عن نظرة الفيلسوف الذي نظَّرَ للقسوة والقوة والعنف والاستبداد. وإنما نظرةً ترى في نيتشه فيلسوف الحياة، أي الفيلسوف الذي واجه السؤال الأصعب: كيف يُمكن للإنسان أن يقول «نعم» للحياة، رغم الألم والعبث وسقوط المعنى الجاهز؟
سؤال إرادة القوة سؤال أنطولوجي، أكثر منه فلسفة مُتحيزة للعنف والقوة والشر المطلق كما حاول عديدون أن يفهموا من خلاله فلسفة نيتشه، وهنا تكمن أهمية هذه القراءة التي قام بها لوك فيري، حينما أزاح عنها الرغبة في السيطرة على الآخرين أو السعي في إخضاعهم. بل العكس هو الصحيح، حين تتحول هذه الإرادة إلى الطاقة العميقة التي تُحرِّكُ الحياة ذاتها، تلك الدفعة الداخلية التي تجعل من الإنسان يتجاوز ذاته، ويتخلَّص من المشاعر القاتلة، ويجعل من إرادته إرادة حياة، وكثافة وخصوبة، قادرةً على تحويل المعاناة إلى قوة، والضعف إلى تجربة، والسقوط إلى إمكان جديد. بهذا المعنى، تصبح إرادة القوة نقيضًا جذريًا للعدمية، لأنها ترفُض الاستسلام لفكرة أن الحياة بلا قيمة بعد انهيار المُطلقات الدينية والأخلاقية، وتبحث بدل ذلك عن معنى يُصنع من داخل التجربة الإنسانية نفسها.
-
الإعلان عن الإنسان الأعلى
إذا وصلنا إلى تحرير هذا الأفُق الذي جعل من الإنسان ينظُر إلى نفسه نظرةَ القوة القصوى، وسيدَ الكون وحاكمَهُ، فإننا نعترف بأن النزعة التفوقية دفعت هذا الكائن إلى التدمير والتوحش والإقصاء والتهميش، وهو فهمٌ ناتجٌ أساسا عن قراءة خاطئة ومتحيزة لعديدٍ من المفاهيم التي وجهت العقل الإنساني منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وإذا كان مفهوم إرادة القوة النيتشوي قد تعرَّضَ للتشويه والتزييف المتعمد، فإن ذلك يمنحُنا قراءةَ مفهوم مجاوِرٍ له في الفلسفة النيتشوية قد تعرض هو الآخر لعملية تحريف، مما يجعلنا نقوم بالإضاءة عليه وَفْق أيضًا ما أُقِرَّ سابقًا. إنه مفهوم الإنسان الأعلى.
فماذا يعني يا ترى؟
وَفْقًا للمُقاربة السابقة التي قرأ فيها لوك فيري مفهوم إرادة القوة، يكون مفهوم الإنسان الأعلى، من أكثر مفاهيم نيتشه تعرُّضًا للتشويه التاريخي. لأن هذه الصورة للإنسان الأعلى كما رُوجَ لها ليست نموذجًا عِرْقيًا ولا كائنًا متفوقًا بيولوجيًا ولا بطلًا قاسيًا منزوع الرحمة، بل هو إنسانٌ تحرَّر من الحاجة إلى الأوهام، وتجاوز الاتكال على المعاني المفروضة من الخارج. أي إنسان قبِل مسؤولية وجوده، وصار قادرًا على خلْقِ قيمه دون أن يختبئَ خلف سلطة أخلاقية أو دينية أو جماعية. الإنسان الأعلى، بهذا المعنى، ليس أعلى من الآخرين، بل أعلى من ذاته السابقة، من خوفه، ومن أخلاق القطيع التي تُمجِّدُ الخضوع وتحوِّلُ الضعف إلى فضيلة مطلقة.
وربما منشأ الخطأ في هذا التناول الخاطئ لفلسفة نيتشه سببه ما أشار إليه H .F PETERS في كتابه عن أخت نيتشه إليزابيث، إذ يتناول في إحدى المباحث إشكالية تأويل فكْر نيتشه وما تعرَّض له من تحريف واستغلال إيديولوجي، خصوصًا عبْر دور شقيقته إليزابيث نيتشه التي قدَّمت نفسها بوصفها الحارسة على فكره، لكنها في الواقع أسهمت في تشويه أفكاره وتوظيفها سياسيًا وأيديولوجيًا (خاصة في اتجاهات قومية وراديكالية). وقد أكَّد PETERS أنَّ فكر نيتشه لا يُمكن تحميله مباشرةً مسؤولية التأويلات المتطرفة التي نُسبَتْ إليه لاحقًا. فبين الفكر الأصلي والاستعمال التاريخي والسياسي مسافة مُعقَّدَةً، كما حدث مع روسو وماركس. فنيتشه –بوصفه مُفكرًا مريضًا ومُعذَّبًا– تحوَّل بعد انهياره العقلي إلى رمز نبوئي أكثر منه فيلسوفًا يُنتج نسقًا مكتملًا، ما يفرض علينا قراءة نقدية غير تبسيطية، لا تختزل فكره في حياته أو في استعمالات لاحقة له[13].
وإذا كانت إليزابيث قد لعبَتْ دورًا خفيًّا في تحوير فلسفة نيتشه الأخ المريض، وقراءتها في سياقات مغايرة إيديولوجية أو سياسية، فإن لوك فيري خلافًا لما يُنسب إلى نيتشه يرى العكس أن هذا الأخير لم يكُن معاديًا للأخلاق، بل كان ناقدًا لها حين تحوَّلت إلى أداة لإدانة الحياة بدل فهمها. فالإنسان الأعلى ليس هو الإنسان المُدمِّرُ أو المُتسلط، بل هو ذاك الذي تعلَّم أن يعيش في هذا الوجود الإنساني دون أن تكون له ضمانات ميتافيزيقية، أو وعْد بالخلاص النهائي، ومع ذلك لم يسقط في اليأس والعدمية، بل وجد في هذا الفراغ نفسه حافزًا للخلق. هنا تصبح الحرية عبئًا، لكنها أيضًا مصدرُ الكرامة الإنسانية، لأن الإنسانَ لا يعود منفِّذًا لقيم جاهزة فحسب، ولكنَّهُ صانعٌ لمعنى حياته.
باستخدام هذا التأويل، يقوم لوك فيري بقراءته الإنقاذية لفلسفة نيتشه ومفاهيمه، وانتشال أفكاره من العمق الإيديولوجي الذي غرِقتْ فيه، خاصة حين جرى ربطُ فلسفته بالعنف أو الشمولية، وفي بعض الأحيان بالديكتاتورية النازية وقتذاك. ولكنْ مع سوء التفاهم الحاصل هنا فالقراءة التي قام بها لوك فيري كانت ترى في فلسفة نيتشه النقيض للدولة القامعة، والأخلاق القسرية، ومن كل ما يحوِّلُ الإنسان إلى أداة وشيء فائض عن الوجود. لأنه في نهاية المطاف قد دافع عن الفرد الخالق، والاختلاف، والجرأة على التفكير خارج السائد، لا من أجل الفوضى، بل من أجل حياة أكثر صدقًا مع نفسها.
وعن ميلاد هذا المفهوم النيتشوي المرتبط بالإنسان الأعلى، يُمكننا أن نستحضر هنا أيضًا إضافة إلى لوك فيري ما كتبه جيلبيرت ميرليو في بحث له بعنوان: “الإنسان الأعلى النيتشوي: كائن فريد أم نموذج يُحتذى به؟ ” فقد كتب:
لن تظهر الأمثال الكبرى في كتاب هكذا تكلَّم زرادشت إلا بعد مرحلة من تفكيك القيم الميتافيزيقية والأخلاقية، أي تلك «العوالم الخلفية» التي تُعيق ازدهار الإنسان عبر الحطِّ من قيمة هذا العالم الأرضي. فهي تُمثِّلُ جوابًا عن العدمية التي لاحظ نيتشه تصاعدها، والتي بلغت ذروتها مع موت الإله. فـ «الإنسان المجنون» الذي يُعلن، في الحكمة الشهيرة رقم 125 من العلم المرح، موت الإله، يدرك الفراغ الهائل في المعنى الذي خلَّفه هذا الحدث: لقد فقدت الإنسانية أفقها، شمسها؛ وغرقت في الليل والبرد؛ وصارت تهيم في عدمٍ لا نهائي… غير أن هذا الفراغ يُطالب بأن يُملأ، كما تلمِّحُ إلى ذلك إحدى الملاحظات التي تركها نيتشه بعد وفاته:
ما هي التحوُّلات العميقة التي ينبغي أن تترتب على تعاليم مفادها أنه لم يَعُدْ هناك إله يسهر علينا، ولا قانون أخلاقي أبدي […] وأننا حيوانات؟ وأن حياتنا زائلة؟ وأننا غيرُ مسؤولين؟ إن الحكيم والحيوان سيقتربان من بعضهما ليكوِّنا نمطًا جديدًا. هذا النمط الجديد من الإنسان، الذي يُخالف الإنسان العاقل في النزعة الإنسانية التقليدية، إذ يعترف بحيوانيته وفي الوقت نفسه يتجه نحو الحكمة، ينبغي أن يكون المنارة الجديدة للبشرية، إلهًا جديدًا متجذرًا في المحايثة، لكنه أسمى من الإنسانية كما وُجدت إلى الآن. وقبل هكذا تكلَّم زرادشت، كانت الشذرة 125 من العلم المرح قد رسمت بالفعل هذا المنعطف وهذا العمل العظيم الذي صار مطلوبًا من الإنسان:
” أليست عظمة هذا الفعل [موت الإله] أعظم من أن نحتملها؟ ألسنا مضطرين إلى أن نصير نحن أنفسنا آلهة، ولو كي نبدوَ جديرين بالآلهة؟ لم يحدث قطُّ فعل أعظم من هذا، وكل من سيولد بعدنا سينتمي، بسبب هذا الفعل، إلى تاريخ أسمى من كل تاريخ مضى”.
الإنسان الأعلى، هو الإنسانُ الذي ينتصر على العدمية بقبوله العالم كما هو، في بعده العبثي والاعتباطي والتراجيدي، وبترك إرادة القوة لديه تتجلَّى بكاملها، أي قدرته على الخلق فيما وراء الخير والشر. وهنا تكتسب عقيدة العود الأبدي أهمية حاسمة؛ فهي عقيدة انتقائية، إذ لا يستطيع تحملها بفرح إلا الأقوياء. قد تؤدي هذه العقيدة إلى اليأس بسبب الحتمية التي تنطوي عليها (ولهذا السبب ظلَّ زرادشت يُخفيها طويلًا)، لكنها تُحفِّزُ الأقوياء على الفعل الخلاق. فإذا كنت أعلم أن اللحظة التي أعيشها ستعود وستتكرر، فأنا لا أعرف ما كانت عليه في الماضي، لكنني أعلم أنه ينبغي عليَّ أن أتصرف كي أستطيع أن أتمنى عودتها أبديًا. إن الإيمان بالعود الأبدي يدفعني إلى الفعل من منظور الأبدي (sub specie aeterni) كما كان يفعل اليونانيون القدماء تحت تأثير الأسطورة، وأن أطبع الزمن ببصمتي الخاصة.
يُعلِّمُ زرادشت الإنسان الأعلى بوصفه المثالَ الذي ينبغي أن يحلَّ محلَّ كل الغايات النهائية وكل النزعات الخلاصية: «الإنسان الأعلى هو معنى الأرض. فلتقل إرادتكم: ليكن الإنسان الأعلى معنى الأرض». وينبغي منذ البداية استبعاد الفرضية الداروينية؛ فالإنسان الأعلى ليس نوعًا متفوقًا ناتجًا عن تكيُّفٍ انتقائي مع الوسط. إنما يُستدعى البشر بإرادتهم، كي يرتقوا إلى مرتبة الإنسان الأعلى. وهو يتميَّزُ بخصائص فردية وأخلاقية في الأساس، وإن لم يخلُ تعريفه من قدر من النزعة الحيوية. فالإنسان الأعلى ليس نوعًا جديدًا، بل نمطٌ إنسانيٌ جديدٌ. ويفضِّلُ نيتشه استعمال مفهوم «النمط» لأنه يتجنَّبُ التجريد، ويتموضع بين الفردي والعام، ويدلُّ على أسلوب وجود (هيئة عيش) فردي واجتماعي-ثقافي في آن واحد.
وبصفته نمطًا إنسانيًا، يُمَثِّلُ الإنسان الأعلى، عند لحظة «الظهيرة الكبرى» أي المنعطف العظيم الذي بلغته الإنسانية، البديل عن «الإنسان الأخير»، ذلك الإنسان القطيعي للحداثة الموصوف في المقدِّمَة. فالإنسان الأعلى لم يَعُدْ يتلقَّى قواعد فعله لا من الإله، ولا من أخلاق العادات، ولا من تلك القدرة على التمييز بين الخير والشر التي تُمَثِّلُ قلب الأمر الأخلاقي الكانطي. إنه يظل وفيًّا للأرض، ويتخلى عن كل الآمال المتعالية، ويحدِّدُ هدفه بنفسه، ويضع قيمه الخاصة فيما وراء الخير والشر. والاستقلالية التي تُميِّزُه أكثر حتى من استقلالية القانون الأخلاقي عند كانط، لأن هذه الأخيرة كانت مشروطة بمتطلب التعميم، وهو ما لم يَعُدْ قائمًا هنا.
من جهة أخرى، أراد نيتشه أن يضع حدًا للثنائية الأفلاطونية أو الكانطية وأن يُعيد «تطبيع» الإنسان. وقد وفَّرت له علوم الطبيعة في عصره عناصر أنثروبولوجيا جديدة تعطي للجسد أهمية مُتزايدة في تعريف الظاهرة الإنسانية. فخلافًا للتصوُّرِ المثالي للإنسان العاقل، يبدو الفرد الإنساني عنده أقرب إلى «كائن منقسم» أو متعدِّدٍ، تتفاعل داخله قوى وغرائز متعددة في صيرورة دائمة، تتصارع أو تتآلف. وإذا ما اتحدت، فإن ذلك يكون تحت ضغط دافع أعلى يفرض تأويله ومن ثمَّ ظاهره، فيزيد من قوة الكُل وجماله. وهكذا يُعيد نيتشه الاعتبار إلى «العقل الكبير» للجسد الذي يُكَوِّنُ الذات، لا للـ «العقل الصغير» للذهن الذي لا يُمَثِّلُ سوى خادم له.
ومع ذلك، فنيتشه ليس لا عقلانيًا ولا معاديًا للعقل؛ فهو لا يرفض الفكر بوصفه ملكة التفكير التي تجعل من الإنسان حيوانًا أسمى. لكنَّه سابقٌ لفرويد، كان واعيًا بتأثير الانفعالات في السلوك الإنساني، ويؤكد أن الاستقلالية الكاملة لا تتحقق إلا إذا انسجمت الإرادة الواعية مع إرادة الغرائز. «كن ما أنت عليه» —وهي مقولة يستعيرها من بندار— تعني عنده: دع القوة الخاصة التي تنسِّقُ اندفاعاتك تُعَبِّرُ عن نفسها كُليًا، وحرِّرها من «السلاسل الميتافيزيقية» ومن قيود الأخلاق السائدة، فتستطيع عندئذ أن تؤكد أصالتك، أي فرادتك. ولا ننسى أن زرادشت يدعو تلاميذه إلى ألا يتبعوه، بل إلى أن يجد كل واحد طريقه الخاص.
لكنْ ألا يظل ظهور الإنسان الأعلى، من هذا المنظور، شأنًا غريزيًا محضًا يناقض الطابع الإرادي والوعظي لتعليم زرادشت؟ وهل تستبعد إرادة القوة والعود الأبدي كلَّ فاعلية للإرادة الإنسانية؟ وهل يكون الإنسان الأعلى، مماثلًا لعبقري الرومانسية، محض نتاج عشوائي للطبيعة؟ لذلك سيعمل نيتشه على «نزع السحر» عن مفهوم الإنسان الأعلى. ففي القسم الأخير من أعماله، يُفسح هذا المصطلح المجال لتعبيرات مثل «الإنسان»، أو «النمط الأعلى» بل «الأعلى جدًا»، أو «الإنسان الأرستقراطي»، أو «النمط الإنساني الناجح»، أو «الإنسان العظيم». ويرثُ هذا الإنسان المتفوِّقُ خصائص الإنسان الأعلى: القبول الديونيسي بالعالم، وإرادة القوة التي تُعزِّزُ قوى الحياة، والأنانية.
وكما هو الحال دائمًا عند نيتشه، هناك أنانية صغيرة وأنانية كبيرة. فالأنانية الصغيرة، أنانية الإنسان الأخير، تسعى في المحافظة على الذات، وهي علامة على حياة آيلة إلى الانحدار. أما الأنانية الكبيرة فهي أنانية الخالق الذي يجعل من نفسه معيارًا لذاته. إنها تعمل فيما وراء الخير والشر، ومستعدة —من أجل تحقيق قيمها— للتضحية بالآخرين أو بالتضحية بنفسها. وهي تختار، في فعل الخلق، لا الاحتماء الحذر، بل التعرُّض والمخاطرة، والعيش في الخطر. وقد تكون قاسية (ولا يتردد نيتشه في إبراز الوظيفة الخلَّاقة للقسوة)، لكنها قد تكون أيضًا إيثارية بدافع فائض القوة. فالإنسان الأرستقراطي يؤمن بتفوُّقه، ويمتلك امتلاءً وقوةً وطمأنينة بالنفس يستمدُّ منها دوافع فعله، فيكون فعله فعَّالًا لا تفاعليًا، «غريزة مرتبته»، التي يقابلها «غريزة الاحترام» لأنداده، ووعيٌ باختلافه عن الإنسان العادي. ويسمِّي نيتشه ذلك «الإحساس العاطفي بالمسافة». فالإنسان الأرستقراطي يُعبِّرُ عن أعلى درجات إرادة القوة، حين يؤكد «تميُّزَهُ» ويطبع بذلك الزمن بطابع أبدي[14].
- المسلم الأدنى: من خير أمة أُخرِجَتْ للناس إلى خير أمة أَخْرَجَت الناس
بناءً على النزعة التفوقية التي رافقَتْ الإنسان طيلة مساره الطويل، ألقَتْ هذه النزعة ظلالها على مختلف المجالات والحقول المعرفية، بما في ذلك المجال الديني، ولعل الأصولية الدينية أحد التجليات الأساسية لهذه النظرة المتعالية على الواقع الإنساني، والمتجاوزة لحدود الذات كما مرَّ معنا. ولأن الكائن الأصولي إنسان يقتاتُ على هذا التعالي في علاقته مع الآخر والمحيط والكون، فسنحاول في هذا المبحث أن نُلقي الضوء على بعض من ملامح هذه الأزمة المستشرية في أصوله وقواعده ورؤيته للأشياء:
- المنزع التقديسي:
في كتابه “المصالح والمصائر[15]“ أوضح علي حرب بأن جذور الإشكاليات التي يواجهها الإنسان في شقهِ القديم أو المعاصر، هو هذه القداسة التي يُضفيها على الأشياء، وربما يُمكن الجزم أن هذا المنزع يُعَدُّ أحد أكثر النزعات تجذُّرًا في الوعي الإنساني، وهو ما يُسميه المنزع التقديسي؛ أي هذا الانحياز والميل الفطري والمكتسب في الآن ذاته إلى التعامل مع مكونات الطبيعة بطريقة فيها نوع من التجاوز والتعالي، بل حتى الأفكار، والأشخاص، والنصوص، والتجارب التاريخية، يتم تحويلها إلى كِياناتٍ متعالية تُرفع فوق السؤال والنقد والمراجعة. كأن هذا التقديس هو صفة ملازمة للظاهرة الإنسانية منذ انبثاق اللحظة الأولى للوعي الإنساني، وآلية ذهنية وثقافية تنتجها علاقة الإنسان بالخوف، وبالحاجة إلى اليقين، وبالرغبة في الاحتماء من قلق العالم وتحوّلاته.
ربما يتقاطع هنا علي حرب مع روجيه كايواه[16] الذي يؤكد هو أيضًا أن ليس هناك شيءٌ لم يُقدِّسه الإنسان، بل ربما التقديس هو الشيءُ العابر للأشياء والأمكنة والأزمنة، وهي فرضية تنطلق من أن الإنسان لا يُقدِّسُ لأن المقدَّس في ذاته متعالٍ أو مطلق، بل لأنه يبحث عن معنى ثابت في عالم متغيِّرٍ. فالتقديس ليس خاصية كامنة في صُلب الأشياء، وجواهرها، وأساسياتها، بل هو فعلٌ إنساني يقوم به المرء بحثًا عن ملْءِ هذا الفراغ الوجودي الذي يشعُر به كل حين. وهكذا يتحوَّلُ التقديس إلى استراتيجية دفاعية، يتم بها التمترس من المحاسبة والعقاب، ويُحصَّن ضد النقد والمساءلة، ويُفرض بوصفه حقيقة نهائية لا بديل عنها.
ليس هناك مجالٌ غيرُ خاضعٍ لخاصية التقديس، بل يؤكد علي حرب أن أخطر أنماط التقديس هي تلك التي تتجاوز مجال المقدس الأكبر ألا وهو الدين، بل تَظْهَرُ أيضًا في السياسة، وفي الفكر، وفي الأيديولوجيا، وحتى في الحداثة نفسها حين تتحول إلى عقيدة مغلقة. فكما يُقدَّس النص الديني، يُمكن أن تُقدَّس الدولة، أو الزعيم، أو الأمة، أو الهوية، أو المشروع الثوري. وفي كل مرة يحدُث الشيء نفسه، إذ يُعطَّلُ الحسُّ النقدي، ويختزل الواقع في إشكالية أحادية، ويُهمَّش الجوهري، ويقصى الاختلاف بوصفه أحدَ أهم العناصر المؤثثة لهذا الفضاء الكوني.
حينما نتحدث عن المنزع التقديسي، فليس المراد هو نزْعُ المعنى أو السقوط في العدمية من خلال محاولة نزْع هذه الخاصية الملازمة للظاهرة الإنسانية والمجتمعات البشرية، بل العكس هو الصحيح، حين نُشير إلى أن نزْع القداسة يُعَدُّ تحريرًا للمعنى من وهْمِ المطلق. فمشكلة الإنسان، في نظر علي حرب، ليست في الإيمان أو الالتزام، وإنما في تحويل الإيمان إلى يقينٍ مُغلَقٍ، وتحويل الالتزام إلى امتلاك للحقيقة. لذلك يقترح بديلًا يتمَثَّلُ في إعادة الاعتبار للفكر بوصفه ممارسة نقدية خَلَّاقة، لا بوصفه حراسةً لمقدَّسات جاهزة. الفكر، كما يتصوره، لا يكتشف الحقيقة النهائية، بل يصنع المعنى داخل السياق، ويتعامل مع الأفكار بوصفها أدوات للفهم لا أصنامًا للعبادة.
- الفكر الأحادي:
يوَجِّه علي حرب سهامه النقدية إلى ما يُسمِّيه بالفكر الأحادي ضمْن النزعات والعوائق التي تجعل الإنسان يتعالى عن سياقات إنسانية، ويراهُ أحد أخطر المظاهر الإنسانية التي أفرغَتْ الكائن الإنساني من مضمونه المعنوي، كما جعلتْهُ فريسة لأنماط وعيٍ مختلفة تُنتج الانغلاق والاستبداد باسم الحقيقة. والمشكلة في هذا النوع من التفكير هو أنه لا يقوم فقط على تبسيط العالم، ولكنْ على اختزاله في تفسير واحد، ورؤية واحدة، ومسار واحد يُقدَّم بوصفه الطريق الأوحد والوحيد الممكن. وهو نوع من الامتداد لما سميناه سابقًا بالمنزع التقديسي، بسبب أن ما يُقدَّس لا يُناقَش، وما لا يُناقَش يتحول إلى حقيقة نهائية تُلغي ما عداها.
ولعل ما يُثير في هذه التجربة الاختزالية التي يفرضها علينا الفكر الأحادي، هو أنه ينبُع من رغبة عميقة في السيطرة على المعنى، لا في فهْم الواقع أو تفسيره بنهجٍ موضوعي. فحين يعجز العقل عن استيعاب التعقيد والتعدد التي ينشأ فيه وبه هذا الكون، يجد نفسه ملزَمًا بإنتاج سردية شمولية تختزل كل هذا التعقيد في رؤية واحدة، وتفسير واحد، وحل واحد. وبهذا المعنى، فالتفكير الواحد هنا لا يعكِس قوة في الرؤية، أو بُعدًا في النظر، وإنما ضعفًا في القدرة على التفكير المركَّب، لأنه فكرٌ يخشى الاختلاف، بوصفه تهديدًا ليقينياته، وكشْفًا لهشاشة أُسُسه. كأن علي حرب بهذا النقد وهذا التوجيه، يُبرِزُ أن خطورة الفكر الأحادي لا تكمُن فقط في نتائجه النظرية، وإنما في آثاره العملية. فعندما تتحوَّل رؤية العالم إلى رؤية مختزلة، وتوجُّه واحد، وتفسير مشوَّه، فذلك يستلزم أن الآخر والمختلف طبق هذا المنظور خطأٌ يجب تصحيحه، أو انحرافٌ ينبغي إقصاؤه، أو خطرٌ يستوجب القضاء عليه. هكذا ينتقل الفكر الأحادي من مجال الأفكار إلى مجال العنف، سواء كان عنفًا رمزيًا عبْر التخوين والتكفير، أو عنفًا ماديًا عبْر الإقصاء والقمع. فالتعدد، في منطق هذا الفكر، ليس ثراءً، بل تهديدٌ.
إنه الإنسان الأدنى حين يريد أن يختصر المسافات، ويختزل الحقيقة، ويفرِض وجهة نظره برؤيته صاحب الحق المطلَق. وإذا كان الإنسان الأدنى قد جعل من الفكر الأحادي طريقته المنشودة، فإن ذلك يجعلُه متعلِّقا أيضًا بالأسماء والهُويات، إذ غالبًا ما يُختزل التفكير في الانتماء إلى اسم أو معسكر، هذا مع التراث أو ضده، مع الحداثة أو نقيضها، مع الدين أو في اختلاف دائم معه. أوهام يتغدى عليها الكائن الإنسان، وكأنها أدوات ديمومة استمراره، في حين أنها الداء الأكبر. لهذا يفترض هذا النوع من التفكير أن هناك معنًى واحدًا للنص، وقراءة واحدة للتاريخ، ومسارًا واحدًا للتقدُّمِ. وكل من يخرج عن هذا الخط الأحادي يُتَّهم بالجهل أو الخيانة أو الارتداد. ويصير الفكر بمنزلة جهاز ضبْط لا أداة تحرير، وإلى سلطة رمزية لا فعْلًا إبداعيًا.
ولن يكون هناك خروج من هذا الشرنقة الوجودية إلا بتفكير يقوم على التعدد والانفتاح، بوصفها الأدوات التي تمنحُ للإنسان خصائصه المفقودة، وأدواته المعهودة، لأن الحقيقة كما تأسست عند الكائن الإنساني في مساراته المختلفة تُنتَج عبْر تفاعُل القراءات، وتصارع التأويلات، وتغيُّر السياقات، وليس عبْر التقوقع الإيديولوجي، أو التحيُّز المعرفي. كما أن التفكير الحر ليس بحثًا عن الجواب النهائي، بل هو القدرةُ على طرح أسئلة جديدة، ومراجعة المسلَّمات، وتحويل الاختلاف إلى طاقة للفهم لا إلى سبب للصراع[17].
- المنزع الطوباوي:
يستمرُّ علي حرب في مقاربة موضوع الإشكالات التي تعترض العقل الأصولي، وأيضًا العقل الإنساني المتعالي على شروط إنتاج أفكاره الموضوعية، فيقارب خللًا آخرَ من أعطاب الفكر الإنساني، وهو ما يُسميه المنزع الطوباوي. وحينما نأتي على ذكر الطوباوية أو اليوتوبيا نتذكر ما قاله بشأنها لايمان تاور سارجنت في كتابه المهم والمختصر “اليوتوبية مقدمة قصيرة جدًا”[18]، حين قال بأنه رغم أن توماس مور صاغ مصطلح «يوتوبيا»، فإن الفكرة أقدم من ذلك بكثير، إذ رافقت الإنسان منذ بداياته. ومع الزمن ظهرت مفاهيم مقابلة مثل «ديستوبيا» للدلالة على المجتمع الرديء، وأصبح وصف شيء بأنه «يوتوبي» يُستعمل غالبًا للتشكيك في واقعيته. وهذا يؤكد على أن البشر عبَّروا دائمًا عن سخَطهم من واقعهم، فحلَموا بحياة أفضل أو خافوا مستقبلًا أسوأ، وهو ما أدَّى مُبكِّرًا إلى انقسام اليوتوبيا بين تصوُّر إيجابي وآخَر سلبي. وتكشف النصوص القديمة، مثل: الألواح السومرية، عن يوتوبيا تُفهَم بتصورها حالةً تمنحُها الطبيعة أو الآلهة، لا بتصورها إنجازًا إنسانيًا.
ومن هذا المنظور تبدو اليوتوبيا أو المنزع الطوباوي أنماط الوعي التي تبدو في ظاهرها حالمة ومتحرِّرة، لكنها تُخفي في عمْقِها نزعةً اختزالية لا تقِلُّ خطورة عن الدوغمائية التي تدَّعي تجاوزها. فالطوباوية، في تصوُّر علي حرب، لا تكمُن في الحلْم بعالم أفضل في ذاته، بل في تحويل الحلم إلى نموذج كامل ومغلق يُقاس عليه الواقع ويُدان به. وهو ما تقوم به جميع الأصوليات حين تُحاكم الواقع من منظار طوباوي، ناشئٌ من عجز الفكر عن التعامل مع تعقيد الواقع وتناقضاته، فيلوذ بتصوير عالم مثالي نقي، خالٍ من الصراعات والاختلافات. وتصير الطوباوية نوعًا من الصيغ التعويضية عن الفشل الواقعي، لا مشروعًا عمليًا للتغيير. فهي لا تنطلق من قراءة دقيقة للواقع، بل من رفْضه، ولا تسعى في تفكيك مشكلاته، بل إلى الهروب منها نحو صورة مُتخيَّلةٍ للكمال. هنا يتحول المنزع من أفق نقدي إلى برنامج إقصائي. فالعالم المثالي، حين يُقدَّم بوصفه الحقيقة التي يجب أن تتحقق، يفرِضُ نفسه معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا صارمًا، يجعل كل ما هو قائم ناقصًا أو فاسدًا أو غير جدير بالبقاء. ومن أجل استعادته يلجأ العقل الأحادي والدوغمائي للإنسان الأدنى إلى محاولة تطويع الواقع بأشكال مختلفة تبدأ من أشكال الأسلمة المختلفة، انتهاءً إلى صيغ التوحش والتألُّه التي يستدعيها الإنسان حينما تعوِزُه الفكرة، أو يغيب عنه الضمير[19].
- التهويل الإيديولوجي:
يتوقف علي حرب، في كتابه «المصالح والمصائر»، عند ما يُسميه التهويل الإيديولوجي بوصفه إحدى أكثر آليات الوعي خطورة في العالم المعاصر، لأن الهالة الإيديولوجية لا تعتمد فقط على الحشد والتجميع كما هو متعارف عليه في وظائف الإيديولوجيا، وإنما هو التشويهُ والتبرير للواقع عبر إعادة إنتاجه على صورة خطاب مُتضخم، مشحون بالعواطف، ومفرَغ من القدرة على الفهم النقدي. وهنا يفقِد التهويل خصائصه ومميزاته، ففي الوقت الذي يجب أن يقوم بدور المحلل للواقع، يقوم بتضخيمه، كما أنه لا يسعى في تفسير الأحداث، بقدر ما يسعى في تعبئة الأتباع وحشد الولاءات.
يُمثِّلُ التهويل الإيديولوجي في نظر علي حرب ذروة اشتغال الإيديولوجيا حين تتحول الفكرة إلى عقيدة مغلقة، والعقيدة إلى خطاب تعبوي يُصوِّرُ الواقع إما كارثة مطلقة أو خلاصًا وشيكًا. كما يُختزل العالم إلى ثنائيات حادة، نحن والآخر، الحق والباطل، الضحية والمنقذ، فيُلغى التعقيد ويُستبدل التفكير بالتحريض أو التخويف، ويغدو الخطابُ أداةَ سيطرةٍ لا وسيلةَ فهمٍ. وكي يُحقق الخطاب التهويلي غايته، فهو يعتمد أساسًا على سحر اللغة، إذ تُفرَّغ المفاهيم من بُعدها التحليلي وتُشحَن بدلالات عاطفية قصوى. فمصطلحات مثل: الأمة، الهُوية، المؤامرة أو الخيانة لا تَشرح الواقع، بل تحجبه، وَفْق الآلية التي تعمل بها النصوص، وهي آلية أشار إليها علي حرب في كتابه “نقد النص[20]“، إذ تعمل المفاهيم عملَ الأقنعة اللُّغوية، تُضخم الإحساس بالخطر أو الوعد وتمنع مساءلة الخطاب ذاته[21].
- خــاتـــمـــة:
في ختام هذا البحث، يتبيَّن لنا أننا أمام إشكالية حقيقية انتقلَتْ بنا من الإنسان في صيغتِه المُتعالية كما عاشها الإنسان مع الأديان والسَّرديات الكبرى، إلى الإنسان الأدنى في صيغته الحالية، حيث تحوَّلتْ كلُّ النزعة التفوقية التي عاشها ولا يزال يتوهم المضيَّ في سراديبها، عبْرَ التحوُّلات التي رافقَتْ مسيرته على المستوى الفكري والاجتماعي والحضاري. وعلى الرغم من كل ما وصل إليه الإنسان المعاصر من تقدُّمٍ في جميع المستويات، فإن الإشكال الجوهري لا يكمُن في قدرة الإنسان على التفكير أو الخلق أو التنظيم، بل في وهم التفوُّقِ والنزعة التدميرية، والهالة الإيديولوجية والتفكير الأحادي حول كل قدرات الإنسان من دافعٍ للتقدُّم إلى مصدرٍ للأزمة. وهو ما أفرز لنا واقعًا يجعل من الإنسان مركز الكون الأوحد، سواء في صيغته الدينية التي جعلَتْهُ وكيلًا وخليفة لله في أرضه، أو في صيغته الحداثية التي جعلَتْ منه مقياسا ومرجعا كونيا لا يُعلى عليه للكون، وهي النتيجة التي أوصلتْهُ إلى إنسان متجاوز لحدوده، مُتنكرًا لهشاشته، ومُبرِّرا للعنف والتدمير باسم المفاهيم المطلقة التي يؤمن بها ويقاتِل من أجلها.
لقد أظهر نقد الإنسانوية، كما ساق لنا ستيفن لو في بحثه عن هذا المفهوم، أنها رغم دفاعها عن الكرامة والعقل والحرية، فهي تنطوي على مفارقة عميقة، حين تتحوَّلُ إلى رؤية مغلقة تنفي كل ما يتجاوز الإنسان أو يحدُّ من سلطته. وهو ما جعل مشروعها الأخلاقي، في كثيرٍ من امتداداته الواقعية، عاجزًا عن منع الاستبداد والتمييز والعنف، بل أحيانًا متواطئًا معها تحت شعارات كونية جذَّابة. ومن هنا تبرز أهمية الطرح التفكيكي، خاصة مع علي حرب، الذي لا يُهاجم الإنسان من موقع العدمية، بل من موقع المساءلة الجذرية، حين يكشف أن الإنسان ليس الحلَّ الجاهز لكل الأزمات، بل قد يكون أصلها حين يتضخَّم وعيه بذاته ويتحوَّلُ إلى مركز مغلقٍ للمعنى.
في هذا السياق، يكتسب مفهوم الإنسان الأدنى دلالته النقدية العميقة، لا بوصفه تحقيرًا للإنسان، بل بوصفه دعوةً إلى نزع الأقنعة المثالية التي أحاطت به، وإعادته إلى موقعه الحقيقي كونه كائنًا محدودًا، قابلًا للخطأ، ومسؤولًا عن أفعاله. فالإنسان الأدنى ليس نقيض الكرامة، بل شرطها الواقعي، لأن الاعتراف بالحدود هو ما يفتح أفُق المراجعة والتصحيح، ويكبَح نزعة الـ Hybris التي حذَّر منها الإغريق، ورأى فيها لوك فيري خللًا أنطولوجيًا قبل أن تكون خطأً أخلاقيًا. كما أن إعادة قراءة مفاهيم نيتشه، وخاصة إرادة القوة والإنسان الأعلى، بعيدًا عن التأويلات العنيفة والإيديولوجية، تُبيّن أن الأزمة لا تكمن في الفلسفة ذاتها، بل في سوء فهمها. فإرادة القوة، في قراءتها الإنقاذية، ليست نزوعًا إلى الهيمنة، بل طاقةُ حياة، وسعيٌ في تجاوز التمزق الداخلي، وليست أداةً لسحْق الآخرين، أو تهميشهم وتحقيرهم. كما أن الإنسان الأعلى ليس نموذجًا للتفوق الجنسي أو العرقي، بل نمطُ وجودٍ يتحرَّرُ من الأوهام، ويتحمَّلُ عبْءَ الحرية دون ضمانات ميتافيزيقية.
إن ما يُريده البحث في نهاية المطاف هو هذه القراءة النقدية لمفهوم يبدو أنه متعال في الزمان والمكان، في حين أن النقد والتفكيك، يجعل من الإنسانوية، وتحليل الـ Hybris، وإعادة تأويل نيتشه، تأكيدًا لحقيقة واحدة، هي أن الأزمة الإنسانية المعاصرة ليست أزمة نقص في العقل أو العلم، بل أزمة وعي بالحدود. فحين يفقد الإنسان إحساسه بمكانه داخل النسيج الكوني أو الكوسموس في الأدبيات الرواقية، وحين يحوِّلُ القيم إلى شعارات، والمعنى إلى أداة هيمنة، ينقلب مشروعه التحرري إلى نقيضه، وبدل أن يكون إنسانيًّا، يصير شيئًا آخرَ لا يمُتُّ إلى الإنسانية بأي صلةٍ. وعليه، فإن تجاوز هذه الأزمة لا يمرُّ عبْر استبدال بمركزية إنسانية مركزيةً أخرى، ولا عبْر هدْم القيم باسم النقد، بل عبْر تفكير نقدي متواضع يعترف بالهشاشة، ويقبَل التعدد، ويفصِلُ بين المعنى والادِّعاء، وبين القوة والتوحُّش. فبقدْر ما يتخلى الإنسان عن وهْم التفوق، بقدر ما يستعيد إنسانيته الفعلية، لا بوصفه سيدًا للكون، بل بوصفه شريكًا فيه، ومسؤولًا عن مصيره داخل عالم لا يمنحُه الامتياز، بل يضعه أمام امتحان دائم:
كيف يكون إنسانًا دون أن يتحوَّلَ إلى خطرٍ على ذاته؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[1] – علي، حرب. الإنسان الأدنى أمراض الدين وأعطال الحداثة. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2،2010, ص: 9.
[2] – ستيفن، لو. الإنسانوية مقدمة قصيرة جدا. ترجمة ضياء وراد. مؤسسة هنداوي، ط1،2016. ص: 9,
[3] – كريستوفر، باتلر. ما بعد الحداثة مقدمة قصيرة جدا. ترجمة نيفين عبد الرؤوف. مؤسسة هنداوي، ط1،2016. ص:19.
[4] – علي، حرب. هكذا أقرأ ما بعد التفكيك. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1،2005. ص: 19.
[5] – كريستوفر، باتلر. المرجع السابق. ص: 19.
[7] – يمكن الرجوع أيضا لقراءة مبحث فتجنشتاين والنزعة الماهوية ضمن كتاب:
عادل، مصطفى. وهم الثوابت قراءات ودراسات في الفلسفة والنفس. مؤسسة هنداوي، ط1،2019. ص: 59.
[8] – المرجع
[9] علي، حرب. المرجع السابق.
[10] – لوك، فيري. أجمل قصة في تاريخ الفلسفة. ترجمة محمود بن جماعة. التنوير، ط1،2015. ص: 27.
[11] – [11]– فيري، لوك. تعلم الحياة. ترجمة سعيد الولي. دون دار النشر، أو طبعة أو تاريخ. ص: 272.
[12] المرجع نفسه.
[13] H. F. Peters, Nietzsche et sa sœur Élisabeth. Trad. de l’anglais par Monique Poublan
[compte-rendu]
Revue Philosophique de Louvain Année 1979 36 pp. 581-582
https://www.persee.fr/doc/phlou_0035-3841_1979_num_77_36_6076_t1_0581_0000_2
[14] Le surhomme nietzschéen : un être singulier ou un exemple pour tous ? Gilbert Merlio
https://books.openedition.org/psn/8160?lang=fr
[15] – علي، حرب. المصالح والمصائر صناعة الحياة المشتركة. الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1،2010. ص: 18.
[16] – روجيه، كايواه. الإنسان والمقدس. ترجمة سميرة ريشا. المنظمة العربية للترجمة، ط1،2019. ص: 35.
[17] – علي، حرب. المرجع السابق. ص: 20.
[18] – لايمان، تاور سارجنت. اليوتوبية مقدمة قصيرة جدا. ترجمة ضياء وراد. مؤسسة هنداوي، ط1،2016.
[19] – علي، حرب. المصالح والمصائر. ص: 22.
[20] – حرب، علي. النص والحقيقة II. نقد الحقيقة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993، ط1. ص 15
[21] – علي، حرب. المصالح والمصائر. ص: 24.