من التسامح إلى التعايش السلمي القائم على الاعتراف: مساران للتعايش

 تكوين

ترتبط فكرة التعايش السلمي القائم على الاعتراف بالآخر داخل الاجتماع بقدرة المجموعات المتباينة عرقيا ودينيّا وثقافيّا، على العيش معًا دون تصادم، وكذا القدرة على إدارة التنوع رغم اختلاف القيم والمعتقدات والخلفيات الثقافية.

ويمكن القول، إنّ مفهوم التعايش القائم على الاعتراف بالمساواة الكاملة يتجاوز في دلالته الواسعة مفهوم التسامح، بوصفه إطارًا أخلاقيًّا أكثر شمولية لتنظيم العلاقات داخل الاجتماع؛ فالتعايش القائم على الاعتراف لا يقتصر على قبول وجود الآخر، بل ينطوي على إدارةٍ واعية للتنوع والاختلاف داخل المجال الاجتماعي، وهو ما يعني تحويل الاختلاف من مصدر توترٍ محتمل، إلى رافد إيجابي للنظام الاجتماعي القائم. ومن ثمّ، فإنّ هذا النوع من التعايش يفترض اعترافًا متبادلاً بالشرعية المتكافئة للفاعلين الاجتماعيين، ويؤسس لصيغة من الاندماج التفاعلي الذي يسمح بتعايش الهويات المتعددة ضمن فضاء عمومي مشترك (الحبيب، 2016).

التسامح كقيمة معيارية متعالية

ينطلق مفهوم التسامح، في كثيرٍ من تجلياته التاريخية، من موقعٍ معياري ينطوي على قدر كبير من التعالي الرمزي؛ إذ يحتفظ الطرف المتسامح بسلطة ضمنية تمنحه حق المنح والقبول، وهو ما دفع يوهان غوته إلى التحذير من الاكتفاء بالتسامح بوصفه غايةً نهائية، لأنّه قد يبقى موقفًا مرحليًّا لا يتجاوز حدود الاحتمال المؤقت للاختلاف (1906 Goethe,).

وعليه، فالتسامح إذا لم يتحول إلى اعتراف متبادل وقبول حقيقي بالمساواة مع الآخر، أي تعايش قائم على الاعتراف، فإنّه يبقى محتفظًا بحمولة رمزية متعالية ذات دلالات أشبه بممارسة العنف الرمزي؛ لتكريس الإذعان بتواطئ من الضحية نفسها. ومن ثمّ فإنّ الانتقال من مفهوم التسامح المحدود إلى فضاء التعايش، هو أقرب إلى منطق الإقرار بمبدأ المساواة والاعتراف المتبادل داخل بنية الاجتماع.

وربما لا يمكن تجاوز هذه الإشكالية إلّا عبر الانخراط في مساءلة مفهوم التسامح نفسه، والذي ظلّ محكومًا بإطار معياري ذي طابع مثالي (مفترض). فالتسامح، في معناه الضمني، لا يقتصر على مجرد قبول الاختلاف، بل يقوم أساسًا على الامتناع الإرادي عن التدخل في معتقدات أو ممارسات نعدّها خاطئة(1911Seaton,). وهو ما يتجلى في طرح جون لوك، الذي يرفض ممارسة أي سلطة دينية على المختلف حتى لو كان وثنيًا، ضاربةً مثالًا بأنّه “لا يحق أبداً تجريد الوثنيين في أمريكا أو المسيحيين المخالفين في أوروبا من ممتلكاتهم بسبب عقائدهم الدينية” (1996 Locke,).

وبناء عليه، فالتسامح، إذا ظلّ عند حدّه الأدنى ولم يتطور إلى تعايش قائم على الاعتراف، سوف ينطوي على سلبيات خطيرة؛ إذ يفترض المتسامِح ضمنيًا أنّ الآخر على خطأ، مكتفيًا بالامتناع عن اضطهاده، تفضلاً، دون الإقرار له بالمساواة الكاملة في الفضاء الأخلاقي والاجتماعي. ومن ثمّ ظهر في الفكر المعاصر تمييز واضح بين التسامح بوصفه الامتناع عن الاضطهاد، والتعايش القائم على الاعتراف بوصفه علاقة تقوم على المساواة والاحترام المتبادل، حيث لا يُنظر إلى الاختلاف، هنا، باعتباره خطأً يتم التغاضي عنه، بل تعبيرًا مشروعًا عن تعددية إنسانية ينبغي الاعتراف بها.

التعدديّة المعقولة وعلاقات الجوار

يذهب فلاسفة معاصرون مثل جون راولز إلى أنّ المجتمعات بطبيعتها تتسم بما يطلق عليه “التعددية المعقولة”؛ حيث يمتلك أفرادها رؤى دينية وثقافية مختلفة، ومع ذلك يقبل كل مواطن “عقلاني” أنّ يحتفظ برأيه دون أن يسعى إلى فرضه على الآخرين، حتى لو كان ينتمي إلى أغلبية قادرة على فرض تصوراتها. ويرجع ذلك في رأي راولز، إلى إدراكه أنّ الاختلاف ليس مجرد انحراف عرضي، بل مجرد تعبير طبيعي عن العوامل المعرفية والتجريبية التي تجعل العقول تصل أحيانًا إلى استنتاجات مختلفة، رغم اشتراكها في السعي إلى معرفة الحقيقة (2003 Gaus,).

وانطلاقًا من هذا الفهم، فإنّ التعددية المعقولة تفيد بأنّ قدراتنا العقلية قد تكون   غير حاسمة في كثير من القضايا المعقدة في مجالات العلم والأخلاق والسياسة. ولذلك يمكن أن يصل أشخاص عقلانيون تمامًا، إلى قناعات متباينة. غير أنّ هذا الاختلاف لا يعني أنّ الحقيقة نسبية، بل يعني أنّ التصورات المختلفة يمكن تبريرها بقرائن مختلفة.

وعند نقل هذا المنظور إلى مستوى العلاقات الدولية، يمكن القول إنّ العلاقات بين الأمم تشبه إلى حد بعيد التعددية داخل المجتمع الواحد. فالدول، مثل الأفراد، تحمل رؤى مختلفة حول القيم السياسية وأنماط الحكم ومفاهيم الخير والشر وفقًا لمبدأ المصلحة العليا، وإذا كانت المجتمعات قادرة على إدارة هذا الاختلاف عبر الاعتراف المتبادل بحرية المعتقد والرأي، فإنّ الدول مطالبة، هي الأخرى، بالانتقال من مساحات التسامح السياسي—أي الامتناع عن العدوان—إلى بناء صيغ أعمق من التعايش السلمي القائم على الاعتراف المتبادل بالحقوق، وفي هذا الأفق وحده يمكن أن تتحول علاقات الجوار من مجرد هدنة بين قوى متنافسة إلى فضاء أخلاقي وسياسي يحكمه الاحترام المتبادل لتعدد الأيديولوجيات والثقافات والمذاهب.

ويمكن إسقاط الإشكال ذاته على علاقات الجوار بين الأمم في المجال السياسي، حيث يمكن التمييز بين نمطين من العلاقات. الأول يعبّر عن التسامح كاختيار براغماتي يسعى إلى الحفاظ على السلم عبر إدارة الصراع وقبول العيش معًا بين قوى متجاورة ومتقاربة نسبيًا في ميزان القوة. ويتجلى هذا النمط غالبًا في المعاهدات والاتفاقات التي تهدف أساسًا إلى ضبط التنافسية واحتواء الصراع، لكنّها لا ترتقي إلى مستوى الاعتراف المتبادل بين الأطراف. وفي مثل هذه الحالات يرتهن مبدأ التعايش السلمي بتوازن القوى، بشكل مؤقت، أكثر منه تعبيرًا عن مبدأ يحكم العلاقات بين الأمم.

أمّا النمط الثاني فيتأسس على مبدأ أعمق يتجاوز إدارة الصراع وصولا إلى إدارة التنوع الإقليمي وفق أسس تقوم على الاعتراف المتبادل القائم على تبادل المصالح بين الدول بوصفها كيانات متساوية في الكرامة والسيادة. في هذا الأفق، لا يصبح التعايش مجرد هدنة مؤقتة، بل يعبر عن علاقة قائمة على احترام استقلال المسارات التاريخية والاختلافات الثقافية بين الأمم.

بين العثمانية الجديدة وتصدير الثورة

هذا التمييز بين نمطي إدارة الصراع وإدارة التنوع يكتسب دلالة خاصّة عند النظر إلى بعض نماذج الهيمنة الإقليمية في المجال الشرق أوسطي. فبعض المشاريع السياسية تميل إلى إعادة إنتاج علاقات الجوار، بوصفها مجال نفوذ أو امتداد تاريخي لها، متناسية أنّ علاقات الجوار ينبغي لها أن تتأسس ضمن فضاء للتكافؤ المتبادل.

على سبيل المثال، استهدف مشروع “العثمانية الجديدة” إعادة بناء مجال العلاقات مع العالم العربي ضمن أفق تاريخي يهدف إلى استعادة مركزية الإمبراطورية العثمانية، بما يوحي بتأسيس نموذج علاقات غير متكافئة بين المركز التاريخي (المزعوم) وأطرافه السابقة.

ويمكن فهم العثمانية الجديدة بوصفها محاولة لإعادة تموضع تركيا الحديثة سياسيًا وأيديولوجيًا بعد تعثر مشروعها الأوروبي، سعيًا لبناء نفوذ إقليمي يمنحها وزنًا أكبر. فهي تجمع بين توظيف التاريخ والدين المؤدلج لكسب أرض جديدة، ويقوم هذا التوجه على استدعاء انتقائي للماضي العثماني، مع توظيف حركات الإسلام السياسي كوسيط للتبشير بهذا النموذج ونشر النفوذ المرجو.

وتمثل العثمانية الجديدة انتقالًا حادًا من اتباع نهج قومي تقليدي إلى تبني مشروع سياسي توسعي؛ يسعى لإعادة إنتاج النفوذ التركي في المجال الإقليمي، عبر أدوات تجمع بين الخطاب الأيديولوجي والمصالح السياسية، بما يهمل أسس كلّ التعايش السلمي القائم على الاعتراف بالآخر.

ويمكن القول إنّ الجهاز الأيديولوجي لمشاريع الهيمنة الإقليمية عمد إلى تفعيل أدوات انتشاره في المنطقة العربية، باستدعاء نماذج انتقائية من التاريخ العثماني من جهة، والترويج للمظلومية الشيعية من جهة أخرى، وفق نهج يسعى تجاه مد خط القداسة الديني (المسيس)، من لحظة التأسيس إلى الراهن المرتبك.

من جهته، تشكل نمط التصورات السوسيو-مذهبية المرتبط بكربلائيات النموذج الإيراني المبشر بعودة المنتظر، داخل حواضن سياسية بامتياز، ضمن سياقات تعتبر المجال الحيوي العربي امتدادًا استراتيجيًا أو عمقًا حضاريًا ضمن سردية تقوم على استراتيجية أوسع لمفهوم الحديقة الخلفية، وفق مبدأ تصدير الثورة، وتحت غطاء شعبوي من شعارات الممانعة والتحرير.

وتكمن الإشكالية هنا في أنّ مثل هذه التصورات، تميل إلى تحويل الجوار الإقليمي إلى ما يشبه علاقة هرمية تُختزل فيها اعتبارات التنوع والاختلاف واستقلالية الدول، وتحويلها، نظريًا، إلى مناطق نفوذ أو حدائق خلفية يتم فيها اختبار مشاريع التمدد والهيمنة. وهو ما يتعارض مع مبدأ التعايش القائم على الاعتراف، لأنّ الاعتراف يفترض تكافؤًا أصليًا بين المجتمعات لا يسمح بإخضاعها ضمن سردية مركزية واحدة، مهما كانت مرجعياتها التاريخية أو الثقافية.

ومن ثمّ، فإنّ تجاوز هذا النمط الانتهازي من العلاقات يتطلب الانتقال من أوهام استعادة النفوذ الإمبراطوري، والهيمنة على المجال الحيوي، إلى منطق الاعتراف المتبادل باستقلالية الأمم واختلافها، وبالتالي تحويل المجال الحيوي إلى فضاء لتفاعل متكافئ بين الدول المستقلة، بما يعني تحول علاقات الجوار من مجرد الحفاظ على وجود توازن هش، إلى بناء نظام إقليمي قوي ومستقر، يقوم على الاحترام المتبادل والتعدد الثقافي.

ويمكن القول إنّ المشاريع السياسية القائمة على الهيمنة والتوسع، مثل العثمانية الجديدة أو نظرية تصدير الثورة الإسلامية؛ والتي تميل إلى التعامل مع المجال العربي بوصفه امتدادًا تاريخيًا أو مجال نفوذ، لا يمكنها النجاح؛ ذلك أنّ الاختلاف الثقافي بين المحيط العربي من جهة، وكل من تركيا وإيران من جهة أخرى، لا يسمح بمثل هذا التمدد، كما أنّ اعتبارات وأسس الدولة القومية الحديثة، تتنافى بشكل مطلق مع مقولات جماعات الإسلام السياسي الرامية إلى تبرير الإذعان تحت غطاء استعادة الخلافة.

وربما يمكننا التأكيد على أنّ التعايش السلمي الحقيقي، يعني الانتقال من منطق النفوذ وأوهام الإمبراطورية إلى منطق الاعتراف المتبادل، فالسياج الثقافي العربي لا يسمح بفرض أي نماذج جاهزة من الخارج، كما أنّه لا يمكن اختزال العروبة، كمفهوم، في أداء أدوار وظيفية ضمن مشاريع أوسع. ذلك أنّ أي محاولة لفرض رؤية استعمارية تحت غطاء استعادة الخلافة أو الإرث الإمبراطوري، تتناقض مع معطيات العيش المشترك، وترفضها طبيعة المجتمعات العربية في مرحلة ما بعد الإسلام السياسي.

ختام

إنّ استقرار علاقات الجوار لا يتحقق عبر إعادة إنتاج مراكز إمبراطورية بائدة، بل يتحقق، وفقط، عبر بناء نظام إقليمي حر، قائم على الاعتراف والمساواة والاحترام المتبادل.

ولا شك أنّ التدخلات التركية والإيرانية، قوضت احتمالات التعايش السلمي مرارًا، وبددت أكثر من فرصة تاريخية لبناء نظام إقليمي يعمل على تحقيق المصالح المشتركة لشعوب الشرق الأوسط، وهو ما أدّى إلى خلق أجواء من عدم الثقة والتوجس، خاصّة مع الإصرار على استخدام أدوات السيطرة والإلغاء لكل ما هو عربي في التجارب الفاشلة للهيمنة في عدة بلدان.

وإذا كان فرض نموذج واحد على مجتمعات متعددة؛ من أجل صناعة هوية انتقائية لاقى على الدوام مقاومة دائمة، فإنّ محاولات إلغاء الهوية الجماعية بكل ما فيها من ثقافات مختلفة، هو أمر مستحيل، فالحقائق التاريخية لا تُفرض بالسيف، ولا يمكن لأوهام القوة، ما خلقت من مبررات، وسعت إلى استدعاء التاريخ المقدس، أن تصنع واقعًا حقيقيّا يتم فيه الإذعان لإهدار الكرامة وتدمير البيوت فوق رؤوس أصحابها بداعي الممانعة ومقاومة المحتل، ذلك أنّها مقاربة قسرية لا تستقيم على أرض الواقع، وتفندها على الدوام دروس التاريخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

-الحبيب، سهيل (2016). الأزمة الأيديولوجية العربية وفاعليتها في مآزق مسارات الانتقال الديمقراطي ومآلاتها، المركز العربي، الدوحة، ص87.

-Goethe, Johann (1906). The Maxims and Reflections of Goethe, The Macmillan Company, London, p.137.

-Seaton, Alexander (1911). The Theory of Toleration Under the Later Stuarts, Cambridge University Press, p.4.

-Locke, John (1689). A letter concerning toleration. Retrieved March 17, 2026, from:

   https://classicliberal.tripod.com/locke/toleration1.html

-Gaus, Gerald (2003). Contemporary Theories of Liberalism, sage publication, London, p.14.

 

    اقرأ ايضا

    المزيد من المقالات

    مقالك الخاص

    شــارك وأثــر فـي النقــاش

    شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete
    Asset 1

    error Please select a file first cancel
    description |
    delete