تكوين
- الثُّقوب لا تُرقّع
إذا كان الدّين في الكثير من مظاهره هو ذلك الوعاء الوجودي، الذي يقرأ من خلاله الإنسان عالَمه الخاص والعام، أو لنقُل بتعبير أدقّ يتعرف فيه على ما يحيط به من الأشياء، فإنّ ذلك لا يُعفينا من أنّه وعاءٌ أيضا لترسُّخ مجموعة من العادات والتقاليد الإنسانية الضاربة في القِدم، لا من حيث ما تشير إليه من قيمٍ أو مشترَكات ومكتسَبات، ولكن من حيث إنّها الوعاء الوجودي أيضا لترسيخ التّبعية والتقليد وموت الإنسان. وإذا كانت هذه هي الحقيقة التي ننطلِق منها داخل هذا البحث، كونُه يشير إلى الجانب الآخَر المُظلم من التفكير الديني، الذي اعتقَلَ الفكر باسم محدودية العقل، واعتقل الإنسان باسم محدودية الخلْق، واعتقل الوجود باسم محدودية الزّمان والمكان. فإنّنا نطمح أنْ نشير داخل هذه الكلمات، والتعابير والأفكار، بأنّ الوعاء الوجودي للدين قد تمَّ استثمارُه من طرف حُرّاس العقيدة، وأرباب المذاهب، استثماراً مأساوياً يوضِّح حجم الهوة التي نريد أن نضيء على بعضٍ من جوانبها.
غير أنّ طموحنا هذا لا يعني بأنّنا لسنا أمام رحلة محفوفة بالعوائق المعرفية، خاصّة في ثقافة تمجِّد كما قلنا سابقاً قِيم التقليد والتبعية والخضوع. ولكنْ ما هو مؤكَّد بالضرورة في هذا المقام، هو أنّ في كل حضارة، وداخل كل ثقافة هناك ثقوبٌ يصعُب ترقيعها حتى لو انتسبت إلى الدين، أو المُطلَق والمُقدّس. هذه اللحظات الفارقة التي نتحدث عنها داخل كل وعاء حضاري أو ثقافي أو ديني، هي تلك اللحظات التي يتوقّف فيها العقل عن السؤال والتساؤل، أو بتعبير آخر هي اللحظات التي يتحوّل فيها السؤال من فضيلة إلى جريمة لا تغتفر. لكن ما ندرِكه داخل حضارتنا الإسلامية، هو أنّ هذه اللحظة بالتحديد يصعُب تحديدها بالتدقيق، لأنّها لم تكن حدثًا واحدًا، أو فترة زمنية محددة، أو أشخاصا بعيْنِهم. بقدْر ما كانت تراكمًا بطيئًا ومُحكمًا، شيّدته أجيالٌ متعاقبة من الفقهاء والمتكلمين والمتصوفة، ساهموا بوعي أو دونه في ترسيخ ثقافة التلقين والحفظ والهوامش، وإعادة الإنتاج، حتى لم نعُدْ في فترات متباينة من التاريخ نميّز بين الدين والتدين، بين المطلق والنسيي، وبين المقدَّس والمدنّس.
في هذا السياق المحفوف بالإشكالات المعرفية، والمُشبَع بالأسئلة المثيرة، يمكننا أن نتساءل على سرّ هذا التمجيد لكل أشكال الاستلاب الإنساني، ولماذا استغلَّت الأصوليات هذا النمط في التديّن، ومارسَت الإقصاء والتهميش لكل أشكال العقلنة والتحديث والتفكير؟. يمكننا أن نزعُم هنا إجابة نعتبرُها المدخل الأساسي في فهم هذه الظاهرة العابرة للفكر الديني، وهي أنّ في تمجيد الجهل والتقليد والخضوع والتبعية الفكرية تنشأ فكرة القداسة، وفي مظاهر التفكير والتّجديد والعقلنة تضْمحلُّ ظاهرة التقديس، وبالتالي تضيع فرص الهيمنة والسيطرة والنفوذ الرمزي. وهنا يمكننا أن نربط بين هذه الإجابة الأولية وبين أطروحة روجيه كايواه المشهورة، والتي ضمَّنها كتابه “الإنسان والمقدس“.
فما الذي كان يشير إليه كايواه؟
تنبثق أطروحة كايواه[1] من سياقٍ موتورٍ عاشَتْه مختلف الأديان، بما في ذلك أوروبا المسيحية، وما عانتْه الإنسانية في مختلف مراحل تكوينها ونشأتها، من عنف وتعصُّب، وتضحية بالأرواح على مذبح الأيديولوجيا، ذلك الشكل الآخَر من أشكال التّقديس الذي عرفتْه الإنسانية منذ فجر وعيها الأول بدرجات تتفاوت في الشّكل، وتتّفق في المضمون. لم يكن كايواه يكتُب في الدين وحده، بل كان يكتب في شيء أكثر أوليةً وأشدَّ التصاقًا بالطبيعة الإنسانية، أي تلك الحاجة العميقة المتجذِّرة في الوجدان البشري إلى إقامة الحدود، والتمييز بين ما هو عادي وما هو مهيب، بين ما يمكن لمسُه وما ينبغي ألا تمتدّ إليه الأيدي.
هناك خطأ شائع لدى الكثيرين من الباحثين، والدارسين، حين يقارنون دومًا بين المقدَّس وبين الدين المنظّم بطقوسه ومؤسّساته ونصوصه المقدّسة. لذا وجب التنبيه إلى وضْع فواصل منهجية، من أجل التمييز والإدراك، فالمقدَّس ليس هو الدين، بل الدين هو أحدُ الأوعية التاريخية التي احتضن فيها الإنسان تجربته مع المقدَّس. بمعنى أدقّ يمكِننا أنْ نعتبر أنّ التقديس هو ظاهرة أنثروبولوجية سابقة للأديان كلّها، بل هي الظاهرة الأكبر المخترقة للوعي الإنساني منذ لحظة وعيِه الأولى، وستبقى حاضرة حتى لو اندثرت تلك الأديان، لأنّها نابعة من جذور الخِلقة الإنسانية ذاتها، لا من وحي منزّل أو تشريع موروث. ولعلّ هذا التمييز الذي يستند إليه كايواه وغيره من الباحثين قد أرساه من قبل أستاذه إميل دوركهايم، كما طوّره لاحقًا مارسيل موس وميرسيا إليادي، ذلك الإرث الذي يرى في الثنائية بين المقدّس والدنيوي المحورَ المنظِّم لكل حياة دينية. غير أن كايواه يذهب أبعد من دوركهايم حين يرفض اختزال المقدَّس في وظيفته الاجتماعية، أي كونه أداة لتماسك الجماعة وتعزيز التضامن. المقدّس عند كايواه ليس اختراعًا اجتماعيًا مدروسًا، بل هو استجابةٌ وجدانية حقيقية لشيء يشعر به الإنسان فعلًا، أي شيء يفوقه ويُرعبه ويستهويه في الآن ذاته.
إنّنا بإزّاء تصوُّر يرى في قلب فكرة المقدّس ثنائية لا فكاك منها، وهي الإغراء والرعب، الجذب والطرد، الترغيب والترهيب. وإذا شئنا التعبير بطريقة أدق يمكننا أن نقول بأنّ المقدّس في جوهره من هذه الزاوية البحثية هوشيءٌ يقبَل كل الاحتمالات، وينفتح على كل الفرضيات، فباعتباره شيئا مهيبا يُجمّد الخطى ويُسكت النفس، لكنه في الوقت ذاته شيءٌ يسحَبُ الإنسان نحوه سحبًا لا يقاومه. أي ذلك الغموض المهيب المُسحِر، حيث يتحول الله أو القوة المقدسة إلى شيء يُرعب ويَسحر في الآن ذاته.
ما بين كايواه والأصوليات: اتّصال أم انفصال؟
وإذا كان كايواه يؤكد على أن التقديس هو الظاهرة الملازمة لمسيرة الإنسان، والأسلوب المخترق للوعي البشري على مدار تاريخه الطويل، فإنّ ذلك يمنحُنا رؤية أوضح للغاية التي يتشبّت من أجلها الأصوليون باختلاف مشاربهم في تمجيد ظواهر التبعية والتقليد والتلقين، أي أنهم يعتبرون هذه الظواهر هي البيئة الحاضنة لفعل التقديس، وبالتالي ديمومة واستمرار اعتقال الوعي الإنساني بمسميات مطلقة، وعناوين مقدّسة. وحتى نكون منصفين فمسألة التّجهيل التي يعتمدها الفكر الديني لم تبدأ مع الجماعات الأصولية المعاصرة، بقدْر ما هي ظاهرة قديمة قِدم التاريخ، بوصف هذه الجماعات وارثاتٍ أمينات لإرثٍ قديم، أجادَت توظيفه وصبّته في قوالب أيديولوجية حديثة الشكل قديمة الجوهر. بل يمكن أن نجزم بأن القصة في سياقها الإسلامي بدأت بشكل متقدم، وتحديدا منذ اللحظة التي بذأت تظهر فيها تلك العلاقة الملتبسة والمُتوارَثة بين الشيخ والمريد، والتي رُسِّخت في الوجدان الإسلامي عبْر مسالك شتى: الطرق الصوفية، والمدارس الفقهية، والحلقات المسجدية، حتى غدت النموذجَ الحاكم لكل علاقة معرفية في الثقافة الإسلامية على اختلاف سياقاتها.
لعل المثير في هذه العلاقة الملتبسة هي أنّه داخل هذا القالب المعرفي الجاهز يمثل الشّيخ المعرفةَ الجاهزة والمتكاملة، ويمثّل المريد الجانب السلبي من هذه العلاقة، أي أنه هو النموذج الفارغ الذي ينتظر أن يُملَأ. وبالتالي فليس المطلوب من المريد أن يفكّر، أو يتأمل، أو ينتقد، بل فقط أن يلقّن، ويستقبل، ويحفظ. وهكذا تتحول المعرفة من فعْل إنساني حيّ قائم على التساؤل والمراجعة والبناء، إلى موروثٍ مُنجز يكفي نقلُه من جيل إلى آخر دون مساس. ولكي نفهم المشهد من زاوية الامتدادت الخطيرة لهذه الثقافة، وهذا الأسلوب في التلقي، فإننا نقول بأن الخطورة الحقيقية لهذه الثقافة تكمن فيما تنتجه من تداعيات على بنية العقل البشري وتكوينه، حيث يصير العقل داخل هذا النسق خائفا من نفسِه، منغلقا على أسئلته، قانعًا بالإجابات الجاهزة التي تقترحها عليه المذاهب والعقائد والطوائف. عقلٌ تعلّم ألا يثق بأحكامه الذاتية، مستمدا يقينه من خارجه لا من داخله. وهو تمامًا النوع المثالي من العقول الذي يحتاجه كل مشروع سلطوي، سواء أكان دينيًا أو سياسيًا، ما دام لا يسأل ولا ينتقد.
هنا نفهم تحديدًا لماذا تلجأ الأصوليات لصناعة هذا التناقض، ولماذا تُنتج هذا النموذج من العقول المستباحة فكريًا وسياسيا ودينيا؟ الإجابة هي أنّ داخل هذا النسق المغلَق، يستمر وجودها، ويدوم نفوذها الرمزي. فهي لا تخترع شيئًا من العدم، بقدر ما تهيئ الأرضية والبيئة أمام عقول مُعدَّة سلفًا للقبول والامتثال، تدرِّبت منذ الطفولة على تلقّي الحقيقة جاهزةً من فم الشيخ، والمرشد، والمثقف، والفقيه، والأصولي. وبالتالي فليس أمامها سوى أن تُنصِّب نفسها نموذجا يحلّ محلّ الشيخ، فتقدّم أيديولوجيتها بوصفها الحقيقةَ الدينية الكاملة التي لا تقبل نقاشًا، ويصير التلقين سلاحًا سياسيًا بامتياز، وتتحول ثقافة الشيخ والمريد إلى آلةٍ لإنتاج الطاعة على نطاق واسع. هذا المدخل لا يسعى إلى محاكمة التراث برمّته، ولا إلى ردم القنوات المعرفية التي شكّلت الهوية الإسلامية عبر قرون. غير أنه يروم شيئًا أكثر إلحاحًا وأشد صعوبة، هو أن نقرأ هذا التراث بعيون مفتوحة، وأن نميّز بين ما هو جوهر ديني أصيل وما هو تراكمٌ تاريخي مصنوع، وأن نفهم كيف تسلّلت ثقافة الإذعان المعرفي إلى صلب التكوين العقلي الإسلامي، وكيف وجدت فيها الأصولية الحديثة مرتكزها الأعمق والأكثر رسوخًا.
-
كيف تحوّل التلقين من آليةٌ تعليمية إلى سلاحٍ في يد الأصوليات الدينية؟
لنحاول بشكْل مبسّط أن نشرح واقع التلقين الديني خاصة لدى الأصوليات الدينية المختلفة، من خلال الأمثلة التالية: طفل في سنّ السادسة يسأل معلّمه لماذا تشرق الشمس من الشرق؟ فيُجيبه المعلّم: “هكذا خلقها الله ” ويسأل مرّة أخرى: “ولماذا السماء زرقاء؟” فيُجيب المعلّم بنفس النبرة: “هكذا شاء ربّك.” وفي المرّة الثالثة، حين يهمّ الطفل بالسؤال، يتوقّف. لقد تعلّم الدرس الحقيقي: لا تسأل. هكذا من خلال الأمثلة السابقة يتبيّن أننا أمام نظام تعليمي، واستراتيجية ممنهَجة تؤكد بأننا أمام نظام لا مجرّد طريقة، أو آلية عابرة. والدليل على كل ذلك أن الأمثلة السابقة تؤكد أن الأجوبة لا تعلّمك المادّة فقط، بقدر ما تعلّمك الحدود، وترسم لك الأسوار، والأفق الذي يجب أن يتحرك فيه عقلك. وقد يزداد الأمر صعوبة وربما خطورة، حين يصبح المحرك الأساسي لهذه الأجوبة النهائية، هو النظام الديني المطلَق، المتجاوز لحدود الطبيعة البشرية، فحينذاك يصير الأمر أشدّ إحكاماً وأكثر مراوغة، لأنّ الطعن فيه، أو انتقاد أجوبته محكوم بالخروج عن النسق الديني المطلق والمقدّس، وهو ما لا يمكن تجويزه في جميع الأنساق الفكرية والدينية والثقافية المغلقة.
إننا بإزاء واقع للهدر الإنساني تساهم فيه الأصوليات الدينية من خلال التلقين وآليات الانغلاق الجماعي، وهو واقع لا يقاس بالأرواح المُزهقة فقط خلال التاريخ الطويل للإنسانية، ولكن يقاس أيضاً بكلّ سؤال لم يُطرح، وكلّ فكرة لم تُكتمل، وكلّ عقل قضى عمره يستهلك ما أُنتج له بدلاً من أن يُنتج هو. إنّه هدر صامت، يجري تحت السطح في صورة امتثال، وتديُّن، وانتماء. لقد ظلت هذه الأصوليات تعمل جاهدة بشكل أو بآخر على الاستيلاء والهيمنة أوّلاً على لغة الإجابة، حيث يتم احتكار تفسير النصّ، وامتلاك مفاتيح المعنى، وتقرير ما هو مباح وما هو محرّم من الأسئلة. ثم بعد ذلك تستولي على لغة السؤال ذاته، فتحدّد ما الذي يجوز التساؤل عنه، وما لا يجوز، حيث يسمى السؤال جرأة، والنقد فتنة، والتجديد والاجتهاد ضلال.
وبما أننا في سياق ما يجوز وما لا يجوز، فإننا نستحضر مفهوم الخطاب، خاصة لدى ميشال فوكو[2]، وهنا يمكننا أن نربط بين مفهوم الخطاب الفوكوي، وبين ما قلناه عن التلقين، إذ حينما نتحدث عنه، نميل دائماً إلى تصوير المشكلة فيما يُقال، في مضمون الرسالة التي تُحقن في العقل. لكنّ ميشال فوكو يدعونا إلى توسيع العدسة، فالمشكلة ليست فقط فيما يقوله الخطاب، بل في أنّ الخطاب ذاته، يؤدّي وظيفة سلطوية لا مفرّ منها، وهي أنها ترسُم داخل المجتمع خطّاً فاصلاً بين ما يجوز قوله وما لا يجوز، بين ما يمكن التفكير فيه، وما يقع خارج حدود المفكَّر فيه أصلاً. هذا ما أثبته فوكو في كتابه “نظام الخطاب”، فهو يوضح أنّ كلّ مجتمع يُنتج خطابه الخاصّ عبْر جملة من إجراءات الإقصاء والضبط والتحكّم. فهذه الإجراءات ليست قوانين مكتوبة دائماً، بقدْر ما هي ضغوط لا مرئية تعمل بصمت داخل اللغة والمؤسّسات والممارسات اليومية.
من هنا يمكننا أن نستشف بأنّ الأصولية الدينية باعتبارها نموذجا للهدر الإنساني ليست استثناءً شاذّاً، ولكننا نزعم بأنها الشكل الأكثر ممارسةً للخطاب التلقيني ظاهريا أو في الخفاء. لأن الخطاب الديني الأصولي له القدرة الكاملة على الجهر بما تحاول الخطابات الأخرى مداراته أو إخفائه بعناوين مخففة يسهُل اختراق الوعي الإنساني من خلالها. وبالتالي يكون الخطاب الأصولي هو الأكثر جرأةً في الإفصاح عمّا تمارسه جميع السلطات في صمت. ولن نكون مبالغين ونحن نرصد خطورة التلقين باعتباره أداة من أدوات الهدر الإنساني، فهو الآلية الأخطر في رسْم حدود المعرفة المسموح بها. فمثلًا حينما يقول الشيخ أو المرشد أو الأصولي “هذا السؤال لا يُسأل”، فهو لا يختلف جوهرياً عن الخطاب القومي حين يقول “هذا غير وطني”، أو الخطاب التقني حين يقول “هذا غير علمي”، أو الخطاب الاقتصادي حين يقول “هذا غير عملي”. ففي كلّ هذه الحالات، الخطابُ يُمارس وظيفته الأولى، أي أنه يُقرّر للمجتمع والسياق المتداول فيه ما يجوز وما لا يجوز، ويُعيد رسم حدود الإنسان بدلاً من أن يوسّعها. كأن الأصولية الدينية تمارس قتل السؤال في مهده، وتشطِّب على كل احتمال قبل أن يُجرَّب، وتحاصِر العقل عبر توسيع دائرة المنع، فننتج بذلك إنساناً لن يصل إلى ما كان يمكِنه أن يصل إليه، إنسانا فاقدا لصلاحية التفكير، وقابلية التعايش، وروح الاختلاف، وهو ما يمكن أن نسمّيه هدراً صامتاً بلغة الاجتماع البشري. ولن ينفعنا بعد ذلك أن نسمي التلقين تعليماً وتربية وصوناً للهويّة، وهو تعبير عن مفارقة كبرى نعيشها جميعا بمستويات مختلفة. بينما التلقين في جوهره تعطيل للهويّة الحقيقية، التي لا تكتمل إلا بالسؤال والمساءلة والاحتكاك بما يغاير ويخالف.
-
قراءة في مقتطف جمال علي الحلاق: ثنائية الإبداع والتلقين في مواجهة الموت
سبق أنْ أشرنا إلى خطورة التّلقين بوصفه آليةً من آليات الهدر الإنساني، وباعتباره إحدى التجليات والحواضن التي تستغلها الأصوليات الدينية في ثقافتنا من أجل تكريس الشعور بالذنب والخضوع الكامل للشيخ والأصولي والفقيه، ومن سار على منوالهم. ونحن نزعُم بأن الإشارة إلى هذه الخطورة ليس فقط تهويلا مبالَغا فيه، أو اصطفافا حادّا ضد اتجاهات الإسلام السياسي، أو منعاً وحدًّا لحرية الآخرين في اختيار مناهجهم وأساليب تعليمهم. ولكن الإشارة إلى هذا المنزلق تحديدا داخل هذا السياق المشبع بالتحديات يأتي من اعتبارنا أن التّلقين ليس موتاً للعقل فحسب، بل هو وضع الوجود كاملا في صيغة العدم، أو لنقُل بعبارة أدقّ هو الوسيلة الأخطر التي يسلِّم فيها الإنسان عقله للآخرين يتحكّمون فيه، ويحاربون به، ويتسلّطون من خلاله. وربما قد نكون أكثر دقة حين نعبِّر بأنّ التلقين هو استهلاك لذواتنا عن طريق التّرداد والتّكرار. ففي التّلقين، نبدو متشابهين في كلّ شيء إلى الحدّ الذي نبدو فيه كصورٍ تمّ استنساخها على طبعة واحدة، أو حسب تعبير جمال علي الحلاق[3] :
” إنّنا نمشي في حركة معكوسة إلى الوراء. ولأنّنا أعداء الاختلاف، لم نعُد سوى نسخٍ مكرَّرة وبدون حبر، وكأنّها استنساخ أوراق فارغة دون توقُّف “.
وبما أننا قد استحضرنا جمال علي الحلاق في هذا السياق فلا بأس أن نقوم بمقارنة نقتبسها من خلال كتابه ” تأجيل اللذة “، يقوم فيها برصْد مشهد من مشاهد التلقين داخل ثقافتنا ومقارنته بمثيله من الثقافة اليابانية. مشهد تختزله لحظة الاحتضار في الثّقافة اليابانية والإسلامية كما رسم ذلك جمال علي الحلاق[4]
” ففي الثقافة اليابانية عندما يصل شاعر للحظة الاحتضار، يطالبونه بقول جملة شعرية أخيرة، يسمّونها “نصّ الموت”. أمّا في الثّقافة الإسلامية، فالأمر على النّقيض تماما، يحاصَر المحتضر من المحيطين به بترديد “التشهّد”؛ أيْ بترديد ما يعرِفون وليس ما يعرف “.
يضع جمال علي الحلاق في هذا المقتطَف القصير الكثيف، مقارنةً ثقافيةً حادّة بين نموذجين حضاريين مختلفين في تعامُلهما مع اللحظة الأكثر هشاشةً في الوجود الإنساني، وهي لحظة الاحتضار. مشهدٌ لا يكتفي بعرْض الاختلاف، بل يُحمّله دلالات فلسفية عميقة تتّصل بإشكالية الفردية مقابل الجماعة، والإبداع مقابل التلقين، والصوت الداخلي مقابِل الصوت المفروض من الخارج. ففي الثقافة اليابانية، وهي ثقاقة تنهَل بشكل كبير من البوذية الزن والشينتوية وفلسفة الـ “مونو نو أواري” (الحزن الرقيق على زوال الأشياء)، يُعامَل الاحتضار باعتباره فرصة إبداعية أخيرة لا لحظة انهيار. ما يُعرف بـ[5]“Jisei” أو قصيدة الموت هو طلب موجَّه إلى الشاعر المحتضر كي يُنتج شيئاً لم يوجد من قبل، شيئاً لا يعرفه أحد سواه. إنه استدعاء لأعمق ما في الذات في اللحظة التي تكون فيها الذات على وشك الاندثار. وبالتالي فالثقافة اليابانية تتعامل مع الموت بأفق آخر، كما تتعامل مع الإبداع بشكل مختلف حتى في أعقد المراحل الإنسانية وأصعبها. كأن الموت هنا ليس إسكاتاً بل استنطاق أخير. كما أن المحتضر مُنتِج لا مُستهلِك، مُعطٍ لا متلقٍّ، ومجتمعه يقف أمامه مستمعاً لا ملقِّناً.
لكن إذا انتقلنا إلى سياقنا الإسلامي فنحن أمام صورة مختلفة جذريا، حيث يستحضر الحلاق الممارسة الإسلامية الشائعة التي تقوم على تلقين المحتضر عبارة التشهد “لا إله إلا الله”. وهو هنا لا يقرأ هذه الممارسة قراءةً دينية، بل يُفككها من الداخل الاجتماعي: فالمحيطون بالمحتضر يُرددون ما يعرفون هم، لا ما يعرفه هو. كأن الصوت الأعلى في هذا المقام هو صوت الجماعة، ولا وجود للمحتضر إلا باعتباره اختزالا لصدى الآخرين. فالعبارة التي يختار الحلاق ختْمَ المقطع بها ” ليس ما يعرف“ هي عبارة فلسفية بامتياز. فهي تفترض ضمنياً أن للمحتضر معرفةً خاصة به، حصيلة عمر فريد، لكن هذه المعرفة لا تُستدعى، بل تُقمع بالإحلال والاستبدال.
وإذا أردنا أن نفهم مغزى هذا المشهد خاصة من منظور جمال علي الحلاق، يمكننا قراءة ذلك من خلال عنوان كتاب” تأجيل اللذة. ” فالمقارنة التي يصنعُها الحلاق ليست مجرد ملاحظة أنثروبولوجية، بل هي صورة مُصغَّرة لإشكالية الرواية كلها. فالثقافة التي تُؤجّل الذات لصالح الجماعة، وتُسكت الصوت الفردي باسم الانتماء، هي ثقافة تُمارس “تأجيل اللذة” في أعمق صورها، وتأجيل معرفة الذات لذاتها. فالموت في هذا السياق ليس خاتمة، بل اختبار ما إذا كان المجتمع يرى في الفرد مصدراً للمعنى أم مجرد وعاء لمعنى سبق وتقرّر. إننا بإزاء مشهد عميق في الثقافة الإسلامية كما في الثقافة اليابانية، رسم من خلاله الحلاق خريطة ثقافية صادمة في بساطتها، حيث يضع فيها الإبداع في مواجهة التلقين، والصوت الفردي في مواجهة الجوقة الجماعية. وبالتالي فقوة النص لا تكمن في أطروحته فحسب، بل في الجملة الختامية التي تنتهي بها المقارنة كصاعقة “ليس ما يعرف“ ثلاث كلمات تحمل إدانةً ثقيلة لكل ثقافة تُفضّل صوتها على صوت محتضريها.
-
المفارقة الكبرى: علي بن أبي طالب:” سلوني قبل أن تفقدوني ”
يواصل جمال علي الحلاق في إبداعاته النصية ليضعنا أمام مشهدٍ آخَر، يوضح تجذُّر الثقافة الجمعية على حساب الثقافة الفردية داخل مجتمعاتنا. فما يصنعه جمال علي الحلاق هنا بالغ الذكاء، إذ لا يأتي بمثال خارجي ليدعَم فكرته عن الثقافة الإسلامية، بل يستدعي من داخل هذه الثقافة ذاتها صوتاً يصرُخ بعكْس ما آلت إليه. علي بن أبي طالب أحد أعمدة الإسلام الكبرى، ورمز المعرفة والحكمة في الموروث الإسلامي بأسره. يقول الحلاق أن عليًّا بن أبي طالب قال:
“سلوني قبل أن تفقدوني ” لقد أراد أن يقول ما يعرِف لكنّهم لم ينتبهوا لذلك. بل قيل إن أحدهم تمادى فسأله عن عدد شعرات لحيته، وقيمة السؤال من قيمة السائل”.
وإذا أردنا أن نحلل هذه المقولة في سياق المنظور الذي ينطلق منه الحلاق، فإنّنا نجزم بأنها ليست مجرد تعبير عن ثقة بالنفس، بل هي نداء وجودي يحمل بنيةً مطابقة تماماً للنموذج الياباني الذي استشهد به سابقاً، فالشاعر الياباني يُطلب منه أن يقول ما يعرِف، وعلي بن أبي طالب يطلُب من الآخرين أن يسألوه عمّا يعرف. كلاهما يضع المعرفة الفردية في مواجهة الصمت الجماعي، لكن الفارق أن الياباني وجد مَن يسمع، بينما علي بن أبي طالب وجد مَن يسأل عن شعرات لحيته. أما الفعل “سلوني” فليس تبجّحاً كما قد يتوهم البعض، فمن يعرف سياق علي بن أبي طالب ومنزلته يدرك أنه كان يتكلم عن المعرفة بمعناها الكوني الشامل، الفقه والفلسفة والباطن والظاهر. لكن ما يستوقف القارئ المتأمل هو الحرف الأكثر ثقلاً في الجملة :” قبل “، حيث ينطوي هذا الأخير على وعي حادّ بالزوال. كأنّ علي بن أبي طالب يعرف أن ما يحمله سيُدفن معه إن لم يُستخرج الآن. إنها جملة تحمل في قلبها رثاءً مسبقاً للمعرفة التي لن تُقال، للأسئلة التي لن تُطرح، للحوار الذي لن يحدث. وهنا يكمن البُعد التراجيدي الأعمق، فعلي بن أبي طالب في هذا السياق لم يقُلها وهو في حالة حرجة من الاحتضار، أو في لحظاته الأخيرة كالشاعر الياباني، بل قالها وهو في كامل حضوره، وكأنه يستشعر مسبقاً أن المجتمع من حوله لن يسأل حين يحتضر، فقرر أن يستبق الموت بالمطالبة بالاستماع.
لكن المثير داخل هذا المشهد التراجيدي هو الحادثة التي يوردها الحلاق، وهي أن أحدهم سأل علياً عن عدد شعرات لحيته، بدل أن يسأله عن أيّ معرفة أخرى يفيد بها أو يستفيد منها. والأمر هنا ليس مجرّد نكتة تاريخية طريفة، بل هي وثيقة ثقافية كاشفة بامتياز. فالسؤال هو انعكاس للعقل الجمعي الذي لا يسأل عن القضايا، بقدْر ما تهمُّه الأشكال والظواهر، كأن السائل هنا لا يُسقط عليّاً بن أبي طالب، بل يُسقط ذاته، لأن السؤال الذي يطرحه المرء هو أول ما يكشف عن بنيته الذهنية. فمن لا يستطيع أن يتخيل عمق ما يحمله الآخر، لن يطرح إلا أسئلة تتناسب مع سطح تفكيره. والأشد إيلاماً هنا ليس الإساءة، بل اللامبالاة الجاهلة، أي أن السائل لم يكن يقصد الاستهزاء بالضرورة، بل كان ببساطة يسأل أقصى ما تستطيعه مخيلته. وهنا تأتي جملة الحلاق الختامية كمفتاح تأويلي: “وقيمة السؤال من قيمة السائل“ هذه الجملة في بساطتها الظاهرة تنطوي على فلسفة تربوية ومعرفية كاملة. السؤال ليس مجرد أداة للحصول على معلومة، بل هو مرآة الروح. السؤال الكبير لا يصدر إلا عن متلقٍّ كبير، والمعرفة العميقة لا تُستدعى إلا بسؤال على مستواها.
حين نقرأ المقتطفين معاً، نص الموت الياباني ثم مقولة علي بن أبي طالب نرى أن الحلاق يبني حجته على ثلاث طبقات متصاعدة:
- الطبقة الأولى: الثقافة اليابانية تستحضر معرفة المحتضر ← نموذج خارجي مُغري.
- الطبقة الثانية: الثقافة الإسلامية في ممارستها الشعبية تُحاصر المحتضر بما تعرف هي ← نقد للواقع الممارَس.
- الطبقة الثالثة: علي بن أبي طالب نفسُه في قلب هذه الثقافة طالب بعكس ذلك تماماً ولم يُسمع ← والأشد وجعاً أن هذا لم يحدث مع مجهول، بل مع أكثر الأصوات جديرةً بالاستماع في الموروث كله.
هذا التصاعد يجعل النقد لا يأتي من خارج الثقافة، بل يتفجر من داخلها، مما يمنحه قوةً مضاعفة ويُفقد المدافعين عن الواقع القائم حجتهم المعتادة في رفض النقد الخارجي.
لنعُد من حيث بدأنا بمشهديْن رواهما جمال علي الحلاق من خلال كتابه “تأجيل اللذة”، لنؤكد من جديد على الإشكالية المحورية لهذا الاقتباس الماتع، وهي أنّ مقولة علي بن أبي طالب تمثّل أشد صور هذا التأجيل قسوةً، أي تأجيل المعرفة حتى يفوت أوانها، خاصة وأنّ أمتنا تؤجل كل شيء إلى أن يتجاوزنا الزمن، وكأننا نستحضر تلك المقولة الشهيرة للرئيس اليمني السابق، في سياق ما سمي بالربيع العربي ” فاتكم القطار “. فحين يقول علي بن أبي طالب “قبل أن تفقدوني”، فهو يضع المجتمع أمام خيار بين أمرين: إما الاستماع الآن، وإما الخسارة الأبدية. وحين يختار أحدهم السؤال عن شعرات اللحية، فهو لا يُسقط علياً فحسب، بل يُسقط نفسه من إمكانية المعرفة إلى الأبد. وهذا بالضبط ما يعنيه الحلاق بـ”تأجيل اللذة”، فليس التأجيل الطوعي الواعي، بل ذلك التأجيل الأعمى الذي لا يعرف أصحابه أنهم يُؤجّلون، لأنهم لا يعرفون أصلاً ما الذي يفوتُهم. وبالتالي فنحن وِفق السياق الذي يورده لنا الحلاق نكون قد وضعنا أنفسنا على مرآة مزدوجة: مرآة لعلي بن أبي طالب الذي يصرخ طالباً الاستماع، ومرآة للمجتمع الذي يُقابل هذا الصراخ بأسئلة عن اللحى. وبين الصوتين تتشكّل المأساة الثقافية التي يرصدها الكتاب: مجتمع لا يعرف كيف يسأل، لن يعرف أبداً ما الذي فقده حين فقد مَن يعرف.
-
غيلان الدمشقي الصوت الذي أحرقتْه القناعةُ بالنار
قبل الدخول في تحليل النص، لا بد من استحضار صاحب المقولة. غيلان الدمشقي كان مفكراً إسلامياً من القرن الثاني الهجري، اشتُهر بمواقفه الجريئة في مسألة القدر والحرية، وقد دفع ثمن أسئلته قطْع يديه ولسانه ثم صلبه بأمر من هشام بن عبد الملك. فحين يستحضر الحلاق مقولته ” اللهم إني أسألك النجاة من كل محدود “[6]، فهو لا يستحضر فيلسوفاً من برجه العاجي، بل شاهداً دفع جسده ثمناً لرفضه القناعة والتسليم. فالمقولة إذن ليست مجرد موقف فكري، بل هي وصية من رجل عرف أن السؤال يكلّف، وأصرّ عليه حتى النهاية.
وإذا تأملنا هذه العبارة الدعوية المفتوحة “أسألك النجاة من كل محدود” نجدها في بنيتها اللغوية عبارة عن دعاء، لكنها في جوهرها إعلان حرب على اليقين المغلق. فكلمة “محدود” هي المفتاح داخل هذا السياق، أي كل ما له حدود، أو سياجات معرفية، أو خطوط حمراء، سواء كانت عقيدة جامدة، إجابة نهائية، قناعة مستقرة، فكل شيء محدود هو سجن وجب الدعاء للخروج منه. وطلب النجاة منه ليس كفراً بالمعنى، بل إيمان بأن المعنى أكبر من كل صياغة بشرية له. فما يفعله الحلاق من خلال هذه التجربة، وهي بالأساس تعادي الانغلاق وتدعو إلى فتح الأفق على مصراعيه نحو التحرر الذاتي، هو أنه يضعها في تضاد صامت مع كل الأصوات التي رأيناها في النصوص السابقة، أي الجماعة التي تلقّن المحتضر، والمجتمع الذي لم يسأل علياً. لكن غيلان الدمشقي هنا هو الصوت المضاد الجذري، بمعنى الرجل الذي لم يقبل أن يُلقَّن، فكان مصيره أن يُلقَّن الصمت قسراً بقطع لسانه.
يبدو بأن نصوص الحلاق واختياراته تحمِلنا إلى أفقٍ آخر من الإدراك، عبارات قليلة، واقتباسات من التاريخ الطويل للإسلام والمسلمين، تضعُنا أمام المحك التاريخي، وهو أن الانغلاق اختيار جماعي، ويبدو أن الخروج منه خيار جماعي فهل نستطيع ذلك؟ ما نود التأكيد عليه في هذا السياق التحليلي بأن دعاء غيلان الدمشقي هو إعلان حرب عن القناعة والاقتناع بالمحدود، وبالتالي هو فتحٌ لباب السرمدية واللانهائية من الاحتمالات والتأويلات والحقائق. فالمُقتنِع لا يموت جسداً، لكنه يغلق باب كل ما كان يمكن أن يكونه. إنه يختار سقفاً لروحه.
يُضيف الحلاق بُعداً آخر لم يقله كثيرون بهذا الوضوح، القناعة ليست راحة الروح كما يُسوَّق لها عادةً في الخطاب الأخلاقي السائد، بل هي اغتراب عن الذات. فحين تتطابق الأنا مع ذوات الآخرين، حين تصبح ما أراد المجتمع أن تكونه تماماً، فأنت لم تجد نفسك، بل فقدتها في الجموع.
وهنا تتقاطع الفكرة مع النصين السابقين بشكل مدهش:
- الجماعة التي تلقّن المحتضر لا تريده أن يعرف ذاته، بل أن يردد ذاتها.
- من سأل علياً عن شعرات لحيته كان رجلاً ذاب في القناعة حتى لم يعد يرى أمامه إلا ما يُرى بعين المقتنع.
- وغيلان، على النقيض، كان رجلاً رافضا أن يذوب، فصنع المجتمع من جسده عبرةً لكل من يفكر في الرفض.
يستخدم الحلاق هنا صورة إبراهيمية بامتياز، أي تحطيم الأصنام، لكنه ينقلها من الفضاء الديني إلى الفضاء المعرفي. فالأصنام الذهنية التي تراكَمت بفعل القهر الاجتماعي والثقافي هي أشد خطراً من الأصنام الحجرية، لأنها لا تُرى. الصنم الحجري يمكن كسره، أما الصنم الذهني فيسكن داخلك ويُقنعك أنه أنت. وهذا ما يجعل السؤال فعلاً ثورياً لا فكرياً فحسب. السؤال الحقيقي لا يطلب معلومة، بل يزعزع البنية التي تجعل بعض الأسئلة غير مطروحة أصلاً. إنه يكسر الإطار قبل أن يناقش ما بداخله.
حين نقرأ نصوص الحلاق الثلاثة معاً، يتضح أنه يبني منظومة فكرية متكاملة:
النص الياباني يقول: استمع إلى ما يعرف الفرد قبل أن يرحل.
مقولة علي بن أبي طالب تقول: اسألوا من يعرف قبل أن تفقدوه ولم يسألوا.
غيلان الدمشقي يقول: النجاة في رفض كل محدود وقتلوه.
وبالتالي فنحن أمام مسار تصاعدي في مأساويته، من مجتمع لا يسمع، إلى مجتمع لا يسأل، إلى مجتمع يقتل من يسأل. والحلاق لا يكتفي بوصف هذا المسار، بل يضع أمامنا تشخيصه، القناعة هي الآلية التي تجعل هذا كله ممكناً. مجتمع مُقتنع لا يسأل، ومن لا يسأل لا يسمع، ومن لا يسمع يخشى من يسأل ويُسكته. وانطلاقا من هذا الواقع الثقافي الذي تشير إليه النصوص الثلاثة مجتمعة، يمكننا أن نصف هذا التشكيل الثقافي، والرصد المعرفي ب ” بناء أثروبولوجيا السؤال:”أي أن يصير السؤال هو الفاصل بين من يعيش حياته، ومن يعيش حياة الآخرين، بين من يُضيء ذاته ومن يذوب في الجموع، بين غيلان الذي طلب النجاة من كل محدود ودفع حياته ثمناً، وبين من سأل عن شعرات لحية علي بن أبي طالب، وعاش مُطمئناً في قناعاته. والسؤال الذي يتركه الحلاق معلقاً في الهواء دون أن يقوله صراحةً هو:
أيّهما كان أكثر موتاً؟
- قراءة في ثلاثية مصطفى حجازي: التجريم / التحريم / التأثيم آلة إنتاج الخضوع
لفهم الثلاثية في عمقها لا بد من استحضار السياق الذي نشأتْ فيه. مصطفى صفوان، المحلل النفسي المصري الفرانكفوني الكبير والتلميذ المباشر لجاك لاكان، طرح في كتابه “لماذا العرب ليسوا أحراراً؟” سؤالاً جذرياً يتجاوز السياسة إلى أعماق البنية النفسية واللغوية للذات العربية. صفوان لا يسأل: كيف يُقمع العرب؟ بل يسأل: لماذا يقبلون قمعهم؟ وهو سؤال لاكاني بامتياز يتعلق بالعلاقة بين الرغبة والقانون الرمزي والسلطة الأبوية.
حين ترجم مصطفى حجازي هذا الكتاب[7]، لم يكتفِ بنقل النص بل أضاف إليه إضافة مفاهيمية تحمل بصمته وهو صاحب “الإنسان المقهور” و”الإنسان المهدور”، فصاغ الثلاثية كأداة تحليلية تربط السؤال النفسي العميق عند صفوان بالواقع الاجتماعي الملموس. وهي ثلاثية لا تنطلق من سؤال بسيط عن آليات القمع الخارجي، بل من سؤال أعمق وأكثر إيلاماً: لماذا يقبل الإنسان المقهور قهره؟ لماذا يصير الخضوع حاجة داخلية بدل أن يكون شيئا مفروضا من الخارج؟ الإجابة تكمن في فهم كيف تعمل هذه الثلاثية معاً بوصفها منظومة متكاملة لا أدوات منفصلة.
-
التجريم: السلطة التي تراك
يعد التجريم أول عناصر الهدر الإنساني في هذه الثلاثية، أي الطبقة الأولى الأكثر وضوحاً، وهو وظيفة السلطة السياسية بأجهزتها القمعية. لكن حجازي لا يتوقف عند الوصف الظاهر (الأمن والسجن والمراقبة)، بل يذهب إلى الأثر النفسي العميق لهذه الأجهزة. حيث يستهدف المخالف وكذلك المشاهد من بعيد. فالعقوبة العلنية رسالة موجهة لكل من يفكر في الخروج قبل أن يخرج. والأثر الأعمق هو الرقابة الذاتية المستدخَلة، حين يصير الفرد رقيباً على نفسه، لا يحتاج النظام بعْدها إلى حراس في كل مكان، لأن الحارس بات يسكُن داخل كل فرد. وبالتالي فالتجريم إذن يخاطب الخوف، وهو أبسط الطبقات الثلاث لكنه الأساس الذي تقوم عليه الطبقتان الأخريان.
-
التحريم: السلطة التي تسكُن روحك
إذا كان التجريم يعمل من الخارج عبْر الجسد والخوف، فالتحريم يعمل من الداخل عبر الضمير والهوية. وهو وظيفة المؤسسة الدينية في وظيفتها السياسية، لا في جوهرها الروحي، بمعنى تضييق المؤسسة الدينية مساحة المباح حتى يصبح فضاء الحرية ضيقاً بالتعريف. فالفارق الجوهري بين التجريم والتحريم عند حجازي هو الفارق بين الخوف والخجل. من يخالف القانون يخشى العقوبة لكنه قد يظل في سره مقتنعاً بأنه على حق. أما من استدخل التحريم فهو لا يخالف فحسب، بل يشعر بالدنس من مجرد الرغبة في المخالفة قبل أن يرتكبها. كأن التحريم يُلغي الفكرة في مهدها، كما يجعل التفكير في الخروج عنها نفسه ذنباً. وهنا تكمن عبقرية الثلاثية، خاصة أن التحريم يُعيد تشكيل الرغبة ذاتها من خلال توسيع دائرة الحرام والمنع، بدل إطلاق طاقة الإنسان نحو الإبداع والتحرر. وحينها تكون السلطة قد حققت انتصارها الأعمق، أي أن تصير قيمها هي قيم الفرد نفسه.
-
التأثيم: السلطة التي تستنزفك
وقد وصلنا إلى الضلع الثالث في هذه الثلاثية التي اقترحها مصطفى حجازي، ألا وهو التأثيم، وهو الأخطر في المنظومة الثلاثية، لأنه لا يحتاج إلى شرطي ولا إلى فقيه. بقدْر ما يحتاج إلى عقدة الذنب المزروعة في الوعي، والتي تجعل طاقة الإنسان مستنزفة في محاكمة نفسه لا في بناء ذاته. ولعل ما يُميّز تحليل حجازي هنا هو وصفه الدقيق لما يحدُث للطاقة النفسية تحت وطأة التأثيم، فهي لا تُقمع فحسب، بل تصير مهدورة لا نفع فيها، بدلاً من أن تنفتح على العالم وتصنع فيه شيئاً يفيد الذات والإنسانية على حد سواء. كما يختلف التأثيم عن التحريم في نقطة جوهرية، فالتحريم يقول لك لا تفعل، أما التأثيم فيقول لك أنت مذنب لأنك فكرت. وهذا يعني أنه يعمل حتى حين لا تفعل شيئاً، بل حين تكتفي بأن تكون إنساناً تسكنه رغبات ودوافع طبيعية.
إننا بإزاء اقتراح إبداعي في تحليل مصطفى حجازي، انطلاقا من زاوية الكشف عن كيفية اشتغال الثلاثية المقترحة بوصفها منظومة متكاملة للهدر الإنساني، وهي ليست أدوات وآليات متوازية، وإنما طبقات متراكبة يعزز بعضا بعضا في تكامل وانسجام، بما يحقق الغاية الكبرى لكل هدر إنساني، وهي التحكم والسيطرة على المصير الإنساني، فالتجريم يُنتج الخوف، والخوف يجعل الفرد متقبلاً للتحريم كحماية له من عقوبة التجريم. والتحريم يُنتج الخجل، والخجل يُغذي التأثيم. والتأثيم يُنتج استنزاف الطاقة، والطاقة المستنزفة تجعل الفرد أكثر قبولاً للتجريم والتحريم لأنه لم يعد يملك القدرة على المقاومة.
وهكذا تدور الحلقة:
الخوف ← الخجل ← الذنب ← الاستنزاف ← مزيد من الخوف
وفي مركز هذه الحلقة يوجد شعار خطير تتبناه جميع الأصوليات الهادرة للعقل الإنساني، سواء كانت أصوليات سياسية أو دينية. هذا الشعار يمكن اختزاله في العبارة التالية التي تحدث عنها مصطفى حجازي:“اخضع ترضع” الذي يكشف البنية الاقتصادية للمنظومة كلها. فالخضوع هنا يمكن فهمه بأنه يتجاوز مجرد القمع، إلى صفقة يتنازل فيها الفرد عن حريته مقابل الأمان والانتماء والرزق. لكن الثمن الحقيقي لهذه الصفقة هو شيء أعمق من الحرية السياسية، إنه الذات نفسها. الذات المفصولة عن سياقها الإنساني، والمهدورة من جميع الطاقات، خاصة إذا ربطناها بما قلناه سابقا، من أن الغاية القصوى للثلاثية عند حجازي تتجاوز مفهوم الإنسان الخائف، إلى أبعاد أخرى يصير فيها الإنسان لا يعرف أنه خائف. بمعنى أدق إنسان استدخل القيود، واستدمج في لاشعوره مفهوم الطاعة والخضوع، حتى صارت جزءاً من هويته، وتركيبة أساسية في لاشعوره، بحيث يفقد الإحساس بالقيد والمنع والتحريم، لأن كل هذه الآليات اختلطت في عقله إلى الحد الذي لم يعد في المستطاع التمييز بينها. لأن السجن بات داخل العقل، والقيد صار ممتزجا بالكينونة، والخوف هو المحدد الأساسي للمصير الإنساني.
وإذا أردنا اختصار هذه الرحلة يمكننا أن نرى في ثلاثية حجازي ما ينير لنا الطريق لفهم الآليات التي تشتغل بها ثقافتنا، إذ أن ثلاثية حجازي تمثّل واحدة من أدقّ الأدوات التحليلية في الفكر النفسي الاجتماعي العربي لفهم ظاهرة القبول الطوعي بالقهر. إذ أن قوتها لا تكمن في وصف آليات القمع الخارجي كما كتب عنها ووصفها العديد من الباحثين والكتاب، وإنما دقتها وقدرتها على التحليل والكشف تكمن في الإضاء على كيفية تحول هذه الآليات إلى بنية نفسية داخلية يُعيد الفرد إنتاجها بنفسه وينقلها لأبنائه. والأشد مأساويةً في المشهد الذي يرسُمه حجازي أن الضحية والجلاد قد يكونان شخصاً واحداً لا يعرف أنه يلعب الدورين معاً.
- خاتمة:
إذا كان هذا البحث قد انطلق من سؤال واحد يبدو بسيطاً في صياغته ومعقداً في أبعاده: كيف تحوّل التلقين من آلية تعليمية إلى سلاح في يد الأصوليات؟ فإنه قد انتهى إلى اكتشاف أن الإجابة ليست في السلطة الخارجية وحدها، بل في تلك السلطة الأعمق التي تسكن الداخل، وتجعل الإنسان شريكاً في تقييد عقله دون أن يدري. لقد رصد هذا البحث مسارًا فكريًا متكاملاً يتصاعد من الوصف إلى التشخيص، ومن التشخيص إلى الفهم. فإذا كانت البداية مع روجيه كايواه قد كشفت لنا أن التقديس ظاهرة أنثروبولوجية سابقة للأديان، فإن هذا الفهم أضاء لنا السبب الحقيقي الذي يجعل الأصوليات تتمسك بثقافة التلقين والخضوع، ليس حرصاً على الدين في جوهره، بل صوناً لسلطة التقديس التي لا تبقى إلا في حضرة العقل المُطفأ. وإذا كانت الإطلالة على فوكو ومفهوم الخطاب قد منحتنا عدة تحليلية دقيقة، فإنها أثبتت أن التلقين ليس مجرد محتوى يُحقن في العقل، بل هو نظام كامل يرسم حدود المفكَّر فيه قبل أن تبدأ عملية التفكير. وبين هذين القطبين، أي كايواه الذي يفسر البدايات، وفوكو الذي يشرّح الآليات، جاءت نصوص جمال علي الحلاق لتضع أمامنا المشهد الإنساني في صوره الأكثر كثافة وإيلاماً: محتضر يُحاصَر بصوت الجماعة فلا يُسمع صوته، وعلي بن أبي طالب الذي يطلب الاستماع فيُسأل عن شعرات لحيته، وغيلان الذي رفض كل محدود فقطعوا لسانه. هذه المشاهد الثلاثة ليست مجرد استشهادات تاريخية، بل هي مرايا متتالية تعكس مأساة ثقافية واحدة تتكرر عبر الأزمنةـ مجتمع يهاب من يسأل، ويكافئ من يُكرر.
كما جاءت ثلاثية مصطفى حجازي( التجريم والتحريم والتأثيم ) لتُتمّ الصورة التشخيصية بأدق ما يمكن، إذ كشفت لنا أن آليات إنتاج الخضوع ليست خطاً واحداً من القمع، بل منظومة متكاملة تعمل بثلاثة مستويات متراكبة: تخويف الجسد، وخجل الضمير، واستنزاف الطاقة، حتى تدور الحلقة على نفسها وينتج عنها إنسان لا يرى قضبان سجنه لأنها أصبحت جزءاً من بنيته الداخلية. غير أن الأمل في هذا البحث لم يكن غائباً، فكلما رصدنا آلية من آليات التقييد، كان ذلك الرصد نفسه فعل تحرر. كلما سمّينا الصنم الذهني بالاسم، بدأت تتصدع قداسته. وفي هذا يكمن المعنى الأعمق لعنوان البحث، فهو يحمل في داخله إمكانية أن يعرف قيوده، وهذه المعرفة هي البداية الحقيقية لكل تحرر ممكن.
فالخلاصة التي يخرج بها هذا البحث ليست دعوة إلى هدم التراث، ولا خصومة مع الدين في جوهره الإنساني العميق. بل هي دعوة إلى ما طالب به علي بن أبي طالب قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، وما دفع غيلان الدمشقي حياته ثمناً له، وما يرمز إليه الشاعر الياباني في لحظة احتضاره: أن يُعاد للسؤال شرفه، وللعقل حقه في أن يُولد حراً، وللإنسان كرامة أن يعرف ما يعرف قبل أن يُفقَد. وبالتالي فإن أشد ما يتركه هذا البحث في وجدان قارئه هو هذا السؤال المفتوح الذي لا تجيب عنه صفحاته بل تدفع نحوه بإلحاح: كم من غيلان آخَر حمل في صدره معرفة لم تُقَل، وكم من علي انتظر سؤالاً لم يأتِ، وكم من عقل وُلد مقيداً لم يعرف طوال حياته أنه كان يستطيع أن يكون حراً؟
________________________________________
المصادر والمراجع:
[1] – روجيه، كايواه. الإنسان والمقدس. ترجمة سميرة ريشا. المنظمة العربية للترجمة،ط1،2019.
[2] – ميشال، فوكو. نظام الخطاب, ترجمة محمد سبيلا. دون دار نشر، أو طبعة، أو تاريخ إصدار.
[3] – الحلاق، جمال علي. بوح السرد. تمارين في الإصغاء. بغداد، منشورات نابو.ط1، 2018. ص: 69
[4] – الحلاق، جمال علي. تأجيل اللذة. تأملات في الأدب والفن والحياة. مكتبة الفكر الجديد.ط1، 2012. ص: 7
[5] Pierre Reboul. Une poésie du deuil de soi-même : le jisei Dans Jusqu’à la mort accompagner la vie 2022/3 N° 150 , pages 47 à 58
[6] – جمال، علي الحلاق. فن الإصغاء للذات قراءة في قلق المنفتح. منشورات الجمل، عمان/سيدني، 2002/2013.
[7] – صفوان، مصطفى. لماذا العرب ليسوا أحرارا؟. ترجمة مصطفى حجازي. بيروت. دار الساقي. ط1. 2012. ص: 8