تكوين

 

” الإنية والأصالة مع التفتح والعالمية”

مولود قاسم نايت بلقاسم

تقديم:

كثيرا ما يُطرح سؤال مهم حول الفكر العربي الحديث والمعاصر، يتمحور هذا السؤال حول عدم انتشار هذا الفكر وامتداده، وغياب المدارس والأتباع، جل التوجهات والأفكار والمشاريع التي يطرحها المفكرون العرب، تقترن بالمفكر الذي يطرحها، وفي الغالب، تنتهي بوفاته، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ التطورية (النشوئية) مع شبلي شميل، الشخصانية مع الحبابي وحبشي، الوجودية مع عبد الرحمن بدوي، الوضعية المنطقية مع زكي نجيب محمود، الظواهرية مع حسن حنفي..الخ)، هذه الظاهرة تحتاج إلى دراسة مستفيضة لمعرفة أسبابها، خصوصا وأنها ليست وليدة الفترة المعاصرة، فقد عرفها الفكر الإسلامي منذ بداياته، وهي ظاهرة تشمل التوجهات الفلسفية مثلما تنطبق على التفكير العلمي، فأين هي مدرسة ابن سينا الطبية مثلا؟ أو مدرسة الخوارزمي في الرياضيات؟ أو أتباع ابن الشاطر في علم الفلك؟[1].

وجود هذه الظاهرة، لا ينفي بعض الاستثناءات المهمة، فالتوجه الماركسي مثلا، انتشر بقوة وفي مختلف البلدان العربية خصوصا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وكثر المنظرون له في الفكر العربي مشرقا ومغربا، ضمن هذه الاستثناءات يمكن الحديث عن التأثير الكبير الذي مارسه المفكر المصري الكبير عثمان أمين وفلسفته التي سماها “الجوانية”[2]، على تلميذه المفكر والسياسي الجزائري مولود قاسم نايت بلقاسم الذي تبنى فلسفة سماها “الإنية”، فما المقصود بهذا المفهوم؟ ما هي مقوماته؟ ثم ما علاقته بالجوانية كمفهوم وكتوجه فلسفي؟

أولا: مولود قاسم: الفيلسوف والسياسي:

         ولد مولود قاسم نايت بلقاسم عام 1927 بإحدى قرى منطقة بجاية بالجزائر، حفظ القرآن الكريم في مسجد قريته، ودرس المراحل التعليمية الأولى في بلدته، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة بتونس عام 1946، هناك انخرط في العمل السياسي ضمن حزب الشعب، لينتقل من تونس إلى فرنسا في النصف الثاني من عام 1949، ثم إلى مصر في فيفري 1950، والتحق بجامعة القاهرة في العام نفسه لتحضير ليسانس فلسفة، أين درس على يد كبار الأساتذة كــ: زكي نجيب محمود وعبد الواحد وافي، ولكن الأستاذ الذي أثر فيه كثيرا وفي فكره فيما بعد هو عثمان أمين؛ فيلسوف الجوانية.

حصل مولود قاسم على ليسانس فلسفة عام 1954 بتقدير ممتاز، وكان الأول على دفعته، انتقل مرة أخرى إلى فرنسا لتحضير شهادة الدكتوراه بجامعة السوربون وكان موضوعها “الحرية عند المعتزلة”، وبعد أن أنجز جزء منها اضطر لمغادرة باريس بأمر من جبهة التحرير الوطني، إلى “براغ” ثم إلى “بون”، وفي ألمانيا سجل مرة أخرى بالجامعة لتحضير الدكتوراه عام 1957، وكان موضوعها “مبدأ الحرية عند كانط”، لكنه تخلى عنها مرة أخرى تحت ضغط مسؤولياته السياسية، حيث كان ينتقل بين ألمانيا والنمسا والدول الاسكندنافية للتعريف بالقضية الجزائرية، وهو ما جعله يتقن أكثر من سبع لغات أوروبية، فكان كما يقول أصدقاؤه لا يحتاج لمترجم في كل الدول الأوروبية.

إقرأ أيضًا: المعتزلة والعقل النقدي

وزير الشؤون الدينية الجزائري

عاد إلى الجزائر المستقلة في نوفمبر 1962، وشغل العديد من المناصب الإدارية والدبلوماسية في وزارة الشؤون الخارجية حتى 1966 ثم مستشار دبلوماسيا لدى رئاسة الجمهورية حتى 1970، أين عين وزيرا للتعليم الأصلي والشؤون الدينية حتى 1977، ثم وزيرا لدى الرئاسة مكلفا بالشؤون الدينية حتى 1979، فمستشارا لدى الرئاسة حتى 1983، بالإضافة لعضويته في العديد من المجامع اللغوية في الجزائر وسوريا ومصر والأردن، أحيل على التقاعد عام 1990، ووافته المنية في السابع والعشرين من شهر أوت العام 1992.

يتسم خطاب مولود قاسم نايت بلقاسم بجملة سمات تجعله جديرا بالدراسة والبحث، فهو خطاب قوي اللغة، حماسي النبرة، نقدي وجرئ في كثير من الموضوعات، والأهم من ذلك أنه خطاب فلسفي من خارج المؤسسة الأكاديمية، فهو لم يمارس التدريس في الجامعات والمدارس، لذلك، كان خطابه مختلفا عن خطابات المشتغلين بالفلسفة من داخل المؤسسة الأكاديمية، وتاريخ الفلسفة يحدثنا عن الكثير من الأسماء الكبيرة التي تركت بصمتها وأثرت أيما تأثير في هذا التاريخ دون أن تنتمي إلى المؤسسة الأكاديمية، يقول عبد الرحمن بوقاف حول هذه المسألة متحدثا عن عصر التنوير في أوروبا والقرن الذي سبقه:

“فالمصابيح التي زينت سماء التنوير لم تمتهن في أغلبها مهنة التدريس في الجامعات والمدارس، ينطبق هذا على فلاسفة مثل: هيوم، فولتير، روسو، ديدرو وغيرهم، وليست هذه خاصية تتميز بها فعاليات هذا العصر، ففلاسفة القرن السابع عشر (هوبز، ديكارت، لوك، اسبينوزا، لايبنتز..) لم يمارسوا هم أيضا التدريس”[3].

المؤسسة الأكاديمية-يضيف بوقاف- لم تكن دوما شرطا ضروريا وكافيا لإنتاج الخطاب الفلسفي، بل قد تعمل عكس ذلك، بمعنى قد تكون عاملا معرقلا للإبداع الفلسفي، من منطلق التمفصل الكبير الموجود بين المعرفة والسلطة، أين تكون المؤسسة الأكاديمي بصورة أو بأخرى أداة لتمرير خطاب السلطة خاصة وأننا لا نملك بعد مؤسسات أكاديمية خاصة، لذلك فالخطاب المنتج من خارج المؤسسة في الغالب يكون خطاب معارضة، أو ظلا للخطاب الرسمي بطرقه للموضوعات التي يغفل أو يتغافل عنها الخطاب الرسمي أو يقمعها، وفي الغالب يكون ظل الخطاب أكثر جرأة وأكثر ملامسة للإشكاليات الحقيقية.

مولود قاسم رجل اجتمع فيه القول والفعل، فـــقد “كان أصيلا في مذهبه، وسطيا في طروحاته متفانيا في إنجاز المهام وخدمة القضايا المصيرية، ومعاصرا في أفكاره، وقبل هذه الأمور جميعها، كان ثائرا على السكون والرتابة وعلى الأمراض والعلل والمصائب والنوائب التي ترزح تحتها الأمة الإسلامية”[4]. وبالنظر لمسار حياته، تكوينه العملي ونضاله وأسفاره المتعددة ومسؤولياته السياسية كرجل دولة طيلة عقود، فقد جاءت كتاباته ذات طابع موسوعي شامل؛ يتداخل فيها السياسي والتاريخي والفلسفي واللغوي والديني.

أما من ناحية المرجعية الفكرية لمولود قاسم، فالملاحظ عليها أنها مرجعية ثرية ومنفتحة؛ تحضر فيها المرجعية الفكرية الغربية خاصة الفلسفة المثالية الألمانية بأقطابها الكبار على غرار: كانط، وهيجل، وخصوصا غوتلوب فيخته الذي يستشهد مشيدا بآرائه في موضوعات متعددة كاللغة والأمة والتاريخ والوطنية، وكثيرا ما كرر مقاطع من كتابه نداءات(خطابات) إلى الأمة الألمانية[5]، كما تحضر لديه أسماء الكثير من المستشرقين لاسيما المنصفون للحضارة العربية الإسلامية زمن ازدهارها، نذكر منهم المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه، مثلما تحضر المرجعية العربية الإسلامية من خلال الاستشهاد بآراء ابن سينا، مسكويه، ابن رشد، وابن خلدون، وغيرهم من أقطاب الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية، وتحضر أيضا أفكار الفلاسفة العرب المحدثين وعلى رأسهم أستاذه الكبير فيلسوف الجوانية عثمان أمين، الذي يعتبر مرجعا أساسيا في بلورة مولود قاسم لمفهوم الإنية.

ما هو مفهوم الإنية؟

ثانيا: في مفهوم الإنية:

يعد موضوع الهوية من أكثر المواضيع تداولا في الساحة الثقافية العربية، إذ عقدت حوله عشرات الندوات والمؤتمرات وصنفت فيه الكتب والمقالات التي تناولته من مختلف الزوايا السياسية والعلمية والدينية وغيرها، وهذا ما يعفينا –على الأقل في هذا العمل- من التفصيل في الجوانب المتعلقة به تفصيلا دقيقا، خاصة وأننا ناقشناه في عمل سابق[6]، كما فإن مولود قاسم نايت بلقاسم انفرد -خلافا لكل الباحثين- باستعمال مصطلح آخر بدل مصطلح “الهوية”، ونقصد به مصطلح “الإنية”، وقد عنون أحد كتبه (إنية وأصالة)، يقول عن مبررات هذا الاختيار:

“نفضل كلمة الإنية على كلمة الهوية التي هي ترجمة حرفية لكلمة Identité ومعناها نفس الكيان، نفس الموجود، نفسه، عينه، هو هو، ومن هنا نفضل على كلمة الهوية كلمة الإنية، من: إني، المؤكدة للذات، المثبتة للشخصية، والمأخوذة من الإشارات والتنبيهات لذلك القمقام الكبير، الفيلسوف الطبيب، الشيخ الرئيس، الحسين أبي علي بن سينا”[7].

والمقصود بالإنية “ذلك الوعي الحاد بالذاتية والشخصية، وهي تلك الإنية التي يتكلم عنها ابن سينا والتي تتلخص في أنه كان قد تصور نفسه معلقا بين السماء والأرض، وأن جسمه قد انتزع منه وفي حكم العدم، ولم يبق له في تلك اللحظة، وهو بين عالمين، إلا ذلك الوعي الحاد بوجوده، وشعوره بذاته المتميزة، القائمة بذاتها، المستقلة عن غيرها، وهذا التصور لابن سينا هو الذي كان الأصل في ذلك الكوجيتو الديكارتي المعروف”[8]، هذا التعريف يوضح بصورة جلية المقصود بالإنية، والذي يمكن التعبير عنه بأنها “ما يبقى حين يزول كل شيء مادي“، بمعنى أنها الشعور العميق جدا بالوجود وبالتميز، فهي بمثابة الجوهر الذي لا يزول بزوال الأعراض بلغة المناطقة.

بالعودة إلى كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا نجده يذكر مصطلح الإنية في القسم الثاني، ضمن الفصل المخصص للحديث عن النفس الأرضية والسماوية إذ يقول:

“ارجع إلى نفسك وتأمل هل إذا كنت صحيحا، بل وعلى بعض أحوالك غيرها، بحيث تفطن للشيء فطنة صحيحة، هل تغفل عن وجود ذاتك، ولا تثبت نفسك؟ ما عندي أن هذا يكون للمستبصر. حتى أن النائم في نومه، والسكران في سكره، لا يعزب ذاته عن ذاته، وإن لم يثبت تمثله لذاته في ذكره. ولو توهمت أن ذاتك خلقت، أول خلقها، صحيحة العقل والهيأة، وفرض أنها على جملة من الوضع والهيأة، لا تبصر أجزاءها، ولا تتلامس أعضاؤها، بل هي منفرجة ومعلقة لحظة ما، في هواء طلق، وجدتها قد غفلت عن كل شيء إلا عن ثبوت إنيتها“[9]

والمعنى من النص أن الإنسان السوي الصحيح يمكنه أن يغفل عن كل شيء بما في ذلك أعضاؤه الظاهرة والباطنة وحواسه والأشياء الخارجة عنه، إلا شيئا واحدا، وهو ثبوت ذاته وإنيته فلا يمكن أن يغفل عنها، ذلك أن أولى الإدراكات وأوضحها هو إدراك الإنسان لذاته.

يشير التعريف السابق إلى أن المفهوم قد وضعه ابن سينا للدلالة على الوجود العميق للذاتية النقية غير المرتبطة بأي شيء ومن ثم فهي تؤول إلى مفهوم النفس، ذلك ما يؤكده ابن سينا نفسه حين يضيف: “فأصل القوى المحركة والمدركة والحافظة للمزاج شيء آخر لك أن تسميه بالنفس، وهذا هو الجوهر الذي يتصرف في أجزاء بدنك ثم في بدنك، فهذا الجوهر فيك واحد، بل هو أنت عند التحقيق”[10]، من ثم فإننا نصل إلى فكرة أولى وهي أن مولود قاسم يستعير هذا المفهوم السيناوي (نسبة لابن سينا) لتوظيفه في معنى أكثر شمولا مما قصده ابن سينا، فبدل الحديث عن الإنية بمعنى الذات الفردية أو النفس الخاصة بفرد معين، يقوم مولود بزحزحة معنى هذا المصطلح ليشير إلى ذات المجتمع والأمة والعناصر الأساسية لشخصيتها التي تقوم عليها وتتميز بها عن غيرها من الأمم.

ثالثا: بين الجوانية والإنية:

إذا كان لفظ الإنية مأخوذ من مدونة ابن سينا، فإن معناها يتقارب مع مفهوم الجوانية الذي نظر له عثمان أمين، الذي تربطه بمولود قاسم علاقة ودية طويلة لم تقف عند مسألة التتلمذ على يديه، فقد رثاه بمقال نشر بعيد وفاته، كان عنوانه:” مات عثمان أمين فيلسوف الجوانية ومفند “الخواجات”، مثلما سبق لعثمان أمين أن أهدى نسخة من كتابه “الجوانية” إلى مولود قاسم بإهداء كتب فيه: “إلى فيلسوف الإنية والأصالة“[11]، وهذا يدل على العلاقة الشخصية الوطيدة بين الرجلين وكذا التقارب الفكري بين توجهيهما.

يذكر في هذا المقال أنه مدين لأستاذه بالتفكير في مفهوم الإنية، مؤكدا التقارب الكبير بين مفهوم الجوانية ومفهوم الإنية، يقول:

“تعددت مؤلفات الفقيد، كتعبير عن اهتماماته المتنوعة، الدائرة كلها حول محور واحد: هذه الجوانية التي يمكن أن تلخص في الإنية، أو المطابقة التامة لجذور الأنا، والمحافظة على جميع عناصر الذاتية، والمتمسكة بسائر مكونات الشخصية، مع الاستفادة، بعد ذلك، وبعد ذلك فقط، مما يتلاءم مع تلك الإنية لدى الغير، ومع التعبير عن ذلك كله من عميق النفس ومن وحي الذات الواعية، الجوانية..”[12]

بمعنى تلك النزعة التوفيقية بين الأصالة والمعاصرة التي كثيرا ما عبر عنها مولود قاسم بعبارة جامعة: “أن يكون الإنسان ابن عصره، مع البقاء على أديم مصره، دون أن يصبح نسخة غيره”، أو عبارة “الأصالة والمعاصرة مع التفتح والعالمية“.

الجوانية

لنبحث الآن عن المقصود بالجوانية لدى صاحبها، محاولة منا لمعرفة مكامن التشابه والافتراق بينها وبين مفهوم الإنية لمولود قاسم، يقول عثمان أمين: “الجوانية اسم أطلقته منذ سنين على فلسفة اهتديت إليها بعد إطالة النظر في أمور النفس، ومتابعة التأمل في بطون الكتب، مع مداومة التعرض لتجربة الوقائع والمعاناة بشؤون الناس”[13]، الجوانية لدى مؤسسها هي عقيدة وثورة، بمعنى أنها نظر وعمل، إيمان بأفكار معينة وسعي لتطبيقها في الواقع، يقول عثمان أمين شارحا ومفصلا في تمظهري الجوانية قائلا: “فعقيدة الجوانية إذن عقيدة مفتوحة تأبي الركون إلى مذهب أو الوقوف عند واقع، وتتجه إلى المعنى والقصد من وراء اللفظ والوضع، وتنحو إلى الفهم والتعاطف لا إلى الحفظ والتقرير وتدعو إلى العمل البناء، مؤسسا على النظر الواعي، وتلتفت إلى الإنسان في جوهره وروحه لا في مظهره وأعراضه“[14]، ومعلوم أن عثمان أمين درس في أوروبا وتأثر بالكثير من فلاسفتها خاصة كانط، ديكارت، وبرغسون، هوسرل..الخ، وألف كتبا عديدة حولهم، كما ترجم بعض أعمالهم، وهو يشيد بهذه الأعمال ويعلن صراحة تأثره بها في مقاطع كثيرة من كتاب الجوانية، يظهر ذلك جليا في فلسفته الجوانية ونجد ملامحه في تعريفه السابق بيسر، كما أنه متأثر بالكثير من الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد، ومن ثم ففلسفته الجوانية تبدو منفتحة على مختلف الأطياف الفلسفية شرقا وغربا قديما وحديثا، وهناك تقاربا كبيرا لدرجة التطابق بين مرجعية عثمان أمين ومرجعية تلميذه مولود قاسم.

إقرأ أيضًا: الجوانيةُ ونقدُ التدينِ البراني

يضيف عثمان أمين مواصلا تعريفه للجوانية مبرزا جانبها العملي قائلا:

“وفلسفتها فلسفة ثورة؛ لأنها نابعة من أعماق هذه الأمة الثائرة، ولأنها محاولة أيديولوجية لتحقيق أمرين لا بد منهما في مرحلة تطورها التاريخي: الأول: عودة إلى ماضينا ومراجعة له، والثاني اتجاه إلى مستقبلنا وإعداد له”[15]

وهنا يظهر التقاطع بين الإنية والجوانية لدرجة التطابق، فكلاهما تشتغل على قطبي الماضي والمستقبل، التراث والحداثة، الأسس والمآلات، ومن ثم، فكل من الجوانية والإنية محاولة لإيجاد صيغة توفيقية فعالة بين الأصالة والمعاصرة، وقد صرح مولود قاسم في أحد مقالاته وهو يرد على الجدل الكبير بين أنصار الأصالة وأنصار المعاصرة قائلا: “لسنا مع هؤلاء، ولا مع أولئك، فنحن مع الحل الوسط، والحل الوسط هو الحل الصالح لأي شعب من الشعوب ويتمثل في نظرنا، كما وضحناه بمناسبات عدة، في فتح المنافذ، والنوافذ، بل والأبواب عند اللزوم، مع المحافظة على السقوف والرفوف“.[16] وهو ما عبر عنه بصيغ مختلفة توحي بها عناوين الكثير من مقالاته التي نكتفي بذكرها دون التفصيل في محتواها: كالأصالة والمعاصرة مع التفتح والعالمية، بقدر أصالتنا يكون إسهامنا في الفكر الإنساني، لا قيام بدون قيم، الأصالة ليست التقوقع ولا التفرقع…الخ.

وإذا كان المستقبل مشتركا ويتعلق بالأمة الإسلامية التي تنتمي إليها مصر كما الجزائر، ولا تختلف حوله نظرة مولود قاسم عن نظرة عثمان أمين، فإن الماضي لاسيما القديم منه يمثل نقطة الاختلاف بينهما، ففي الوقت الذي يرجع عثمان أمين إلى مصر الفرعونية باحثا ومنقبا عن القيم السامية والآثار البارزة لها والتي هي جديرة بالبعث والإشادة، يتوجه مولود قاسم نحو تاريخ الجزائر القديم بنفس الهدف، قصد التعريف بالأمجاد والأبطال والقيم الجديرة بالافتخار والإحياء والتعريف بها لدى الشباب بصورة خاصة لأنه يمثل المستقبل وبحاجة ماسة لأسس متينة لبناء هذا المستقبل على أحسن وجه.

أما عن أهمية توظيف مفهوم الإنية من قبل مولود قاسم بدلا عن مفهوم الهوية، كما أشرنا في البداية، فهو يظهر في كون كلمة الإنية توحي بنوع من الحضور-هنا، بما يؤكد الإعلان الشخصي بالوجود والتميز ( أنا-هنا-الآن-كذا) أكثر من كلمة الهوية، التي، وإن أشارت إلى التميز عن الغير إلا أن هذا التميز يعتريه نوع من الغياب (هو-كذا)، وفرق كبير بين الصيغتين، فتحديد الإنية يتم من قبل الأنا المتكلم والمعني بالأمر دون غيره، في حين تحديد الهوية يمكن أن يكون من قبل الآخر، ومن يتحدث عن نفسه واع بتميزه عن غيره، ليس كمن يصف غيره، مهما التزم الموضوعية والدقة.

ثالثا: في مقومات الإنية:

يتفق مولود قاسم مع أغلب المفكرين، ومنهم صاحب الجوانية “عثمان أمين”، حول المقومات العامة للشخصية القومية أو الأمة في كونها تشمل عناصر أساسية؛ كالثقافة المشتركة، اللغة، الدين، التاريخ، التراث، المستقبل أو المصير المشترك، غير أنهم يختلفون في ترتيب هذه العناصر حسب الأهمية التي يوليها كل مفكر لهذه العناصر، واختلافهم هذا نابع بالدرجة الأولى عن توجهاتهم الفكرية والايديولوجية من جهة، وكذا خصوصيات كل مجتمع وكل أمة من جهة ثانية، وترتيب هذه العناصر بالنسبة وترتيب هذه العناصر عند مفكرنا يكون كما يأتي:

  • 1/  التاريخ:

التاريخ في أبسط تعريفاته خبر عن الماضي الإنساني كما قال ابن خلدون، ولكنه أيضا نظر وتحقيق في هذا الخبر، فهو حدث وقع في الماضي وحديث حوله وصفا وتعليلا، وبين الحدث والحديث مساحة واسعة من التدخل الإنساني وصراع القوى والإرادات التي تبتعد بالحديث قليلا أو كثيرا عن وصف الحدث كما حصل بالفعل، لذلك يتعذر أن يصل التاريخ إلى مرتبة العلمية مثلما بلغتها العلوم الدقيقة، يقول مولود قاسم: “التاريخ ليس مثل تشريح ضفدعة، فليس هناك تاريخ موضوعي مجرد بمعنى العلوم الطبيعية، التاريخ مرآة الماضي ومنهاج لاستخلاص العبر، ولكن أيضا، وبالدرجة الأولى: وسيلة لغرس حب الوطن لدى الشباب(..) وتعميق الوعي بتلك الوحدة، وإذكاء الإحساس بذلك التماسك مما يعطي(الأمة-الوطن)في الداخل تصورا واحدا للحياة، ويجندها ويبرزها للخارج كرجل واحد”[17]، وفي إجابته لسؤال حول العلمية في التاريخ، أجاب مذكرا بالخطوات الكبيرة التي قطعها المؤرخون منذ ابن خلدون نحو الدقة والموضوعية وبالتالي نحو العلمية، إلا أنه أضاف قائلا: “..ولكن، رغم كل هذا المنهج العلمي، فالتاريخ لا يمكن أن يدرس بتجرد مثلما يدرس علم الحياة-البيولوجا-فالتاريخ هو الإيديولوجية، مرتبط بالأخلاق، بالدين، بالمعتقدات، بكل هذه الكوامن النفسية، وبحياة الأمة فهو الإيديولوجية الأولى، ويؤثر فينا إلى أبعد الحدود”[18]، وهنا بالضبط تكمن أهميته بالنسبة للأفراد والشعوب على، وما اعتناء كل الأمم بتاريخها وبمن صنعوه من رجالها في منظومات التعليم وفي وسائل الإعلام وحتى في سياساتها وتعاملاتها إلا دليل على الأهمية الكبيرة والمتجددة للتاريخ باعتباره عقل الأمم وذاكرتها وأساس وجودها واستمرارها.

إقرأ أيضًا: ابن خلدون: من الولادة البيولوجية لابن خلدون إلى الموت الأنطولوجي للحضارة العربية

يحتل هذا عامل التاريخ مساحة مهمة في بنية مفهوم الإنية لدى مولود قاسم، فهو في نظره روح الأمة وعصب حياتها، وهو كالعقل للأفراد، ليس مجرد وقائع مضت وانتهى دورها، إنما هو الأعمدة التي نستند عليها والركائز التي نتشبث بها، وهو شهادة ميلادنا وبطاقة إنيتنا ودليل وجودنا المحدد لمكانتنا بين الأمم، يقول: “فهو-التاريخ-الأهم في كل ثقافة، والبداية والنهاية، وبيت القصيد، والزبدة من الكل، ليس فقط لاستخلاص الدروس، ولا فحسب للتعريف بأجدادنا، ولكن أيضا لغرس الاعتداد بالنفس في الشباب، وتعميق الوعي بالذات، وتقوية الاعتزاز بالوطن، والتشرف بالإنية الوطنية أو بطاقة التعريف لأمة كاملة مجيدة، هي عنوان المجد، ألا وهي الأمة الجزائرية العتيدة”[19]، ويضيف في موضع آخر قائلا: “فيكون –التاريخ-كالإسمنت الروحي، لتقوية وحدة الأمة، والدفع بها إلى الأمام، في ظروف السلم والحرب، جسما واحدا، بروحه كاملة، غير منقوصة ولا مهزوزة“[20].

يثير مولود قاسم في هذا السياق مسألة غاية في الأهمية وهي علاقتنا غير الحميمية وغير الطبيعية مع الكتابة والتدوين، فمنذ القدم سادت الثقافة الشفوية لدينا وساد العزوف عن الكتابة إلا فيما ندر، وبالرغم من كون تاريخنا حافل بالبطولات والأمجاد على مر العصور إلا أننا بقينا عالة على غيرنا-وهم أعداؤنا في الغالب- في معرفة هذه البطولات، وأية معرفة تلك التي نستقيها من أعدائنا؟ وأية حقيقة ننتظر أن يمنوا علينا بها؟ فتاريخنا القديم لا نعرف عنه إلا ما كتبه الرومان الغزاة، وتاريخنا الحديث نبقى بحاجة لمعرفته إلى ما كتبه الفرنسيون الطغاة، وحتى ثورتنا المجيدة نكاد نتعرف على كثير من تفاصيلها عبر المدرسة التاريخية الفرنسية أو عبر أباعها، فأي موضوعية وأية حقيقة ننتظرها من غاز وطاغية، عملا المستحيل من أجل طمس معالم وجود أمة اسمها الجزائر من خلال تزويد فضيع لتاريخها التليد واحتقار وتدنيس لرموزها الشرفاء؟

  • 2/ الدين:

تشبع مولود قاسم منذ صغره بقيم الدين الإسلامي، فهو خريج مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وخريج جامع الزيتونة، ووزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية لما يقارب عشر سنوات، وكثيرا ما كان يستشهد بنصوص العلامة عبد الحميد بن باديس(1889-1940) ويجله أيما إجلال، مثلما يكن كل الاحترام للشيخ أحمد حماني(1915-1998)، وهو يعتبر الدين عماد الإنية وأساسها القوي الذي يضمن بقاءها واستمرارها، وفق رؤية للدين شبيهة برؤية عثمان أمين الذي ميز بين التدين البراني والتدين الجواني، كذلك، ظل مولود قاسم يدافع عن الدين الإسلامي وفق منحى الوسطية والعقلانية والعمل والانفتاح على العصر، فهو يرى: “أن الإسلام دين النظر، والروية، والفكر، وأن الآيات التي تدعو إلى استعمال العقل تتجاوز الخمسين، والتي تدعو إلى السير في الأرض للنظر وإلى التذكر والتفكر لا تعد ولا تحصى”[21]،  ويدافع عن “الإسلام الحي كدين ودولة، وكنظام اجتماعي من أرقى الأنظمة وأكثرها قابلية للتطور السليم على أساس الجوهر الدائم”[22].

وكان يتحسر على حال المسلمين وما بلغوه من تفكك وتشرذم وانحلال واختلال يسير بهم إلى الاضمحلال والزوال، يقول: “ماذا تريدون بالضبط يا… مسلمون؟ التقدم أم التهدم؟ التربية أم التغبية؟ التعريب أم التغريب؟ الإسلام أم الاستسلام؟ الأصالية أم الانفصالية؟ هذا في العالم الإسلامي عموما، الذي تجرع كله سموما، وقد صارت كلها في جوفه هموما، وذلك في أغلبه المغلوب لا الغالب، إذ لنفسه الماسخ السالب، وإلى دياره كل الشرور الجالب، وفي أكثره المسحوق لا الساحق، إذ لمقوماته المحطم الماحق، ولركب الأمم غير المدرك اللاحق، ولسنا في ذلك أقل من أحد، إذ كل منا للنعمة جحد، وقبره بنفسه وحده لحد”[23]، وفي الكثير من المقالات والتدخلات والحوارات كان مولود قاسم يدق ناقوس الخطر حول الوضع الذي آلت إليه الأمة الإسلامية، مركزا على القيم الأخلاقية الإسلامية التي كان يراها تنهار يوما بعد يوم، فكان يسعى بكل ما أوتي من علم وسلطة إلى اقتراح الحلول والبرامج التي يراها مناسبة لتدارك ما فات وتجاوز المشكلات استشرافا لما هو آت، فكان يكافح على جبهتين؛ جبهة أعداء الدين في الخارج وأتباعهم في الداخل، وجبهة المنتمين للدين الإسلامي والمتشبثين بالشكليات والمتقاعسين عن فهم جوهر الدين، خاصة ما تعلق منه بالعلم والعمل والجد مذكرا على سبيل العبرة بعنوان أحد مؤلفات السيوطي وهو “الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض”، فكان يدعو إلى ضرورة التمييز في هذه المقوم الرئيس للإنية بين التمسك والتنسك؛ بمعني التمييز بين التدين الإيجابي (الجواني) الفعال المتمسك بالقيم الدينية كمنظومة اجتماعية شاملة، والمقبل على الحياة بكل حزم وعزم وتفان، والتدين (البراني) الذي يتوقف عند الطقوس والجانب الشكلي ويكون معه الفرد سلبيا، منفعلا، جامدا، خامدا، ذاهلا مما ينجزه الآخرون، غير قادر على التقدم خطوة إلى الأمام، فالإسلام في نظره نظام حياة وكرامة وعزة وإقبال على الحياة، مثلما كان يصدح الفيلسوف فيخته بخطاباته إلى الأمة الألمانية، منتقدا الموقف اللاهوتي المنهزم الزاهد في الدنيا باعتبارها زائلة بكل ما فيها، وما السعادة والحقيقة إلا في السماء، قائلا: “إن الإنسان الطبيعي هو الذي يبحث في الدنيا نفسها عن السماء وإدراج ما يدوم أبدا في الحياة اليومية الأرضية، أن يزرع ويتعهد ما لا يفنى في الزائل ويجعل الخالد مرئيا في عين الإنسان غير الزائل(..)فأي طبع نبيل لا يريد ويرجو أن تتكرر حياته في حياة أبنائه وأبناء أبنائه وقد حسنت وشرفت”[24].

  • 3/ اللغة:

يتفق الجميع حول المكانة المركزية للغة في تكوين وتميز واستمرار الأمم على اختلافها، يقول أحد الباحثين: “إن اللغة هي الأساس الصلد الذي تقوم عليه قصة الأمة”[25]، والصلادة تفيد مقاومة الأشياء للانكسار، وعليه فاللغة هي العامل الرابط الموحد لجسد الأمة الحافظ له من الزعزعة والانكسار والتفكك، بل أنه يصعب فصل اللغة عن مستعمليها، ومؤوليها والسياق التداولي لها، بالنظر للوشائج الرابطة بين اللغة ومتكلميها، حتى أن الفيلسوف الألماني فيخته الذي يمثل مرجعية أساسية لفكر مولود قاسم، يقول: ” البشر تكونهم اللغة أكثر مما يكون البشر اللغة”[26].

ضمن هذا الطرح يمكن إدراج موقف مولود قاسم من مكانة اللغة ودورها في حياة الأمم وفي تميزها، ومن ثم في إنيتها، فاللغة بالنسبة لمفكرنا ليست مجرد جهاز آلي يسمح بإنتاج الكلمات والنصوص والتواصل بين الأفراد، يقول في نص مهم للغاية: ” (اللغة) هي تلك الصورة التي تعطي محتواها لونا، وشكلا، وقواما، فهي المحملة بتلك العناصر المكونة للذاتية، للشخصية القومية، فهي ذلك التيار الذي يبعث الروح في جميع أركان الكيان الوطني وذلك الإسمنت الذي يضمن وحدة البنيان القومي والذي بدون تلاحمه لا يمكن أن يكون أي كيان لأمة من الأمم”[27]، وهو في ذلك يساير أفكار فيخته حول مركزية اللغة في مفهوم الأمة، حيث يقول هذا الأخير:” فالجزء فوق-الحسي (المفاهيم اللغوية المجردة) يحوي الرموز التي تجعل من وحدة كلية الحياة القومية، المادية والروحية، كما تحققت في اللغة، وهي تعبر عن مفهوم، بعيد عن الاعتباط، يشتق بالضرورة في كل حياة الأمة الماضية”[28]، ومعنى ذلك أن أهمية اللغة لا تقتصر على كونها أداة للتعبير والتواصل فحسب، إنما هي أداة التعرف على العناصر الأخرى لإنية الأمة من تاريخ ودين وثقافة وعادات ونقلها بين الأجيال، بما يضمن استمرار الأمة، فباللغة يُدون التاريخ، ويُفهم الدين وتُنقل الثقافة وتُحفظ التقاليد، وباللغة تنتقل وتنتشر عناصر الإنية ويتشربها الفرد/المجتمع، ومن ثم فالمجتمع الذي يفقد لغته كأنه يقطع الخيط الذي يصله بأجداده ويفقد معه حلقات ماضيه.

بقي أن نشير إلى أن اهتمام مولود قاسم باللغة وتركيزه على دورها وأهميتها لا يعني أنه يهتم بها لذاتها أو لغرض نظري مجرد، فهو لا يتحدث عن اللغة كعالم لسانيات أو كفيلسوف لغة، كما أنه لا يعني بذلك الحديث إعطاءها مكانة الصدارة في بناء الإنية، لأنه لا يتحدث من منطلق قومي أو عرقي أو سياسي، بل من منطلق أنها عنصر ضروري لباقي العناصر الأخرى، وتبقى الأولوية والصدارة في هذه العناصر بالنسبة لمولود قاسم لعامل الدين، فرغم تأكيده على التداخل الذي يطبع هذه العناصر، إلا أن المنحى العام لفكره يؤكد أن الدين بالمفهوم الإيجابي الوسطي المنفتح هو العامل الرئيس في بناء الإنية.

خاتمة:

إذا أردنا القيام بنوع من التقييم لمفهوم الإنية كما تصوره ونظّر له مولود قاسم ولخصته عبارته الشهيرة: “على الإنسان أن يكون ابن عصره، محافظا على أديم مصره، دون أن يصبح نسخة غيره”، فإننا نلاحظ أنه مفهوم يقترب من حيث الدلالة من مفاهيم كثيرة كالهوية، والإنية بالمعنى السيناوي (النفس)، والجوانية كما نظّر لها عثمان أمين وغير ذلك من المفاهيم التي تطرح مسألة الذات والشخصية والأمة، وهي تبقى مسألة ضرورية في كل الأزمنة، لأن معرفة الذات تعد قاعدة أساسية يتم الانطلاق منها لمعرفة الآخر والانفتاح عليه مع الحفاظ على التميز.

غير أن مفهوم الإنية يتميز عن المفاهيم المتقاطعة معه بدلالته أكثر على الحضور والفعالية لا بالنسبة للفرد فقط، بل على حضور الأمة وشعورها بتميزها ثم فعاليتها في الحفاظ على هذا التميز بطريقة إيجابية، لذلك، يمكن القول أن الإنية وإن كانت امتدادا للجوانية، إلا أنها تمثل توسيعا لها وانتقالا بها من الفرد إلى الأمة، وتحويلا للتميز من مجرد الشعور الداخلي (شعور جواني) إلى إعلانه والسعي للتعريف به والدفاع عنه، وهذا ما يعيدنا إلى الإشكالية التي طرحناها في مقدمة البحث، أقصد غياب المدارس والأتباع في الفكر العربي المعاصر، فهذا الغياب حرم هذا الفكر من التراكمات الضرورية لتطوير الأفكار وتوسيع أطرها ومدلولاتها، وقدد مر بنا أن تأثر مولود قاسم بعثمان أمين جعله يستفيد من أفكاره ويسعى إلى تعميقها وتطويرها، فلو كان لكل مفكر أتباع وتلاميذ تابعوا أعماله، لتعددت الإضافات وحصلت المراجعات والانتقادات الإيجابية التي يمكن أن تأتي معها الحلول المرجوة، مثلما هو حاصل في الفكر الغربي أين نجدد أجيالا من الشراح والنقاد والأتباع لمختلف المدارس والأتباع كالأفلاطونية والأرسطية والديكارتية والكانطية…الخ.

غير أن فلسفة الإنية عموما، ليست أكثر من نزعة توفيقية مثلها مثل الكثير من التوجهات التي تبناها المفكرين العرب المعاصرين تحت مسميات شتى؛ التراث والتجديد، التراث والحداثة، الأصالة والمعاصرة..الخ، وبقيت كلها صيغا نظرية، صعبة التحقق في واقعنا المعقد، الذي لا نملك زمام التحكم فيه، لأن هناك قوى عالمية أو نظاما دوليا يسيره رجال المال والنفوذ، هذا النظام يعمل على تفكيك الدول الوطنية والإنيات(جمع إنية) الجهوية، من خلال الآليات التي يبتكرها في كل مرة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان المستضعفة، والأمثلة كثيرة وتخص العالم العربي الإسلامي بالدرجة الأولى، وبالنظر لهذه المعطيات وغيرها وباستحضار حال مجتمعاتنا، فإنه من الصعب صمود كل فكرة تفيد أو تدافع عن الخصوصية، خاصة خصوصيات الضعفاء مثلنا.

الأزمة التي نعيشها خطيرة فعلا، فالعالم العربي الإسلامي يعيش أسوأ حالاته، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فما نعيشه نتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية عنه، لأننا لم نبحث عن أساليب التغيير ولم نستفد من تجاربنا ولا من تجارب الآخرين، فغيرنا من بعض الأمم التي كانت في وضعنا أو أسوأ حالا منا استطاعت تغيير موقعها وأصبحت تنافس كبرى الأمم، ولم تكن لتحقق ما وصلت إليه إلا بالعمل وبالعمل فقط.

ولعل أولى الخطوات المنوطة بنا في هذا السياق ضرورة إحداث تغيير جذري على مستوى فهمنا وتعاطينا مع الإنية والهوية والجوانية…، وتغيير رؤيتنا لمقوماتها، وهذا بالانتقال من النظر إليها كمعطيات مكتملة البناء إلى النظر إليها كمشاريع تنجز في التاريخ من قبل الفاعلين الاجتماعيين، مشاريع قابلة للإثراء والمراجعة وفقا لمتطلبات الزمن، فالهوية أو الإنية أو الجوانية أو غيرها من المفاهيم، تعبر عن وعي تاريخي يجب أن يرافقه الفعل والعمل، لا يكفي تعداد العناصر المكونة للإنية والتغني بها، إنما المهم هو العمل على إثرائها وإبرازها في أكمل وجه وعلى أحسن حال من خلال الاستفادة من تجارب الآخرين وسبل تقدمهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات:

[1] أثار هذه الإشكالية فيما يتعلق بالتفكير العلمي في الحضارة الإسلامية إبان القرون الوسطى، مؤوخ العلم الأمريكي: توبي هف في كتابه: فجر العلم الحديث: الإسلام، الصين، الغرب، ت: محمد عصفور، الكويت:منشورات المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآاب، ط2، 2000.

[2] نشرت المقال على موقع مؤسسة تكوين الفكر العربي بتاريخ: 03 أكتوبر 2024، وهي متاحة للقراءة على الموقع.

[3] عبد الرحمن بوقاف: مقالات فلسفية، الجزء 01، الجزائر: منشورات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، ط1، 2017، ص188.

[4] صالح بلعيد: في الهوية الوطنية، الجزائر: دار الأمل، ط1، 2007، ص 122

[5] يقول صالح بلعيد في كتابه: في الهوية الوطنية أن مولود قاسم: “كان يبدأ بتطبيق القرار قبل وصوله القاعدة، كما كان نموذجه الدائم النظام الألماني المنضبط، الجدية والإخلاص والاتقان قولا وعملا، فظلت التجربة الألمانية حاضرة في ذهنه وفي كتاباته” ص 124.

[6] فارح مسرحي: التراث والهوية (الجزائر: منشورات الوطن اليوم،ط،2017).

[7] مولود قاسم نايت بلقاسم: شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل 1830، الجزء الثاني، الجزائر: دار الأمة، طبعة 2007، ص366.

[8] مولود قاسم نايت بلقاسم: إنية وأصالة، الجزائر: دار الأمة، طبعة 2007، ص ص103-104.

[9] أبو علي بن سينا: الإشارات والتنبيهات، مع شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق سليمان دنيا، القسم الثاني (القاهرة: دار المعارف، ط3، د ت) ص ص 344-345.

[10] المرجع نفسه، ص ص 353-356.

[11] مولود قاسم نايت بلقاسم: أصالية أم انفصالية، الجزء الثاني، الجزائر: ددار الأمة، ط 2007، ص329

[12] المرجع نفسه، ص 326.

[13] عثمان أمين: الجوانية أصول عقيدة وفلسفة ثورة، القاهرة: دار القلم، 1964، التقديم.

[14] المرجع نفسه،  ص ص 09-10.

[15] المرجع نفسه، ص 10.

[16] مولود قاسم نايت بلقاسم: إنية وأصالة، مرجع سابق، ص 566.

[17] مولود قاسم نايت بلقاسم: شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل 1830، الجزء الأول، مرجع سابق، ص 27.

[18] نقلا عن: أحمد بن نعمان: مولود قاسم نايت بلقاسم، حياة وآثار، شهادات ومواقف، الجزائر: دار النعمان للطباعة والنشر، ط3، 2016، ص 78. راجع أيضا ص 166 واستشهاده حول نفس المسألة بأعمال فرنان برودل وغيره.

[19] مولودد قاسم نايت بلقاسم: شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل 1830، الجزء الأول، ص 27.

[20] مولود قاسم نايت بلقاسم: ردود الفعل الأولية داخلا وخارجا على أول نوفمبر، مصدر سابق، ص 11.

[21] مولود قاسم نايت بلقاسم: إنية وأصالة، ص212.

[22] المصدر نفسه، ص 117.

[23] مولود قاسم نايت بلقاسم: أصالية أم انفصالية، الجزء الأول، ص17.

[24] ي.غ.فيخته: خطابات إلى الأمة الألمانية، ت: سامي الجندي(بيروت: دار الطليعة، ط1، 1979) ص145.

[25] جون جوزيف: اللغة والهوية، ت: عبد النور خراقي (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2007) ص 08.

[26] ي.غ.فيخته: خطابات إلى الأمة الألمانية، مرجع سابق، ص 82 ، وكذلك ص 87.

[27] مولود قاسم نايت بلقاسم: إنية وأصالة، ص 28.

[28] ي.غ.فيخته: مرجع سابق، ص 92.

اقرأ ايضا

المزيد من المقالات

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete