تكوين
- ماذا بعد ضمور الحس النقدي؟
في الأنساق الثقافية المغلقة تُحيط بالعقل الإنساني عديدٌ من المُعيقات المعرفية والفكرية والثقافية، كما يصيرُ الخوف عاملًا مُحطمًا لكل إرادة إنسانية، فينمو التخلف، ويحاصَرُ التفكير، وتُشلُّ الحركة الإنسانية، ويقبع الإنسان في سجون من الاستبداد الذاتي الذي يُديم حالة الانحدار والنّكوص الأخلاقي والقِيَمي. وإذا كانت هذه الأشياء من بدهيات الواقع الفعلي المدعوم بشواهد التاريخ، وحقائق الاجتماع البشري، فإن السؤالَ الحقيقي الذي يجب أن يُطرح في هذا السياق هو:
- كيف يعجز الإنسان عن اختراق حالة النّكوص الثقافي في عديدٍ من مراحل تطوره؟
- ولماذا يجد نفسه مُحاصرًا بين عوائق معرفية وثقافية تتستَّرُ بالمقدّس وسلطة الأمر الواقع، دون أنْ تكون له القدرة على الخروج من بوتقة هذا الحصار؟
كي نُجيب عن هذا السؤال، يلزمنا أن نفهم بأن الحالة الثقافية والفكرية في مجتمع ما هي نتاجُ واقعٍ مُركَّب ومُعقَّد تتداخل فيه عدة عوامل، غير أن المشترك في كل هذه العوامل هو غياب السؤال، ومن ثمة غياب النقد والتمحيص الثقافي. وحينما نَطْرَحُ هنا فكرة السؤال، فلسنا نقصد القدرة على توليد السؤال اللُّغوي، أي تلك الجملة الاستفهامية المشهورة في قواعد اللغة وأدبياتها. بل السؤال: هو القدرةُ على البحث عن مكامن الداء، والرغبة في إيجاد الحلول الملائمة للإشكاليات التي يقبع فيها العقل الإنساني في فترة زمنية معينة. السؤال: هو عُنوان لعقل مُتحرك في كل الاتجاهات، وإرادة حُرَّةٍ نحو الخروج من خَيْمَةِ الإجماع المُتوَهَّمِ والمُتخيل. وحينما نُطفِئُ هذه الجذوةُ فإننا نُطفئ شرارة البحث، وديمومة التغيير الاجتماعي، فنصل إلى حيث وصلنا اليوم، في علاقتنا بالفكر والثقافة والاجتماع والسياسة وكل الأفرع المعرفية الأخرى.
إننا بإزاء أزمة يُمكن أن نُطلق عليها: “أزمة السؤال” أو بتعبير أدق “انحصار التفكير النقدي”، على الرغم من كل المحاولات الجادة التي يَطْرُقها المفكّرون والمثقفون في عالمنا العربي والإسلامي. وقد ازدادت هذه الأزمة استفحالًا مع بروز جيلٍ جديدٍ من الثقافة، وجيلٍ جديدٍ من البشر أطلَقَ عليه “دانيال كوهين” اسم “الإنسان الرَقْمي”، هذا الجيل بحسب الكاتب:
“هو نتاج طبيعي لثورة رَقْمية، صنعت المجتمع ما بعد الصناعي، إذ لم يَعُدْ نشاط الإنسان في ظل هذه الثورة الرَقْمية، يتمثلُ في زراعة الأرض أو إنتاج سلع مصنعة، بل في العناية بالبشر أنفسهم وبأجسادهم وخيالهم. فكل شيء يتم عبر الأنترنت من أجل أن يكون الترفيه والتعليم أو العلاج أو التودد في الحديث أمورًا مُتاحة بأقل تكلفة”[1].
لم يَعُدْ السؤال ولا النقد معايير لتصحيح المفاهيم في ظل هذا التوجه الجديد، فهناك عقل رَقْمي مرتبط ومتداخل مع شبكة عنكبوتية، تُوفر له ما يشاء من المعارف والعلوم والمعلومات دون جُهد يذكر. وبما أن النقد عملية عقلية بامتياز، وأسلوب من أساليب التفكير البنَّاء، فإن الحاجة إليه في ظل هذا التوتر الفكري، والرَقْمنة غير الإنسانية لم تَعُدْ ضرورة آنية، ولا هدفًا مرجوًّا في الأفق القريب. ولعل ما طرحه “دانيال كوهين” في هذا السياق، يُنذر بأزمة وجودية يمر منها الكائن الإنساني، وبتحولات عميقة في البنية الذهنية لهذا الإنسان الرَقْمي الذي نحن جزء من مسيرته، أو على الأقل أطراف تراقب هذا التحول مع كثيرٍ من الحيطة والحذر، على الرغم من صعوبة التيار وخطورة تداعياته وامتداداته الواقعية.
هل نحن أمام واقع مات فيه الإنسان؟
انطلاقًا من هذا المشهد المُعْتم، وهذا الانحصار في التفكير النقدي، نجد إشارات “دانيال كوهين” بمنزلة الناقوس الأخير الذي يدق نهاية عصر الإنسان، والتحول الفعلي إلى ما بشَّر به “فوكو” فعليًّا وسماهُ “موت الإنسان”. وحينما نتحدث عن موت الإنسان، فليس القصد فناءه الجسدي، أو انقراض كينونته في هذا الفضاء الأرضي، وإنما القصد شيءٌ آخرَ أشارت إليه أيضا “أم الزين بنشيخة“[2] في حديثها عن الإنسانيين الجدد، فعندما أعلن “ميشال فوكو” في الكلمات والأشياء أطروحة “موت الإنسان“، لم تكن صياغته هذه بُغية التنظير الأجوف، أو الاستفزاز المعرفي العاري عن الوقائع والأحداث، بل كانت هذه الصياغة جزءًا من مشروعه الأركيولوجي الذي يحفر في الذاكرة التاريخية، والفكر الفلسفي الغربي. كأن “فوكو” من خلال هذه الصياغة المدهشة والمستفزة، يدعونا إلى التفكير في هشاشة التصنيفات التي صنعت مفهوم الإنسان الحديث. صياغة عجيبة وفريدة لم تكن خفة عابرة، بل زعزعةٌ جذريةٌ للسطوح التي كنا نطمئن إليها، حين اعتقدنا أن الإنسان مركز كل معرفة وغاية كل تفكير.
ترى “أم الزين” وهي تحاور “فوكو” وتستخلص زُبدة تفكيره الذكي من خلال صياغة “موت الإنسان”، أن مفهوم الإنسان لم يكن دومًا حاضرًا في قلب المعرفة، بل هو نتاجٌ معاصرٌ وحديثٌ نتجَ عن تحولات معرفية عميقة ومخصوصة. ففي عصر النهضة كانت الطبيعة تُقرأ على أساس التشابه والتماثل، وفي العصر الكلاسيكي كان التمثيل الرياضي والآلي للعالم هو الأساس. أما في العصر الحديث، ومع “كانط” ثم مع صعود علوم البيولوجيا والاقتصاد وفقه اللغة، وُلد الإنسان بوصفه موضوعًا للمعرفة، وذاتًا عارفةً في الوقت نفسه. لكنه وُلد في وضعية مُلتبسة: فهو جسد يخضع لقوانين الطبيعة، وعقل يسعى في تجاوزها، هو كائن بيولوجي منغمس في الحياة، واقتصادي منخرط في العمل، ولُغوي لا يُدْرِكُ إلا عبر الكلمات التي تسبقه. لقد التفَّت حوله المعارف الثلاث الكبرى –الحياة والعمل واللغة– فأحاطت به إحاطةً جعلت منه موضوعًا للعلم ومسرحًا للتفسير، لكنه في النهاية ظل سجينا لما أنتجته هذه المعارف ذاتها.
إذن نحن هنا أمام فهم جديد لمفهوم الإنسان كما تركز عند “فوكو”، ومثَّلَ جوهر أطروحته الفكرية. أي أن الإنسان الذي بشَّرت به الحداثة الغربية، ليس حقيقة أزلية، بل صورةٌ عرضيةٌ ارتسمت في فجوة معرفية معينة. إنه تعبيرٌ عن ثقافة محدودة زمنيًا وجغرافيًا، وقد يختفي كما ظهر إذا ما انهارت الإبستمية التي أنجبته. لذلك يقول “فوكو” إن ما يستحيل التفكير فيه ليس هو تجاور الأشياء، بل الموقعُ نفسه الذي يمكن أن تتجاور فيه. وإذا أصاب الخراب هذا الموقع، فإن الإنسان الذي نشأ فيه، سيكون بدوره عُرْضة للاندثار. ومن ثمَّ يتضح لنا عمق الصياغة الفوكوية المتجلية في عبارة: “موت الإنسان”. فـ “فوكو” كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في بداية حديثنا عن المفهوم المثير لموت الإنسان، لا يعني فناء الجسد أو زوال الكائن البشري، بل فقط سقوط تلك الصورة التي تولدت من عصر الحداثة، بوصفها مركزًا للمعنى ومرجعيةً للمعرفة. بمعنى أن هذا الإنسان بهذا المفهوم المُتعارف عليه كان تجنيدًا قهريًا داخل شبكة من الخطابات اختزلته في عمله وسلعته ولغته. ولذلك فإن التفكير في موته هو في عمقه، تحررٌ من هذه البنية الخطابية التي جعلت منه أفقًا أوحد للفكر. كأن “فوكو” لا يُطالبنا هنا بإلغاء الإنسان في الواقع، بل بتحرير الفكر من وهم مركزية الإنسان.
بين فوكو ودانيال كوهين: اتصال أم انفصال؟
بالعودة إلى مفهوم الإنسان الرَقْمي، يبدو أن هناك نوعًا من الالتقاء المباشر بين “دانيال كوهين” و”ميشال فوكو” في الحديث عن موت الإنسان بصيغته الحداثوية إن صح القول. وكي نفهم هذا التحول الدراماتيكي في مفهوم وجذور الإنسان، يلزمنا العودة إلى أطروحة “دانيال كوهين“، فهو يؤكد التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر والتي أفرزت لنا بدورها صياغةً جديدةً لمفهوم الإنسان ذاته، وهذه التحولات ليست تطورًا تِقْنيًا عابرًا كما يظن البعض فحسب، لكنها بالأساس تحكي لنا قضية كبرى تختزلها ثورة حضارية متطورة يصفها الكاتب ويبشر من خلالها بظهور الإنسان الرَقْمي. وداخل هذه الثورة وهذا الفضاء الرَقْمي الذي يعيشه الإنسان، لم يَعُدْ الكائن البشري محكومًا بحدوده البيولوجية التي عرفها عبر التاريخ، من ذاكرة محدودة، وجسد فان، وقدرات معرفية متواضعة، بل أصبح الإنسان معتمدًا في وجوده الرَقْمي المعاصر على امتدادات رَقْمية تمنحه قدرات غير مسبوقة في التفكير والعمل والتواصل. يتغذى فيها من ذاكرة كونية محفوظة في الشبكات الرَقْمية، ويستمد وعيه من تدفقات متواصلة من المعلومات التي لا تنضبُ.
داخل هذه الأنساق الرَقْمية، لا يعيش الإنسان الرَقْمي هُوية واحدة مستقرة، وإنما هُويات متشظية وموزعة على مدارات مختلفة، تتجسد في بصماته الإلكترونية وحساباته الافتراضية وبياناته الشخصية والمالية والصحية. هذا التوزيع الهُوياتي يمنحُ الكائن الإنساني حرية أكبر في إعادة تكوين ذاته كما يشاء، لكنه في الوقت نفسه يجعله عُرضة لأشكال معقدة من المراقبة والهيمنة التي تمارسها الخوارزميات والأنظمة الرَقْمية. وبين الحرية والانقياد تنبثق مفارقة أساسية: فالإنسان الرَقْمي مُمكّن بقدر ما هو مقيد، متحرر من قيود الماضي بقدر ما هو خاضع لسلطات جديدة غير مرئية.
باومان: المراقبة من الصلابة إلى السيولة
إذا كانت طبيعة الإنسان الرَقْمي تجعل منه كائنًا خاضعًا لأنماط جديدة من الرقابة، فإن ذلك يفتح أمامنا الباب من جديد إلى بروز ما سماه “زيغمونت باومان” بالمراقبة السائلة[3] (Liquid Surveillance) . أي تلك التحولات التي أصابت مفهوم المراقبة في العصر الرَقْمي. وبالمقارنة مع أشكال الرقابة في الماضي، كانت كل السُلط تعتمد في أسسها على قواعد صلبة، مثل: أجهزة الأمن والسجون والرقباء الذين يفرضون حضورهم المباشر على الأفراد. الشيء الذي بدأ يختفي تدريجيًا، أو على الأقل يُخلي مكانه لأشكال أخرى من الرقابة تتميز بالنعومة، لكنها أكثر شمولًا وانتشارًا، لتغدوا جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. نحن أمام تحول دراماتيكي في مفهوم السلطة نفسها كما تجذرت في الذاكرة التاريخية للإنسان، فلم نَعُدْ نرى الرقابة مُتمثلة في الأسوار العالية، والسجون المظلمة، والعيون المبثوثة، بقدر ما صارت السلطة مُتخفية ومتسترة في الهواتف الذكية، ووراء شاشات الحواسيب، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفي كل جزءٍ من أجزاء الشبكة العنكبوتية، تُحصي على الإنسان أنفاسه وأقواله وأفعاله. رقابةٌ من نوع جديد وصفها “باومان” بأنها “سائلة”، لأن ممارستها لم تَعُدْ صلبة متصلبة، بل متدفقةٌ، تدخل في كل المنافذ وتتحرك بسهولة كما تتحرك السوائل.
المفارقة التي يُثيرها “باومان” هي أن الإنسان الحديث أو الإنسان الرَقْمي لم يَعُدْ ضحية قسرية لهذه المراقبة، بل صار يُسهم ويُشارك في رسم حدودها، ويُلهم أحداثها بوعي أو دونه. أي أن داخل هذا الفضاء الرَقْمي نحن نضع أنفسنا طواعية في مسالخ التِقْنية لتُجَرّدنا وتُعرِّينا مما تبقى من إنسانيتنا، ففي الوقت الذي يظن الإنسان أن ما يشاركه من بيانات وصور وكتابات ورغبات في مواقع التواصل الاجتماعي هو جزءٌ من طبيعة بشرية تتغذى على الحاجة إلى المشاركة والاعتراف، فإن الحقيقة الكامنة وراء هذا الجنوح هي أننا نقدم أنفسنا فرائس سهلة لهذا النظام الرَقْمي، كي يتحكم في سلوكنا، ويوجهنا حتى نكونَ محض أرقامٍ لشركات تُحوِّلنا إلى مستهلكين، ممعنة في إهانتنا بطريقة مزدوجة. إننا أمام حقيقة مفادها أن الحرية التي يمنحها العالم الرَقْمي، ليست سوى واجهة، أما الجوهر فهو آلية مراقبة دقيقة تتغذى من رغبة الأفراد في التعبير والمشاركة، وتُعيد صياغة حياتهم وفق منطق السوق والاستهلاك.
إضافة إلى بُعْدِ المشاركة، هناك إشارة أخرى من “باومان” تستحق منا التأمل والتفكر، وهي البعدُ النفسي للمراقبة، أي أن الخوف من الإكراهات والصعوبات التي تواجه المجتمع الإنساني في صيغته الحالية، والقضايا المطروحة على الواقع السياسي والاجتماعي المعاصر جعلت من المراقبة شيئًا مبرّرًا، وشرْعَنت بطريقة أكبر لتوسيع دائرة الرّقابة الأمنية. لكن المُثير في هذا السياق، ليس فقط الحاجة إلى الرقابة، ولكن كيف صار الإنسان يُمارس الرقابة في صورتها المعاصر، إذ إن الناس أنفسهم صاروا أدوات مراقبة لبعضهم البعض، انطلاقًا مما يُنشرُ في مختلف المنصات، وخلق شروط ومقاييس، جعلت من المراقبة عملية تبادلية يُشارك فيها الجميع، وتُفرَض فيها معايير خفية للانضباط الاجتماعي. إننا أمام واقع يتجاوز النموذج القديم لـ “الأخ الأكبر” في رواية “جورج أورويل”، التي تُمارِس فيها السلطة المراقبة من فوق، إلى واقع جديد يُمارِس فيه الجميع الرقابة على أنفسهم وعلى غيرهم.
-
النقد من منظور سيوران: تفاؤل أم عدمية؟
كلما أتينا على ذكر “سيوران” إلا واستحضرنا تلك الرُوح العدمية، والتشاؤم الفلسفي الغاضب، غير أن هذا النوع من التفكير العدمي لا يخلو من إشارات وتنبيهات تعكس عمق تفكير الفيلسوف الروماني، خاصة تلك الإشارة المشهورة المتعلقة بالنقد، ونحن نواجه أزمة انحصار التفكير النقدي في عصر الرَقْمنة الفوضوي، إذ يرى “سيوران” بأن:
“النقد تفسيرٌ خاطئٌ ومعكوسٌ ينبغي أن تتم القراءة من أجل فهم الذات لا من أجل فهم الآخر”[4].
لكن قبل أن نفهم المعنى العميق لمقولة “سيوران”، يلزمنا أيضًا أن نُحيط ببعض من جوانب فلسفته بإيجاز، لعلنا نضع مقولته في سياقها الواقعي، وسنعتمد في ذلك على ما كتبه “فانسون بيي نوار” Vincent Piednoirفي مجلة آفاق فلسفية بعنوان: “إميل “سيوران”: تمزّق الوجود أو عذابات ما لا يُحلّ”[5].
يخبرنا هذا الأخير ونقصد “فانسون بيي نوار” بأن “إيميل سيوران” كان منخرطًا منذ بدايات تكوُّنِ وعيه الفلسفي بالفلسفة الوجودية، مشبعًا بحمولاتها، لهذ نجد الحضور الكبير في فلسفته ورؤيته الوجودية لرائد الوجودية “كييركغارد” في مواجهته للمثالية الهيغلية. كما قرأ كتاب الوجود والزمان “لمارتن هيديجر”، واهتم عن قرب بالروسي “ليف شيستوف”، في حين تغذَّى أيضًا من الحيوية الفلسفية عند “برغسون”، ومن أعمال “شوبنهاور” و”شبنغلر” على وجه الخصوص. هذا الحضور الفلسفي الوجودي في رؤية “سيوران” جعل منه وارثًا لتأثيرات متعددة تتجاوز في الواقع الحقل الفلسفي، فقد خلَّفَ لنا فكرًا أصيلًا يَصْدَحُ شهادةً على تجربة وجودية مشوبة بخيبة أمل، وقلق، وتمرد على الوجود الإنساني. بين رعب المأزق، وكراهية الوهم كراهيةً عميقةً.
لم يكتفِ “سيوران” فقط بهذا البعد الوجودي، بل تعلق في سن مبكرة بـ “المصطلحات الفلسفية”، ذلك الأسلوب التعبيري الذي كان يفتخر به ويجعله “يحتقر كل من يستخدم اللغة العادية”. خاصة في كتابه الأول “على قمم اليأس”، الكتاب الذي يُعْلِنُ في عنوانه، عن “اضطراب داخلي”، وعذاب حقيقي أفرزته تلك “الهاوية التي لا هوادة فيها” والمتمثلة في الأرق. وسيعود مرارًا إلى هذه الظاهرة الجوهرية، خاصة في حواراته، إذ سيُظهر كيف لعبت دورًا حاسمًا في تكوين البصائر التي يقوم عليها الفكر الـ “سيوراني”.
هكذا كانت كتابات “سيوران”، عبارة عن صرخات وآهات وجودية تسعى في الكشف عن “تفاهة الفلسفة”، وعجزها عن تضميد الجروح الأعمق، وعن تقديم محضُ وهمٍ لجواب يُخفِّف عن أولئك الذين يعانون، جواب يكون كبلسمٍ يُهدِّئُ أو يداوي داءَ الوجود نفسه. بين توقٍ إلى القيامة وتمردٍ يائس، بين غنائية متفجّرة ويقظة إجرامية، جاء هذا الكتاب الصغير، الذي كان عند مؤلّفه “نوعًا من التحرير، انفجارًا منقذًا”، مطاردةً للوهم في أبعد معاقله؛ إنه بالفعل ملخَّصٌ للعدمية، مؤسَّسٌ على جملة من الحدوس المركزية، منها:
- عبثية الوجود الأصيلة،
- التصاق الموت بالحياة،
- عزلة الذات في عالمٍ من الآلام لا يستحق أي توضيح،
- لا شرعية أي صورة من صور الأمل،
- عبثية فكرة التقدُّم،
- نفي فكرة الحقيقة نفسها،
- وقبل كل شيء، الطابع المُميت للوعي.[6]
وفي إطار التفكير الـ “سيوراني” يُمكننا الآن أن نفسهم المقولة السابقة لـ “سيوران”: “النقد تفسير خاطئ ومعكوس، ينبغي أن تتم القراءة من أجل فهم الذات، لا من أجل فهم الآخرَ”. فالنقد تفسير خاطئ ومعكوس، لأنّه يقوم –في الغالب– على آلية الإسقاط: معنى ذلك أن عملية النقد قد تكون في مُجملها عملية خاطئة، إذا ما كانت تنبعُ من تفكير مُشبعٍ بالخلفيات، والأحكام السابقة، والمسبقات الإيديولوجية. فقلَّما نجد بأن قراءة نصٍ أو حادثٍ أو ظاهرةٍ اجتماعيةٍ أو فكريةٍ تُقرأ بمعزل عن الحمولات الإنسانية المختلفة، وعوضَ أن يتكلم النص نتكلم نحن حاملين رؤيتنا وأحلامنا وآمالنا وإكراهاتنا. هنا تضيع الحقيقة، ويضيع المقصد، إذ يتحوّل النص إلى ساحة لتفريغ الأحكام الجاهزة، بدل أن يكون فضاءً للحوار والتفكير. فالنقد حين يكون محضُ محاولة لتأكيد قناعاتنا وإدانة الآخر، يُصبح طريقة من طرق التفسير المغلوط، المعكوس الاتجاه، فبدل أن يقودنا إلى توسيع آفاقنا، يُعيدنا إلى ضيق دائرتنا ويكرِّسُ انفصالنا عن الذات قبل الآخر.
ما أشار إليه “سيوران” في هذه المقولة يجد جذوره أيضا عند رواد الفلسفة الظاهراتية، أو الفينومينولوجيا، فهي أيضًا حركة فلسفية أكدت أن الإنسان لا يفهم حقائق الأشياء كما هي، بل فقط ما يتبدى للوعي منها. وما لم يتخلص المرء من أحكامه ومسبقاته وخلفياته فسيبقى رهينة في أيدي هذه الخلفيات تتحكم فيه، وتختار له، وتُعيق حركته نحو المستقبل. وكي نفهم جذور الفكر الـ “سيوراني”، وامتدادات مقولته السابقة، لا بأس أن نتصل من جديد بالفلسفة الظاهراتية، لنعرف جذورها وامتداداتها في الحقل الفلسفي الحديث، وهو ما أشار إليه بكثيرٍ من التوضيح “ديرموت موران” DERMOT MORAN في كتابه المُهم: مدخل إلى الفينومينولوجيا:
تُشير الفلسفة الظاهراتية أو الفينومينولوجيا إلى الحركة التي دشَّنها “إدموند هوسرل” (1859–1938)، وكانت إحدى التيارات الفلسفية القوية في مطلع القرن العشرين، إلى جانب تيارات أخرى مثل: الكانطية الجديدة بمدارسها المختلفة (ريكرت، ناتورب، كاسيرر، فيندلباند، لوتسه)، والمثالية (غرين، برادلي، ماكتاغارت)، والمنطقية (فريغه، راسل)، والهرمنيوطيقا (دلتاي، بولتمان)، والبراغماتية (ديوي، بيرس، جيمس)، وفلسفة الحياة (برغسون، زيمل)، وفلسفة الوجود (كييركغارد ونيتشه)، إضافة إلى التجريبية عند أتباع هيوم (جون ستيوارت مل مثلًا)، والوضعية والنقد التجريبي عند “كونت”، و”مَاخ”، و”أفيناريوس”، ولاحقًا عند حلقة فيينا. وقد انخرطت الفينومينولوجيا، بصيغٍ مختلفة، في حوار مع كل هذه التيارات الفلسفية.
ورغم أن هناك مُمهِّدَاتٍ للفينومينولوجيا في أعمال “كانط” و”هيغل” و”إرنست ماخ”، فإن الفينومينولوجيا –بوصفها طريقة جديدة في ممارسة الفلسفة– أُعلنت لأول مرة رسميًّا على يد “هوسرل” في مقدمة المجلد الثاني من الطبعة الأولى لكتابه أبحاث منطقية (1900–1901)، عندما تحدث عن الحاجة إلى نظرية شاملة للمعرفة، وذكر “فينومينولوجيا خبرات التفكير والمعرفة”.
هذه الفينومينولوجيا، مثلها مثل الفينومينولوجيا الخالصة والأشمل للتجارب عامةً، ينحصر اهتمامها حصريًا في الخبرات القابلة للإدراك المباشر والتحليل في عمومية ماهيتها، لا في الخبرات المُدركة تجريبيًا والمعالَجة بوصفها وقائع واقعية، أي بوصفها خبراتٍ يعيشها الإنسان أو الحيوان في العالم الظاهر الذي نضعه ليكون معطىً تجريبيًا. على هذه الفينومينولوجيا أن تُبرز التعبير الخالص، وأن تصف –بمفاهيمها الماهوية وصيغها الحاكمة – الماهيات التي تُعطى مباشرةً في الحدس.
فجوهر الفينومينولوجيا يكمن في:
- أنها منهج مضاد للتقليد: أي رفض إخضاع التجربة الإنسانية لأحكام مُسبقة أو قوالب جاهزة.
- أنها وصفية لا تفسيرية في البداية: تسعى في وصف الظواهر كما تُعْطَى للوعي، لا كما تُفسرها العقائد الدينية، أو الثقافة، أو حتى العلوم الوضعية.
- أنها مُمارسة نقدية: الفينومينولوجي يبدأ من التجربة كما تُعاش، ثم يصف كيفية ظهورها بالضبط، دون فرض أي نظرية فوقها.
- أنها تسعى في الحقيقة من الداخل: أي أن الفهم يجب أن ينبع من الظاهرة نفسها ومن طريقة حضورها في الوعي، وليس من إسقاطات خارجية.
إذن يُمكن القول: الفينومينولوجيا هي محاولة العودة إلى التجربة الأصيلة، إلى الظواهر كما تُعطى للذات في وعيها، قبل أن يُشوهها التأويل الديني أو الثقافي أو العلمي. إنها ممارسة فلسفية ترى أن الحقيقة لا تأتي من خارج الوعي، بل من داخله، من طريقة ظهور الأشياء للذات. وقبل كل شيء، يجب على الفينومينولوجيا أن تُوليَ اهتمامًا دقيقًا لطبيعة الوعي كما يُختبر فعليًا، لا كما يُتصور وفقًا للحس السليم أو للتقليد الفلسفي[7].
بالعودة إلى مقولة “سيوران” وبعد أن تعرفنا على جذور تفكيرهِ النقدية، والممتدة إلى الفلسفة الظاهراتية التي كانت ترى بأن أحكامنا المُسبقة تَحُول بيننا وبين رؤية الأشياء كما تتبدى للوعي، وبأن كل شيءٍ في هذا العالم خاضعٌ: لنسبية التفكير، وضيق اللغة، وتداخل العوامل والمؤثرات. فإن القراءة أو الفعل النقدي لا ينبغي أن يبقى حكرًا على الآخر، وهو ما تمتاز به ثقافتنا العربية الإسلامية، إذ القراءة الحقيقية تبدأ من الذات وتنتهي إليها، بمعنى أنها تُعين القارئ على فهم نفسه في مرآة النصوص، تجعله يقف أمام مرآة نفسه، ليكشف جروحها، ونواقصها من أجل مستقبل أفضل. فالنصوص الكبرى، الفلسفيةُ أو الأدبية أو الدينية، تظلُّ شاهدةً على قلقِ الإنسان وأسئلته الكونية. وحين ننغلق على نزعة “معرفة الآخر” فقط، فإننا نتجاهل جوهر العملية القرائية الذي يتمثّلُ في أن كل نصٍّ يحمل إمكان أن يُعيدنا إلى أعماقنا، أن يكشف لنا ما كنَّا نجهله عن ذواتنا. ولهذا، فالتوجُّه الصحيح وَفْق الفكر الـ “سيوراني” يكشفُ لنا عُمق أزمتنا الذاتية، فالمطلوب هو أن نستثمر الأدوات المتاحة كلها، لاكتشاف البِنية الداخلية للقارئ نفسه: قيمه، مخاوفه، أحلامه، تناقضاته. نحن لا نقرأ، كي نتميز فقط عن الآخرين، وعن ثقافتهم وأفكارهم ومعتقداتهم، بل نحن في صلب العملية النقدية نُعيد من جديد تكوين وعينا الخاص.
من هنا نفهم أنَّ النقد ليس عملية اكتفاء سلبي بما يجعلنا منشغلين بالتصحيح والإدانة وتأكيد الاختلاف، لأن هذا سيجعل من النقد تفسيرًا ناقصًا، أو لنقل بتعبير “سيوران” نفسه خاطئًا ومعكوسًا؛ لأنه يجعلُ الآخر مُتهمًا في محكمة الذات، أو بتعبير أدق، يجعلنا نحاكم الآخرين لتحيزات الذات المتعالية عن الخطأ والعيب والنقص. أما القراءة الواعية والنقدية فهي تلك القراءة التي تتغيى من العملية النقدية أن تبحث عن المشترك والجامع والجدير بالتعايش. وبهذا تُعيدنا العملية النقدية إلى جذورنا الإنسانية، بدل أن نبقى حبيسي تلك النظرة الغارقة في تقديس الذات، وإطراء الأنا المُتضخم بفعل عوامل الزمان والمكان، وسلطة الأمر الواقع.
-
الفكرة تموت لحظة التوقف:
ما قلناه سابقًا يزيدنا تأكيدًا على أن عملية النقد ليست فقط عمليةً ميكانيكية خالية من الأهداف والمقاصد، إنها أكثر من ذلك حينما توصف بأنها حياة الفكرة نفسها. فحينما ننتقد، ونصحح، ونراجع، وننقح، فإننا لا نهدم في الأصل جوهر الفكرة، بقدر ما نمدها بالطاقة الكاملة لتُجدد نفسها، وتتكيف وَفْق الخصائص المتاحة لها، أو تنسحب تدريجيًا من الساحة لما هو أقوى منها، وأصلح للواقع البشري. لهذا كل توقف عن النقد، هو إماتة تدريجية للفكرة، واستئصال لعناصر الحياة منها، فتاريخُ العلم هو تاريخُ الأفكار، وتراكماتها، والبِناء على بعضها، في صيرورة لا متناهية من التجديد والتبديل.
كل فكرة تموت لحظة التوقُّف؛ أي لحظة غياب النَّقد، وتحريك عجلة البناء المتواصل للأفكار. ذلك النقد الذي أشار إليه “سيوران” في مقولته المشهورة، أي قراءة الذات بدل قراءة الآخر، فنحن نحيا وسط ألغام ثقافية لا يُراد لها أنْ تكشِف محنتنا، أو مواطن تزييف الوعي فيها، وتلك آفة تفكيرنا. فالخروج من دائرة المغلق هي المُهمّة المستحيلة في نظر البعض، وفي الوقت ذاته هي الأملُ المرجوُّ للكتابة، بوصفها البداية للبحث عن هوامش الانفلات من القبضة المُحكمة التي تفرضها سطوة العقل الجمعي على مفاصل تفكيرنا. فالنقد هو الاقتراب من كشف بعض خبايا الفَمِ المقموع، وليس فقط قراءة التَّاريخ وَفْق ما تناقله الفَمُ النَّاطق. لكن لا بُدَّ من الانتباه، إلى أنَّ ممارسة النَّقد لا يعني بحال أنَّك بدأت تتلمَّسُ الطَّريق، بل أنت فقط في الخطوة الأولى لتذوُّق لذَّة الحيرة والتيه، مُخطئٌ من يرى أنَّ التّفكير هو: شهوة، أو لحظة، أو فرصة. إنَّهُ حياة يبدأ، لكنَّه قد يتوقّف، وهذا يذكّرنا بما قاله “إنجلز” مودِّعًا صديقه “ماركس” بعد وفاته، عندما وقف “إنجلز” للتّأبين، وقال: “الآن فقط توقَّف هذا الرأس عن التفكير”. مُعلِنًا بذلك ومن خلال عبارة “الآن فقط” أنّ التّفكير حياةٌ وليس لحظةً “.[8]
هناك بُعْدٌ وجوديٌّ يسري وراء مقولة الفكرة تموت لحظة التوقف، بُعْدٌ يختزل أهمية التفكير من جهة، كما يستحضر أهمية النقد والبناء الفكري من جهة أخرى. كأن الصياغة التي تحتويها المقولة تؤكد أن الفكرة كائنٌ حيٌّ ينمو ويترعرع ويشِيب، وينضج، ولكنه يشيخ بسرعة إذا لم يحظَ بالعناية اللازمة من نقد، وتصحيح ومراجعة، فتتلاشى حتى تختفي من الوجود الفعلي للإنسان. فالتوقف هنا ليس محض امتناعٍ عن التنفيذ، ولكن هو انقطاعٌ عن الحركة، وجمودٌ يحرم الفكرة إمكان البقاء، وعناصر الحياة، والقدرة على الاستمرارية والمواصلة. لذلك يُمكننا القول بأن التوقف عن النقد والتفكير البنّاء مقبرة الأفكار، فهو يضع حدًا لمسارها ويمنعها من التحول من محض احتمالٍ إلى واقع.
وإذا كانت الفكرة كائنٌ حي، فمعنى ذلك أنها تراكمٌ طويل من التجارب والمعارف والانفعالات والخبرات الإنسانية، أو لنقل هي نتاجٌ طبيعي لاحتكاك الإنسان وتفاعله مع مصادر الحياة في هذه الأرض. فقد تكون مبثوثة في: لحظة صمت، أو مشهد طبيعي، أو رسالة من المحيط. لكنها تظل دومًا في حاجة إلى الآخر، أي الإنسان العاقل والمفكر ليلتقطها، ويعتني بها، ويصنع منها ما يولد عنده القدرة على مواصلة الحياة بطريقة أفضل. لهذا فالأفكار لا تُوْلَدُ من فراغ، ولا تنشأ خارج الواقع البشري. والتاريخ مَليْءٌ بالنماذج الفكرية التي تُرينا بأن كَمًّا هائلًا من الأفكار العظيمة مات قبل أن يرى النور، لأنه بَقِيَ حبيسَ العقول أو الأوراق. فالإنسان الذي يولد فكرة ثم يتوقف عند حد التفكير، يُشبه إلى حد بعيد من يقوم بغرس بذرة، ثم يُهملها، وينساها فتذهب أدراج الرياح. فما لم ندفع الفكرة إلى الحركة فإنها تموت، لأن الجمود يقتل رُوحها.
في كل الأزمة كانت تجربة التوقف عن التفكير تجربةً محفوفة بالمخاطر، وهو ما أشار إليه “جمال علي الحلاق” في النص السابق الذي حكاه عن “ماركس وإنجلز”، أو من خلال التنبيه إلى التوقف عن التفكير، أي أن تنتبه قبل التوقف عن التفكير، وقبل ذهاب العلم. وهو تحذير له ما يسنده من التجربة الإنسانية، والوقائع التاريخية، فهذا الانتباه وفق “جمال علي الحلاق”: “يجعلك تمامًا على مفترق طرق، إما العودة إلى الحياة كما يراها الآخرون، أو الخروج إليها كما تراه أنت. يمكننا أن نترك الطريق للحظة استراحة في مقهى جانبي، فالاستراحة هنا فرصة للتأمل قليلًا، مراجعة اتجاه السير، والانطلاق مجددًا ربما إلى البداية الأولى “[9].
ما يريد أن يؤكده “الحلاق” في هذا السرد، هو نفسهُ ما أكدناه سابقًا، من الإصرار على أهمية النقد ليس بوصفه حركةً ونقطة نهاية للتفكير، بل بوصفه علامةً فارقة يحتاجها المسير، والتجربة، والخبرة الإنسانية. إلى التفكير بداية، ولكنه قد يتوقف في لحظة من اللحظات، وبفعل عوامل عديدة ذاتية كانت أو خارجية، من هنا نفهم الجملة الشهيرة التي استشهد بها “الحلاق” سابقًا، والخاصة بالصديقين العظيمين “فريديريك إنجلز”، و”كارل ماركس”، وفي مشهدٍ أنطولوجي يشي بعديدٍ من الدروس والعِبَرْ، قال فيه “إنجلز” وهو يقفُ على نعش “كارل ماركس”: “الآن فقط توقف هذا الرأس عن التفكير”، فجملة الآن فقط تعني أن التفكير ليس لحظةً، بل حياةٌ. أي أن للتفكير نكهة فريدة تدفع بك إلى الأمام، فحينما تبدأ التفكير فلن تعود إلى نقطة البداية بالتأكيد. السنارة التي التقطتك مرة ستغويك دائمًا على أن تلتقط ثانية وثالثة، فالتفكير يجعلك جاهزًا للخروج على ذاتك ومنها.
-
نقد النصِّ: هدمٌ له أم إقامة علاقة جديدة معه؟
على الرُّغم من المكانة التي يُمكن أنْ يضعها البعض للتعقُّل، واستخدام التَّفكير والنَّظر بما في ذلك الأصوليون أنفسهم، لا يزالُ الفكر الديني عمومًا لم يطبِّع بعدُ مع الاستخدام اللاّ نهائي للعقل، على الرُّغم من محدوديته، ويمكننا الكشف عن ذلك من خلال تقديم النصِّ على العقل عند أغلب الاتِّجاهات المحافظة، على اعتبار أنَّ النصَّ هو وَحْده الحاملُ للحقيقة، والنَّاطق بها دون أنْ تكون هذه الحقيقة هي ما يخلقه النصّ نفسه، بدليل أنَّ النصَّ نفسُه أو غيره يكشفُ عن حقائق أخرى عند تيارات ومذاهب وطوائف أخرى. ولعلَّ ما أشار إليه “علي حرب” [10]يفيدنا في هذا الصّدد. فنقدُ النصِّ هو إقامة علاقة جديدة مع الحقيقة، وليس إلغاءً لهذا النصّ، أو بتره، أو رفضه. وما يهمُّ في هذه العلاقة، هو أنَّها من شأنها أنْ تُغيِّر مفهومنا عن الحقيقة، وأنْ تُبدِّل طريقة تعامُلنا معها. فالنَّقد لا يؤمن بأنَّ الحقيقة مُتعاليةٌ، أو بعيدةٌ عن الخطاب الذي أنشأها، أو تتعالى على الشُّروط المُنتجة لها، وإنّما الحقيقة هي ما يخلقهُ النصُّ نفسُه. وماذا يعني هذا الكلام في سياقِ ما قاله “علي حرب”؟ إنّه يحيلنا إلى معطىً مُثير يُتغافَلُ عنه، أو يُغْفَلُ عمدًا، وهو أنَّ النّقد ليس بالضَّرورة أنْ يكون عملية نقضية، تقويضية لنصوص أو أعمال على طريقة ما فعله “الغزالي”، في التّهافت وغيرها من الأعمال، بدليل أنَّ ما يُنْقَدُ من أعمال “الفارابي وابن سينا” لا يزالُ يكشف حتى في زماننا عن أسرار وخبايا، وربَّما قد تكون الحاجة إليه أكثر من الحاجة إلى غيره. وقِس على ذلك وصولًا إلى النّصوص الدّينية خاصَّة الرِّوائية، فهي لا تحمل الحقيقة في المتون التي تحمِلها، أو المضامين التي تٌشير إليها. ولكنَّها تكشف عن العقل الذي أبدعها، وأنشأها، والآليات المتَّبعة في إنشاء المعنى، أو التّعبير عن الحقيقة في زمان أو مكان معينين.
إنَّ الخوفَ من النّقد ناتجٌ عن هذا النَّمط في التفكير، الذي يرى أنَّ نقد النّصوص هو هدمٌ لها، أو نسفٌ لها، أو مؤامرةٌ عليها ما دامت النُّصوص تحمل الحقائق في ماهيتها كما تتبدّى في هذا العقل. من هنا نفهم كيف حُوربت كلُّ الاتّجاهات العقلانية، والنقدية، وكل المحاولات الرامية إلى الاشتغال على نقد النّصوص، والكشف عن أبعادها، وخباياها، وأسرارها. وظلَّ الصراع قائمًا بين ثنائية العقل والنَّقل، ليأخذ صورًا من التصفيات عَبَّرَ عنها هذا التّاريخ الطويل من القمع والترهيب للأصوات النَّاقدة [11] كما فعلوا “بالجَعْدِ بن درهم” فيما يرويه “ابن كثير” أن: “خالد بن عبد الله القسري قتل الجعد يوم عيد الأضحى بالكوفة، وذلك أن خالدا خطب الناس فقال في خطبته تلك: أيها الناس! ضحوا يقبل الله ضحاياكم، فإني مُضحٍ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يُكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر“.
النقد وتجريد النص من قدسيته: نحو علاقة جديدة بين القارئ والمعنى
يسعى الفعل النقدي في بناء علاقة متكاملة بين القارئ والنص، بين الباحث والمعنى، بين المُفكر والمُفكر فيه. علاقة من نوع خاص لا يكون فيها القارئ مُنحازًا أو مُنقادًا لسلطة النص وامتداداته الواقعية. وبما أن ثقافتنا العربية والإسلامية، هي ثقافةٌ نصية، يحضر فيها النص مُؤطِّرًا، وموجهًا، ومرشدًا، فإن ذلك أكسب النص موقعًا مركزيًا داخل النسق الثقافي، بوصفه الحاملَ الأسمى للحقيقة والمصدرَ الأول للمعرفة. لم تكن ثقافتنا بمعزل عن هذه الانحرافات الثقافية في الوعي الإنساني، حين تكوَّنت على مدار تاريخ طويل طبقات من التقديس حول النصوص، جعلتها تبدو كأنها معزولةٌ عن الزمن والإنسان، متعاليةٌ على الواقع الذي وُلدت فيه. ولولا هذه المحاولات المحتشمة في ممارسة الفعل النقدي، لصار من المستحيل تطوير المنظومة الفكرية، أو تجاوز أعطابها ونواقصها. لكن مُهمة النقد هنا هي أن يكسر هذه الهالة، ويعيد النص إلى مجاله الطبيعي، ذلك المجال الذي يبدأ من الإنسان وينتهي إليه. فالنقد لا يقصد الهدم أو التدمير-كما يتوهم البعض- بل يَفْتَحُ إمكانات جديدة للمعنى، ويُعيد صياغة علاقتنا بالنصوص، لتصبح موضوعًا للتفكير والمساءلة لا محضُ أوامرَ جاهزة للتنفيذ.
وكي نزيدَ الأمر توضيحًا نقول: إن خَلْعَ طابع القداسة والتقديس عن نص ما، لا يعني نفي قيمته، ولا التقليل من الإمكانات التي يُتيحها. لكن هذا التجريد من القداسة يعني بدرجة أكبر أنه منتوجٌ بشريٌ خاضع لكل الشروط الذاتية والموضوعية في نشأة الفكر، كما أنه خاضع لضرورات الاجتماع البشري، والمؤثرات الاقتصادية، والتحديات الفكرية ،والثقافية. وبغض النظر عن طبيعة النصوص واتجاهاتها، فإنها تحمل بصمات منشئيها ومختلقيها والناطقين من ورائها. وإذا كان هناك من فضلٍ كبير للعملية النقدية على فهم النصوص، فهي أنها تكشفُ عن الشروط المُنتجة لها، وإظهار أن الحقيقة التي ينطق بها النص ليست مطلقةً أو نهائية، بل قابلةٌ لإعادة الفهم والاكتشاف. وهنا تكمن قوة النقد: فهو لا يضع النص في موقع الخصومة، وإنما يُعيد إليه حيويته، لأن النصَ الجامدَ الذي لا يُقرأ إلا قراءة واحدة، سُرعان ما يتحول إلى وثيقة ميتة، والنصُّ الذي يُنقد ويُعاد تأويله يبقى حيًا ومُلهمًا.
وفي السياق الإسلامي تزداد الأمور تعقيدًا، حينما تأخذ النصوص طابعًا دينيًا، وتصطبغ بعقليات وذهنيات تحرم الفعل النقدي، وتجعل من المكتوب شيئًا مقدمًا عن المعقول في ثنائية عرفت صراعًا حادًّا سُميَ بثنائية:” العقل والنقل “. وهذا ما جعل مفهوم النص مفهومًا مثيرًا في الفكر الإنساني عامة، وفي الفكر الإسلامي خاصة، لأنه ليس محض كلمات مكتوبة أو منطوقة، ولكنه بناءٌ معقّدٌ تتداخل فيه اللغة والمعنى والسياق والثقافة. منذ العصور القديمة وحتى اليوم، ظل السؤال مطروحًا: ما النص؟ وما حدوده؟ ومن يملك سلطة تفسيره؟ هذا الاختلاف في تعريف النص لم يكن نقاشًا نظريًا فقط، ولكنَّهُ ارتبط بمواقف فلسفية وعلمية ودينية كَوَّنت تصوراتنا عن الحقيقة والمعرفة.
لقد أكد “حسن حنفي”[12] من خلال سؤال ما النص؟ أنه تجسيدٌ لوعي جماعي وفردي في لحظات تاريخية محددة، ومحاولة لالتقاط رُوح العصر وتثبيتها في صيغة مكتوبة. فالتاريخ لا يُدون إلا من خلال هذه النصوص، والأحداث لا تُسجل إلا في ظل ما هو مكتوب. لهذا ظل النص هو الوسيلة الكبرى لنقل الخبرات إلى الأجيال القادمة، وبأهداف مختلفة سواء تلك المتعلقة بالحفاظ على سلطة الأمر الواقع، أو تلك التي توجه الرأي العام وتسوقه لتحقيق لغايات مرجوة. ومن ثمَّ فإن الانتقال من الإطار الشفوي إلى النص المكتوب لم يكن حركة حيادية، بل كان فعلًا مقصودًا يرمي إلى ضبط الوقائع وتثبيت المعاني وتحويل التعددية اللحظية إلى وَحْدة مرجعية مستقرة، يتجاوز من خلالها حاضرًا مضطربًا، ويبني وَفْقها أُفُقًا مُوحدًا للأجيال القادمة، أي تحويلَ الزمن الحاضر إلى ذاكرة حيةٍ تدوم في المستقبل. هذا الذي سُقناه الآن وأكده “حسن حنفي” يؤكد أن النص كائنٌ حي، يُبعث من جديد، كلما أعيدت قراءتهُ، وليس أثرًا جامدًا وميتًا فحسب لا علاقة له بالسياق الذي وُجِدَ فيه. فطبيعة النصوص، هي أنها تتجدد مع كل تأويل وفهم ونقد، بمعنى أن النص يتقمص أشكالًا ومعانيَ مختلفة وَفْق القراء والسياقات، مثلما تنتقل الرُوح إلى أجساد جديدة في كل مرة وَفْق ما نصَّت عليه عقيدة التناسخ عند بعض الديانات.
ولتأكيد هذا التحول المهم: من الشفهي إلى الكتابي، فإن التاريخ يشهد عبر مساراته المختلفة على أهمية هذا التحول، كما حدث عند جمع الأناجيل المتعددة في القرون الميلادية الأولى وتوحيدها لدرء الخلاف بين الجماعات المسيحية، أو كما جرى في جمع القرآن بلهجة قريش حرصًا على توحيد القراءة ومنع التفرقة بين المسلمين. ومع مرور الوقت، يتداخل التفسير بالنص حتى يصبح جزءًا منه، ويذوب الحد الفاصل بين النص الأصلي وشروحه. وعندها يتحول القارئ إلى مشارك في عملية الإبداع نفسها، ويصبح النص عملًا جماعيًا يتطور بمرور الأجيال، تمامًا كما تتطور المأثورات الشعبية.
-
لكن هل النصُّ الديني نص مقدس؟
للجواب عن هذا السؤال يلزمنا أن نُشير إلى أن فعل القداسة أو التقديس، هو فعلٌ بشري، أي أنه ينبعُ من طبيعة الإنسان ونزوعه نحو المطلق، وليس من صميم النصوص نفسها. فهذه الأخيرة تُشير إلى أحداث ووقائع وأحكام وقيم تُجيب عن إشكاليات مطروحة في سياق بشري. وبما أن طبيعة المجتمع، هي طبيعةٌ متغيرة ومتحولة فإن النصوص نفسها لا تعرف الثبات والجمود إلا في عقلية سلفية وارتكاسية ترى في النص جوابًا مطلقًا ونهائيًا على قضايا لا متناهية ولا محدودة، وهو ما يأباهُ العقل السليم، والواقع الإنساني المتجدد.
وإذا أردنا أن نبحث عن جذور الأزمة في هذا الواقع الإنساني الذي وصل إليه العقل المسلم في شِقِّهِ السلفي، نجد منشأ الخطأ هنا هو تحديد معنى النص نفسه، وأيضًا في توسيع دائرته، إذ لم تعد ثنائية (قرآن/سنة) هي النصوص المقدسة وحدها، وإنما تعدَّت ذلك لتدخل الأمور المرتبطة بها كلها حيز المقدس. فالنُّصوص الهامشية كلها؛ أي التي كُتبت على هوامش المتن الدّيني، اكتسبت هي أيضًا هذه القداسة، ويكفي أنْ نُشير هنا إلى علوم التّفسير والفقه والحديث والأصول، ليتبيَّن بأنَّ النصَّ الأصلي لم يَعُدْ مركزَ الفهم، ولم يَعُدْ الأصلَ الأوّل، بقدْر ما حلَّت محلَّهُ قواعد هذه العلوم والمعارف الدّينية. وهنا سنتوافق مع رؤية “برهان غليون”، الذي يرى بأنّ على العكس ممَّا يتصوَّره التَّراثيون، فالشّعور بأهمِّية التُّراث، والعودة إليه ودراسته وتدقيقه وإحيائه، تزداد كلّما ازداد الشّعور بالفاعلية الذّاتية والثّقة بها، دون أنْ يتنافى ذلك مع الإبداع والتّجديد.[13]
هذه المعطيات والمؤشّرات جميعها تُوحي بأنّ النّص التّأسيسي في ثقافتنا الدينية، لم يَعُدْ هو المتحكم الأول، وإنما صودرَ لصالح قراءات، وتأويلات حرَّمت النقد، وأحلَّت محلَّه التّسليم والإيمان، لفهمهم أنَّ النصَّ -كما تمَّت الإشارة إلى ذلك- هو حاملٌ للحقيقة، بعيدًا عن تجلّياتها وشروط إنتاجها. ولو تأمّلنا قليلًا، لوجدْنا بأنَّ هناك فاصلًا بين النَّص والقراءة، ومن ثمَّ صعوبة امتلاك الحقيقة المطلقة. ليس هذا طعْنًا في جانب المؤوّل أو المفسّر[14]، أو المتعاطي والمتفاعل مع النَّص الدِّيني بعامة. ولكن لأنه: “لا تطابق ممكن في الأصل بين القارئ والمقروء، إذ النّص يحتمل بذاته أكثر من قراءة. وأنّه لا قراءة منزَّهة مجرَّدة، إذ كلُّ قراءة في نصٍّ ما، هي حَرْفٌ لألفاظه وإزاحة لمعانيه “.[15]
تُعَدُّ ثقافة النصِّ أحدَ أوجه تكوُّنِ هذا العقل، الذي لا يرى الحقَّ إلا فيما قاموا بتصحيحه، وَفْق آليات وقواعد انطلقت من سقفهم المعرفي، لتصل إلينا بمنظور مُطلق، لا يقبل النّقد أو التّشكيك والمراجعة. ويكفي أنْ نستحضر هنا مقولة: “لا اجتهاد مع النصّ”، ليتضح لنا نوعية التفكير الذي يَصْدُر عنه هؤلاء، إذ لم يَعُدْ في ثقافتنا النصُّ يعني سوى (قرآن، سنة)، عمل الصحابة، الإجماع. والواقع أنَّ إلحاق المكوِّنات الأخيرة (عمل الصحابة/الإجماع) بالنّص الأصلي المُتمثل في النَّص القرآني هو كما يرى “المنصف بن عبد الجليل”، “بأنّ الفكر الإسلامي لبَّس النَّص المُوحى بالمُحْدَث الثقافي، لأنّ للثقافي سيادة تحتاج إلى شرعية مُلزِمة “.[16] وهنا نتوافق مع رؤية “عبد الجواد ياسين”[17] في رؤيته عدم وجود إسلام قبل النصّ، ففي البدء كما قال كان النصّ، ولما كانت وظيفة هذا النصّ، هي العملُ في واقع الحياة كان من الطّبيعي أنْ ينشأ الفقه، أيْ مجموعة الأحكام النّاجمة عن احتكاك النصّ بالواقع. أمّا منشأ قداسة النصّ، فيأتي كما بيَّن ذلك “هادي عبد الرحمن” من: “أنّ بتقديس النصّ القرآني سادت رُوحٌ تقديسية للكلمات الدِّينية عمومًا، وهو ما أضفى على أحاديث الرّسول والصّحابة الرُوح نفسها، فأخذت هي الأخرى منزلة عظيمة في تكوين العقلية الإسلامية”.[18]
إنّ التّأسيس لسلطة النصّ في الثّقافة العربية الإسلامية، كان منشؤه رسالة “الشّافعي”، وكان الهدف حينذاك محاولة استيعاب المستجدّات كلها التي يمرُّ منها العالم الإسلامي وربطها بالنصّ، وإيجاد علائق معيّنة معه. ولم يكن بعيدًا هذا التكوُّنُ العقلي عن السّلطة السّياسية التي أسهمت بدورها في حسم محاولات الاختلاف الذي يُمكنه التّشكيك بمصداقيتها المبنية أساسًا على النصّ، درءًا للفتنة على حدِّ زعمها، وفرض الخطاب الإيديولوجي الواحد للسُّلطة. وهنا برز العمل الذي قام به “الشّافعي” في رسالته، إذ لا يُمكن فهمها إلا فرْضًا لهذا الخطاب السّياسي، بما أقرّه من اختيارات تُفضي إلى سيطرة مدوّنة نصّية مُحدّدة على الواقع في جميع أبعاده، ولا تعدو هذه المدوّنة النصّية أنْ تكون قراءة للنصِّ بكلِّ ما تخفيه عملية القراءة من مؤثِّرات غير نصّية وَفْق قول “ناجية الوريمي”.[19]
إنّها الملاحظة نفسِها التي سعى “علي مبروك” في تثبيتها، فلقد أكَّد هو الآخر عن المنحى الذي بلْوَرتْه رسالة “الشّافعي” في العقل الفقهي الإسلامي، إذ إنَّ سمة أيّ فِعل تأسيسيّ هو القطع على نحو ما مع ممارسة تسبق تبلوُره داخل حقله، لِذا فتأسيس “الشّافعي” لعلم الأصول قد ارتبط جوهريًّا بالسّعي الحثيث في القطع كُلِّيًا مع الاختلاف، وإقصائه، ومعه الرّأي من الحقل الفقه. [20] وهكذا ابتدأت سيرورة التقديس بوصفه خطابًا يسعى في تثبيت سلطة الأصل، بعد أنْ كان محض ممارسة في السّياسة تستهدف تأبيد حضور السّلطان- الأب.[21]
ما يُمكن أنْ نستشفه فيما سبق، أنَّ الآلية التي اعتُمِدت في إنتاج الأصل، هي تمامًا كآلية التّداول النّقلي للنصّ المؤسِّس (القرآن)، والتي لم تكن بدورها من إنتاج النصّ، بقدر ما كانت من إنتاج الثّقافة. ولتحقيق غاية تحويل رسالة “الشّافعي” إلى مُسَلَّمة لا يرقى إليها الجدل، بنى هذا الأخير خطابه على معطيات مقدّسة في الضّمير الجمعيّ، مدارها التّرجمة عن إرادة الله والرّسول بعيدًا عمّا هو بشري. وقد كانت أولى هذه المُسَلَّمات تثبيت سلطة الحديث ليكون نصًّا موازيًّا للقرآن، والقطع مع أحكام تُخالف المدوَّنة النصِّية المقرَّرة؛ أيْ لا اجتهاد خارج النصِّ، فالاجتهاد عنده قياسٌ لا غير. [22]
إن مقولة: “لا اجتهاد مع النّص “تندرج ضمن هذا الإطار، حين يُصبح النّص مفارقًا للتّدخّل البشري، في حين أنَّهُ جزءٌ لا يتجزّأ من هذا التّفاعل، مع أنّ هذا النصَّ لا يُمكن أنْ يتجلّى إلا عن طريق العنصر البشري. فرغم هذا البيان المنطقي في ربط معاني ما يُعَدُّ نصًّا، والتدخّل البشري بمستوياته المتعدِّدة، فإنّ النّسق الفكري في شِقِّه السَّلفي، يرى ثبات المعاني والمفاهيم والأحكام، ولا يؤمن بتاريخية الفهم المُتولِّد عن هذه النّصوص، بفهمهم أن هذا المنهجَ هو أحد روافد التّفكير الماركسي للإسلام.
يتشبَّثُ المدافعين عن القاعدة السَّابقة بمجموعة من المغالطات المنطقية والعقلية، لعلَّ أهمّها الاختلاف في مفهوم النّص. هل النّص في سياق هذه القاعدة يُقْصد به النّص قطعي الثّبوت وقطعي الدلالة؟ أم هو النّص ظنيُّ الثّبوت وظنيُّ الدلالة؟ فلو سلَّمنا جدلًا بأنّ المقصود هنا هو قطعيُّ الثّبوت وقطعيُّ الدّلالة؛ بمعنى أنَّ قطعيَ الدّلالة هو ذلك النّص الواضح الذي لا يحتمل تعدُّد المعاني، واستبدلْنا بمقولة: “لا اجتهاد مع وجود نصّ”، مقولة: “لا اجتهاد مع وجود نصّ قطعي الدّلالة”، فإنّنا حينها سنحوِّل كما يقول “عادل ضاهر” العبارة الأصلية إلى تحصيل حاصل، مؤدّاه ألا اجتهاد مع وجود نصّ لا يحتاج إلى اجتهاد. والعبارة الأخيرة لا شكَّ لا تقول شيئًا.[23]
كما يحتجُّ البعض بمسألة معيار اتّفاق العقول، وهي قاعدة مفادها أنّ العقول تتّفق على معنى النّص؛ أيْ بصورة أدقّ اتّفاق العقول بشأن الحكم المقصود من النّص. ويشترط لتحقيق هذا المبتغى، ألا يكون النّص قطعيَ الدلالة في الماضي والحاضر والمستقبل مثارَ خلاف بين النّاس، أو بين منْ توفَّرت فيه شروط النّظر في النّصوص الشّرعية. فإذا تأمَّلنا في هذا المعيار وجدناه مخالفًا للمنطق، لأنَّ المستقبل مفتوح والوقائع متجدّدة، ولا يمكن أنْ يعرف الإنسان إمكانية استخراج معاني نصوص، بالحكم بثبات الفهم والمعنى وحبس الاجتهاد.
المغالطةُ الثالثة التي تحملها قاعدة “لا اجتهاد مع وجود نصّ”، هي افتراض النّص القطعي الدّلالة، هو ذلك المرتبط بشقّ الشّريعة خاصّة مسألة الحدود. ويكفي أنَّ النّصوص نفسها التي تُعَدُّ عند فريق قطعية الدّلالة لا تحتاج إلى اجتهاد، هي عند فريق آخرَ خاضعة للتَّأويل والتّفسير، ليسقط هذا البناء النّظري غير العقلاني في بنية المؤسَّسة الدّينية التقليدية، التي أغلقت باب الاجتهاد بقواعد خلقتْها وأنْتجتها، وسيَّجت من خلالها عملية الابتكار والإبداع في مجال المعرفة الدينية.
خـــــاتـمـــة:
في كل المباحث السابقة، على الرغم من تنوعها وامتداداتها الواقعية، سعينا في الكشف عن هاجس ما يزالُ يؤرق العقل المسلم، وما تزال تعانيه البنية الذهنية للإنسان المعاصر، بما في ذلك الإنسان المسلم داخل أنساق ثقافية مغلقة أو شبه مغلقة. إنها أزمة ضمور الحس النقدي، أو لنقل -في كثيرٍ من الأحيان- غياب الفعل النقدي. ما أثرناه هو ببساطة، محاولة لتملس جذور الخوف الوجودي من النقد في ثقافتنا العربية والإسلامية، لنكتشف أن الإشكال لا يوجد دومًا في طبيعة هذه النصوص الدينية والثقافية، بل يَكْمُن في الطريقة التي تعاطى بها العقل الإسلامي مع هذه النصوص، حين حوَّلها إلى وثائق مقدسة ومتجاوزة لشروط إنتاجها البشري، ومتعالية على حدود المُساءلة والنقد، بل الأخطر حين قدَّمها على العقل، وهو ملكة التمييز الإنساني الكبرى. وهكذا أصبح النص في تجلياته التاريخية ليس حاملًا للحقيقة فحسب، وإنما الحقيقةُ ذاتها، مما أدى إلى تجميد الفكر وشلّ الحس النقدي، وتحويل النقد إلى فعل مشبوه، بل مرفوض في أغلب الأحيان.
وبدخول الإنسان إلى عصر الرَقْمنة الفوضوي، لم يَعُدْ الهاجس المؤرق عنده يَتمثل فقط في النصوص كما هو متعارف عليها في ثقافاتنا، أي أنه لم يَعُدْ معضلات مرتبطة بالنصوص الثقافية أدبية كانت أو سياسية أو دينية، وإنما صارَ في صدام مباشر مع معضلة أكثر تعقيدًا واشتباكًا مع الواقع الجديد، ومع شبكة رَقْمية معولمة تجثم على الإنسان أنفاسه، وتصوغ وعيه، ورؤيته، وفلسفته في الحياة وَفْق منطق استهلاكي قاتل، ومقولب، ونمطي كما أشار “زيغمونت باومان”. وقد كان هذا التحول الدراماتيكي في ذهنية الإنسان المعاصر أو الإنسان الرَقْمي مؤشرًا على أنه في الوقت الذي يعتقد فيه الإنسان أنه متحررٌ من القيود القديمة، وأشكال المراقبات العتيقة، فإنه اليومَ منخرطٌ طواعية أمام هذا الانفجار الرَقْمي، ومسجون في شبكة معقدة من الخوارزميات التي تبني رؤيته من جديد، وتوجه سلوكاته إلى منطق السوق والاستهلاك والسيولة في كل مبادئ الحياة. هنا يتضح لنا مجال البحث، فكما صُودرت سلطة العقل لصالح النصوص المقدسة، في صراع قديم عرف انتصار ثقافة النص، فإن الأمر نفسه يتكرر بصيغة أخرى حين أصبح العقل الإنساني اليوم مُهددًا ومُصادَرًا لصالح أنظمة رَقْمية يعتقد فيها الإنسان أنه ينشد الحرية والانعتاق، وهو مُستلب بين خوارزميات لا تَرْحم.
هذه الثنائية، بين سلطة النص وسلطة الخوارزمية، تجعل من النقد ممارسة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فغيابه يعني موت الفكرة، وموت الفكرة لا يعني سوى موت الإنسان، ليس بمفهومه البيولوجي كما مرَّ معنا، وإنما موتًا للمعنى والقدرة على إنتاج المعرفة. وهو ما نبَّهَ إليه “ميشال فوكو” في أطروحته عن “موت الإنسان”، إذ لم يَكُنْ القصد إلغاء الإنسان فيزيائيًا، بل زعزعة الصورة الحداثية التي جعلت منه مركزًا للمعنى، ليتحول إلى نتاج خالص لخطابات ومعارف تسيَّرهُ من الخارج. والإنسان الرَقْمي -في هذا السياق- ليس سوى تجلٍّ جديد لهذا الموت الرمزي، الذي تنصهر فيه هُويته في تدفقات رَقْمية لا تنضبُ، لكنها تُجرِّدهُ من جوهره النقدي، وتحوّله إلى ذات مُشتتة بين شاشات وأرقام وبيانات.
لم تكن غاية البحث من إثارة سؤال النقد، الذي هو أساس وهدف الكتابة عن هذا الموضوع الحارق، سوى التذكير بأن الحاجة إلى النقد داخل واقع مأزوم نعيشه بأشكال وأساليب مختلفة، هي إعادةُ اعتبار لطبيعة الإنسان، ومحاولة تُضاف إلى سابقاتها من جُهود كتاب ومفكرين ومثقفين على مدار تاريخ طويل، في الإشارة إلى أن الطريق يبدأ من هنا، أي من توطين النقد، لتكون حركة فكرية من شأنها أن تُعيدنا إلى أنفسنا من جديد، ولعل أول خُطوة نحو تحقيق هذا الهدف المرجو، هي إعادةُ الاعتبار للسؤال، كونه الشرارة الأولى التي تفتح إمكانات الفهم والمعرفة. فالسؤال ليس صياغة لُغوية محضة، ولكنَّهُ فعلٌ وجودي يقتضي الجرأة على مساءلة المسلّمات، وتفكيك البِنى المغلقة، وكشف ما يُخفيه المقدس من توظيفات أيديولوجية وسياسية. وبغيابه ينطفئ نور الفكر، وتتحول النصوص إلى وثائق ميتة، والأفكار إلى شعارات خاوية، والإنسان إلى كائن سلبي يكتفي بالاستهلاك والترديد.
لذلك فإن مستقبل الفكر العربي والإسلامي يظلُّ مرهونًا بمدى قدرتنا على تجاوز هذا الخوف من النقد، والانتقال من ثقافة التقديس الأعمى إلى ثقافة الحوار والمساءلة. فلا يُمكن بِناء معرفة حية ولا ثقافة متجددة إلا بقبول النقد بوصفه شرطًا من شروط الوجود ذاته، ورؤيته علامةً على الحيوية الفكرية، لا تهديدًا للنصوص أو خيانة للتراث. وإذا كان النقد هو حياة الفكرة، كما عبَّر عن ذلك “سيوران”، فإنه أيضًا حياة الإنسان، لأن التفكيرَ لا ينفصل عن وجودنا ذاته. فما أن يتوقف العقل عن النقد حتى يدخل في مرحلة الجمود والموت الرمزي، مُعلنًا نهاية الدور الإنساني في إنتاج المعنى، وبداية عهد جديد من التبعية والاستلاب.
من هنا يتضح أن الخوف الوجودي من النقد ليس حالةً ثقافيةً عابرة فقط، وإنما أزمةٌ أنطولوجية عميقة، تضرب في جذور وعينا وتكبل حركتنا التاريخية. غير أن تجاوز هذه الأزمة ليس مستحيلًا، بل يظل ممكنًا كلما أعدنا إحياء السؤال، وفككنا البِنى المغلقة، وانفتحنا على النقد بوصفه أفقًا للتحرر، وممارسةً تُعيد إلى الإنسان مكانته كونه فاعلًا في التاريخ، لا موضوعًا تُعيد إنتاجه النصوص أو الخوارزميات. بهذا المعنى، فإن استعادة الحس النقدي ليست فقط ضرورة فكرية، ولكنها ضرورةٌ وجودية، لحماية معنى الإنسان في زمن تتنازعه سلطة النص وسلطة الرَقْمنة.
___________________________________
المراجع:
[1] – دانيال، كوهين. الإنسان الرَقْمي والحضارة القادمة، ترجمة علي يوسف أسعد. صفحة سبعة للنشر والتوزيع، ط1،2O22. ص:10,
[2] – بنشيخة، أم الزين. الفن وسرديات المستقبل. في السؤال عن الأمل. مؤسسة هنداوي، ط1، 2022. ص: 57.
[3] – زيغمونت، باومان. المراقبة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1،2017.
[4] – إيميل، سيوران. لو كان آدم سعيدا. ترجمة محمد علي اليوسفي. أزمنة للنشر والتوزيع، ط2،2O14. ص: 54.
[5] Emil Cioran : la déchirure d’exister ou les affres de l’insoluble Vincent Piednoir Horizons philosophiques Volume 16, numéro 2, printemps 2006 p 119
[6] . Emil Cioran : la déchirure d’exister ou les affres de l’insoluble Vincent Piednoir Horizons philosophiques Volume 16, numéro 2, printemps 2006 p 119
[7] Dermot Moran. INTRODUCTION TO PHENOMENOLOGY. This Edition published in the Taylor & Francis e-Library, 2002. P1
[8] – جمال، علي الحلاق. تأجيل اللذة تأملات في الادب والفن والحياة. دار مقهى للطباعة والنشر،2010. ص: 27.
[9] – جمال، علي الحلاق. المرجع السابق. ص: 27.
[10] – حرب، علي. النص والحقيقة II. نقد الحقيقة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993، ط1. ص 15
[11] – انظر شذرات من هذا التاريخ الدموي كتاب. الهادي، العلوي. (1999). فصول من تاريخ الإسلام السياسي. (ط2). مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي.
[12] – حسن، حنفي. دراسات فلسفية: الجزء الثاني في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة. مؤسسة هنداوي، 2020. ص: 301.
[13] – غليون، برهان. اغتيال العقل. بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006، ط4. ص 135/136
[14] – يرى بنسالم حميش أن الاختلاف في تأويل رسالة الله مع أنها واحدة، لا يعود إلى ذوات المؤولين فقط، ولكن كذلك إلى طبيعة المادة المؤولة من حيث قابليتها واتساع فضائها لعمليات التأويل. انظر: حميش، بنسالم، التشكيلات الإيديولوجية في الإسلام. تقديم ماكسيم رودنسون، ومحمد عزيز الحبابي. بيروت: دار المنتخب العربي، 1993، ط1. ص 13
[15] – حرب، علي. النص والحقيقة II. نقد الحقيقة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993، ط1. ص 6
[16] المنصف، بن عبد الجليل. (1990). في قراءة النص الديني. (ط2). المنهج الأنثروبولوجي في دراسة مصادر الإسلام. الدار التونسية للنشر. ص 44
[17] – ياسين، عبد الجواد. السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ. بيروت. المركز الثقافي العربي، 2000، ط2. ص 33
[18] – عبد الرحمن، عبد الهادي. سلطة النص. سينا للنشر، ومؤسسة الانتشار العربي، 1998، ط1، ص 71
[19] – بوعجيلة، ناجية الوريمي. في الائتلاف والاختلاف: ثنائية السائد والمهمّش في الفكر الإسلامي القديم. دمشق، دار المدى للثقافة والنشر، 2004، ط1. ص 123/124
[20] – مبروك، علي. ما وراء تأسيس الأصول: مساهمة في نزع أقنعة التقديس. القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع، 2007، ط1. ص 72
[21] – المرجع نفسه. ص 75
[22] – بوعجيلة، ناجية الوريمي. المرجع السابق ص 124
[23] – ضاهر، عادل. أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي. لبنان: بيروت. دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع، 2001. ص 305