تكوين
اتفقنا على موعد اللقاء. من كثرة شوقي للقاء، أنظر إلى ساعتي كل دقيقة وأشعر وكأن الزمان لا يسير، وفي النظرة التالية إلى ساعتي أشعر ببطء سيره! تُرى، هل الزمان لا يسير أو يبطئ في سيره؟
حان وقت اللقاء، ولا بد من وجود مكان مُحدَّد للقاء، وإلا تاه اللقاء في غياهب المكان. التقينا في الوقت المحدد والمكان المحدد، ومن شدة شوقنا للقاء ومتعته لم نعد نشعر بوجود المكان ولا بوجود الزمان. وفي وقت محدد شعرنا وكأن الزمان سار بسرعة هائلة، وحان وقت الرحيل، ليذهب كل منا في طريقه لاستكمال ما عليه من مستلزمات الحياة.
فعاد السؤال إلى الذهن: تُرى، هل فعلًا الزمان متقلب في سيره بين السريع والبطء والتوقف، بمعنى انعدام حركته؟ أم إن ما حدث هو مجرد شعور بهذه التقلبات في سرعة الزمان ولا علاقة لها بطبيعة الزمان؟ هل كان بالإمكان أن نلتقي دون تحديد المكان؟ أي، هل بالإمكان فصل الزمان عن المكان، أم هذا الأمر محال؟!
ما هذه إلا بعضٌ من الأسئلة الإشكالية، المتعلقة بالزمان والمكان وطبيعة علاقة الإنسان بهما. أسئلة طرحها الإنسان منذ أن وعَى وجوده، وما زال يبحث عن إجابات لها.
منذ لحظات الوعي الأولى بالوجود شكل الزمان[1] والمكان وعلاقة الإنسان بهما، معضلة للفكر البشري، وما يرتبط بها ويتداخل معها من حركة وجسم. قارَبَتْ فلسفات الحضارات القديمة هذه الأسئلة، ومنها على سبيل المثال الحضارة البابلية، تلك الحضارة التي أولَت الزمانَ وعلمَ الفلك وحركةَ الكواكب اهتمامًا كبيرًا، وكانت أولَ مَن قسَّم النهار إلى 24 ساعة، والساعة إلى 60 دقيقة، والدقيقة إلى 60 ثانية. وهو تقسيم للزمان، وتحديدا لطول النهار، ما زال مُعتمدًا حتى يومنا هذا.
يمكن القول إن الفلسفة اليونانية كانت من أوائل مَن قارَب مفهوم الزمان بعمق فلسفي، إذا ما أخذنا بالرأي الشائع أن الفلسفة مولودٌ يوناني. فعلى سبيل المثال، حاول أَنكسيماندرس (Anaximander) (610 – 546 ق. م.) بناء ساعة شمسية في إسبرطة “لتحديد الفصول، وليس لتوقيت ساعات النهار…”[2] وهي بهذا الابتكار تشير إلى مرحلة أكثر عمقًا من مجرَّد الساعة الرملية أو الشمسية في بدايات ظهورها، في عملية قياس الزمان. كما أنها ربطَتْ بين مفهوم حركة فصول السنة والزمان المُقَاس، وارتباط هذه الحركة الزمنية بالحياة اليومية.
لم يقتصر الأمر على تطوير آلة قياس الزمان، بل ذهب اليونانيون إلى أبعاد أخرى. فهناك شبه إجماع على أن أرسطو هو أول من قارب مفهوم الزمان بشكل فلسفي معمق، حيث “عَدَّ الحركة أبدية هو نتيجة ناتجة عن طبيعة الزمان… ما من بداية ولا نهاية للزمان”[3]. وبالنسبة له، “ولما كانت كل حركة في زمان، وفي كل زمان يمكن أن تكون حركة… فإذا كان ذلك كذلك، فواجب ضرورة أن يكون الزمان متصلاً”[4]. وفي الحضارة العربية – الإسلامية وفلسفتها، مثّل الزمان مسألة خلافية.
كما حاول القديس أوغسطينوس (354 – 430) مقاربة الزمان، فسأل: “ماذا – إذاً – يكون الزمان؟” ويجيب: “… أنا أعلم ما هو إذا لم يسألني عنه سائل، أما إذا أردت شرحه لمن يسأل، وجدتني جاهلاً به”[5]
يُكمل إيمانويل كانط (Immanuel Kant) (1724 – 1804) خوض محاولة الإمساك بمفهومي الزمان والمكان. فالمكان بالنسبة له: “… تَصوُّر ضروري قبليّ يشكل أساساً لجميع الحدوس الخارجية و… هو حدس محض”[6]. أما الزمان، فيقول عنه: “… تَصوُّر ضروري يشكل أساساً لجميع الحواس… فالزمان إذاً معطى قبليّ… و… صورة محضة للحدس الحسي… (و)… يكون تصور الزمان الأصلي بوصفه لا محدوداً”[7].
لم يقتصر الصراع للإمساك بمفهوم الزمان على الفلسفة، بل كان – وما زال – علميًا أيضًا. وإن لم تكن محاولات الإمساك به عليماً واضحة المعالم في بداياتها، لكن ما الساعة، الرملية أو الشمسية، إلا محاولات علمية أولية لقياسه بدقة. مع الثورات العلمية منذ كوبرنيكوس وما بعده أصبح الزمان مكون علمي أساسي.
بالنسبة لإسحاق نيوتن (Isaac Newton) (1643 – 1727) الزمان والمكان “مطلقان”، وبالنسبة لغوتفريد لايبنتز (Gottfried Wilhelm Leibniz) (1646 – 1716) “نسبيان”.
هيمن مفهوم نيوتن للزمان على الفيزياء، وإلى حد كبير على الفلسفة، إلى أن وضع ألبرت أينشتاين (Albert Einstein) (1879 – 1955) نظرية النسبية، ليُظهر أن الزمان نسبي، متأثر بسرعة الجسم وكتلته، ومندمجٌ في المكان، وقد سُمي بالبُعد الرابع، وفي كثير من الأحيان يستخدخم مصطلح “زمكان” أو “زمان – مكان” للتعبير عن عدم انفصال الزمان عن المكان والمكان عن الزمان وفقاً لما أثبته أنيشتاين. فأصبح الزمان منذ أن وضع أينشتاين نظريته “محكوم على الزمن بذاته والمكان بذاته أن يتلاشيا إلى مجرد أشباح ويصبحا نوع من الاتحاد (union)”[8]، بالإضافة إلى مفهوم أساسي آخر يتعلق بالنسبية.
من خلال تقديمه مقاربة جديدة لمفهوم الزمان (طبعًا ضمنًا المكان وعلاقة سرعة الجسم بالزمن)، فتحَ أينشتاين حقلًا جديدًا في الفيزياء يُعرف باسم الفيزياء الحديثة؛ فيزياء لا تلتقي مع فيزياء نيوتن، لأنها تدخل إلى العالم ما دون الذري، وعالم المسافات البعيدة. ولهذا العالم قوانينه التي لا تنطبق على العالم المادي المشاهد بالعين المجردة، فحدث التصادم مجددًا بين العلم والفلسفة.
تصادم بين مقاربتين متناقضتين للزمان والمكان: واحدة تتمسك بالأفكار القديمة، وأخرى تعمل على بناء نظرية علمية وتأسيس قراءة فلسفية على قاعدة ما تم اكتشافه على المستوى العلمي. قد يكون هنري برغسون (Henri Bergson) (1859 – 1941) من أوائل من ناقش فلسفيًّا مفهوم أينشتاين للزمان. وجرى نقاش علني بينهما بتاريخ 6 نيسان 1922، في “الجمعية الفرنسية للفلسفة” (Société française de philosophie) حول مفهوم الزمان.
كان لقاءً عاصفًا، وكتب برغسون كتابه (Duration and Simultaneity) ليكون ردًّا مفصلاً على أينشتاين، ويضع فيه إلى “أي حد يتوافق مفهومه للديمومة (duration) مع وجهة أينشتاين للزمن…”[9]. لم يُوفَّق برغسون في رده. فبالنسبة لبرغسون “المعطى… مجموع الصور، والصورة هي الأشياء ذاتها… لا يمكن تحولها بعضها إلى بعض، أو إحصاؤها… إنها صيرورة دائمة… أن هذه الصور هي الكائن ذاته كما يرينا إياه في باطننا حدسنا للديمومة المحضة…”[10]. فالزمان بالنسبة لبرغسون مسألة نفسية و”ديمومة”، والصورة هي “الكائن ذاته”؛ أي الكائن بدوره في حالة ديمومة. وللإمساك بالديمومة، وفقًا لمفهومها البرغسوني، “يجب علينا أن نشعر بدفقها في داخلنا”[11]. ومن هنا يستحيل “قياس” أو “تكميم” الزمان، وهذا ما يتعارض مع المبدأ الفيزيائي للزمان. فأتى رد أينشتاين على مفهوم برغسون للزمان، خلال النقاش الحاد بينهما، بقوله: “زمن الفلاسفة غير موجود”[12] (Canales, 2015, p. 20).
من ناحية أخرى، يمكن قراءة أحد تمظهرات هذا التصادم بين المقاربة الفلسفية للزمان وتفسيرات الفيزياء الحديثة له في فلسفة مارتن هايدغر (Martin Heidegger) (1889 – 1976). فهايدغر لم يخرج من تحت المظلة التي يقف تحتها أرسطو وكل مؤيديه لمفهومه للزمان والمكان.
كتب هايدغر “الكينونة والزمان”[13]، وقبله ألقى محاضرة بعنوان “مفهوم الزمان” حاول فيها قراءة نظرية أينشتاين للزمان ونقدها فلسفيًّا. ذهب هايدغر إلى البحث عن معنى الكينونة “المنسية”، وفقاً لأقواله، حيث “يجدر بنا أن نطرح السؤال عن معنى الكينونة مجددًا”[14]. والبحث عنها – أي عن الكينونة – عند هايدغر، لا ينفصل عن مفهوم الزمان؛ فـ”تأويل الزمان بوصفه الأفق الممكن الذي من شأنه أن يكون لكل فهم للكينونة بعامة هو هدفه المؤقت”[15].
لذا، فإن فهم الكينونة يستلزم بالضرورة فهمًا للزمان. والكينونة “قصيدتها المبتدئة هي الإنسان”[16]. فعند محاولة فهم الكينونة، نعني فهم الإنسان من خلال طبيعة العلاقة القائمة بينه وبين الزمان. من هنا ذهب هايدغر لمناقشة مفهوم الزمان الذي أحدثه أينشتاين ليقول: “إذا حققنا الوضوح بشأن ماهية الساعة، فإن هذا النوع من الإدراك… في الفيزياء يصبح حيًّا، وكذلك الطريقة التي يحصل بها الزمان على قدرة إظهار نفسه”[17]. ليصل هيدغر إلى حد القول أنا زماني، محولاً الزمان إلى مسألة محض شعورية لاغياً علمية قياسه.
مفاهيم علمية جديدة أوجدت خلافات بين العلماء كما أوجدت خلافات بين الفلاسفة. فوقع السؤال الذي طُرح وانا عائد من لقاء صديقي في تيه بين تقبل الإجابة الفلسفية المتمسكة بفكرة الزمان والمكان ما قبل الاكتشافات العلمية الحديثة، وبين الإجابة العلمية. بغض النظر عن الإجابة التي يمكن أن أقبلها، فما ما هو مؤكد لو لم نحدد زمان اللقاء، المقاس بالساعة، ومكانه، المحدد بإحداثيات جغرافية للأرض، ما كان لي أن التقي بصديقي!
__________________________________________
المراجع:
[1] اعتمادا على “لسان العرب” لابن منظور، الصادر عن “دار صادر”، ط. 3، ج. 7، 2004، ص. 60 – 61 حيث يقول: “زمن وزمان مترادفان، وتعني اسم لقليل من الوقت كثيره… الزمن والزمان العَصرُ، والجمع أزمن وأزمان وأزمنة.
[2] A. C. Grayling, The History of Philosophy, Penguin books, London, New York, 2020, p. 14.
[3] شارل فيرنر، الفلسفة اليونانية، ترجمة تيسير شيخ الأرض، دار الأنوار، بيروت، لا ط.، ص. 167، 1968.
[4] أرسطوطاليس، الطبيعة، ترجمة اسحق بن حذين، تحرير عبد الرحمن بدوي، المكتبة العربية، مصر، لا ط.، لا سنة، ص. 622.
[5] برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ترجمة زكي نجيب محمود، دار التنوير للنشر، بيروت، ج 2، 2018، ص. 61.
[6] عمانوئيل كنط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبه، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط. 2، 2017، ص. 74.
[7] عمانوئيل كنط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبه، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط. 2، 2017، ص. 77 – 78.
[8] H.A. Lorentz, The Principle of Relativity A Collection of Original Memories On The Special And General Theory of relativity, translated by W. P. Jeffery, U. S. A, Dover Publication, 1923, p. 75.
[9] H. Bergson, Duration and Simultaneity, translated by L. Jacobson, The Library of Liberal Arts, New York, 1965, p. 5.
[10] غالب مصطفى، هنري برجسون، القاهرة، دار ومكتبة الهلال، لا ط.، 1998، ص. 10.
[11] D. Lapoujade, Powers of Time Versions of Bergson, translated by A. Goffey, London, Universal Book, 2010, p. 1.
[12] J. Canales, The Physicist and The Philosopher Einstein, Bergson and the Debate that Changed our Understanding of Time, Princeton & Oxford: Princeton University Press, 2015, p. 20.
[13] “الكينونة والزمان” (Being and Time) واحد من أبرز مؤلفات هيدغر، والبعض يكتب هيدجر، المتعلقة بالزمان ومقاربته فلسفياً بالإضافة إلى محاضرة له خصصها لمقاربة مفهوم الزمان، وقد نشرت في كتيب بعنوان “مفهوم الزمان” (The Concept of Time). وأتت مقاربته انطلاقاً اعتماداً على مبادئ أسس المدرسة الظواهرية (phenomenologist) التي ينتمي إليها، ويظهر هذا جليا بإهدائه كتابه “الكينونة والزمان” إلى إدموند هوسرل، ويعتبر مؤسس الظواهرية، وإن كان البعض يضع هيدغر ضمن المدرسة الوجودية.
[14] مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، ليبيا، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012، ص. 48.
[15] مارتن هيدغر، الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، ليبيا، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012، ص. 48.
[16] مارتن هيدغر، من تجربة الفكر… طريق الحقل، ترجمة فؤاد رفقه، بيروت، دار النهار، ط. الأولى.، 2004، ص. 18.
[17] M. Heidegger, The Concept of Time. Translated by W. McNeill, Cambridge, USA: Blackwell, 1992, p. 4.