موسيقَى العَقْل، من فيثاغورَس إلى الماتركس

. مدخل: الموسيقى كانعكاس للوعي على ذاته

حين نتقصَّى تاريخيًا كيف فهم البشر الموسيقى، يمكننا أن نتتبع في الوقت نفسه، والمسار نفسه، تاريخًا مختصرًا نقيًا لتطور الوعي الإنساني منعكسًا على نفسه. والسبب في ذلك هو أن الموسيقى تمثل أرقى درجات الوعي المجرد، كما يرى مثلاً كل من دونالد هودجيز Hodges، وديفيد سيبالد Sebald. يعتقد هودجيز، وسيبالد، المختصان في علم نفس الموسيقى، أن تطور الإنسان البيولوجي كان كميًا، لا كيفيًا؛ فهو يشترك مع الرئيسيات primates في كل الصفات البيولوجية الأساسية، لكنّ تطوره النفسي أنجز خطوةً نوعيةً كيفية برغم ذلك، هي الثقافة، والتي خطتْ بدورها خطوةً نوعية نحو الجماليات، والتي تقدمت بدورها إلى حد “جماليات التجريد”. والموسيقى هي مجال هذا النوع الأخير المتقدم من الجماليات.[1]

وحين نفكر في الموسيقى، فإننا بالتالي نمثل لحظة انعكاس الوعي على نفسه في صورة هي أكثر تطورًا من الرياضيات. فإذا كانت الرياضيات تمثل أعلى درجات التجريد، التي وصل إليها العقل الإنساني، فإن الموسيقى تمثل الرياضيات نفسها في صورة متحركة، ديناميكية، بينما تبقى الرياضيات في كل الحالات ثابتة، استاتيكية. ومن هذا المنطلق يمكن عقد الصلة بين دراسة الوعي الإنساني، الفلسفة بالأحرى، وبين الموسيقى.

إن نقطة التقاطع الأساسية بين الموسيقى، والفلسفة، كمجالين معرفيين، أو وسيطين تعبيريين، هي التجريد؛ فكل منهما تحيل إلى بنية مجردة في الوعي، يتم التعبير عنها بشكل مختلف في كل من النَّصَّينِ الفلسفيّ، والموسيقيّ. يعبّر النص الفلسفي عن بنيته المجردة بلغة الرسم الصوتي phonogram، أي بما هي –اللغة- شفرة إنسانية مكتوبة، ومنطوقة، للدلالة على كيان، أو علاقة، فيما هو متعيِّن، أو مجرَّد. وتُستعمَل اللغةُ في الفلسفة مقارنةً بغيرها من مجالات المعرفة للدلالة بدرجة أكبر من التجريد على موضوعاتها، لكنها ليست الدرجة الكبرَى، التي للرياضيات مثلاً. ولكن للفلسفة إمكانية لا تحوزها الرياضياتُ، هي التوازن بين الحدين: الأقصى للتجريد، والأدنى للتعيين. وهو ميزان متفاوت بين الفلاسفة كما هو معروف.

أما النص الموسيقي فيَستعمِل لغة التدوين الموسيقي للدلالة جزئيًا على بنَى مجردة بحتة كالفلسفة، وكالرياضيات، ولكنّ الفارقَ أنها أكثر تجريدًا من الفلسفة من جهة، وديناميكية إذا ما قورنت بالرياضيات من جهة أخرى، إذا أوّلنا الرياضيات بما هي علم للصيغ المجردة الاستاتيكية. في الواقع تشبه مدونةُ الموسيقى اللغةَ الفونوجرامية، التي للنص الفلسفي، من نحو كونهما معًا رموزًا تُحيل إلى أصوات، ولكنها تختلف عن لغة النص الفلسفي في أنَّ هذه الأصوات، حين تتراكب معًا في جملة موسيقية، لا تُحيل إلى كيانات، بل إلى “علاقاتٍ” فحسب، علاقاتٍ متطورة باستمرار. وهو ما يمكّننا من تأويل الموسيقى كعِلم للصيغ المجردة الديناميكية، متقاطعة على هذا النحو مع كل من الفلسفة، والرياضيات.

وحين نقول “علم للصيغ المجردة الديناميكية” فنحن نقصد ضمنًا، وبالضرورة، “علم الصيرورة المجردة”، وهنا تجدر الإشارة إلى الدور، الذي يمكن أن تسهم به فلسفة الموسيقى في إعادة تصور هذه الموضوعات، والنشاطات الإنسانية؛ نظرًا لكونها عمليات processes أو “موضوعات تطورية”. وإذا فهمنا “الموضوع” بما هو كائن استاتيكي، أو بالأحرى الجانب الاستاتيكي من الكائن، فإن الموسيقى تتعلق بالجانب الديناميكي-التكويني منه. وهذا هو مدخلنا في هذا الحيز: الصيرورة المجردة في سياق تطور تاريخ الموسيقى، وتاريخ فلسفة الموسيقى؛ طالما أن هذه -الصيرورة المجردة- هي نقطة تفرد الموسيقى، وقلب ماهيتها الأصيلة.

  1. فيثاغورَس: وَعيُ المَكانِ

وعادةً ما يبدأ التأريخ لفلسفة الموسيقى مع فيثاغورس. وبالرغم من إمكانية مدّ خيط هذا التأريخ في الماضي إلى البوذية، والكونفوشيوسية، والهندوسية، أقدم ديانة حية على وجه الأرض اليوم، فإننا سنلتزم لضيق المقام بنقطة البداية التقليدية؛ لأننا لا نقدم عرضًا مسحيًا شاملاً بقدر ما نحاول بلورة مدخل لتاريخ تصور الصيرورة في الوعي من خلال الموسيقى. إن نظرية فيثاغورس في الموسيقى هي أشهر النظريات في هذا المجال، إلى درجة أن الطالب المبتدئ في الفلسفة يعرف أساسياتها. ذلك أن فيثاغورس، أو ما تبقى من تعاليمه بالأحرى، قد أقام أساس تصوره للعالم على الموسيقى، مما جعل من المستحيل تقريبًا فَصْل فلسفته العامة عن فلسفته في الموسيقى. وهي محاولة فريدة إلى الحد الذي لا نجد معه فيلسوفًا واحدًا قد قام بهذا الربط الوثيق بين النسق الفلسفي العام، وبين فلسفة الموسيقى، بدرجة تناهز فيثاغورس في القرن السادس قبل الميلاد سوى شوبنهور في القرن التاسع عشر الميلادي.

تَصوَّرَ فيثاغورسُ العالَمَ من خلال الموسيقَى باختصار شديد لسببين: أولاً هو الطبيعة التجريدية للموسيقى من حيث التعريف، بما هي موسيقى ، وثانيًا هو الطبيعة الديناميكية الكامنة كذلك من حيث التعريف فيها. لما كانت النِّسَب الموسيقية مجرَّدةً، ولا نعرف مَصدرًا لنشأتها، ولا مكانًا لظهورها للمرة الأولى، ولا زمنًا محددًا لتكوينها، فهي سرمدية، هي النسَب التي بُني عليها الكون ذاته. ولما كان الكون ذا طبيعة ديناميكية، فقد صارت الموسيقى لدى فيثاغورس هي المجال الأنسب لتصوُّر طبيعة الكون الحقيقية السرمدية “المتحركة-على-قواعد-ثابتة”، كأنها “فيزياء موسيقية” إن جاز التعبير.

يبدأ العالم عند فيثاغورس من نقطة، التي إذا أضفنا إليها نقطة أخرى كان الحاصل خطًا. وهو الذي ينضاف إلى خطوط أخرى؛ ليكوّن لدينا شكلاً مسطحًا، وهو بدروه ينضاف إلى أشكال مسطحة أخرى ليتكون في النهاية المجسَّم، الذي يمثل عالمنا ثلاثي الأبعاد المكانية. وهنا نجد بوضوح إيقاعًا ثابتًا، رغم ما تؤدي إليه الفروق الكمية الثابتة بين النسَب السابقة من فروقات كيفية قاطعة طبقًا لمعادلة معينة، يمكن للعقل البشري بذكائه أن يستنبطها، ولكنه لا يخلقها حين يتصورها، بل لا يعرف وقتًا لبدايتها.

فإذا أضفنا إلى النقطة، أي البُعد الواحد، نقطةً أخرى، نتج الخط. وإذا أضفنا إلى الخط خطين، صار هناك أقل عدد ممكن من الأعداد لتكوين مساحة، أي المثلث، الذي إذا انضاف له أربعة أمثال على الأقل نتج الهرم ثلاثي الأوجه، الذي يتضمن أقل عددٍ ممكنٍ من الأمثال، حيث الهرم هو المجسم الوحيد، الذي يمكنه أن يتقوّم بأربعة أوجه فقط، وليس ستة؛ لأنه جمَّع الأركانَ الأربعةَ للوجهين الناقصَين في بؤرة واحدة، واستغنى عن المساحة بالنقطة غير ذات الأبعاد على أحد الأوجه الباقية، ما يعني أن النقطة بالفعل هي عكس الوجود الكامل (ثلاثي الأبعد) بالتمام: 1-1=0، حين نختبر المعادلة بالعكس. وهو ما يعني أننا نضيف واحدًا إلى ما لدينا في كل مرة: 1+1=(2)، 2+1=(3)، 3+1=(4). ويمثل كل عدد من الأعداد بين القوسين مرحلةً أرقى في مفهوم المكان ذاته، حتى نصل إلى أعقد مفهوم للمكان -في عالمنا- مع المجسَّمات. والمعادلة التي نجردها هنا هي (س+1). وصورة تسلسلها هي: 1+(1)=2+(1)=3+(1)=4. وهنا يمثل ما بين القوسين مناطقَ عمل المعادلة في التسلسل، وإيقاعًا معينًا على المستوى التجريدي البحت، أي الرياضيات المتحركة بما هي تعريف الموسيقَى في هذا المذهب.

وهو قد يكون تفاعلاً متسلسلاً chain reaction بلغتنا المعاصرة، لا مفر للمكان بما هو مكان منه، فلا زمنَ أصلاً له، وما لا زمنَ محددًا له، فليس له من الخواص الفيزيقية إلا المكان. وكأنما لا يمكن تفسير الطبيعة المتحركة إلا بمعادلة، غير خاضعة لمفهوم الزمان أصلاً، ولا المكان، أو بالأحرى: التي صارت حرة بالتالي من الزمان؛ لأنها غير خاضعة لشروط المكان، بما أن الزمان مفهوم متفرع بالأصل عن المكان لملاحظة التزامُن بين بعض الظواهر، أو العلاقات الهندسية المكانية التي تحكمها في تفاعلات مجسَّمة ثلاثية الأبعاد.

وبرغم روعة النظرية، على بساطة معادلتها الأساسية، كهندسة حقيقية رشيقة بسيطة، كراقصة دقيقة القدمين، برغم هذا فهي نفسها لا تتحرك، فإنه يمكن نقضها ببساطة أيضًا، لماذا مثلاً لا يكون التفاعل المتسلسل عكسَ الاتجاهِ فعلاً، لا فرضًا أي (س-1): 4-(1)=3-(1)=2-(1)=1؟ لا تفسر نظرية فيثاغورس، على ابتكارها، اتجاهَ التسلسل الخلّاق، بل لا تستطيع أن تحدد له اتجاهًا من الأصل، أو حتى عدد اتجاهات المعادلة في كل خطوة، من الممكن مثلاً التعبير عن التسلسلين السابقين، الأصلي ومعكوسه، بمعادلة أكثر تعقيدًا لتعطي نفس النتيجة: 1/1+1=2/1+1=3/1+1=4، بل إنه بالإمكان اختلاق معادلات معقدة جدًا، ربما إلى ما لا نهاية، كلها تعطي نفس النتيجة. ومن الممكن كسر السلسلة وإعادة ربط حلقاتها في تفرعات، مثلاً: 1+1=1+2=3+(4-3)=4. وهنا نحصل على الأعداد نفسها: 1، 2، 3، 4، ولكن بعكس الخطوة الأخيرة من الجمع إلى الطرح، عكس اتجاه الجمع، أي أننا نبدأ من نقطتين مختلفتين ونصل إلى الجذع نفسه. هذا هو الشرخ الأساسي في البنيان السيمتري الموتسارتي لتلك النظرية.

فوق ذلك نرى في هذا التصور الفيثاغوري أن الموسيقى قد اختُزلَت إلى نظريتها، وأنها في الأصل رياضيات، بقطع النظر عما تحمله من تعبير. ومن الهام أن نشير هنا إلى أن الإغريق لم يعرفوا موسيقى الآلات Instrumental music كما نعرفها اليوم، بل كان يعني لفظ الموسيقى “نظرية الموسيقى” كما نفهمها حاليًا، أما الفن، الذي كانت فيه تستخدم الموسيقى فهو “الغناء”. مما يعني أن فيثاغورس قد قام في الواقع بعمليتين للتجريد؛ ليصل إلى تصوره السابق: تجريد الموسيقى من الغناء، وتجريد العالم من مادته. هكذا نرى مرحلة من بدايات العقل الأوروبي، مرحلة التجريد القصوى، التي تمثل “الوعي المكاني بالعالَم“، دون اعتبار ببعده الزماني. صحيح أن فيثاغورس لم يغفل قطعًا الطبيعة الديناميكية للموسيقى، ولكنه لم يفسر العالم تطوريًا، بل اعتقد أن تصميم العالم الهندسي أزلي، لا بداية له، ولا تبديل.

  1. أفلاطون وأرسطو: إيقاع الوعي

وحين جاء أفلاطون، ومن بعده أرسطو، تصورا الموسيقى نظامًا إيقاعيًا كذلك، ولكن ليس للطبيعة، بل للنفس البشرية. اعتقد كل من الفيلسوفين أن الموسيقى نظام إيقاعي بالدرجة الأولى، يمكنه أن يطبع في نفس النشء القابلة للانطباع، والمحاكاةِ خصيصةَ الانضباط. وقام أفلاطون في جمهوريته بتحديد دور الموسيقى؛ بحيث تكون منهجًا تعليميًا في مرحلة الطفولة، من أجل إعداد الطفل لدوره في مجتمع شمولي سابق التجهيز.

فإذا كانت الموسيقى فن النظام بالألف واللام لدى أفلاطون بما هي نظام إيقاعي بالدرجة الأولى، فإنها الفن القادر على استحضار نفسية الانضباط عند الطفل. والسبب الرئيس في اضطلاع الموسيقى بهذه المَهمة هو أنها كانت في نظر أفلاطون فنًا خلوًا من المضمون، ومجرد معادلة رياضية مسموعة، وهي فكرة تعود إلى فيثاغورس، كما نعرف. وطالما أن الموسيقى بطبعها لا مضمونية، فهي تؤثر على النفس تأثيرًا مباشرًا، بلا وسائط مفهومية conceptual يمكن نقلها بلغاتنا الفونوجرامية. وطالما أنها تتمتع بالنظام كخاصية أساسية، فهي قادرة على طَبْع حالة النظام في النفس. وهكذا نرى أن أفلاطون لم ينقل نظرية فيثاغورس من التفسير إلى التغيير بشكل مباشر، بل أقام العلاقة بين المجالين، ألا وهي الأثر النفسي للموسيقى. ولهذا يمكن القول إن أفلاطون قد طوّر بشكل ما “علم نفس الموسيقى” القديم، إنْ جاز التعبير قديمًا.

وقد رأى بعض الباحثين أن أفلاطون قد عقد ضمنيًا علاقة بين صورة form الموسيقى السليمة من وجهة نظره، وصورة النفس المقابلة لها المتمتعة بفضيلة العدالة؛ فصورة الموسيقى المتعادلة على المستوى الرياضي، تقابل صورة النفس المتعادلة على المستوى السيكولوجي.[2] ولكن ذلك الأثر، أو الانطباع الحامل للنظام والتعادل، لا يمكن تحقيقه إلا على المستوى اللا واعي، واللا إرادي. ولهذا فقد حدد أفلاطون موقع الموسيقى في نظامه التربوي في الجمهورية بحيث تمارس دورَها على عقلية الطفل القابلة للانطباع، بعبارة أخرى: عقلية الطفل القابلة للمحاكاة.[3] ولهذا كذلك يرى أفلاطون أن التعليم الموسيقى يجب أن يسبق التعليم البدني؛ بحكم أن صورة النفس أسبق من صورة البدن.[4] ومثلما أقرَّ أفلاطون الشعرَ البطولي، واستبعدَ الشعر الدرامي؛ حيث تظهر الآلهةُ فيه بمظهر سلبي، وحيث يسبب ارتباكًا في النفس بين القيم العليا، وبين مجرى الدراما، فقد ذهب من الطريق نفسه إلى استبعاد بعض المقامات، والتآلفات، التي تؤدي إلى تراوُح المشاعر بين الفرحة والحزن، وأقر غيرها مما يسبب حالة الانضباط والتعادل؛ بحيث يتعلم الطفل هذه القيم قبل حتى أن يعرف السبب، أو يعي أنه يتعلم.[5]

يعتقد أفلاطون في نوع من المحاكاة mimesis، بل في نوع من التمثيل representation يقدمه الشكل الخالص في الموسيقى، والذي يمثله لديه الإيقاع. لا نعني هنا أن الشكل الخالص يحيل عند أفلاطون إلى أشياءَ things، أو عملياتٍ processes، لا يحيل إلى موضوع خارجي، بل العكس هو الصحيح: إن الموسيقى في هذه النظرية تحيل إلى موضوع داخلي هو الحالة النفسية modus، والتي ترتبط بالحالة الخُلُقية ethos. وكان هذا سببًا في استدعاء أفلاطون لأسطورة أورفيوس في “الجمهورية”، ليصف كيف كان أورفيوس يستطيع ترويض وحوش العالَم السفلي بموسيقاه.[6] فلربما اعتقد أفلاطون في إمكانية ترويض وحوش النفس الإنسانية في مرحلتها الطِّفْلية المبكرة بالوسيلة نفسها. لكن أهم ما في هذه الفقرة بخصوص أفلاطون هو الإيقاع؛ فهو العنصر الموسيقيّ الصوري من جهة، والأكثر ارتباطًا بتصورنا عن النظام بما هو نظام من جهة أخرى. وكانت هذه علّة اعتقاد أفلاطون في خاصية تربوية أكيدة للموسيقى، أو كما يشير في محاورة “القوانين” إلى أن الشباب يمتلئ بالطاقة، التي قد تكون فوضويةً، ومدمرةً أحيانًا، وما يحملها على اتخاذ شكل منظم هو قيمة النظام، التي يمكن تعلمها من الإيقاع في الموسيقى.[7]

وكذلك اعتقد أرسطو على النحو نفسه في خاصية المحاكاة، وخاصية التمثيل في الموسيقى في الكتاب الثالث خاصةً من “السياسات”. وربما كانت إضافته –التي هي بالأحرى توضيح لرأي أفلاطون بهذا الشأن- هي أن الموسيقى لا تقدم تعبيرًا عن المشاعر الإنسانية، ولا يمكن لها ذلك، بل هي تقدم المشاعر نفسها مباشرةً.[8] غير أن أرسطو لم يوضح قط –كما يرى باحثون مهمون في هذا المجال- كيف تقدم الموسيقى المشاعرَ بشكل مباشر؟ وهل تتعرض المشاعر للتحريف إبّان “ترجمتها” موسيقيًا إن جاز التعبير؟[9] لكنْ، إذا صحت نسبة كتاب “المشكلات” Problemata لأرسطو،[10] فإنه قد يقدم حلاً لهذا السؤال: “لماذا يعَدّ المسموعُ المعطَى الحسي الوحيد من بين كل المحسوسات، الذي يملك طبيعة خُلُقية؟ إن الموسيقى، حتى لو لم تكن مصحوبةً بكلمات، لها طبيعة [خُلقية]، بينما لا يملك أي من اللون، أو الرائحة، أو الطعم من تلك الطبيعة شيئًا. هل لأن المسموع وحده له حركة […]؟ إن هذه الحركة تشبه الطبيعة الخُلقية في كلٍّ من الإيقاعاتِ، واتجاهاتِ اللحن إلى أعلى السلم، وأدناه […]. وهذا لا يحدُث بالنسبة لموضوعات الإدراك الحسي الأخرَى. الآن [نرى أنَّ] هذه الحركات تتصل بالأفعال، وأنَّ الأفعال دالّة على الطبيعة الخلُقية”.[11] وفي كتاب “النفس” (أو ما تُرجِمَ بذلك عند العرب) De Anima يتعرض أرسطو لسؤال حركة النفس: “هناك سبب أكبر لإشهار السؤال عمّا إذا كانت النفس تتحرك بناء على ما يلي: إننا نقول إن النفس تحزن، وتفرح، واثقة، أو خائفة، وحينًا آخَرَ غاضبة، وهي تدرِك، وهي تفكِّر. وكل هذا يبدو أنواعًا من الحركة”.[12] ويناقش أرسطو هذا السؤال، ليخرج بنتيجة أن النفس ذاتها لا تتحرك، بل إن الحركة تحدُث فيها بنوع من حركة الكيف، لا المكان، وباتحادها مع الجسد؛ وحيث إن الحركة قد تحدُث بفعل ما لا يتحرك.[13] إذن يرى أرسطو -كما نستنتج من النصين السابقين- أن الموسيقى نظام للحركة، وهذا النظام قد يحاكي في ديناميكيته ديناميكا الإرادة الحرة، التي هي عماد الحكم الخُلقي. وسنجد هنا تقاطعًا بين أفلاطون وأرسطو من جهة، وشوبنهور من جهة أخرى؛ فالموسيقى تعبير عن حركة الإرادة لدى الثلاثة، بيد أن الأمر مع شوبنهور يختلف؛ فالموسيقى لديه تعبير عن حركة الإرادة العامة، لا الإرادة النفسية الفردية، كما سنتعرض لاحقًا.

مع ذلك لا يمكن حسم إجابة سؤال ماهية الموسيقى لدى أرسطو على نحو مُرْضٍ. يعتقد أرسطو أن سؤال ماهية الموسيقى محيّر في ذاته، فيقول في “السياسات”: “ليس من اليسير أن نحدد طبيعة الموسيقى، ولا لماذا ينبغي على أي منّا أن يعرف ذلك”.[14] ويعتقد بعض الباحثين أن سبب هذه الحيرة هو شروع فلاسفة الإغريق في التنظير للفن بصفة عامة بمعزل عن الأساطير القديمة.[15] بمنأى عن الأساطير، التي تقدم كل الإجابات، ينفتح الباب على مصراعيه لكل الأسئلة.

وقد طرح الناقد الموسيقي الأمريكي جوزيف بُوتَم Joseph Bottum (1959-؟) فكرة جديرة بالتأمل في هذا السياق. يرى الأخير أن الموسيقى عمومًا بطبيعتها قوة فوضوية مزعزِعة للنظام الاجتماعي؛ لأنها ظاهرة غير قادرة على التعبير إلا بمعاونة الشعر أو الرقص التمثيلي، أي لا تتمتع باستقلال autonomy في التعبير.[16] يعني أنها، لأنها لا تحمل مضمونًا محددًا، قابلة لكل تأويل، وكأنها مبتدأ لكلّ خبرٍ، وبالتالي فهي تُخلخل النظام المجتمعي بزحزحتها للنظام الدلالي، إذا فرضنا أن النظام المجتمعي يقوم على سردية معينة، تحكمها علاقات دلالية معينة. وإذا تأثر الوعي الجمعي بالموسيقى، فإنه على المستوى اللا شعوري سوف يجد مثالاً واضحًا على الدالة، التي لها كل مدلول، وأيّ مدلول. وفي السردية الاجتماعية، إذا صارت العلاقة بين الدوال والمدلولات عرَضيةً، فهذا –فوق حد معين- يعني أن السردية ككل عرَضية، مما يفقِد الناسَ إيمانَهم بنظامها الاجتماعي باعتباره أفضل الممكن، أو الأفضل بإطلاق. وربما كان هذا هو السبب في محاولة كل من أفلاطون وأرسطو السيطرة على هذه الطاقة الخلاقة، والفوضوية، معًا، في سبيل استثمارها اجتماعيًا.

ومن المثير أن نقارن بين هذه “السياسة الموسيقية” الأفلاطونية، وبين السياسة الموسيقية في الاتحاد السوفييتي السابق، لندرك مقدار التشابه في التصورين الشموليين. على أن ما يهمنا على الأكثر في هذا المقام أن أفلاطون وأرسطو لم ينظرا إلى الموسيقى كصيرورة، بل كنظام دوري متكرر كعقارب الساعات، وأجرام السماوات. إن الوعي البشري في هذه النظرة أقرب ما يكون إلى تكرار منتظم كدقات الساعة، يعتبَر التطور فيه من قبيل الشذوذ المستبَعد. وكان من المتوقع لذلك أن يكون أفلاطون من مصادر المنطق الصوري، وأن يكون أرسطو أهم اسم في المنطق الصوري، الذي يستبعِد الثالثَ المرفوع.

  1. أفلوطين: فيضُ الوعي

وتأتي المحطة التالية مع الفيلسوف المصري الأسيوطي أفلوطين. إن أول ما يلفت الانتباه بعد الاطلاع على فلسفة أفلوطين للموسيقى مقارنةً بأفلاطون أمران: أولاً: أن أفلاطون نظر إلى الموسيقى من حيث هي خبرة جماعية، بينما نظر إليها أفلوطين بما هي خبرة فردية.[17] وثانيًا: أن أفلوطين قام -في رأي بعض الباحثين- بعملية “نزع للرياضيات” demathematization من الموسيقى، أي اختبار الموسيقى دون إحالة إلى خطتها الرياضية، بعكس ما كان يقوم به الفيثاغوريون، وأفلاطون، وأرسطو.[18] لقد قام أفلوطين بإدماج الموسيقى في نسقه اللاهوتي الصوفي، من جهة كونها مرحلة من مراحل ترقي النفس في طريق الفيض المعكوس: من الطبيعة إلى ما بعدها، ولكنه فيما يبدو قد اكتشف لها خاصية أخرى فريدة، سبقت إليها الإشارة في فقرة فيثاغورس، هي أنها تفسر لنا صدور الكثرة عن الواحد. وهي كما نعلم مسألة محورية في كل فكر أفلوطين؛ فمن الممكن النظر إلى فلسفة أفلوطين ككل من هذه الزاوية، وهي أساس نظرية الفيض على كل حال.

إذن فبدلاً من أن تكون الموسيقى، كما كانت عند سلفيه، نظامًا للترقي الاجتماعي، أي نظامًا للتعليم، فقد صارت عنده نظامًا نفسيًا واعيًا للترقي الميتافيزيقي. ونقول إنه نظام نفسي، لا ميتافيزيقي؛ لأن أفلوطين لم ينظر للموسيقى كأنها كائن مستقلّ، وإنما هي أولاً، وأخيرًا فن في اعتباره. كما أن الموسيقى لديه ليست من قوانين الوجود، بل هي أقرب إلى محاكاة لها، ومثال عليها.

وحين تتمثل النفس -بوعي- أهم خصائص الموسيقى، فإنها تصير مؤهلة في رأيه من حيث المبدأ للترقي الروحي، الذي هو كذلك عملية نفسية بالأساس. ولكن من حيث هذا الجانب لم يكن الموسيقار mousikos على درجة من الأهمية لديه مقارنة بالمُحِبّ erotikos، والفيلسوف philosophos. إن الفلسفة عند أفلوطين هي أرقى درجات الممارسة العقلية، التي قد تؤدي بالإنسان إلى الترقي إلى عالم المعقولات، ومن ثم إلى الواحد to proton.[19] ويليها الحب في الأهمية، ثم تأتي الموسيقى العقلية musica intellectualis، تليها الموسيقى الحسية musica sensibilis في آخر الدرجات.[20] وهنا نجد أن أفلوطين في التاسوعة السادسة يميز بين مستويين في الاستماع، وليس في المسموع.[21] إن أفلوطين يميز بين استماع حسي مباشر، يؤدي إلى المتعة، وهو أدنى درجة في هذا التسلسل، واستماع عقلي غير مباشر، يعتمد على إدراك طبيعة التناسبات الرياضية في المسموع على نحو واعٍ. وهنا يلعب الوعي دورًا أكبر بمراحل مما لعبه عند أسلافه الثلاثة؛ فإن فيثاغورس لم يعتبر بالوعي الإنساني في صياغة تصور عن الموسيقى، لم يعتبر ذلك التصور “ظاهرة”، أي تجربة واعية، بل اعتبره أساسًا سرمديًا للطبيعة، كما لا يمكن مثلاً اعتبار قوانين النسبية العامة، وميكانيكا الكوانتم من ظواهر الوعي. لكن أفلوطين لم يصنع فاصلاً بين الوعي الإنساني، وبين الموسيقى، بل اعتبر أن الوعي هو الذي يصنع الموسيقى كما يتصورها. ومن الجدير بالتذكير أن أفلوطين لم يعرف كذلك أشكال موسيقى الآلات كما نعرفها، بل جرّد تصوره عن الموسيقى من الغناء.

وقد نفترض أن أفلوطين كان أكثر ميلاً بحسب كل ما سبق إلى موسيقى الآلات؛ فهي قادرة على نقل المستمع بدرجة عالية من التلقائية إلى حالة تأمل تلك العناصر الموسيقية، وأهمها الهارموني والإيقاع، دون تشتيت السامع. ولكن يبدو أن ارتباط الموسيقى بالشعر في العصور القديمة قد مارس تأثيرَه على أفلوطين، الذي رأى أن موسيقى الآلات ليس لها قدر كبير من الأثر الروحي-الصوفي، وهو الاعتقاد، الذي استمر حتى مارسيليو فتشينو Marsilio Ficino (+1499) في عصر النهضة.[22] وربما كان هذا هو السبب أيضًا في تخصيص المكانة الدنيا في تسلسل الفنون للموسيقى عند أفلوطين؛ فلم تكن الأشكال الموسيقية الخالصة قد تطورت بعد في عصره، ولم يمكنها ذلك بسبب ارتباطها شبه الحتمي عادةً في ذلك العصر بالشعر.[23] وقد رأى جويدو أدلر Guido Adler (+1941) عالم الموسيقى التشيكي-النمسوي، ومؤسس علم الموسيقى Musikwissenschaft الحديث في نظر عدد كبير من الباحثين،[24] أنَّ تطور الموسيقى منذ مطلع القرن التاسع عشر نحو التعبير عن أفكار ذات مضامين محددة، كما في سيمفونية بيتهوفن الثالثة “إيرويكا”، مصنف 55، لم يكن ليتم إلا بعد استيفاء شروط “القوانين العليا” للفن، أي بعد اكتمال تأسيس اللغة الموسيقية من حيث بنائها النحوي، ومن هنا ظهرت في علم الموسيقى المعالجة النسقية systematische، أيْ تصنيف الموسيقى أفقيًا في أنساق متفاوتة في البنية، بعد تراكم طويل للمعالجة التاريخية historische، التي تنشغل بالتصنيف التاريخي للأساليب والمدارس؛ فصارت الموسيقى قادرة على استيعاب الأفكار، وأصبحت لها وظيفة اللغة بشكل عام.[25] لم تنضج لغة الموسيقى -في رأي أدلر- إلا قرب مطلع القرن التاسع عشر. ونعتقد أن السبب في ذلك كان ارتباطها بالشعر في شكل الغناء بالدرجة الأولى، فلما تحقق لها الانفصال، تحقق لها الاستقلال الدلالي بعد مراحل من التجريب، والتطوير. وهي أطروحة، أطروحة أدلر، تناقِض أطروحةَ جوزيف بُوتَم، القائلة بعجز الموسيقى الكلّي عن الاستقلال في التعبير، والتي تعرضنا لها في مناقشة نظرية أفلاطون، وأرسطو فيما سبق.[26]

  1. فلاسفة العرب: استقلال الوعي

وإذا تطرقنا إلى فلسفة الموسيقى وعلاقتها بالوعي عند فلاسفة العرب، يمكننا أن نصنفهم في اتجاهين أساسيين: اتجاه رياضي، يضم كلاً من الفارابي، وابن سينا، واتجاه ميتافيزيقي يضم الكندي، وإخوان الصفا. رغم ذلك نجد اختلافات هامة بين كل من تلك المذاهب الأربعة حتى في الصنف الواحد. لقد تصور الفارابي، وابن سينا الموسيقى كنظام رياضي بالدرجة الأولى، مثلما فعل فيثاغورس، وقطعا الصلة، التي عقدها أفلاطون، وأرسطو، بينها وبين الأخلاق، والتربية، أي لم يجدا صلة ضرورية بين نوع معين من الموسيقى، وبين خُلُق معين. ولكن الفارابي أكّد في “كتاب الموسيقى الكبير” على أن الجملة الموسيقية لها قدرة الشعر على نقل المعاني، وهي نقطة تحول كما نرى في تاريخ فلسفة الموسيقى. أما ابن سينا فوجد أن الموسيقى هي علم التأليف بما هو تأليف، أي أنها تتضمن قوانين تأليف أي شيء مع شيء يختلف عنه بقوله “إنْ لم يكن للغيرية تأثير، لم يكن للتأليف جدوًى” في “جوامع علم الموسيقى” من موسوعة الشفاء. وهي مرحلة أرقى في انعكاس الوعي على ذاته كما نرى؛ فهي تتحرك نحو قوانين الدلالة عند الفارابي، وقوانين التركيب العامة عند ابن سينا.

أما الكندي، وإخوان الصفا فقد نظروا إلى الموسيقى باعتبارها كائنًا ذا ماهية خاصة في العالَم، وهي مرحلة فارقة أخرى. لم يتصور فيثاغورس، أو أفلاطون، أو أرسطو، أو أفلوطين، أو أوغسطين الموسيقى ككائن ذي كيان مستقلّ في وجوده عنّا، بينما أنجز الكندي، وإخوان الصفا هذه الخطوة بوضوح في سياق فلسفة إشراقية. وقوام هذا الكائن ليس الأصوات، بل نظام معين من المشاعر، التي تتحرك حين نستمع إلى الموسيقى. وهو كائن بين المادي، واللا مادي، أو عنصر سادس إن جاز التعبير، ينضاف إلى الماء، والهواء، والتراب، والنار، والأثير في الفيزياء القديمة، والوسيطة. ومع الاتجاه الميتافيزيقي في الفلسفة العربية يمكننا أن نرى انعكاس الوعي وهو يستقل بوجوده عنّا، عن الوعي، ويتحول إلى كائن مستقل، يتحول من الصورة إلى الأصل.

  1. ديكارت: ميكانيكا الوعي

وبرغم تلك القفزة النظرية مع الكندي، وإخوان الصفا، فقد كان كل هذا التنظير السابق متعلقًا بالموسيقى المصاحبة للغناء. أما البداية الحقيقية لموسيقى الآلات فكانت في القرن السابع عشر في أوروبا، عصر ديكارت. وقد تصور ديكارت الموسيقى ببساطة كبرنامج للانفعالات البشرية، فكل نغمة أو مجموعة من النغمات تحدِث أثرًا نفسيًا حتميًا لا يتبدل. وهي نظرة ميكانيكية للنفس البشرية، وللوعي البشري، كأن الوعي نتاج الطرق على مفاتيح، كما يظهر لنا النص المكتوب بحسب طرقنا على لوحة المفاتيح. وهكذا سادت النظرة الميكانيكية للوعي في القرن السابع عشر، كما يمكننا أن نبصرها في أول كتب ديكارت من حيث الكتابة “الخلاصة الموسيقية”، وآخرها من حيث النشر.[27]

  1. هيجل: ديناميكا الوعي

ولكن هذه النظرة الحتمية الميكانيكية للوعي البشري لم تلقَ شعبية بين الفلاسفة المثاليين الألمان، بل عارضوها بوضوح، وقدموا نظرية بديلة، ترى الموسيقى نتاجًا للوعي الإنساني العام في تحولات تاريخية، كما نجدها بوضوح في فلسفة الفن عند هيجل. رأى هيجل أن الفنون تتطور في درجة التجريد من حيث أبعاد المكان، وهي نظرة يمكننا أن نقابلها بنظرة فيثاغورس السابقة، لنرى أنها تقريبًا قلب، أو عكس، لتلك النظرية. تبدأ الفنون من ثلاثة أبعاد، أي النحت، ثم ينخفض عدد أبعادها إلى اثنين في التصوير، ثم تتلاشى أبعاد المكان كليةً في الموسيقى. فإذا كانت الموسيقى تمثل الوعي المكاني البحت عند فيثاغورس، فقد مثلت الوعي الزماني البحت عند هيجل. ولهذا يمكن القول إن الموسيقى نظام لتزمين الذات عند هيجل، هي فَهْم الوعي لذاته من خلال تطور زماني، وصيرورة معينة، بحيث يتصور الوعي نفسَه مرة في الماضي على هيئة ذاكرة، ومرة في الحاضر على هيثة لحظة، ومرة في المستقبَل على هيئة توقعات. وكما نرى فقد حققت فلسفة الموسيقى خطوة أهم من كل ما سبق مع هيجل؛ حيث اعتبَر هذا الأخير بطبيعة الصيرورة فيها، وكيف أنها تُمثل صيرورةَ الوعي ذاته. وربما كان تطور أشكال الموسيقى الخالصة، واستقرار صيغها في عصر هيجل في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر، والثلث الأول من القرن التاسع عشر، عصر موتسارت، وهايدن، وبيتهوفن، وشوبرت، وروسيني، وبرليوز،.. إلخ عاملاً هامًا في إحداث هذا التحول في الوعي بالموسيقى، والوعي بالوعي من خلال الموسيقى.

  1. شوبنهور ونيتشه: بيولوجيا الوعي

ولكن، وفي العصر نفسه، وتزامنًا مع فلسفة هيجل، برزت لنا أهم فلسفة للموسيقى تقريبًا فيما قبل القرن العشرين، فلسفة شوبنهور. اعتقد شوبنهور أن العالَم يتكون نتيجة تداخل بين عنصرين أساسيين، هما الإرادة، التي تحكم الفعل، والإدراك، والتمثلات، التي هي نتيجة الإدراك، ومجال عمل الأفعال. ذلك أن الإرادة، والتمثلات مشتركة بين كل الكائنات الواعية بلا استثناء، فحتى أصغر حشرة قد لا تتمتع بالذكاء الإنساني، ولكنها لا تقل عن الإنسان في إرادة البقاء، وإرادة الحياة، وتمثيلها للعالَم من خلال إدراك يكفي احتياجها للبقاء. والموسيقى لدى شوبنهور هي التعبير الأنقى عن إرادة الحياة، أو هي إرادة الحياة مسموعة. ولهذا يمكن القول إن شوبنهور قد تصور الموسيقى تصورًا بيولوجيًا، فهي ليست انعكاس الوعي على نفسه، بل هي وعيه بالإرادة الخفية، التي تحكم كل قراراته، وحركاته، وإدراكاته، وهي التي نجدها في حركة اللحن بين نغمتي القرار، والجواب. وقد طور نيتشه هذه النظرية لتصير الموسيقى تعبيرًا عن العنصر الديونيسي في الفن، وفي الحياة، فهي عند نيتشه مجال لفهم إرادة القوة.

  1. ماركس واليسار الجديد: تاريخ الوعي

وبعد هيجل، وشوبنهور، وتلميذه نيتشه يمكن القول إن نظرية الموسيقى قد مرت بمنعطف آخَر حاد مع الماركسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثم اليسار الجديد في القرن العشرين. في تلك المرحلة صار من القواعد التقليدية في فلسفة الفن عمومًا اعتبار الفن انعكاسًا لمرحلة تاريخية-اجتماعية، وليس للوعي الإنساني على وجه التعميم، أو على وجه التجريد. فإذا كانت الموسيقى نظامًا لتزمين الذات عند هيجل، فقد صارت نظامًا لتأريخ الذات عند ماركس. وقد وقع تحول آخَر مركزي في موسيقى القرن العشرين، في عصر أدورنو أهم فلاسفة اليسار الجديد في مجال فلسفة الموسيقى، هو الموسيقى اللا مقامية، واستعمال المقام الكروماتي، عند شونبرج خصوصًا. وقد رأى أدورنو في هذه الموسيقى، التي تنقطع عمدًا عن المتلقي، لغةً سالبة، تقول بعدم القول، وتنفِي وجودَ المجتمع الاستهلاكي المقابل، الذي يتوقع إنتاجًا يناسب احتياجاته العاطفية، والدلالية.

  1. نظرية المعلومات: تفكيكُ الوعي

وربما كانت آخر محطاتنا، وأهم نظرية من حيث منظور الطرح الحالي في القرن الحادي والعشرين، هي نظرية الأمريكيين بيتر كيفي، وليونارد ماير، والمتعلقة بفهم الموسيقى في سياق نظرية المعلومات. يرى الفيلسوفان الأمريكيان أن الموسيقى نظام معلومات، يقدم لنا مجالاً لاختبار التوقعات. وفي هذه النظرية فإن المعلومة هي كل تفصيلة جديدة داخلة على الفوضى التامة فقط، أو النظام الناقص. وحين تتتابع التفاصيل في نظام معين، يمكن لنا من حيث المبدأ أن نتوقع ما يليها، إذا عثرنا على نمط تطور معين، كأننا نحل شفرة، أو لغة مجهولة لكائن فضائي لتقريب الفكرة، التي تفارق فعلاً مفهومنا الحدسي عن الموسيقى لحظة السماع، متجاهلةً كل المحمول الشعوري، وربما المفهومي (إيرويكا مثالاً).

ويتفاوت الموسيقيون -بحسب هذه النظرية- في مدى موافقتهم لتوقعاتنا؛ فمنهم من يوافق التوقع تمامًا، ومنهم من يخالفه بدرجة محسوبة، ومنهم من يخالفه تمامًا إلى درجة عدم قدرتنا على توقع خطواته التالية. وفي هذا الطيف يعتبَر التوقع المحسوب هو أعلى درجات الإبداع، بينما لا يضيف لنا التوقع المتطابق مع موضوعه جديدًا، في حين يغرق التوقع غير المحسوب إطلاقًا في ما يشبه الفوضى، ولا يعبر عن ذكاء إنساني، أو عن وعيٍ ذي جهاز عصبي مركزي واحد على الأقل بالأحرَى، في تنظيم المادة (وهي النقطة العبقرية بحقٍّ في هذه النظرية). وتعبر هذه النظرية عن وعينا بالموسيقى في سياق ما تطور لدينا حتى اليوم في مجال فلسفة العقل، وتقنية المعلومات؛ فهي تحلل خبرة سماعنا للموسيقى كخبرة معرفية بحتة، تتعلق بتصورنا عن الشكل الهندسي المتطور في العمل، ولهذا يتم تصنيف هذه النظرية بأقلام مؤسسيها كنظرية “شكلانية معدَّلة” Enhanced Formalism.

  1. النظرية الخاصة: حقيقةُ الوعي

وقد حاول كاتب هذه السطور في أطروحته للدكتوراه الثانية “أنطولوجيا الموسيقى- دراسة في الموسيقى بما هي كائن” تقديم نظرية مختلفة، تتساوق مع رؤيته لطبيعة الوجود الإنساني في عصر الماتركس، عصر الواقع الرقمي، والمحاكاة simulation، والعالم الافتراضي، وتذبذُب الهوية الإنسانية. يرى الكاتب في الأطروحة المذكورة أن فرضية زيف عالمنا، أي كونه في الحقيقة محاكاة رقمية، غير قابلة للتكذيب، ومع ذلك -ولذلك- فهي غير قابلة من حيث المبدأ للاستبعاد، وأن فرضية نِك بوستروم Nick Bostrom، أستاذ الفلسفة السويدي بجامعة أكسفورد، والقائلة بأن الاحتمالات الممكنة ترجح فرضية زيف عالمنا المحسوس إلى حد كبير.

ولكن الكاتب يضيف عليها أن وعينا نفسه معرض للاحتمالات نفسها: على الأرجح –إذا صح استنباط بوستروم- أنّ وعينا مزيف، ذكاء اصطناعي، صنعه وعيٌ أعلَى، وربما كان وعينا في الأصل واحدًا، مر بمرحلة فصام رقمية على مستوى تفاصيله، أو أبعاده ذاتها، مما ينفي حقيقة الذات، أو الكوجيتو، كما تصوره ديكارت. ولا يبقى لدينا من الثوابت الممكنة، التي هي ذاتُ حقيقةٍ أكيدة، سوى الصيرورة في ذاتها، الصيرورة بلا صائر، وهي كل ما تقدمه لنا الموسيقى في الواقع. وهي النظرية، التي يمكننا أن نصنفها تحت قسم مختلف من النظريات؛ فهي لا تعتقد في أن الموسيقى مجرد نظام دلالي، أو رياضي، ولا هي كيان مستقل كما تصورها الكندي، وإخوان الصفا، وشوبنهور، ونيتشه، وقبلهم جميعًا الهندوس. الموسيقى في هذه النظرية هي “الموسيقى بما هي حقيقة” Music as Reality/ Musik als Realität، لا بما هي نظام معادلة قابعة خلف الحقيقة، أو كيان مفارق للحقيقة، بل بما هي الحقيقة نفسها، الحقيقة الوحيدة في عالمنا، إذا كان عالمنا، ووعينا كله مجرد محاكاة رقمية، ما يمكننا أن نطلق عليه ختامًا: المحاكاة الموسيقية Musical Simulation، فهي محاكاة لطبيعة وعينا بالصيرورة نفسها، وهي تنعكس على نفسها، التي تَعزف على مفاتيح الصيرورة رقصتَها الأزليةَ الأبديةَ.

كريم الصياد

(دكتوراه فلسفة التأويل من جامعة كولونيا-ألمانيا الاتحادية، دكتوراه فلسفة الموسيقَى من جامعة القاهرة)

 

[1] Hodges, Donald A. and David C. Sebald, Music in the Human Experience- An Introduction to Music Psychology.

[2] Imam, Hasan Toufiq , “Plato’s Idea of Music in Education for Inculcating Moral Values”, European Journal of Education Studies, Volume 7, Issue 11, 2020, pp. 316-327.

[3] Idem.

[4] Dalton, Sidna Poage, A Critical Review of the Theory of Education in Plato’s Republic, University of Missouri, 1914, open source, https://doi.org/10.32469/10355/16158, p. 9.

[5] Ibid., pp. 10-11.

[6] Kivy, Peter, Introduction to Philosophy of Music, op. cit., p. 14.

[7] Plato, The Laws of Plato, trans. A. E. Taylor, J. M. Dent & Sons LTD., London, Book II, p. 42.

[8] Kivy, Peter, Introduction to Philosophy of Music, op. cit., p. 16.

[9] Idem.

[10] انظر مقدمة الترجمة:

Aristotle, Problemata, trans. E.S. Foster, Book XIX (Problems Connected with Music), Oxford at the Clarendon Press, 1927, p. 3. See also: Mayhew, Robert, “The Title(s) of [Aristotle], Problemata 15”, The Classical Quarterly, 62, 1, May 2012, pp. 179-183.

[11] Aristotle, Problemata, op. cit., Book XIX, Ch. 27.

[12] Aristotle, De Anima, Books II and III with Passages from Book I, trans. D. W. Hamlyn, Clarendon Press, Oxford, 1993, Book I, Ch. 4, 408a34-408b5, p. 6.

[13] Idem.

[14] Aristotle, Politics, trans. B. Jowett, Book III, Ch. V, Batoche Books, Kitchener, 1999, p. 185.

[15] Schoen-Nazzaro, M. B., “Plato and Aristotle on the Ends of Music”, Laval théologique et philosophique, Volume 34, numéro 3, 1978, pp. 261–273.

[16] Goehring, Edmund J., “Musical Platonism in Modern Culture”, Current Musicology. no. 75 (Spring 2003), pp. 185-203.

[17] Michalewski, Alexandra, “Plotinus on Music, Rhythm, and Harmony”, Music and Philosophy in the Roman Empire, Edited by Francesco Pelosi and Federico M. Petrucci, Cambridge University Press, 2020, p. 179.

[18] Idem.

[19] Plotinus, The Enneads, translated by Stephen MacKenna, second edition revised by b. S. Page, with a foreword by k. R. Dodds, and an introduction by Paul Henry, S J., Faber and Faber Limited, 1991, I.3, pp. 36-39.

[20] Michalewski, Alexandra, “Plotinus on Music, Rhythm, and Harmony”, op. cit., p. 178.

[21] Plotinus, The Enneads, op. cit., VI.3, p. 506.

[22] Kim, Hyun-Ah, “Music of the Soul (animae musica): Marsilio Ficino and the Revival of musica humana in Renaissance Neoplatonism”, Reformation & Renaissance Review, Vol. 19, No. 2, 2017, pp. 122–134.

[23] Plotinus, The Enneads, op. cit., V.9, pp. 440-441.

[24] For example: Mugglestone, Erica and Guido Adler, “Guido Adler’s “The Scope, Method, and Aim of Musicology” (1885): An English Translation with an Historico-Analytical Commentary”, Yearbook for Traditional Music, Vol. 13 (1981), pp. 1-21.

– أسس أدلر مع فردرش كْرِسَنْدَر Friedrich Chrysander وفيليب شبيتا Philipp Spitta أول مجلة في علم الموسيقى Musikwissenschaft musicology/  في 1885. وقد مارست هذه المجلة أثرًا كبيرًا وتأسيسيًا في علم الموسيقى في كل أوروبا وأمريكا إلى درجة ملحوظة إلى اليوم. وقد حاول أدلر تأسيس هذا العلم على نموذج العلم الطبيعي من التصنيف، والمقارنة، والرجوع إلى معطيات إمبريقية، على سبيل المثال: تأريخ طبقات تاريخ الموسيقى على نموذج علم الجيولوجيا. انظر إيريكا مجلستون، المرجع السابق.

[25] Adler, Guido, “Umfang, Methode und Ziel der Musikwissenschaft”, Vierteljahrsschrift für Musikwissenschaft- 1, Periodical, Breitkopf und Härtel, Leipzig, 1885, S. 10-11. See also: Borio, Gianmario, “The Crisis of Musical Aesthetics in the 21st Century”, Topoi (2009) 28:109–117, p. 109.

[26] Goehring, Edmund J., “Musical Platonism in Modern Culture”, op. cit.

[27] Descartes, René, Compendium of Music “Compendium Musicae”, Translation by Walter Robert, Introduction and Notes by Charles Kent, American Institute of Musicology, 1961.

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete