موضوع الدراسة: أمين الريحاني: المفكّر والناقد والثائر

أمين الريحاني، المفكّر الذي انطلق من أحضان الطبيعة في بلدته اللبنانية إلى رحاب العالم شرقاً وغرباً.. هو عاشق الحرية كما قرأها في كتابات عظماء الفكر، وكما جسّدها في مواقفه ومؤلّفاته ومحاضراته، وكما نادى بها خلال أسفاره ورحلاته..

هو المدرك الدور الأساسيّ للعقل الانسانيّ القادر وحده على تقييم أمور الدين والدنيا والاجتماع والسياسة، الناظر إلى الحياة بعين الناقد، وقلب الشاعر، وروح الروائي الذي سعى إلى التغيير واعتماد الحداثة ضمن عمليةٍ إنتقائيةٍ تواكب تطوّر العصر فنّياً وفلسفياً وأدبياً، رافضاً الذوبان الكلّي في عملية التحديث.. هو المؤمن بالله، الذي لم يفضّل يوماً طائفةً على أخرى ولا ديناً على آخر، لأنّ الدين هو المعاملة.

أمين الريحاني.. من هو؟ ما هي السمات المتميّزة في شخصيته كما وصفها هو وكما سنستخلصها لاحقاً من أفكاره؟ وعلامَ ارتكز فكره السياسيّ-الاجتماعيّ؟ وكيف وصف المجتمع النموذجيّ في “مدينته العظمى” وتصوّره الفلسفيّ للانسان الكامل؟

أولاً: حياته (1876-1940)

  مفكّر وأديب ومؤرّخ وروائيّ لبنانيّ، من أبرز الدعاة إلى الاصلاح الاجتماعي بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

ولد في بلدة “الفريْكة”، قضاء المتن الشمالي العام 1876 في أسرةٍ مسيحية مارونية تعود أصولها إلى قرية “بجّة” في بلاد جبيل. (ونشير هنا إلى أننا تقصّدنا ذكر طائفته ومذهبه لأننا سنشرح في إطار بحثنا عدم تأثّره بانتمائه الطائفيّ والمذهبيّ، في إطار رفضه الكلّي للطائفية).

تلقّى مبادئ اللغتيْن العربية والفرنسية إلى جانب الحساب والجغرافيا في بلدته. ثمّ أرسله والده مع عمّه إلى الولايات المتّحدة الأميركية وهو في سنّ الثانية عشرة، وما لبث أن لحق بهما مع عائلته. هناك درس اللغة الانكليزية، وبرز لديه ميل كبير للمطالعة، فقرأ للشاعر والكاتب المسرحي الانكليزي شكسبير William Shakespare (1564-1616)، وللشاعر والأديب الفرنسي هيجو Victor Hugo (1802-1885)، وللفيلسوف الانكليزي سبنسر Herbert Spencer (1820-1903)، وكذلك للفيلسوف وعالِم الأحياء  الانكليزي هكسلي  Thomas Henry Huxley (1825-1895) الذي دافع عن النظرية الداروينية وقال باللاأدرية، وللمفكّر والروائي الروسي تولستوي Leo Tolstoy (1828-1910) الذي كان بدوره مطّلعاً بشغف على الأدب العربي والثقافة العربية، وللكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير François-Marie Arouet (1694-1778)، المعروف بدفاعه عن الحريات المدنية وخصوصاً حرية المعتقد والمساواة وكرامة الانسان… إضافةً إلى عددٍ كبيرٍ آخر من الأدباء والفلاسفة الذين كان لهم الأثرالواضح في فكره. وفي الوقت ذاته، كان الريحاني يعمل في متجر والده المختصّ باستيراد الأقمشة وتصديرها.

العام 1895، “إلتحق بفرقة تمثيلٍ محلية بعدما ولّدت فيه المطالعات ميلاً إلى فنّ التمثيل، فجال معها ثلاثة أشهر، ثمّ تركها”1.

العام 1897، دخل الريحاني كلّية الحقوق في نيويورك، لكنّ مرضاً رئوياً ألمّ به، وأجبره على العودة إلى بلدته في لبنان حيث المناخ الجبليّ الجافّ بهدف التعافي. فبدأ تدريس اللغة الانكليزية في مدرسةٍ دينية، وتعلّم اللغة العربية الفصحى، وهنا بدأت رحلة تعرّفه على الشعراء العرب، ولا سيّما أبو العلاء المعرّي، الشاعر والأديب والفيلسوف والنحويّ العربيّ الذي ترجم الريحاني مختاراتٍ من شعره إلى اللغة الانكليزية، وكان معجباً بعقلانيته وبنزعته التحرّرية. بعد ذلك، العام 1898، كتب مقالات في صحيفة “الاصلاح” هاجم فيها الدولة العثمانية.

العام 1899، عاد إلى الولايات المتّحدة الأميركية حيث عمل مجدّداً في متجر والده، وفي الوقت ذاته، كان ينشر مقالاته في الصحف المهجرية في نيويورك، مثل “الهدى” و “الحقيقة” و”مرآة الغرب” وسواها.

العام 1904، سافر الريحاني إلى مصر حيث زار الخديوي عباس حلمي باشا (1874-1944)، وكان على اتصالٍ بأبرز الأدباء والزعماء السياسيين المصريين، وتركّز اهتمامه على البحث معهم في الأحوال السياسية والفكرية والاجتماعية للشرق العربيّ. لدى عودته إلى لبنان في العام نفسه، أصبح منزله ملتقى لعشرات الأدباء من أمثال محمد كرد علي (1876-1953)، الأخطل الصغير (بشارة عبد الله الخوري) (1885-1968)، والشيخ مصطفى الغلاييني (1886-1944). وكان يهاجم الاقطاع والجهل في خطبه وفي أحاديثه. كما ألقى محاضراتٍ في الجامعة الأميركية في بيروت، وفي معاهد أخرى في لبنان وفي سوريا.

العام 1910، سافر إلى باريس، ومنها غادر إلى لندن بصحبة الشاعر والأديب والفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران (1883-1931). وفي تلك السنة، صدر كتابه “الريحانيات” بجزئيه الأول والثاني. العام 1911، عاد إلى نيويورك ليطبع مؤلّفه “كتاب خالد” باللغة الانكليزية، وكانت الرسوم الداخلية في الكتاب بريشة جبران الذي كتب إلى ماري هاسكل Mary Haskell (1873-1964) في شأن هذا الكتاب: “الريحاني سعيد جداً. لقد قُبل مؤلّفه كتاب خالد لدى أفضل الناشرين، وأنا واثق أنك ستسرّين بقراءته عند نشره. فهو بالانكليزية”2. وصار الريحاني معروفاً في أميركا وكندا وفي أوروبا والبلاد العربية، وأصبح عضواً في جمعية الشعراء الأميركيين وفي نادي المؤلّفين الأميركيين، ومنتدى الصحافة النيويوركية، والجمعية الشرقية الأميركية. العام 1914، زار المكسيك حداه إلى ذلك شغفه للاطّلاع على الحضارة المكسيكية القديمة وعلى كلّ ما يتعلّق بقبائل المايا، فكان كتابه “في بلاد الماياس”، إلا أنه رُحّل من البلاد بعد سجنه لأسبوعين بسبب ما كتبه في “رسائل موجّهة إلى العمّ سام” حيث دافع عن اللبنانيين والسوريين واصفاً تحضّرهم وتوقهم إلى الحرية والاستقلال عن الهويّة التركية التي اعتبرها مزوّرة.

كتب بين العامين 1918 و 1921 مقالات نقدية فنّية حول فنّ الرسم في أوروبا. خلال العام 1916، تعرّف إلى الرسّامة الأميركية برثا كايس Bertha Case في نيويورك وتحوّلت علاقته بها من صداقةٍ إلى حبّ ثمّ إلى زواج في العام نفسه. العام 1921، طلب الريحاني من زوجته مرافقته في رحلته إلى المشرق العربي، لكنها رفضت وكان هذا الرفض أحد أسباب انفصالهما. (ملاحظة: العام 1953، وبعد ثلاثة عشر عاماً على وفاة الريحاني، أتت برثا إلى لبنان وإلى الفريْكة تحديداً، وتركت لشقيقه ألبرت وصيةّ لها “طلبت فيها أن يُحرق جثمانها بعد وفاتها ويُنقل رمادها من الولايات المتّحدة إلى ضريح الريحاني في الفريْكة. ونفّذ لها ألبرت وصيّتها عند وفاتها العام 1970.”3 ).

العام 1922، إنطلق الريحاني في رحلته الشهيرة إلى مصر والحجاز واليمن والكويت والبحرين والعراق. ثمّ سافر إلى الهند واعداً نفسه بمقابلة المهاتما غاندي (1869-1948)، الزعيم الهندي الذي اشتهر بثقافة اللاعنف وبسياسة المقاومة السلمية في وجه الاحتلال البريطاني لبلاده وكان في السجن يومذاك، فلم يسمح له الانكليز بلقائه. حزن للأمر طبعاً وجال في الهند قاصداً التعرّف على حضارتها وطقوس شعبها. وظلّ الريحاني يناضل فكرياً وسياسياً عبر محاضراته ومؤلّفاته إلى أن توفّي إثر سقوطه من على درّاجةٍ هوائية في بلدته في العشرين من آب العام 1940 واستمرّ بالمعاناة من آثار هذا السقوط في المستشفى ثمّ في المنزل حيث أسلم الروح في الثالث عشر من أيلول.

كان غزيراً في عطاءاته الفكرية، ومن أبرز مؤلّفاته: المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية-1903،  المكاري والكاهن-1904، كتاب خالد-1911، خارج الحريم-1915، زنبقة الغور-1915، الريحانيات -1923، ملوك العرب-1924، النكبات-1928، تاريخ نجد الحديث وملحقاته-1928، أنتم الشعراء-1931، فيصل الأول رحلات وتاريخ -1933، وفاء الزمان-1934، قلب العراق رحلات وتاريخ-1935، قلب لبنان- 1940… إضافةً إلى كتب أخرى عديدة في الشعر والرواية والقصة والمسرح والتاريخ والرحلات والنقد، ومقالات سياسية واجتماعية ورسائل باللغتيْن العربية والانكليزية.

كُرّم الريحاني في مناسباتٍ عدّة، ونال عدداً من الأوسمة، كما أُقيم متحف باسمه في مسقط رأسه العام 1953. وجمع ألبرت الريحاني تراث شقيقه في هذا المتحف الذي جُدّد وفُتح للزوّار العام 1990.

ثانياً: الريحاني: الصدقيّة والاستقامة

  إذا تناولنا الريحاني في كلّ ما كتب ونشر، في كلّ نداءٍ ثوريّ أطلقه، في كلّ بلدٍ تقصّد زيارته للتعرّف عن كثب على حضارته وشعبه… إذا قرأنا مؤلّفاته وأبحرنا معه بين الأدب والرواية والفلسفة والسياسة… نجدنا أمام قامةٍ فكريةٍ فذّة شفّافة في جرأة ونبيلة في استقامةٍ لا مثيل لها.

لم تكن أمنيته الشهرة ولا العظمة، لم يسْعَ يوماً إلى المال والثروات. أراد أن يكون صادقاً في أقواله، بسيطاً في أعماله، طبيعياً في سلوكه وحرّاً إلى أبعد حدود الحرية.

كان ينبذ التصلّف والجبن والخوف والكذب والرياء، وينفتح على الآخرين في محبةٍ وتواضع، وكما قال: “أودّ أن أعيش دون أن أبغض أحداً، وأحبّ دون أن أغار من أحد، وأرتفع دون أن أترفّع على أحد، وأتقدّم دون أن أدوس من هم دوني أو أحسد من هم فوقي.”4

هذا ما أراد أن تكون عليه سنّته في الحياة، بدون أن ينصّب نفسه مرشداً للآخرين، أو أن يسمح لنفسه بالتدخّل في شؤونهم. وهذا ما دفعه إلى عدم الانتساب إلى حزبٍ أو جمعيةٍ مهما كانت الغايات فيهما سامية. وفي رأيه أنّ الآداب تحصّننا بالحرية الروحية التي ينبغي أن نطالب بها قبل الحرية المدنية التي غالباً ما تتاجر بها الأحزاب. وقد اعتبر أنّ شخصيته مركّبة من شخصياتٍ عدّة متنافرة ومتآلفة في آن: “متنافرة في أشكالها، متآلفة في جوهرها، في حلقات سلسلتها الكونية الخالدة”5 . فعلى الصعيد العنصري، هي الشخصية السامية الآرية، وعلى الصعيد الديني، هي البعلية والأدونيسية والتوحيدية والمسيحية والاسلامية والصوفية. أما أدبياً، فهي الشخصية التي تحمل تماهياً بين الشرق والغرب، والشعر والفلسفة، والعلم والعمل. وسياسياً، هي أرستقراطية من حيث الارادة، وديمقراطية على مستوى السلوك. هي شخصية الفنّان الذي لا يرى سوى الحقيقة والجمال ظاهراً وباطناً. وتعبيراً عن كل ما ذكر، قال الريحاني: “أحسّ أنّ شخصيّتي مقرّ السكينة والسلامة والاطمئنان.”6 وجميع من عرفه عن قرب يُجمع على أنّ في قلب الريحاني صدقيّة مميّزة، واستقامة في الخلق، بعيداً عن أيّ تصنّع. وسنلمس هاتيْن الصفتيْن في عمق تفكّره السياسيّ والاجتماعي الذي سنتطرّق له في القسم التالي من دراستنا.

ثالثاً: فكر الريحانيّ السياسيّ-الاجتماعيّ

  1.  العداء للطائفية والولاء للوطنية

  إرتكز الريحاني، في معظم مؤلّفاته السياسية والأدبية، على قاعدة محاربة الطائفية والاعلان الصريح عن عدائه التام لها باعتبارها الداء الذي أصاب صميم الأمّة العربية ونحر قلب القومية العربية، فقضى على الوحدة. وكان موقفه هذا نتيجة عامليْن: الأوّل هو البيئة اللبنانية التي عاش فيها والتي تملّك أبناءها الشعور الطائفي ما أدّى إلى ضرب مقوّمات المجتمع، والثاني هو الحياة التي تمنّاها والتي اختبر بعض خصائصها بعيداً من العقد الطائفية وفي ظلّ انفتاحٍ على التطوّر والحداثة. وما ساعده حكماً في بلورة موقفه هذا هو خروجه من محدوديّة البيئة الضيّقة في بلدته، لينطلق إلى عوالم جديدة تعدّدت فيها مصادر الحضارات واختلفت سبل الاتجاهات الفكرية والسياسية، حيث، وكما ذكرنا في سيرته الذاتية، قضى فترةً طويلةً من حياته مهاجراً من بلدٍ إلى آخر، مستكشفاً أهمية وعي البعد الانساني الخالص من شوائب الغرق في الماديات والاستسلام للروحانيات. وهذا ما دفعه إلى القول: “إنّ ديني وطني، وبطريركي مبدأي، وكنيستي أدبي، وطائفتي أمّتي.”7 ، داعياً أهل الفكر والأدب والصحافة والقلم المنعتق من أيّ ارتهان، والذين يملكون حسّ الصدقيّة الوطنية، إلى اتّباع طائفةٍ جديدة، طائفة الوطن، واعتبار مكانتها أرفع وأسمى من كلّ الطوائف الدينية والأحزاب السياسية في البلاد. فخارج الكنيسة والمسجد والخلوة والكنيس، علينا أن ننسى أننا مسيحيون أو مسلمون أو دروز أو يهود. وإبن الطائفة لا يحصل على حقّه في الاستقلالية إلا إذا شقّ عصا الطاعة في علاقته بطائفته وفي شكلٍ جذريّ وحاسم، حينذاك يتمكّن من امتلاك الشعور الوطني في النبل والصفاء اللذين يجب أن يكون عليهما.

إلى ذلك، صنّف الريحاني الطائفيين تبعاً لعلاقتهم بالوطنية ورؤيتهم لها. فالطائفي، كما قال، “ربع رجل، والطائفي الوطني نصف رجل، والطائفي الوطني المحبّذ اللاطائفية ثلاثة أرباع الرجل، والوطني اللاطائفي، قولاً وعملاً، هو الرجل كلّ الرجل.”8 كما حاول التمييز بين القائل بالطائفية وهو ينتمي إلى طائفةٍ صغيرة، وبين المنادي بها وهو من طائفةٍ كبيرة، معتبراً الأول واثقاً بنفسه لا يهاب أيّ مزاحمة إذا ما حرّكته مطامعه السياسية، فيما الثاني ضعيف الثقة بالنفس ولا يقيس الكفاية إلا من حيث العدد. أما الحكومة القائمة على الطائفية، فظالمة ومظلومة في آن، لأنّ الطوائف تظلمها، وهي كذلك تتمادى في ظلمها إنتقاماً، وهي بالطبع خاسرة في الحالتيْن. وقد استنتج من هذه الصورة أنّ الطائفية مرادفة للأنانية وحبّ الذات، وهي نوع من الخيانة الوطنية. وإذا كان السياسيون يتمسكّون بالنظام الطائفي، فلأنه يخدم مصالحهم الشخصية. حتى أنّ بعض الأدباء إستخدموا التعصّب الدينيّ لأهدافٍ سياسية، والتعصّب السياسيّ لأهدافٍ دينية. وكأننا، وبعد سنواتٍ طويلةٍ مرّت على كتاباته، نجدنا أمام المعضلة ذاتها، وما حذّر منه الريحاني ما زلنا نعيشه إلى اليوم، لا بل نحاول التعايش مرغمين مع مفاعيله السلبية على جميع مستويات حياتنا في الوطن. فكان مصيباً في اعتباره أنّ الرقيّ الوطنيّ لا يستقيم “إلا بالترفّع عن الطائفية، وبالتجرّد -كلّ التجرّد- عن التعصّب.”9  إلا أنه كان يدرك بدون شكّ صعوبة تحقيق هذا الأمر على أرض الواقع، خصوصاً أنه لمس ضمن بيئته نوعيْن من الشعور: الخوف من الآخر على قاعدة الاختلاف، ما استحال ارتداداً إلى أحضان الطائفة، والحذر من تمدّد نفوذ الطوائف الأخرى. والشعوران كانا مصحوبيْن بكمّ من الكراهية والنفور، لم يكن الريحاني ليتقبّلهما لا فكرياً، ولا وطنياً، ولا إنسانياً. فهو شخصياً من أخرج نفسه من تلك القوقعة مستنداً إلى سموّ في الفكر وقوة في الارادة وقدرة على تخطّي الذات الفردية إلى الوعي الجماعي الحقيقي، فلم يسمح لأيّ حدثٍ بالسيطرة على توجّهاته الفكرية والوطنية، رافضاً أن يرى اللبنانيين عبيداً لعقليةٍ دينيةٍ مغلقة تقوم على الأثرة وسوء الظنّ والضغينة.

كان الريحاني بحقّ رؤيوياً لأنّ التعصّب الطائفي الذي ثار ضدّه تغلغل في عمق كيانيّة الشعب اللبناني، وأدّى به إلى الانزلاق السهل في حروبٍ عبثيةٍ حرّكتها دول خارجية، ولم تكن حرب ال1975-1990 آخر هذه الحروب، بل هي مستمرّة إلى اليوم بأشكالٍ مختلفة، وهي تحصد المزيد من الضحايا بدءاً بالدولة المفكّكة وصولاً إلى الشعب الواقع في اليأس.

       2. الثورة على رجال الدين

أقسم الريحاني في كتابه “الريحانيات” بأنّه سيبذل كلّ ما في طاقته، عبر الكتابة والخطابة والعمل، “لتحرير الانسان من قيود الجهل والفقر والخوف، وتخفيف الآلام البشرية وإزالة الأوهام والأضاليل في العقائد والتعاليم السياسية والاجتماعية والدينية.”10 هذا ما حدّده كهدف، وأما الوسيلة ففي اعتماد الفكر الحرّ والقول الحرّ والبحث الحرّ بعيداً عن التعصّب والتحزّب والأهواء الشخصية. وفي ذلك ربط الأضاليل بتعاليم الدين، كما بسواه من المجالات… وفي “كتاب خالد”، وتحت عنوان “إلى الله”، خطّ نصّاً أدبياً رائعاً، وكأنّه يعزف بانسيابيةٍ مميّزة على قيثارة البحث في وجود الله. وممّا قاله: “عبثاً طلبتك في أديان الناس، عبثاً بحثت عنك في سرادب عقائد الناس، ولكني لقيت في كتب العالم المقدّسة بعض آثارٍ سماويةٍ طامسة. فلقد توضّح لي حرف ساكن من إسمك في “الفيدا”، وحرف في “الزند آفستا”، وحرف في الانجيل وحرف في القرآن…”11 وفي ذلك محاولة إستنباطية شخصية للدين في كينونته العميقة.

ومن منطلق توصيف الدين ورفض عملية التضليل داخل الأديان، كانت ثورة للريحاني في وجه رجال الدين، في مواقفهم وتصرّفاتهم ورؤيتهم الأمور. ولم تكن ثورته آنيّةً أو مرحليّة، بل أبرز التزامه الخطّ الثوري الرامي إلى إحداث تبدّل جذريّ وحاسم في تقاليد المجتمع العربي عموماً، واللبناني على وجه الخصوص، عبر العمل على إيقاظ الوعي لدى أفراد المجتمع وإزاحة الغشاوة عن قدرتهم على التفكّر السليم بشؤون الدين وبقضايا الالتزام العقيديّ. فالناس يحتاجون إلى استعادة حرّيتهم الروحيّة توصّلاً إلى سموّ الذات وبلوغها كمالها الفكريّ المرتجى. واعتبر رؤساء الأديان العائق الأول أمام هذا الهدف التحرّريّ، متّهماً إيّاهم بالفساد وبتقييد النفوس البشرية واستعبادها، وبالمتاجرة بأبناء الطوائف وخداعهم، لا بل بالسيطرة أيضاً على الأمراء والملوك وتأييد سلطانهم بأنباء “كاذبةٍ” من السماء، ووصف سلوكهم هذا “بالشائن”، مذكّراً أنّ “على الكهّان وآلهة الكهنة، إمتشق النبيّ حسامه في الكعبة، وصبّ المسيح نارغضبه في الهيكل.”12  وهو لم يأبه لرأي الكنيسة المارونية بكتابيه “المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية” و”المكاري والكاهن” حيث انتقد في الأول الخرافات في الأديان والخلافات العقيدية، وقال في الثاني إنّ الكهنة يدّعون الفضيلة وخدمة الربّ والرعيّة، ولم يؤثّر فيه الحرم الذي يُقال إنّ الكنيسة أطلقته بحقّه.

وفي “كتاب خالد”، روى الريحاني قصّة “خالد” الذي حرمته الكنيسة الزواج من ابنة عمّه “نجمة” بسبب قرابة العمومة بينهما. وأوضح أنّ الزواج كان ليتمّ لو انّ العريس دفع للمطران ليحصل على موافقته الرسميّة، لأنّ المال وليس الضمير هو الذي كان يحرّك ذهنيّة رجال الدين المتحكّمين بأبناء طائفتهم. لا بل كانت الرغبة في الزواج تعتمد الهمس في جيوب سماسرة الأعراس الذين كانوا يتكلّمون كالآلهة، فيضلّلون الناس ويضحّون بالمصالح العامة في سبيل مصالحهم الخاصة، ولو أنهم “حملوا المعاول أو البنادق من أجل الأمّة، كانوا أخلص وأشرف في عين الله والناس.”13 (وتجدر الاشارة هنا إلى أنّ مشكلة خالد هذه كانت ضمن رواية حيث يحقّ للروائي سرد ما يرتأيه من قصص وإبداء المواقف التي يجدها تخدم روايته وتعبّر عن آرائه في الوقت ذاته، إلا أننا إذا تناولنا المسألة من وجهة النظر العلمية والطبّية اليوم، فسنكون حتماً ضدّ زواج الأقارب لما يحمله من سلبيّاتٍ على صحّة الأطفال. لكن في العصر الذي عاش فيه الريحاني، كان الزواج من ابنة العمّ رائجاً، وقد استند إليه الكاتب كمثلٍ ومنطلق لانتقاد رجال الدين، علماً أنه خارج هذه القصة، كان على صوابٍ في تقييمه أدوارهم السلبيّة في الكثير من الأمور.).

إلى ذلك، رأى الريحاني في الاستبداد الذي يمارسه رؤساء الطوائف إستبداداً سفسطائياً، وإذا لم نتمكّن إرادياً من التجرّد منه فستبقى “آدابنا مبتذلة جامدة خاسئة ونعود بعد حينٍ إلى ما كنا فيه من الفتور والانحطاط.”14 وهو لمّح بهذا التشبيه إلى استبداد السفسطائيين بالناس في المرحلة ما قبل السقراطية عبر فنّ الخطابة الذي أتقنوه واعتمدوه سبيلاً لإقناع من يتابع تعاليمهم بما يريدونه من أفكارٍ في الفلسفة والسياسة والاجتماع، حتى وإن كانت أفكاراً زائفة، وذلك مقابل بدلٍ ماليّ بدأه في أثينا السفسطائي بروتاغوراس Protagoras (490- نحو 420 ق.م.) على حدّ اعتبار الفيلسوف الاغريقيّ أفلاطون Platon (428-347 ق.م.).، هذا طبعاً إلى جانب انتقاد أستاذه سقراط Socrate  (470-399 ق.م.) لهم قبل أفلاطون، وكذلك تلميذه أرسطو Aristote (384-322 ق.م.) بعده. وفي الواقع، إنّ ما دفع الريحاني إلى هذين التشبيه والتوصيف، وكان إلى حدّ بعيد على صواب في ذلك، هو تلمّسه إستغلال رجال الدين لأتباعهم، وتلقّي الأموال منهم في العديد من المناسبات، والسيطرة على طريقة تفكيرهم إلى درجة الاستعباد، وهذا فعلاً ما كان يحصل أيام المرحلة السفسطائية.

كما رفض الريحاني أن يقتصر البحث في الأمور الدينية على رجال الدين وأن يُحرّم على سواهم. هذا عين الضلال، لأنّ طرح المسائل الدينية ومناقشتها وتقييمها سلباً أو إيجاباً هو من حقّ كلّ فردٍ في المجتمع، وهذا الحقّ يرفع مرتبة الانسان ويسمح له باختيار سبيله في الحياة. وأردف أنه إذا سئل شخصياً لماذا يبحث في الدين وهو ليس من رجاله، فسيجيب سائليه كما أجاب روسو Jean-Jacques Rousseau (1712-1778) عندما سُئل عن تناوله المواضيع السياسية وهو ليس أميراً ولا حاكماً فقال: “أنا لست أميراً ولا حاكماً، ومن أجل هذا كتبت. فإنّي لو كنت أميراً أو حاكماً لما أضعت الزمان بكتابة ما ينبغي أن أفعل بل كنت أفعله وألزم السكوت”15 . وتماماً كما روسو، جاهر الريحاني بأنّه يخطب في المواضيع الدينية وهو ليس قسّيساً أو مطراناً، “فلو كنتُ قسّيساً أو مطراناً لأصلحتُ وحسّنتُ واستغنيتُ عن الخطابة ولزمتُ السكوت.”16 فهل هناك أبلغ وأوضح وأجرأ من هذا الكلام لتسطير ثورته على رجال الدين؟ إنّ الاصلاح ولو في الدين ليس حكراً عليهم، وما دامت تسود في نفس الانسان ملَكات العقل والأدب والأخلاق، فهو مشروع باحثٍ في الدين، والأديان والشرائع غير قادرة على سلبه هذا الحقّ.

       3. فصل الدين عن السياسة والدعوة إلى العَلمانية

  في كتاب “القوميات”، وتحت عنوان “السياسة والدين”، تحدّث الريحاني عن دعوةٍ وجّهها له مدير دار الأيتام الاسلامية في بيروت العام 1935 لإلقاء محاضرةٍ بشرطٍ حاسمٍ وحازم أن يكون موضوع المحاضرة بعيداً كلّ البعد عن السياسة والدين، لا بل ألا يأتي على ذكرهما بتاتاً. إستجاب لهذه الدعوة بدافعٍ إنسانيّ منه، مع أنه كان يُهمل قبل ذلك كلّ الدعوات المماثلة التي تشترط عليه مثل هذا الشرط غير المقبول. “فأيّ موضوعٍ حيويّ يا ترى، كما قال، لا تمتدّ جذوره إلى ما تحت أتربة الدين وأسمدة السياسة؟ أما إذا كان بعيداً عن الاثنين، فإنّ فائدته تقلّ بالنسبة إلى بعده عن حياتنا الحاضرة المغموسة غمساً في السياسة وفي المذاهب الدينية. وما الفائدة من خطبةٍ في موضوعٍ سليم العاقبة، عقيم النتيجة!”17 فهل مواضيع الكواكب والنجوم، أو البراكين والزلازل، أو مشكلات الصحّة أو الزراعة أو الصناعة … هي الأكثر نفعاً للحاضرين؟! عجيبٌ، كما اعتبر، واقع هذا البلد القائم على أسسٍ واهية من الخوف والتردّد أمام مسائل نعيشها كلّ يوم وينبغي أن نجد لها حلاً.

من هنا خرجت دعوات الريحاني الثورية عن الإطار التقليديّ الذي وسمت به معظم كتابات المفكّرين في عصره بسبب انعتاقه من قيد الأسلوب الأدبيّ التنظيريّ وولوجه مجال النقد البنّاء لآفات المجتمع في إطار طروحاته السياسية-الاجتماعية. لذلك هو لم يكتفِ بمناهضة النظام الطائفيّ وبمحاولة القضاء على أصول التعصّب الدينيّ وذيوله، معتبراً الثورة على رجال الدين خطوةً من الخطوات المؤدّية إلى تحرير الشعب من ربقة الاستغلال والاستعباد. وأكّد أنّ مواقفه هذه لا تكتمل إلا في حال اقترانها بدعوةٍ جدّيةٍ إلى فصل الدين عن السياسة، وإلى رفع العصبيّة الوطنية إلى مقامٍ يعلو فوق العصبيّات الدينية كلّها… سبيلاً إلى بلوغ مرحلة سيادة النظام العَلمانيّ. فانتساب الفرد إلى دينه بالدرجة الأولى، ثمّ إلى مسقط رأسه، ثمّ إلى منطقته.. هو انتساب ينعكس بسلبيّته على الفرد ذاته وعلى من هم على اتصال به في مجالات الحياة كافة، فهذا تحزّب طائفي لا يمتّ للوعي الوطني بأيّ صلة، بل على العكس من ذلك، هو يؤدّي إلى ذهنيّةٍ متزمّتةٍ متحجّرة تقف عائقاً في وجه التقدّم… بينما انتساب الفرد إلى دولته أولاً والتزامه جميع قوانينها يُدخله السياق الفكريّ التطوّريّ الذي يجعله يتقبّل النظام العَلمانيّ الاجتماعيّ-السياسيّ المنعقد على تلاقي الطوائف وإزالة سيطرة الاقطاع الدينيّ والسياسيّ. وفي هذا المجال، إعتبر الريحاني الميدان التربويّ الحقل الأمثل لإنماء الروح العَلمانية في مدارس وطنية مجرّدة من أيّ صبغةٍ دينية، على أن يكون التعليم عَلمانياً وعصرياً وعمومياً على المستوييْن النظري والعملي، وأن تُؤسّس مثل هذه المدارس النموذجية ذات البرامج الموحّدة في كلّ قطرٍ من الأقطار العربية، بهدف القضاء الكلّي والشامل على النزعات الطائفية والمذهبية بكاملها. وقد أشار في هذا المجال إلى أنّ الحكومة الفرنسية أبلغته عن نيّتها تأسيس مدارس عمومية إجباريّة مجّانية عَلمانية، ما اعتبره عين الحكمة.

والحقيقة أنّ هذا الفصل بين التشريع الدينيّ والسياسة شكّل قاعدةً أساسيةً للنظام الفلسفي في فكر الريحاني. ولو بحثنا في عمق هذا النظام وخلفيّاته، لوجدنا أنفسنا أمام اعتماده مبدأ اللاأدرية  Agnosticisme في الشؤون الميتافيزيقية، ويمكن اعتبار هذا المبدأ  أحد العوامل التي أطلقت جرأته اللامتناهية في إبداء رأيه في الدين والسياسة والعّلمانية. فاللاأدرية عقيدة فلسفية ترى أنه لا يمكن للانسان تحديد القيمة الحقيقية للقضايا الدينية وللمسائل المتعلّقة بالذات الالهية. والريحاني كان متأثّراً بتوماس هكسلي “الذي صاغ الكلمة وأعطاها تعريفاً العام 1869.”18 فالدين ليس الأساس في رأي الريحاني، بل الانسان، وهذا الانسان هو الظاهرة العاقلة الأكثر تعبيراً عن الناموس الحيّ الشامل الذي يخترق الكون فيحييه وينظّم حركته التطوّرية صعداً من الجماد حتى الحياة الذهنية الواعية. الانسان هو المتحرّك تطوّرياً نحو كماله وينبغي أن يكون سيّد نفسه في الاشتراع للحياة وفي تنظيمها. من هذا المنطلق الفلسفي، إعتُبرت مناداة الريحاني بالعَلمانية مركزيةً في فكره السياسيّ الرامي إلى الخروج من محدودية الفكرة الطائفية إلى شمولية المبدأ العَلماني، الأمر الذي يسهّل مهمّة الانفتاح على القيم الوطنية والقومية الصحيحة. ( وتجدر الاشارة هنا إلى أنّ اللاأدرية لم تكن جزءاً من فلسفة الريحاني فحسب، بل قيّمها قسم كبير من المفكّرين كأساسٍ أوّلي لتفكّره الانسانيّ العميق، ما دفع جامعة كاسل Kassel الألمانية العام 2018 إلى اتّخاذ القرار بتدريس هذه العقيدة لدى الريحاني ضمن إطار نظريّاته المرتكزة على التسامح بين مختلف الأديان والمعتقدات. ).

     4. القومية العربية

  كانت دعوات الريحاني إلى إلغاء الطائفية واعتماد العَلمانية تصبّ كلّها في خانة القومية العربية إنتماءً والتزاماً. وكان “فيلسوف الفريْكة” يفاخر بأنّه ينتمي إلى الأمّة التي نبغ فيها الشعراء والفلاسفة، وقد أكّد أنّ مفهوم “العروبة” سبق ظهور الديانتيْن المسيحية والاسلامية.”العروبة، كما قال، قبل كلّ شيء وفوق كلّ شيء.”19 وكذلك أردف:” أنا أمين الريحاني، لبنانيّ من الفريْكة… قرويّ جبليّ أفضّل الفريْكة على كلّ بلدةٍ في العالم، وأفضّل لبنان على كلّ جبلٍ في الأرض، وأفضّل سوريا على كلّ بلدٍ في الدنيا. ولكنّي، مع ذلك وفوق ذلك، عربيّ الدم، عربيّ الحسّ والنزعة، عربيّ القلب والروح، كما أنّي عربيّ اللسان.”20

وفي اعتقاده أنّ الشعور بالقومية العربية يُلغي الفواصل المذهبية بين أبناء الأمّة الواحدة. لذا فقد دعا الأمّ العربية إلى تربية أبنائها على قاعدة الانتماء العربيّ والتضامن في سبيل الوحدة العربية، وتوجّه إلى الأمّ اللبنانية والأمّ السورية والأمّ الفلسطينية قائلاً: علّمي أبناءك العروبة أولاً، وبعد ذلك أن يكونوا لبنانيين أو سوريين أو فلسطينيين. “علّميهم أن يكونوا عرباً أولاً، ومسلمين أو مسيحيين أو دروزاً أو يهوداً بعد ذلك.”21  وكان يرمي من خلال دعوته إلى القومية العربية إلى محاولة توحيد الشعور العربيّ تفادياً للوقوع في مآزق الصراعات المذهبية وإنقاذاً للقيم الوطنية. فالعروبة ليست مجرّد فكرة، هي روح قومية سامية شمولية تدفع صاحبها إلى التضامن والتعاون مع إخوانه، بهدف بناء وطنٍ يجمعهم ويضمن لهم الخير والسلامة ويدفع عنهم مخاطر التحدّيات الخارجية. العروبة هي، بحسب الريحاني، إحلال للقومية الواحدة الكبرى محلّ القوميات الصغيرة التائهة.

إلى ذلك أكّد الريحاني أنّ التفاخر بالانتماء إلى أميركا، لساناً وصحافةً وحكومةً، لا يهمّه ما دام هو المفاخر الدائم بلبنانيّته وبعروبته. واعتبر أنّ هذه النزعة نحو الالتحاق الكلّي بالغرب وبأميركا تحديداً ولّدت فيه هو “اللبناني، العربي، الأميركي… بعض العطف على الشعب المزدحم في غابات المدن، هناك بين جبالٍ من ناطحات السحاب، في غاباتٍ وبين جبالٍ من الجهل.”22 لا بل إنه أراد، هو اللبنانيّ العربيّ، أن يعلّم الأمّة الأميركية أوّليات العلم بالأمّة بدون أن يجرح كبرياءها. فلطالما قيّم وجهة نظره في الأمور بالوطنية-الانسانية، فوطنيّتنا، كما قال، “هي عربيّة قوميّة، لا عربيّة إسلاميّة.”23

كتب الريحاني “قلب لبنان” و “قلب العراق” و ملوك العرب” في محاولةٍ لإعادة إحياء تراثٍ عربيّ رفض أن يتآكله عاملان: الزمن الذي يجب التماهي مع انسيابه الكلّي، والغرب الذي يجب مجاراته بحكمة لكي لا يُفقدنا هويّتنا العربية. جاء الريحاني إلى الجزيرة العربية بهدف استنهاض الرابط الروحي الذي أصابه الوهن بين العرب وبين تاريخهم، هذا التاريخ الذي يحمل في طيّاته، على رغم الحروب الطويلة والنزاعات، فسحاتٍ واسعة من العطاء الثقافيّ والمعرفيّ الذي لا يُقارن بمثله. لذلك اعتبر السيّئات عند العرب أكثر جمالاً من حسنات من يستعبدهم التمدّن. وكان هاجسه العمل على إعلاء شأن الروح القوميّة والتخفيف من حدّة الانبهار بالغرب والغرق فقط في ترجمة أعماله الفكرية، لكن مع استمرار الأخذ حتماً بإنتاجاته العلمية وبتطوّر إنجازاته في هذا المجال. ولكن يحقّ لنا أن نسأل هنا: ألا يتعارض ما قاله الريحاني، وإن جزئياً، مع وصفه الأخّاذ لعشقه باريس ونيويورك إلى جانب لبنان في “الريحانيات”، حيث عبّر، تحت عنوان “من على جسر بروكلن” عن ذلك بقوله: “أما المناظر الثلاثة التي تمتّع بها طرفي حتى الآن فتركت أثراً عظيماً في نفسي، فهي لبنان وسواحله من ذروة جبل صنين، وباريس من على برج ايفل، ونيويورك في الليل من منتصف جسر بروكلن. في الأول رمز الطبيعة، وفي الثاني رمز الفنون الجميلة، وفي الثالث رمز الكدّ والاجتهاد. وهذه هي دعائم الحياة الروحية الثلاث.”25  ؟! حتى أنه أنهى هذه الفكرة بلغةٍ شاعريةٍ عطرة حين قال: “لبنان – باريس – نيويورك – في الأول روحي، وفي الثانية قلبي، وفي الثالثة جسدي.”26  الحقيقة وكما يبدو أنّ تعلّقه لا بل تأثّره العميق بالغرب (كما بلبنان) لم يشكّل عائقاً أمام اعتقاده الصارم بوجوب قيام قومية عربية والحفاظ عليها، فأراد أن يتلاقى العالمان بدون انكسارٍ للعرب، بل بانفتاحٍ حكيمٍ ومدروس على الغرب المنطلق نحو التقدّم بسرعةٍ وعلى كافّة مستويات الحياة. وهذا ما يعبّر حكماً عن شخصية الريحاني التي تشكّلت في عالميْن وثقافتيْن مختلفتيْن، فكوّنت لديه رؤيةً إنسانيةً جامعة جعلته ينتقد حيث يجب، ويعترض حيث يجب، ويُعلي الصوت حيث يجب أن يعلو الصوت ويصدح.

عشق الريحاني الحرية في الغرب وانتقد في الوقت ذاته مساوئ الرأسمالية فيه، وأراد أن ينقل حرية الغرب إلى الشرق في إطارٍ عروبيّ ثقافيّ، لا إثني ولا عرقي، بل ضمن منهجيةٍ براغماتيةٍ تحقيقاً للوحدة العربية على المستوى العملي. في الجزيرة العربية، دعا إلى التطوير في مجالات المؤسّسات السياسية والتربوية، وفي لبنان وسوريا، أكّد على ضرورة قيام حكمٍ مدنيّ مترافق مع تنميةٍ إقتصادية. وفي ما خصّ الحكم السياسيّ، رأى أن يكون متناسباً مع ظروف كلّ بلدٍ عربيّ ومع خصوصيّاته سياسياً واجتماعياً وفكرياً.

إلى ذلك، فقد دافع عن الحقوق العربية في فلسطين، ردّاً على ادّعاءات اليهود بحقّهم في الأرض. ففلسطين جزء من البلاد العربية، وهي “عربية في ثقافتها ولغتها وفي عادات أهلها وتقاليدهم”27، وتوجّه إلى ملوك العرب العام 1936 بقوله: ” إنّ الدماء العربية تناديكم.. وإنّ الأخوّة العربية تستنجدكم، وإنّ الروح اليهودية المخالفة للمبادئ الصهيونية الاستعمارية تفرح لتدخّلكم…”28 رافضاً وعد بلفورالذي أصدرته الحكومة البريطانية في الثاني من تشرين الثاني العام 1917 لإعلان دعم تأسيس وطن للشعب اليهودي في أرض فلسطين. وكأنه، بموقفه هذا الصادر تحت عنوان “العمل من أجل فلسطين”، حذّر من النكبة قبل وقوعها العام 1948، ولو انه عاصر ما يحدث من مجازر وانتهاكات لاإنسانية في فلسطين اليوم، ومن أحداث تتعدّى مستوى النكبات والنكسات إلى المسّ بالانسان وبالأرض عبر تدميرٍ متعمّد وشامل، وللأسف في ظلّ صمت خبيث من بعض الدول، وصراخ أكثر خبثاً أحياناً من بعض الدول والجهات الأخرى… لكانت للريحاني مواقف تتّسم بالجرأة التي لا نلمسها إلا نادراً لدى الكثيرين من مفكّرينا العرب المعاصرين.

وكانت وصيّته الأكثر تعبيراً عن تعلّقه العميق بالقومية العربية وجاء فيها :”إنّ الوحدة العربية المؤسّسة على القومية لا على الدين هي وحدة مقدّسة، فأوصيكم بها. واعلموا أن لا خلاص للأقليات إلا باتحادهم بالعرب وامتزاجهم والأكثريات إمتزاجاً عقلياً أدبياً روحياً، فتصبح البلاد لا أكثريات فيها ولا أقليات.”29 وكأنّ الريحاني بهذه الوصية إستحضر إلى زمنه ما يحدث في زمننا الحاضر حيث الصراع بين الأقليات والأكثريات يؤدّي اليوم إلى نتائج كارثية في الوطن العربيّ، وأكثرها خطورةّ هو قيام حلفٍ للأقليات، فيما الأحلاف الوطنية يجب أن تُبنى على الأولويات في القيم والمبادئ، وليس على العددية القائمة على الرهاب المرَضيّ من الآخر.

رابعاً: “المدينة العظمى” في تصوّر الريحاني

  متأثّراً بكتاب “الجمهورية” لأفلاطون، وبكتاب “آراء أهل المدينة الفاضلة” للفارابي (870-950)، ولكن ضمن اتجاهٍ فكريّ خاص به، تحرّكت مخيّلة الريحاني ليقدّم لنا، بأسلوبٍ أدبيّ-شاعريّ-فلسفيّ، تصوّره الأمثل “للمدينة العظمى”، وهي المدينة التي يجب أن تحتضن أبناءها وأن تظلّل حياتهم بثلاثية الضوء والحبّ والارادة. وفي هذا قال: “أردّد معك يا غوته تلك العبارة: “الضوء مزيداً من الضوء”. وأقول معك يا تولستوي: “الحبّ، مزيداً من الحبّ”. وأردّد معك يا إبسن: “الارادة، مزيداً من الارادة”!”30

وقد أراد أن يسكن مدينته العظمى إنسان كامل، متفوّق بحسب تعبير الفيلسوف الألماني نيتشه Friedrich Nietzsche (1844-1900)، إنسان يتميّز بخصائص عدّة نذكر منها:

  • الحرية: فعلى الانسان أن يكون حرّاً، قلباً وقالباً، فكراً وعملاً. هي هذه الحرية الروحية الجوهرية الكاملة التي لا تبلغ اكتمالها إلا بالأخلاق السليمة وبالعلم الصحيح. هي “ضالّة الانسان المنشودة وغايته القصوى في الحياة.”31 وتترافق النفس الحرّة مع عقلٍ حرّ ومع اغتذاءٍ من الفنون والعلوم، ما يؤدّي إلى ارتقاء المجتمع نحو الأمثل والأكمل.
  • التواضع: وهو صفة ملازمة للحرية الحقّة لأنّ علينا ألا “نكون عبيداً لمن هم فوقنا ولا نستعبد من هم دوننا.” 32 وأيّاً كانت المكانة التي يبلغها الانسان في سلّم الحياة، يجب عليه أن يحافظ على تواضعه في علاقته بالجميع مهما اختلفت مكانتهم. وما ينطبق على الفرد، كذلك ينطبق على المدن، فلا يحقّ لمدينةٍ ما كلندن مثلاً أن تشمخ بأنفها على أخرى كالقاهرة، أو القاهرة على بيروت. فالتواضع دليل رقيّ نفسيّ لدى الانسان وفي المجتمعات.
  • محاسبة النفس: على الفرد أن يُجري تقييماً لذاته لتصويب الأمور ومحاولة تفادي الأخطاء. فليست قيمة الانسان في ماله وسلطته، ولا في شهرته وقوّته، بل في سعيه وراء الحقّ ودفع الباطل عنه وعن الآخرين. ويبدو أنّ الريحاني كان متأثّراً في هذه النقطة بالفيلسوفيْن الاغريقيّين فيثاغوراس Pythagore (نحو585- نحو 495 ق.م.) الذي حثّ تلامذته على القيام بفحصٍ للضمير مرّةً واحدة على الأقلّ خلال اليوم الواحد، وسقراط الذي وجّه طلاّبه نحو عمليّة استبطانٍ داخليّ هادفة تطبيقاً لعبارته الشهيرة “إعرف نفسك بنفسك”  المنقوشة عند مدخل معبد دلفي.
  • الصداقة والاخلاص: “فالمدينة العظمى هي التي تكون الصداقة فيها أمراً مقدّساً، والاخلاص محترماً.”33 وهذا الأمر مرتبط بتربيةٍ صحيحة حيث على الأمّهات أن يربّين أبناءهنّ على ما سما من مقاصد الحياة، فيبتعدون عن الكذب والجبن والمراوغة والخرافة والطاعة العمياء… الأمر الذي يجعل بناء صداقةٍ مع الآخرين قائماً على أسسٍ ساميةٍ ومتينةٍ ومكلّلة بالاخلاص والوفاء.

هكذا يكون الانسان الكامل في “المدينة الريحانية” مجرّداً من كلّ حقدٍ، محبّاً للانسانية، غافراً لمن أساء إليه. “هو ذلك الكائن البشريّ الذي صفت نفسه وأشرفت على الحقائق الكونية، فنبذ العصبيّات، واحتقر العنصريّات، وكره الفرقة، وألف التقارب والتعاون والاتحاد.”34

أين تكون هذه “المدينة العظمى” وبمَ تمتاز؟

“قد تزهو المدينة العظمى فوق أطلال بابل. قد يشيّدها الزمان على ضريح نينوى. قد ترتفع صروحها وأعلامها وأبراجها وقبابها تحت هذه السماء الجميلة، على هذه الشطوط التاريخية المقدّسة، أمام هذه الأمواج التي شاهدت جنازة آسيا.”35

وكأنّ الريحاني بدا شاعراً يقف على أطلال مدينته، ومهندساً يرمي إلى إعادة تشييدها… وكأنه أرادها أن ترنو إلى السماء فتلامس قدسيّتها وتبقى تحت قُبّتها… ورآها كذلك على الشواطئ حيث تُكتب على الرمال صفحات متتالية من تاريخ وحضارات عابقة بالتراث والثقافة. أراد من مدينته أن تعيد مجد آسيا، مجد الشرق الذي يتطلّع إلى من ينتشله من غيبوبته ليستفيق على حقيقته المشرقة. لذا فقد ربط مدينته العظمى بالنوابغ من الشعراء والأدباء والفنّانين والصناعيين، فهم مرآتها وممثّلوها الأصيلون، كما أكّد على استقلاليّتها ورفضها أيّ خنوعٍ وإذعانٍ لأيّ احتلالٍ أو تدخّل أجنبيّ في شؤونها.

وقد بحث الريحاني، كما قال، في الفلسفات القديمة والحديثة، فما وجد أصلح من الفلسفة الرواقية Le Stoïcisme التي أسّسها زينون الكيتيوني Zénon de Citium (نحو 334- نحو 262 ق.م.)، فكان للمذهب الرواقي أثره العميق في تفكّره في الأخلاق والقيم المجدولة على الحكمة، وعلى الفضيلة المؤدّية إلى السعادة، وعلى تغليب مَلَكة العقل مع اتّباعٍ إراديّ لحياةٍ زاهدة متقشّفة وفقاً للطبيعة. وقد شاطر الريحاني الرواقيين (من المؤسّس في المرحلة القديمة، مروراً بالمرحلة الوسيطة، وصولاً إلى الرواقية الجديدة التي تنتهي مع ماركوس أورليوس Marc-Aurèle (121-180) ) اعتقادهم أنّ السعادة تكمن في الفضيلة، وفي الصبر على الألم والشدائد، وفي النظر إلى أمور الحياة بقلبٍ صافٍ مطمئن. وعبّر عن ذلك في مقالاته: “في ربيع اليأس” و “الرسول الأسمى” في الريحانيات في جزئه الثاني.

عندما تنتصر “القوى الروحية والعقلية على القوى المادية”36 ، نكون في مدينة الريحاني العظمى، وربما تكون الصورة الأخّاذة التي رسمها في “كتاب خالد” الأكثر تعبيراً عن مدينته حين قال: “أجيء إليكِ الآن، يا مدينتي… وسوف أرفع في ميادينكِ العامة… نُصُباً تذكارية للطبيعة. وفي مسارحكِ، للشعر والفكر. وفي أسواق بازاراتكِ، للفنّ. وفي بيوتكِ، للصحّة والعافية. وفي هياكلكِ للعبادة. وفي قاعات محاكمكِ، للسلطة والرأفة. وفي مدارسكِ، للبساطة. وفي مستشفياتكِ، للايمان. وفي قاعاتكِ العامة، للحرية والثقافة.”37

خاتمة

من مرحلة طفولةٍ شقيّةٍ في الفريْكة، البلدة التي ولد فيها الريحاني ودُفن بعدما وصف تعلّقه الشديد بطبيعتها في العديد من كتاباته، إلى مرحلة شبابٍ تعرّف خلالها على بلدانٍ كثيرة شرقاً وغرباً وطبعت بعمقٍ فكره الأدبيّ والروائيّ والفلسفيّ، إلى مرحلة عودةٍ إلى البداية حيث كان الموت في انتظاره، هناك في البلدة الأحبّ إلى قلبه، على الطريق التي طالما سلكها وحيداً أو مع رفاقٍ له… اتى الموت بعد تسع سنواتٍ على كتابته “وصيّتي” حيث برز بصورة المؤمن بالله وبوحدة الوجود، والمحبّ للانسان، لكلّ إنسانٍ في العالم.

هو المفكّر المتعمّق في المذاهب والتيارات الفكرية والفلسفية، الناقد اللاذع لداء الطائفية.. هو الثائر الجريء على رجال الدين بدون خوفٍ ولا مواربة، الداعي إلى فصل الدين عن السياسة وإلى الانخراط في قوميةٍ عربيةٍ تشكّل خلاصاً للعرب وللعروبة..

هو الباني “مدينته العظمى” وفق المعايير التي استنبطها من تجاربه في الحياة وفي الكتابة.. هو الانسان الحرّ، الصادق، المنعتق من أيّ قيدٍ قد يهدّد قلمه وفكره، وهو الذي رأى في الحياة قوّةً خفيّةً مجدولة على الحبّ الذي يوحّد بين البشر.

هكذا كان أمين الريحاني الذي بنى فكراً متكاملاً ونادى، بنفحته الأوطوبية الحالمة، بمجتمعٍ نموذجيّ متميّز وأخّاذ، جامعاً بين الواقعية والمثالية، بين الحقيقة والأحلام التي لم تمت يوماً برحيل أصحابها.

   المراجع:

(1) أمين الريحاني، موقع المعرفة، marefa.org

(2) سيرة أمين الريحاني وأبرز منجزاته، ndu.edu.lb ، شباط 2023 (عن: The Letters of Khalil Gibran and Mary Haskell ص.74).

(3) المرجع نفسه.

(4) أمين الريحاني، الريحانيات، الجزء الأول، دار الجيل، الطبعة العاشرة، بيروت، 1987، ص. 27.

(5) المرجع نفسه، ص. 30.

(6) المرجع نفسه، ص. 32.

(7) أمين الريحاني، التطرّف والاصلاح، مطابع صادر ريحاني، الطبعة الثالثة، بيروت، 1950، ص. 49.

(8) أمين الريحاني، القوميات، الجزء الثاني، دار الجيل، الطبعة السابعة، بيروت، 1987، ص. 348.

(9) المرجع نفسه، ص. 243.

(10) أمين الريحاني، الريحانيات، الجزء الثاني، مرجع مذكور، ص. 402.

(11) أمين الريحاني، كتاب خالد، ترجمة الدكتور أسعد رزوق، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة العربية الأولى، بيروت، لبنان، 1986، ص. 229.

(12) أمين الريحاني، القوميات، الجزء الأول، مرجع مذكور، ص. 60.

(13) أمين الريحاني، التطرّف والاصلاح، مرجع مذكور، ص. 37.

(14) أمين الريحاني، القوميات، الجزء الأول، مرجع مذكور، ص. 58.

(15) أمين الريحاني، الريحانيات، الجزء الأول، مرجع مذكور، ص. 34.

(16) المرجع نفسه.

(17) أمين الريحاني، القوميات، الجزء الأول، مرجع مذكور، ص. 302-303.

(18) André Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie, P.U.F., Paris, 1985, p. 33.

(19) أمين الريحاني، القوميات، الجزء الثاني، مرجع مذكور، ص. 374.

(20) المرجع نفسه.

(21) أمين الريحاني، التطرّف والاصلاح، ص. 51.

(22) أمين الريحاني، الرحلات، المغرب الأقصى ونور الأندلس، دار الجيل، الطبعة الرابعة، بيروت، 1987، ص. 8.

(23) المرجع نفسه، ص. 431.

(24) المرجع نفسه، ص. 433.

(25) أمين الريحاني، الريحانيات، الجزء الأول، مرجع مذكور، ص. 89.

(26) المرجع نفسه، ص. 90.

(27) أمين الريحاني، القوميات، الجزء الثاني، مرجع مذكور، ص. 353.

(28) المرجع نفسه، ص. 355.

(29) كرم الحلو، “أمين الريحاني مستعاداً بمشروعه النهضوي”، جريدة الحياة، الخميس 8 تشرين الثاني 2012.

(30) أمين الريحاني، كتاب خالد، مرجع مذكور، ص. 256.

(31) أمين الريحاني، الريحانيات، الجزء الأول، مرجع مذكور، ص. 137.

(32) المرجع نفسه.

(33) المرجع نفسه، ص. 138-139.

(34) مريم هاشمي، “مقاربات فكرية حول الانسان الكامل ودوره في بناء الذات عند أمين الريحاني في المدينة العظمى”، مجلّة العلوم الانسانية الدولية، العدد 18، العام 2011.

(35) أمين الريحاني، الريحانيات، الجزء الأول، مرجع مذكور، ص. 137.

(36) المرجع نفسه، ص. 141.

(37) أمين الريحاني، كتاب خالد، مرجع مذكور، ص. 257.

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete