تكوين
إذا كانت السلطة تحمل عبْءَ ترسيخ قواعد النظام وضبط نبض الحياة في قلب المجموعات الاجتماعية، فإن نشاطها وديناميتها يتبدَّيان في صيغ وأنماط متعددة. فالمتقلّدون لزمامها يتدافعون على تجاذبٍ وتنابزٍ، إنهم يعبرون عن كثيرٍ من الرموز والشعارات، ذلك أن السلطة العارية عن الدلالات قلَّما تفيد، ونادرًا ماتنفع. وأكثر ما يعبِّر عن دينامية السلطة قيام الدولة بها، ممارسةٌ توفِّر للمدينة La cite البقاءَ على الدوام، لكنّ الدولة لا تجسِّد السلطة العملية الوحيدة في المجتمع، فهناك سلطة المجموعات والنخب المثقّفة والفئات القيادية الموجِّهة المُنبثة في كل مكان، بما فيها الأوَّليات الأكثر دقة microstratégies et micro pouvoirs في عمليات المقايضة والتبادل الاجتماعيين.
ممارسة السلطة:
لقد عبَّر صاحب (الكلمات والأشياء)، في نصٍّ له عن السلطة وكيفية ممارستها، بدقة متناهية عن أساليب حضور السلطة وكيفية تحوّلها وتبدّلها في حقل المواقع الذي يتحرك فيه الفعل، فاعلًا ومفعولًا، قادرًا ومقدورًا. ومع موت ميشال فوكو المبكر (1984) توقفت مقاربته لموضع السلطة عند صيغة غير مكتملة، لكنّ هذا لا يعني أنها مع كل ما اتصل بها من مسائل، التي خصص لها كثيرًا من محاضراته، لم تحتلْ الموقع المهمّ في مؤلفاته، وإنما يفيد أنّ الأبحاث التي رافقت نشر (المراقبة والمعاقبة) surveiller et punir ، والأجزاء الثلاثة من (إرادة المعرفة) قد طرقت أبوابًا جديدة ورسمت محاور للعمل، انطلاقًا من تصوّرات لم تكنْ في الأساس موضوع أعمال موسَّعة ومشبعة بالوعي التاريخي الذي اعتاد فوكو أنْ يعوّل عليه في كتاباته. كانت طموحاته كبيرة، ويشهد على ذلك برنامج المحاضرات الذي تابعه سنة 1979 في الكوليج دوفرانس والذي عالج فيه مسائل تتصل بالقانون والنظام والصيغة التي تعبِّر عن التعارض بين الدولة والمجتمع المدني. كما طرح وناقش في سياق هذا البرنامج موضوع السياسة الإحيائية.
والنص الذي نُشر في العام ١٩٨٤ عن (السلطة وكيفية ممارستها) يحمل في طريقة مقاربته للموضوع معنًی مُميّزًا ؛ اهتم بإبراز كيفية ممارسة السلطة أكثر من اهتمامه بالبحث في جوهرها وماهيتها. وبصورة أدق، ذهب فوكو إلى تعريفها على أنها أنموذج إجرائي مخصوص ؛ لقد وضع جانبًا تصوّرين متعارضين لها يعودان في الأساس إلى كل من ماركس وماكس فيبر ؛ الأول يقع في إطار الخلط والمزج بين السلطة والعنف، ويستقر في النهاية على مبدأ تفاوت القوى، كأن يبدو مثلًا في هذا المعنى أن السيد يمارس على العبد المُطوَّقُ بالأغلال نوعًا من السلطة . والتصور الآخر يبرز في نوع من التعاقد والتوافق بين من يمارس السلطة ومن يلتزم الطاعة الذي يُخيل أنه يطلب هذا النوع من العبودية لا، بل يقبله بلا تذمر، هذان التصوران يمكن التعبير عنهما بمفهومي علاقات القوة والسيطرة بفهمهما أسلوبين من أساليب السلطة، وإذا بدا أن استعمال العنف والقدرة على انتزاع الموافقة والقبول هما من الأدوات والصيغ المعبرة عن السلطة، غير أنهما لا يمثلان المبدأ أو القاعدة التي تقوم عليهما السلطة فعلًا. وغني عن القول إن فوكو لا يأخذ بهذين المفهومين أو هاتين النظريتين كما لا ينظر إلى وجهة نظره في مفهوم ثالث يمزج بين منطلقات ماركس وفيبر.
السلطة: فعل على الفعل:
طرح فوكو رأيًا مفاده أن السلطة هي (فعل على الفعل)، ويبدو واضحًا أن هذا التعريف يتقاطع مع ما يمكن استخلاصه من كتابات ماركس، أو ما نجده في نصوص فيبر؛ لأن الفعل يفترض في تحققه نوعًا من حشد الطاقة وتوزيعًا للقوة، والسلطة هي علاقة بين طرفين على شيء من التداخل والارتباط، لكنّ علاقتها، أو لنقل ممارستها، يذهب التعبير عنها مع فوكو إلى الاستعانة بالحكومة gouvernement استعانة المصطلح الذي يعود إلى القرن الثامن عشر، مع ما يصدر عنه من مسائل وما يتصل به من معان، هي في جملتها كشف وتحقيق لما يسمى بقابلية الحكم والتوجيه .
إذا كان بين النماذج ما يتوقف عند الكيفية التي يمكن بها الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها حتى ولو أدَّى الأمر إلى استعمال القوّة من أجل إلغاء الآخرين، أعداء أو اخصامًا أو منافسين على مثال (الأمير) لميكيافيل، فإن ثمة أنموذجًا آخرَ يختلف كل الاختلاف، بدأ يتأكد حضوره مع القرنين السادس عشر والسابع عشر، تحت مفهوم ما يسمى السلطة (الرعوية) pastoral . فمثلًا يرى فوكو أن الراعي يهتم بقطيعه : يعتني به ويحمي كل فرد فيه وجل جُهده ينصب في توفير مستلزمات وجوده الآمن، وهو في كل ذلك لا يسعى في سبيل امتلاك قوة يستطيع معها فرض سلطته ووصايته، إلى غير الأدوات والصيغ التي يحتاجها حكم من هم على عاتقه وفي رعايته. وهذا التعارض يتقاطع مع التمييز الذي عبَّر عنه في (إرادة المعرفة) بين الأنموذج الشرعي للسلطة والأنموذج الإستراتيجي.
المعنى الأول مطابق إلى حدٍّ كبير لمرحلة الملكية المطلقة، حيث السلطة بناءُ السيادة وتحقيقُ الخضوع؛ والدولة في هذا النظام طرحت نفسها لتكون المبدأ الموحِّد الذي يعلو ويناهض تعدُّد السلطات وتشابكها. لقد احتكرت في ظل هذه المهمة وظيفتي: العدالة والعنف، وبدا الحق صيغة من صيغ تمظهرها والنمط الذي يساعد على قبولها. وبعيدًا عن أن تخرج على القانون والشريعة، تمكّنت الملكية المطلقة من ممارسة وظائفها بفعل الآليات والأجهزة التي يفترضها تصوّرها للحقّ وائتلافها مع ماهيته. لكنْ مع التحول الاجتماعي والسياسي الذي أحدثته الثورة الفرنسية. تغيرت شروط الحياة السياسية، وغدا النوع البشري محور رهانات وتجاذبات استراتيجياته السياسية: «عبر آلاف السنين بقي الإنسان، على ماعرَّفه أرسطو، حيوانًا حيًّا قادرًا على بناء وجود سياسي، في حين باتت حياته، بوصفه موجودًا حيًا في سياسته المعاصرة، موضع تساؤل قلق».
يُقابل هذا التبدلَ نوعٌ من التحول على صعيد السلطة، تغدو فيه أكثر ( دولية) étatique وذات سيادة، يرتبط عملها إلى حد كبير بالاقتطاع والأخذ والاستنزال، ويحصل في ظل الحق والقانون. والعقاب هو من ثمار سلطة تتجاوز في أدائها أجهزة الدولة وتعمل انطلاقًا من مجموعة تِقْنيات قادرة على توفير الضوابط وتفعيل سُبل المراقبة. ويبدو عن طريق هذا التحليل أن فوكو لا يُعير كبير اهتمام للقانون برؤيته مرجعًا ولا ينظر إلى التشريعات الحقوقية نظرة أنموذجٍ قادرٍ على بناء القناعات وإيضاح شروطها. فالسلطة عنده تمتاز بخصائص خمس؛ فهي ليست شيئًا نتمسك به أو نخسره، وممارستها تفترض عوامل متعدِّدة على قاعدة العلاقات غير المتكافئة؛ وعلاقات السلطة لا توجد وجودَ البِنية الفوقية المعزولة عن غيرها من العلاقات الاقتصادية أو المعرفية أو الجنسية؛ بل هي قائمة مع قيام المجموعات والمؤسسات (المؤسسة – العائلة إلخ) الداخلة دخولًا فاعلًا في بِنية المجتمع؛ والتمايز والاختلاف بينها لا يلبث أنْ يؤسس لنوع من التناقض بين مسيطر ومسيطر عليه، يكون أثره دون شك أكيدًا في تعميق اللا توازن في العلاقات. إذ علاقات السلطة قصدية أكثر منها ذاتية، بمعنى أنها ليست وليدة شهوة القوّة عند فرد أو جماعة، بل هي نتيجة البرامج والاستراتيجيات المعقدة التي تستطيع أن تعمل وتؤدي أداءً آليًا ومستقلًا. وأخيرًا حيث توجد سلطة توجد مقاومة أو بالأحرى (مقاومات) متعددة، هي في النهاية ردة فعل سلبية على السيطرة، وقد تكون بسيطة، ولكنها تجعل بالمعيار الاستراتيجي إمكان الثورة وشروطها قائمة ومتوافرة.
يكشف تحليل فوكو عن أن السلطة مستمدة من أنموذج ثنائي التركيب، فعَّال. لا تتصور ممارستها انطلاقًا من كونها علاقة بين ماهيات أو أفراد؛ إنها (فعل على الفعل)، وبمعنى آخر هي نوع من التصرف في مقابل تصرف آخر، أو سلوكٌ يؤثر في سلوك آخر ؛ دون أنْ يكون في هذا المعنى صدورًا عن أي نوع من الروابط السيكولوجية. من هنا يبقى الاهتمام فيها بالكميات الموضوعية للقوى أقل منه بالبرامج والأجهزة والآليات التي هي عناصرُ مادية محسوسة تمتاز بكثير من الفاعلية، مثل: السجون ومستشفيات الأمراض العقلية. وعليه يكون الانشغال بالداخل الذاتي لكل من المُسيطِر والمُسيطَر عليه، أقل منه بالنتائج المتولدة عن الأحوال النفسية المستجدة عندهما من جراء أجهزة السلطة وبِنياتها. ففي النظام الإصلاحي داخل السجون على سبيل المثال وفي القرن التاسع عشر، مع دخول الطب النفسي في معالجة الانحراف عند السجين، يذهب الأمر إلى حد تركيب أو اختراع نَفْس جديدة له، عبر الاهتمام بطفولته والتركيز على الاضطرابات التي سبقت الفعل الذي أقدم عليه، وذلك كله من أجل التوصل إلى تقويم إمكانات إعادة تأهيله وتقدير الخطر الذي يمثله .
و(فعل) السلطة هذا على (الفعل) لا يُعبر عن علاقة تتأسس بين حقائق توفرها داخلية ما، والأمر لا يتجاوز مجموعة من السلوكيات والتِقْنيات المنهجية التي تنتج، تبدُّل تغير سلوكيات أخرى وتِقْنيات أخرى، هذا لا يعني أن القصد يذهب إلى حد شطب اللا تساوي وإزالته بين طرفي علاقة السلطة، عن طريق وضع الفعل الفاعل في المستوى نفسه مع الفعل المفعول به ؛ إنّ علاقة السلطة متحررة من الأنموذج الثنائي فعل / انفعال وما ينتج عنه من صيغ» مثل قوي / ضعيف، غني / فقير إلخ. الحساب أنموذج سلطة يشتد التجاذب فيه بين الفعل والمقاومة، بين أجهزة مراقبة وسلطان ونفوذ من جهة، ونضال وكفاح من أجل الحد من آثارها وإعاقة تمكنها من جهة .
هكذا يتبلور صدور السلطة عن القصد الاستراتيجي، بما يعنيه من تخطيط وتدبير وبرمجة، ففي مقابلة المُسيطِر يوجد أفراد يخضعون للهيمنة، يقاومون ما استطاعوا هيمنته وسيطرته وسعيه الدؤوب في دمج أفعالهم، لا، بل إخضاعها لنمط أفعاله حفاظًا على موقعه وحماية لمكتسباته. فعندما يكون المحكوم أو الخاضع عاجزًا عن الفعل، يستحيل مغلوبًا، يتلقى نتائج الانتصار عليه، وهنا يكون الأمر قد خرج من مفهوم علاقة السلطة إلى ما يسمى بعلاقة القهر والإكراه والإلزام. وعلى العكس، عندما يفشل الحاكم في سياسته تجاه المحكومين، ويجعلهم يرتدُّون عليه ويجابهونه، تكون العلاقة عندئذ بين أخصام وأعداء. ويمثل هذا التنوع في العلاقات والتحرك بين أنماطها، محور المشاكل السياسية التي تجتاز العالم المعاصر، ويسمح في الوقت نفسه بتعيين خصوصيات علاقات السلطة بوصفها علاقاتٍ صراعية agonistiques أكثر منها تضادُدِية» antagonique؛ والمصطلح الأخير يعبر عن أنموذج تصادمي ثنائي القطب، تتحرك المواجهة فيه من الثبات أو التطور باتجاه أزمة قد تفضي إلى الانهيار والتدمير والإفناء. إن اللفظ agon)، الذي يعني في اليونانية القتال والمجازفة والحرب، يكشف عن آلية أساسها التحريض المتبادل والصراع والقتال غير المتكافئ، لكنه القتال المستمر بفعل ردود الخاضع وتصميمه على المقاومة .
وفي المراقبة والمعاقبة»، يقدم فوكو مقاربات أخرى للمسائل السياسية وتحليلات أكثر تماسكًا وواقعية لأجهزة السلطة؛ يبقى أهمها ما تناول نظام الإصلاح والتأهيل، واستمراره في نشاطه النضالي عبر مؤسسات أفرزها أيار ١٩٦٨ في فرنسا، بغية إحداث تغييرات جذرية، وبصورة خاصة في أنظمة السجون وأجهزة العقاب. لقد فهم النضال النوعي الذي ميز المرحلة التي عاشها على أنه كفاح الذاتية وصراعها ضد الخضوع على اختلاف أنماطه. وهذا النمط من النضال يأتي في تاريخ الغرب عقب مرحلة اتسمت بالكفاح ضد السيطرة والهيمنة، ثم تطورت إلى صراع ضد الاستغلال وأساليبه كافة؛ لكنّ الأنشطة النضالية ضد الخضوع في المرحلة الراهنة، تعيد الوصل مع القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حيث تجد تعبيراتها وتبريراتها؛ مما يعني أن الأنموذج النهضوي يبقى الفضاء الذي تتأكد فيه، مع اعتبار بعض الشروط الأنماط الجديدة للحكم ولسياسته في رعاية المجتمع المدني، لكنّ هذا التحقيب لا يستتبع بأي حال تضمين أعمال فوكو في فلسفة التاريخ، سواء كانت بمعنى حتمية القوانين الاجتماعية، أو الاعتقاد أن ثمة تطورًا على الصعيد الإنساني، يفسح بإدراج الإنسانية في منظور القصدية الوضعية. وما قام به فوكو في نظريته عن انحطاط السلطة، يقع في إطار محاولة سعى فيها إلى إبراز صورة إيجابية المقاومة والقهر والاضطهاد المفضية إلى تحرير الفرد من الخضوع والانصياع للآخرين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) Michel Foucault; Le pouvoir, comment s’exerce-t-il?
in H.Dreyfus et P.Rabinov.
(2) M. Foucault. «La thobie d’Etat? extrait d’un cours
du 31 79 publié dans Libération le 30 Juin 84.
(3) Le désir de servitude est au cœur du texte d’Etienne de la Boétie: Discours de la servitude volontaire republié en 1976: édition conçue et réalisée par Miguel Abensour, préface de M. Abensour et M. Gauchet avec des textes de pierre clastres et claude Lefort payot.
(4) Foucault: «Omnes et singulatim: vers une critique de la raison politique» in le débat N.41.
(5) Blandine Barret-Kriegel; les historiens et la mon-archie, 4 tomes, P.U.F. 1988.
(6) M. Foucault; La volonté de savoir, P.188.
(7) راجع بخصوص نقد أعمال فوكو :
- Gauchet et Gladys swain; dans la pratique de l’esprit humain, Gallimard 85. Luc Ferry et Alain Renaut, essai sur l’anti-humanisme contemporain; Gallimard 85.