تكوين
يُمكن القولُ إنَّ نظرةَ المسلمين إلى القرآن، وتعاطيهم مع عملية الجمع التي تمَّت في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، لم تخرج عن نظرة الفقه التقليدي للنص بوصفه أزليًا قديمًا، ومن ثم فإنَّ أيَّ حديثٍ عن وصفه -أي القرآن- خطابًا أو القولِ برأي المعتزلة بأنَّ القرآنَ حادثٌ (مخلوق)، يُمَثِّلُ بالضرورة انتهاكًا للعقيدة.
إنَّ أيَّ خطابٍ بالضرورة يخضع للشرط التاريخي الذي جاء فيه، كما أنَّ التاريخيةَ تعني بالضرورة كذلك وقوع الخطاب في زمان محدد، حتى لو في لحظة البداية الأولى للوجود، أي عند افتتاح الزمن نفسه. والتاريخيةُ هنا ليست ظرفًا خارجيًّا محضًا، وإنما لحظةُ الفصلِ والتفريق بين الوجود المطلق الإلهي المتعالي والوجود الزمني البشري المشروط، ليُصبح الفعلُ الإلهي الأول –المُتمثل في خلق العالم– فعلًا افتتاحيًا، ويكون كل ما يليه من أفعال، مجرد حوادث زمنية تاريخية (أبوزيد، 2014).
من هذا المنطلق، يُفهم أنَّ النصوصَ الدينية، بوصفها خطابًا إلهيًا، تحمل بُعدًا تاريخيًّا جوهريًّا، وهو البعدُ الذي تسعى القراءات المعاصرة في استرجاعه، من خلال التركيز على تاريخية المفاهيم التي تُقدمها هذه النصوص. غير أنَّ هذا البعدَ التاريخي لا ينفي عموم الدلالة، كما يعتقد بعضهم، إذ إنَّهم يخلِطون، وَفْق نصر أبوزيد، بين مستويات مختلفة للدلالة، متجاهلين أنَّ للدلالةِ اللُّغوية قوانينهَا الخاصة التي تختلف عن قوانين أنماط الدلالات الأخرى (أبوزيد، 2014).
تجاهل حركة النص ينفي حضوره
ربما أدَّى إهمالُ البعد التاريخي ورفض حضوره ضمن عملية إنتاج المعنى، إلى تجميد النص في لحظة زمنية محددة، بتجاهل حركته التاريخية والمكانية، الأمر الذي يحول دون إدخال المتغيرات التاريخية الجديدة في معادلة إنتاج المعنى، والحيلولة دون إدراك العلاقة الجدلية بين النص والواقع. وعليه، لا يجب أن يختزل فهم النص في استيعاب دلالته الظاهرة فحسب، وإنما يجب أن يمتدَّ تجاه الكشف عن طبقات المعنى المتعددة الكامنة داخله، إذ تكمن مُهمة التأويل في استجلاء البُعد الخفي للمعنى الظاهر، واكتشاف مستويات أعمق من الدلالة تتجاوز الظاهر إلى ما وراءه من إمكانات معرفية ورُوحية (Ricoeur, 1974).
في البداية، احتفظ القرآن عندما تجلى في التاريخ بوصفه ظاهرةً شفوية حية، حين تلقَّاهُ المسلمون من النبي، واحتفظوا به في أذهانهم وألسنتهم، بكل شروط الخطاب ومعطياته، قبل أن تتحوَّل الكلمات المنطوقة إلى كتابات منفصلة على الرقاع والألواح، كل منها ضمن سياقه الخاص. فكان النص في جوهره تجرِبة وجودية معرفية قائمة على الذاكرة الجماعية والحضور اللحظي للكلمة. ولم يكن القرآنُ في حياة النبي كِيانًا متماسكًا موحدًا، بل كان يُمَثِّلُ شبكةً ترابطية من التجليات اللُّغوية التي تُعَبِّرُ عن واقع المسلمين وحياتهم وتفاصيلهم اليومية، قبل أن تتوزع في الفضاء الزمني لتؤيد الخطاب النبوي، وتفتتح في المستقبل إمكانات مُتعددة للتلقي والفهم.
هذه الديناميكية الفريدة للنص القرآني، استحضرت، منذ اللحظة الأولى، شبكةً من المفاهيم المؤسِّسة لحضور النص داخل الاجتماع، إذ لم يَعُدْ حضورُه بمنزلة حضور ظرف تاريخي فحسب، ولكنْ أصبحَ يسير ضمن سياقات تُعيد تكوين كلَّ احتمالات الدلالة الخاصة به، باستمرار، بطريقة يُفهم بها في سياق لُغات العرب قبل الإسلام ولهجاتهم وتطورهم الحضاري، وضمن أطر معرفية تستند إليها البِنية الدلالية للنص بأسلوب يكتسب ديمومة ذكية، تُسقط التاريخي حينًا، وتستعيده حينًا آخرَ حين يُعيد التاريخُ إنتاجَ الشروط الموضوعية للخطاب. كما أنّ لغةَ النص نفسها تُقرأ بوصفها كِيانًا قادرًا على الاحتفاظ بإمكاناته الرمزية والزمنية في آن واحد، فيما تُمَثِّلُ أسبابُ النزول مرجعيةً حيوية للربط بين الحدث التاريخي والفعل الدلالي للنص. الأمر الذي يُعيد، على الدوام، ترتيب العلاقة بين المعنى والغايات المقاصدية، وهو ما يفتح النص على التاريخ للاستجابة لاحتمالات لا حصر لها، تتم كلها عبر مسارات التلقي والتحولات الزمنية، ما يجعله فضاءً حيًا للتأويل.
لقد تموضع النصُّ القرآني منذ تجلياته الأولى ضمن محدِّدات الشرط الإنساني وعوامل اللغة، لا بوصفها وسيطًا للتواصل فقط، وإنما بوصفها فضاءً لتحرر الوحي وتمركزه ضمن التجربة البشرية. ووفق علي مبروك، فإنَّ “تحولاتِ الوضعِ الإنساني كانت هي الأساسُ المنطقي للانتقال من لحظة إلى أخرى في تركيب ظاهرة الوحي، فتنزيل الوحي داخل لُغة محددة ينطوي على تحديده ضمن هذا النظام الكامن، وإن كونه حوارًا مع واقع المخاطبين يكشف عن ارتباطه بالتاريخ الحي الذي يعيشونه بالفعل”. (مبروك، 2015).
أطلَقَة النص ورده إلى السماء
هذه الرُوح الحيَّةُ للنص ترفض بالضرورة مبدأ “الأطلقة” الذي ميَّزَ عملية جمع القرآن، التي جرى فيها تقويض تجربة بشرية فريدة للتلقي والفهم ضمن منظومة زمنية ومكانية واحدة، نهائية وجامدة، حوَّلت النصَ إلى مجرد حاوية (مصحف) للمعنى الناجز، الأمر الذي تجاوز الشرط الإنساني، وكون الوحي يحمل نظامًا ديناميكيًا متجاوبًا مع التاريخ والوعي البشري، ممَّا قضى بالضرورة على الانفتاح الإلهي على التاريخ، وكذا قدرة العقل البشري على إعادة تكوين المعنى ضمن ظروفه التاريخيَّة المختلفة.
كان الدافعُ السياسي لعملية جمع القرآن هو المحركُ لما جرى من تأطير للنص، فالتباينات القرائية بين الأمصار المختلفة خُشِيَ أن تُفكك بدورها مركزية الدولة، وتُهدد وَحْدة المرجعية الدينية والسياسية للنص. في هذا السياق، جاء قرارُ عثمان بن عفان بتوحيد القراءات على حرف واحد، ليصبح القرآنُ منذ تلك اللحظة رمزًا للتماسك الرُوحي والسياسي، بداعي مواجهة الانفلات التاريخي للخطاب المتعدد (القطان، 1991). وهو ما دشَّن في التاريخ علاقة دائمة بين النص الأزلي والواقع الزمني للمجتمع المسلم، تتماهى فيها الدلالةُ دائمًا مع تطلعات السلطة تجاه الهيمنة.
من جهة أخرى، لم يكن ترتيب السور والآيات امتثالًا أو محاكاة لتدرج النزول، بل مثَّلَ فعلًا مؤسّسيًا ذا دلالة، يقوم على بناء نسق نصِّيٍّ مُتماسك، يجعل المصحف وَحْدة داخلية موضوعية واحدة، دون أي حسبان لمنطق الوحي التدريجي، وتحولات تاريخ المسلمين في مكة والمدينة. وفي هذا الفعل، تجلَّى التدخل البشري في صياغة البنية النهائية للنص بوضع إطار يحفظ التماسك الدلالي، وَفْق منظور السلطة، ويُهيئ المصحف بوصفه كِيانًا مُكتملًا مُنتهيَ المعنى. وتُشير الروايات، على غرار ما أورده الحاكم النيسابوري، إلى أنَّ ترتيبَ السور كان بأمر الخليفةُ عثمان بن عفان (النيسابوري، 1990). كما ورد في بعض الروايات تبريرًا يرى أصحابه أنَّ ترتيبَ السور في القرآن جاء نتيجةَ اجتهاد الصحابة، وأنَّ بعضَ السور وُضعت وَفْق توقيفٍ إلهي، وأخرى اتُخذ ترتيبها اجتهاديًا، استنادًا إلى إرشادات النبي نفسه. ويذكر الكرماني في كتابه “البرهان” أنَّ الترتيبَ الذي وصل إلينا في المصحف يتطابق مع ما هو محفوظ عند الله سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ! (الموسوعة العربية العالمية، 1999). وهي مبرراتٌ تدحضها مخطوطات صنعاء القرآنية القديمة، التي اكتُشفت في سبعينيات القرن العشرين، والتي أظهرت اختلافاتٍ متعددةً، مقارنةً بمصحف عثمان، ليس فقط في رسم بعض الكلمات أو تهجئتها، وإنَّما في ترتيب السور، فقد اتضح أنَّ ترتيبها لا يُوافق ترتيب مصحف عثمان، ولا أي ترتيب للسور داخل أي مصحف مخطوط. (Sadeghi, Goudarzi, 2012).
وبتحليل مخطوطات صنعاء، اكتُشف أنَّ جمع أجزاء السور وتنظيمها داخل المصحف لم يكن حكرًا على الجمع العثماني، بل إنَّ هذه العمليةَ بدأت في وقت مبكر، سواء في أثناء حياة النبي أو في فترة لاحقة قريبة من تاريخ وفاته. فالمقاطع القرآنية الموجودة في النص السفلي بمخطوطات صنعاء، والتي تظهر في ترتيب مختلف عن مصحف عثمان، تكشف عن دينامية النص القرآني وحيوته اللُّغوية في مرحلة التكوين، إذ لم يكن نسخةً نهائية فحسب، ولكنْ كان نصًا مرنًا يخضع لمراحل جمع وتحرير متدرجة وَفْق اختلاف فهم المتلقي ولغته (Sadeghi, Goudarzi, 2012).
ويُمكن القولُ، وفقًا للمكتشفات العلمية وتحليل أقدم مخطوطة قرآنية، إنَّ بِنيةَ المصحف لم تكن في لحظتها الأولى نسخةً لُغوية جامدة، بل كانت عمليةً تراكميةً تنطوي على نقلات دلالية تقوم بإعادة تكوين نفسها داخليًا وفقًا للفهم المتغير وشروط الواقع، تحت إشراف نبوي مباشر، تتقاطع فيه حُرية النقل والفهم الإنساني مع ظاهرة الوحي.
وعليه، مثَّلت السياسةُ المجالَ الأكثر حِدة في تجربة الصحابة في تعاطيهم مع القرآن، إذ انتقلوا من فهم مُتحرك لنص يُساير الواقع إلى اعتماد نصٍّ يُنظر إليه لاحقًا بوصفه أصلًا مُستقلًا، رغم أنَّ الجيلَ الأول من المسلمين لم يتوافر له نص مسبق يؤسِّس له تفكيرًا سياسيًا منظّمًا، فقد غاب التراث العملي والسياسي المؤثر، وسكت الوحي عن تحديد آليات ممارسة السلطة، ما ترك للصحابة مساحة حُرة للابتكار والتقدير المباشر، إذ علَّقوا الأحكام على المصالح الفعلية دون الانقياد إلى أصل مُسبق يحكم المستجدات السياسية. في هذا الإطار، رصد على مبروك الآليات التي حوَّلت هذه التجرِبة المباشرة إلى أصل ثقيلِ التأثير على كل التاريخ اللاحق، فتحولت ممارسة كانت مشروطة ومرنة، إلى قاعدة مُطلقة يُنظر إليها لاحقًا بوصفها مرجعًا لكل ممارسة لاحقة، وهو التحول الذي يُبرز التوتر بين الطابع التاريخي المرن للتجربة البشرية وبين ميلها التدريجي إلى الاستقرار والقدسية بوصفها نموذجًا مُطلقًا. (مبروك، 2015)
وبجمع القرآن بهذه الكيفية، واعتماد نسخة واحدة هي لسانُ قريش، ظهر المأزقُ الذي أدَّت إليه أطلقة اللغة، والتي تنبثق مباشرة من أطلقة الدلالة المرتبطة بها، فمن أغلقوا اللغة على ذاتها، سواء في الحرف أو الصوت أو الرسم، هم الذين أصرُّوا، كما قال علي مبروك، على الالتصاق بالدلالة الظاهرة للنص القرآني أو بنص التنزيل، من دون تأويل أو تفسير، لأنَّ أزليةَ اللغة تقتضي بالضرورة أزلية الدلالة المنسجمة معها، فالتأويل والتفسير يفترضان إدراكًا للدلالة بوصفها قابلًا للتعدد والتغيير، وهو إدراكٌ لا يُمكن أن يتحققَّ إلا في إطار لُغةٍ مفتوحة، غيرِ مُطلقةٍ وغيرِ مُقدسةٍ. أمّا اللغةُ المقدسة، فهي وَفْق هذا المنظور ليست فضاءً لتعدد الدلالة، إذ يفرض عليها كونها لفظًا وحرفًا وصوتًا من الله أن تعكس قصده الثابت، الذي يستحيل أن يكون محلَّ اختلاف أو تنوع. ومن هذا المنطق، تحوَّل الاعتقاد بأزلية الدلالة إلى اعتقاد بوحدتها المطلقة، ينهض بسببها هذا التوحيد على تثبيت تصور سلطوي للدلالة، يُغلق أمام النص كل إمكان للتعدد والاختلاف، ويكرِّسُ التفسير الأحادي الذي يظل محكومًا بالطابع الثابت للغة بعد تقعيدها، وبدلالتها الثابتة (مبروك، 2015).
وبمعنى أدق، فقد جرى قتل اللغة في مرحلة التدوين، وقطع الطريق أمام العقل البشري ليُحرر النص من كل سلطة، فقد جرى تقييد النص داخل المصحف، وتقعيد اللغة ضمن مستويات محدودة للفهم التاريخي، الأمر الذي كرَّسَ فيما بعد لوَهْمِ الثقافة الواحدة، وقضى على كل إمكان للتنوعِ داخل العقل المسلم، وهو ما يتَّسِق مع توصيف نصر أبو زيد: “إذا كانت الثقافة هي تصورُ العالم عند مجموعة بشرية بعينها، مع التسليم بتفاوت مستويات هذا التصور، فإنَّ اللغةَ هي المعبر عن هذا التصور، ومن ثمَّ لا تُمَثِّلُ نظامًا ذا مستوى واحد، بل تتعدد مستوياتها، بتعدد مستويات الثقافة التي تُعَبِّرُ عنها” ( أبوزيد، 2014)
ــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
-أبوزيد، نصر (2014). التفكير في زمن التكفير ضدّ الجهل والزيف والخرافة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص ص 202 – 203.
-نفس المرجع السابق، ص 212.
-Ricoeur, Paul (1974).Existence et Herméneutique,” in Le conflit des interpretations: essais d’herméneutique, Paris: Éditions du Seuil, 23–50; translated as “Existence and Hermeneutics,” in Don Ihde (ed.), The Conflict of Interpretations: Essays in Hermeneutics, Evanston: Northwestern University Press, p.11.
-مبروك، علي (2015). نصوص حول القرآن، في السعي وراء القرآن الحي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص ص 13-14.
-القطان، مناع (1991). نزول القرآن على سبعة أحرف، مكتبة وهبة، القاهرة، ص85.
-النيسابوري، الحاكم. (1990) المستدرك على الصحيحين، ج2، بيروت، دار المعرفة، ص229.
-الموسوعة العربية العالمية (1999). المجلد الثامن عشر، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر، الرياض، ص125.
-Sadeghi, Behnam& Goudarzi, Mohsen (2012). Ṣan‘ā’ 1 and the Origins of the Qur’ān, March 2012, Der Islam 87(1-2):1-129. Pp.8-9.
Behnam Sadeghi, Mohsen Goudarzi: op, cit., pp.37-39.
-مبروك، علي: المرجع المذكور، ص 17.
-نفسه، ص 37.
-أبوزيد، نصر : المرجع المذكور، ص220.