فشلت الحكومات المتعاقبة في بلداننا منذ الاستقلال في تحقيق جل الأهداف التي ما فتئت تعلنها، لاسيما ما تعلق بالتنمية والتقدم والحداثة وبناء مجتمعات متماسكة، ولإن كانت أسباب الفشل كثيرة، إلا أن أحد أهم هذه الأسباب يتمثل في الهوة الكبيرة بين النخب الحاكمة والمجتمع، فجل المخططات والمشاريع المتبناة من قبل الأنظمة الحاكمة، يتم التفكير فيها والسعي لتطبيقها دون إشراك حقيقي للقوى الاجتماعية، مع أن المجتمع هو المعني بهذه المشاريع وهو الأكثر دراية بما يناسبه ويتلاءم مع خصوصياته، فمثل هذه المشاريع المرتبطة بالشأن العام لا يمكن أن تنجز بقرار فوقي تتخذه السلطة القائمة وتفرضه على المجتمع، إنما هي مشاريع تنجز تدريجيا، ونجاحها مرتبط بالمشاركة الحقيقية للفاعلين الاجتماعيين عبر ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني، ولنا في التجربة الغربية أحسن مثال على ذلك، إذ لم تبلغ المجتمعات الغربية ما هي عليه من تقدم وحداثة إلا بعد سلسلة طويلة من الأحداث والنضالات الفردية والجماعية، التي استمرت أزيد من ثلاثة قرون، فالثورة الفرنسية (1789) كان هدفها البارز هو القضاء على الإقطاعية وعلى هيمنة المؤسسة الدينية، فكان شعارها “إعدام آخر ملك بأمعاء آخر قسيس“، إلا أن وجهها الآخر الأكثر عمقا -لأنه من طبيعة فلسفية- يتجلى في كونها أسست الوعي الممكن بالتغيير، تغيير المجتمع، الإنسان، التاريخ، وعلاقات الهيمنة التقليدية”[1].
ونتيجة تهميش القوى الاجتماعية في البلدان العربية والإسلامية، زيادة في اتساع الهوة بين الحاكم والمحكومين، وفقدان المجتمعات الثقة في النخب الحاكمة، وتسلل اليأس إلى النفوس، وتقوت مظاهر الاحتجاج والتمرد والتطرف في بعض المناطق، وصلت لدرجة العنف والصراعات المسلحة والحروب الأهلية، أين أضحت بعض الدول معرضة للانقسام والتفكك وربما للزوال مستقبلا.
مارست النخب الحاكمة أسلوب التجاهل والاستهتار والتعالي عن المجتمع، وإرجاء معالجة القضايا الجوهرية طيلة عقود، ونجحت في فرض قراراتها طيلة هذه المدة، ولكن هذا النجاح بقي هشا أو مؤقتا لأنه غير قائم على أسس متينة، “ما بني على باطل فهو باطل“، وأساليب التجاهل والتعالي والتأجيل لم تعد مجدية خصوصا في ظل الفشل المتكرر لهذه النخب السياسية، وكذا التطور التكنولوجي والرقمي السريع الذي شهده العالم بأسره، والذي أنتج جيلا جديدا له طرقه الخاصة في التواصل والتعبير عن طموحاته، وهذا يعني في العمق ضرورة إعادة التفكير في الكثير من القضايا السياسية والاجتماعية، وإعادة النظر في طرق التعاطي مع الأزمات، فحين يتحدث المجتمع الآن، يجب الإصغاء إليه جيدا واستيعاب مطالبه، وإشراكه في البحث عن الحلول المناسبة لتحقيق تلك المطالب، وقد شاهدنا الطريقة المخزية التي أُسقط بها النظام في “نيبال” وما هي ببعيدة عن أنظمتنا، من هنا نتساءل: كيف يمكن ردم الهوة، وبالتالي، إعادة الثقة، بين الحكام والمحكومين؟ وكيف يمكن تحويل اليأس والتذمر الذي يسود مجتمعاتنا إلى قوة اقتراح وتشارك بين الدولة والمجتمع المدني في تدبير الشأن العام؟
أولا : في مفهوم المجتمع المدني ومهامه :
قد نجد إشارات أو هيئات تقترب من مفهوم المجتمع المدني ومؤسساته منذ القدم، لاسيما في الفكر اليوناني الذي عرف دولة-المدينة، وتحديدا لدى أرسطو الذي عرّف الإنسان بأنه “حيوان مدني“، مثلما قد نجد ممارسات غير بعيدة عن تأسيس المجتمع المدني في الفلسفة الوسيطة، إلا أن قيام المجتمعات القديمة والوسيطة على الطبقية، ووضع المرأة الدوني فيها، وكذا هيمنة المؤسسة الدينية، يبعد تلك الإشارات أو الممارسات عن المفهوم الدقيق للمجتمع المدني، الذي ترافق ظهوره مع قيام الدولة الحديثة بفضل نظريات العقد الاجتماعي التي نظّرت لانتقال المجتمعات من الحالة الطبيعية أو الفوضوية إلى الحالة السياسية التعاقدية (نظريات العقد الاجتماعي)، وما تلاها من تنظيرات كثير من الفلاسفة أمثال هيجل (1770-1831)، ألكسيس دو توكفيل (1805-1859)، كارل ماركس(1818-1883) وأطونيو غرامشي (1891-1937) وغيرهم، فالمجتمع المدني جاء كبديل للمجتمع الطبيعي أو الحيواني، أو التقليدي أو الأبوي أو مجتمع الحرية الأولى، وبالرغم من تطور مفهوم المجتمع المدني منذ ظهوره حتى الآن، نتيجة ارتباطه الوثيق بالتطورات التي طرأت على المجتمعات والدول، “إلا أن دلالات المصطلح تكاد لا تبتعد عن المؤسسات المجتمعية التي ينتظم فيها الأفراد خارج أجهزة الدولة ومؤسسات السوق والمؤسسة الدينية” [2]، فالمقصود بالمجتمع المدني هو تلك المؤسسات الاجتماعية والثقافية بالدرجة الأولى(جمعيات، منظمات، نقابات..) التي ينتمي إليها المواطنون بصورة طوعية، لتحقيق مهام تختلف حسب طبيعة المؤسسة؛ منها المهام الاجتماعية والخيرية والنقابية والثقافية والبيئية..الخ. والتي تعمل ضمن الإطار القانوني للدولة مع الاستقلال عن الحكومة، فهي مؤسسات غير حكومية ولا تسعى للوصول إلى السلطة، ومن هنا يثار النقاش وتختلف الآراء بشأن انتماء الأحزاب السياسية إلى المجتمع المدني من عدمه، على اعتبار أن الوصول إلى السلطة من أهم أهداف الأحزاب السياسية وهذا يتنافى مع أهداف مؤسسات المجتمع المدني. غير أن هذه المؤسسات تبقى معنية بالسياسة من جهة المتابعة والاقتراح والتقييم والنقد، وإن لم يكن هدفها الوصول إلى السلطة، لأن “المجتمع المدني من دون سياسة وخارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية هو عملية إجهاض لمعاني المجتمع المدني التاريخية وطاقته النقدية، فضلا عن نزع قدرته التفسيرية على فهم البنى الاجتماعية والسياسية“[3]
ويعد المجتمع المدني بمختلف مؤسساته أداة لتفعيل مختلف فئات المجتمع وتوفير الإطار القانوني للمشاركة في الصالح العام، مثلما يعتبر وسيطا بين المواطن والدولة، وتتمثل هذه الوساطة في إيصال انشغالات المواطنين للهيئات الرسمية، والمشاركة وإبداء الرأي في مختلف القرارات التي تتبناها السلطة، فهو-المجتمع المدني-وسيلة تفاعل وتواصل ورقابة أيضا، بين الدولة بمختلف مؤسساتها، والمواطنين بمختلف أطيافهم. كما أنه يعتبر سدا منيعا ضد “تغول” الدولة واستئثارها بكل الصلاحيات، يقول عزمي بشارة في هذا السياق: “إن المجتمع المدني هو صيرورة فكرية تاريخية نحو المواطنة والديمقراطية عبر مجموعة من التمفصلات والتمايزات في العلاقة بين الفرد والجماعة، أو بين المجتمع والدولة“[4]. وفي وجود مجتمع مدني قوي، تكون الدولة بمختلف أجهزتها ومؤسساتها ملزمة بالتواصل والتشاور مع مؤسسات المجتمع المدني، ولأن المفهوم ابن بيئته التاريخية والاجتماعية وابن الفكر السياسي الذي نشأ فيه، فإن التجربة الغربية التي انبثق فيها مفهوم المجتمع استطاعت أن تنتج علاقات مرنة بين الدولة والمجتمع المدني “أدت إلى إيجاد نوع من الاعتماد المتبادل بينهما في الأدوار، بما يحقق مصالح الحضارة الغربية وأهدافها العليا“[5]. فالتحدي الكبير الذي واجه الحداثة الغربية الناشئة هو البحث عن آليات التوفيق بين استقلال الذات ووحدة المجتمع[6]، وقد أسهم المجتمع المدني في رفع هذا التحدي من خلال وساطته بين الدولة والفرد، من خلال دفاعه عن حقوق الأفراد ضمن الصالح العام.
ثانيا : واقع المجتمع المدني في بلداننا :
المجتمع المدني مفهوم حديث جدا في السياقات العربية الإسلامية، بالنظر لحداثة استقلال معظم دولنا، وهيمنة الحزب الواحد على جل أنظمتنا السياسية، وبالتالي، تغول الدولة-الحزب الواحد، واحتكارها لكل الصلاحيات دون أدنى حاجة إلى العودة للمجتمع وإشراكه في التسيير، وفي ظل هذا التغول كانت هناك نقابات ومنظمات وجمعيات للشباب والعمال والنساء والكتاب..الخ، غير أنها كانت تابعة للحزب الواحد، ناطقة باسمه، مبررة لتوجهاته وقراراته، وكأنها مجرد أدوات يمارس بها سياسته ويفرض من خلالها تصوراته، ومع ثمانينيات القرن الماضي بدأت الأمور تتغير تدريجيا نحو الانفتاح السياسي والتعددية الحزبية، وبدأ معها صوت المجتمع يظهر ليعبر عن آلامه وآماله، عبر مؤسسات المجتمع المدني، لذلك، يمكن القول أن تجربة مجتمعاتنا مع هذا المفهوم تعتبر ناشئة وربما جنينية في بعض البلدان. ومن ثم، فالمقارنة التي يقيمها بعض الدارسين بين المجتمعات الغربية ومجتمعاتنا ويحكمون بعدم إمكانية قيام مجتمع مدني فعال عندنا هي مقارنة غير عادلة، لأن هناك اختلافا كبيرا في البنى الحضارية بين السياقين العربي والغربي، ففي هذا الأخير نجد مدنا عريقة، مهيكلة، مستقرة لمدة طويلة، ومن ثم لديها تقاليد ثقافية واجتماعية تسمح بتوفير الظروف المادية والبشرية لتفعيل وتسيير مختلف هيئات المجتمع المدني، لتقوم بأدوارها على أتم وجه، في المقابل يغلب الطابع الريفي على البنى العمرانية في بلداننا، وحتى مدننا تم “ترييفها” بفعل عدم الاستقرار والنزوح الكبير من الأرياف إلى المدن، لا سيما في زمن الأزمات الأمنية والاقتصادية. من جهة أخرى فإن القيم التابعة للمؤسسات الطبيعية والتقليدية كالأسرة، القبيلة، الطائفة، لازالت متحكمة بصورة كبيرة في سلوكات الأفراد وقراراتهم، مقارنة بالقيم الحداثية التي تمثلها مؤسسات المجتمع المدني، لذلك، يرى أحد الباحثين أن المجتمع المدني في سياقنا الحضاري الراهن يواجه ثلاث تحديات كبرى:
- جبهة الديمقراطية والكرامة والحرية: ضد نظام الاستبداد وهو التحديث الثوري.
- جبهة السيادة: ضد التدخل الأجنبي لكون السيادة الوطنية وجهه الآخر، فلا مجتمع مدني دون سيادة وطنية.
- جبهة المواطنة: ضد مطابقة الانتماءات السياسية بالهويات الطائفية والمذهبية، أي ضد تشظية المجتمع المدني والكيان السياسي[7].
رغم قصر عمر المجتمع المدني بمفهومه الحديث في مجتمعاتنا، إلا أننا نلاحظ العدد الضخم لمؤسسات المجتمع المدني، ففي الجزائر مثلا، يشير الموقع الالكتروني للمرصد الوطني للمجتمع المدني إلى وجود أكثر من 136 ألف جمعية إلى غاية عام 2022، الأمر نفسه نجده في مختلف الدول العربية والإسلامية، ولو بدرجات متفاوتة حسب خصوصية كل دولة (عدد السكان، المسار الديمقراطي، التجربة التاريخية..الخ)، آلاف الجمعيات والنوادي المعتمدة ولكنها محدودة الفعالية، ولما يظهر دورها كطرف فاعل، سواء تعلق الأمر بالمواطن البسيط الذي لا يشعر بدورها ولا بأهميتها، أو بالدولة وأجهزتها، والتي لا تزال مهيمنة على الساحة، وغير أبهة ولا معترفة بمنزلة المجتمع المدني كشريك يجب استشارته فيما يتعلق بمختلف القرارات والتوجهات المتعلقة بالشأن العام، وهو ما يطرح تساؤلات كثيرة حول العوائق التي تعطل هذه المؤسسات كثيرة العدد، قليلة الفعالية، إذا ما استثنينا بعض النقابات أو الجمعيات الخيرية أو البيئية.
عوامل عديدة أسهمت في هشاشة المجتمع المدني في بلداننا، بعضها يتعلق بالدولة وأجهزتها، وبعضها يتعلق بالنخبة الممثلة للمجتمع المدني في حد ذاتها، أما العوامل المرتبطة بالدولة فنذكر منها؛ القيود البيروقراطية والتعقيدات المرتبطة بتأسيس الجمعيات ومنحها تراخيص نشاطها، والمضايقات التي تتعرض لها كلما اقترن نشاطها بقضايا تتعلق بنقد خيارات النخب الحاكمة، والتهديد المتكرر، سرا وعلنا، بحل هذه الهيئات في حال حادت عن الخطوط التي ترسمها لها الدولة، ولكن العامل الأكثر خطورة هو احتواء الدولة لهذه المؤسسات وتحويلها-من خلال الإعانات المالية وتدخلها المباشر في تعيين قادة هذه الجمعيات-إلى أدوات لخدمة السلطة القائمة، ونشر برامجها والتبشير بمزاياها، وتبرير ممارساتها، وهو ما يتنافى مع المهام والأهداف الحقيقية للمجتمع المدني كقوة اقتراح للبدائل وكجهاز مراقبة وتقويم لعمل المؤسسات الحكومية بما يضمن حقوق المواطنين وتحسين ظروف معيشتهم.
أما العوامل المرتبطة بطرق تسيير مؤسسات المجتمع المدني، فيمكن أن نذكر منها استغلال هذه المؤسسات من قبل قياداتها لخدمة مصالحهم الخاصة ومصالح الزمر الضيقة المحيطة بهم، وبُعدها الكبير عن القاعدة الجماهيرية التي يفترض أنها تمثلها وتدافع عن حقوقها، وكذا تواطؤ هذه القيادات مع أجهزة الدولة وتحويل مؤسساتهم إلى أبواق تستغلها السلطة خاصة في الانتخابات، طمعا في شيء من الريع والنفوذ الذي تمن به السلطة على هذه القيادات، وتماهي مؤسسات المجتمع المدني مع السلطة، يعني “احتراقها” وابتعادها عن أهدافها وتشكيل هوة بينها وبين الجماهير، وأهم سمات المجتمع المدني هي الاستقلالية عن مؤسسات الدولة، فـــــــ ” أن تبقى هنالك مسافة بين المجتمع المدني والأنظمة بشكل لا يعني المواجهة، بل يدخل في إطار قواعد اللعبة الديمقراطية، والتي تقوم على قاعدة أنه كلما كان المجتمع المدني قويا ومستقلا ومؤثرا كانت قوته الاقتراحية ودعواته الإصلاحية ناجعة ومعقول”[8].
العامل الأكثر خطورة هو التناقض الذي تسير وفقه جل مؤسسات المجتمع المدني؛ فهي تعلن في شعاراتها وقوانينها الداخلية عن أهداف تخدم الصالح العام، وتسعى للتغيير والإصلاح ومحاربة الاستبداد..الخ، غير أنها تمارس في تسييرها عكس هذه الشعارات، فقياداتها تستأثر بالسلطة والنفوذ ولا يزحزحها من مناصبها إلا الموت، أو الأوامر الفوقية، فكيف ننتظر من المستبد أن يحارب الاستبداد؟ وكيف ننتظر ممن تعينه السلطة وتمول نشاطاته أن يكون ناقدا أو مقوما أو معارضا لتلك السلطة؟
ثالثا : ضرورة تفعيل المجتمع المدني في بلداننا :
إن هشاشة مؤسسات المجتمع المدني في بلداننا وتهميشها من قبل الأنظمة السياسية القائمة، لا تعني فقدان الأمل والتخلي عن فكرة المجتمع المدني، بل ينبغي أن تجعلنا نحاول البحث عن آليات تأسيس التقاليد الثقافية والسياسية التي تسمح بتفعيل هذا المجتمع المدني، توفير الشروط الضرورية لاشتغال هذه المؤسسات بكل استقلالية ومسؤولية، هذه الآليات والشروط لا تستطيع جهة ما توفيرها بمفردها وبمعزل عن الجهات الأخرى، فتفعيل مؤسسات المجتمع المدني يتطلب جهودا كبيرة وعملا تشاركيا بين مختلف الأطراف: المواطن البسيط، النخبة الممثلة للمجتمع المدني، الدولة بمختلف أجهزتها ومؤسساتها، وبالدرجة الأولى وعيا واستيعابا عميقا لأهمية وجود المجتمع المدني الفعال لكل هذه الأطراف.
ينبغي أن تعي كل الأطراف، الأنظمة الحاكمة خاصة، أن وجود مجتمع مدني قوي لا يمثل تهديدا للدولة ومؤسساتها ولا منافسا لها، بل بالعكس، إن قوة الدولة من قوة مجتمعها المدني، والعلاقة بينهما ليست علاقة تضاد أو صراع، إنما هي علاقة تكامل وتآزر، خدمة للصالح العام، ومن ثم، وجب على الدولة أن ترفع يدها عن مؤسسات المجتمع المدني، وبدل التدخل في شؤون تسييرها وتعيين قادتها لاحتوائها، يفترض أن تعمل على تعزيز استقلالها وتوسيع حضورها كشريك محترم، يمكنه الإسهام في التنمية والتطور والتماسك الاجتماعي، فمؤسسات المجتمع المدني تغطي الكثير من المهام التي لا تستطيع مؤسسات الدولة تغطيتها، خاصة الأعمال الخيرية والحملات التطوعية والتوعوية في مجالات الصحة والتعليم والبيئة..الخ، كما أنها -بفضل قربها من المواطنين واتصالها المباشر بهم-تسهم في تنوير المؤسسات الرسمية بالنقائص والعوائق التي يعاني منها المواطنون من مختلف الفئات وفي مختلف المجالات، وتحول دون أدائهم لمهامهم على أحسن وجه، ومن شأن التواصل بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، أن يسهم في رسم سياسات دقيقة مستندة على معطيات واقعية تسمح رفع تلك العوائق وتوفير الظروف الملائمة للعمل والسكن والتعليم ..الخ.
خاتمة :
في ظل المعطيات التي نعيش ضمنها والتهديدات التي تواجه مجتمعاتنا ودولنا، أصبح العمل على تفعيل مؤسسات المجتمع المدني ضرورة حضارية قصوى، لصد الاستبداد والحكم المطلق، والحد من تغول الدولة وانفراد الحكام بسلطة القرار بعيدا عن إشراك الشعوب، ومنع التطرف والعنف من خلال إعطاء حق الكلام للجميع وضمان قدر كبير من الحرية والحق في الاختلاف، والتأسيس لقيم الحوار والتعايش واحترام الرأي الآخر، هذه المزايا التي يضمنها وجود المجتمع المدني لن تتحقق إلا بتوفر الإرادة الفردية والسياسية، وارتقاء الوعي الجماعي بأهمية هذه المؤسسات، وتوفر القوانين التي تدعم استقلالية المجتمع المدني عن أجهزة الدولة، وتحد من المضايقات والتهديدات والابتزازات التي قد تتعرض لها بعض النقابات والمنظمات المنتمية للمجتمع المدني، وتفتح لها قنوات المشاركة في كل ما له علاقة بالشأن العام.
إن تسارع التطور التكنولوجي وانتشار وسائط التواصل الاجتماعي، خلق واقعا جديدا يجب معرفته والتعاطي معه بجدية، كما خلق جيلا يؤمن قيما جديدة مغايرة بصورة كبيرة للقيم التقليدية، حتى أنه يمكن الحديث عن مجتمع مدني رقمي أو افتراضي، يمارس دوره ويطالب بحقوقه بطرق جديدة لم تألفها الأنظمة القائمة، والأحداث الأخيرة في بعض الدول تفرض على الأنظمة الحاكمة إعادة التفكير في طريقة التعامل مع الكثير من القضايا السياسية والاجتماعية، أولها ضرورة الإنصات لهذا الجيل الرقمي، واستيعاب لغته ومطالبه والتعامل معها بإيجابية واهتمام، فقد انتهى عهد التجاهل، والاستهزاء والتأجيل، وقد يتحول الجيل الرقمي إلى طوفان يجرف الجميع إلى المجهول.
الإحالات:
[1] Alexis NOUSS : la modernité, J. Grancher, Paris,1991, p 65.
[2] حسام شحادة: المجتمع المدني، سوريا: بين المواطن للنشر والتوزيع، ط1، 2015، ص 9.
[3] عزمي بشارة: المجتمع المدني، دراسة نقدية، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط6، 2012، ص09.
[4]المرجع نفسه، ص 8.
[5] حسام شحادة: مرجع سابق، ص 12.
[6] Alexis NOUSS : p 65.
[7] عزمي بشارة: مرجع سابق، ص 18.
[8] المجتمع المدني العربي والفعالية المحدودة، مركز الجزيرة والدراسات.