نحو إعادة نظر جذرية في علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعة

مأزق إنساني متواصل ورهانات إيد يولوجية خائبة

شكّل الاعتقاد بتطوّر البشرية على نحو تدريجي نحو الأفضل والأكمل إحدى المقولات الأساسية لعصر التنوير، فقد أفضت الاكتشافات العلمية والتحولات الكبرى التي أرستها الحداثة في البيولوجيا والفكر والسياسة والاجتماع إلى القول بمركزية الانسان في الكون وقدرته اللامحدودة على التغيير والإرتقاء . من هنا كان التقدم ، كما ترى إليه ،الموسوعة الفلسفية ل . روزنتال و يودين هو ” الاتجاه الاساسي في تطوّر البشرية ككل وليس هو النكوص ” . في ضوء هذا الاعتقاد تصوّر العقلانيون أن العقلانية هي المآل الحتمي للفكر الإنساني ، وتصوّر العلمانيون أن المجتمعات ستتخلص من عصبياتها لصالح الانفتاح على الاختلاف والاعتراف بالآخر، وآمن الاشتراكيون أن الانقسام الطبقي لا بدّ زائل لصالح المساواة التامة بين البشر ، وذهب الليبراليون إلى أن الليبرالية هي المآل الأخير للمجتمعات الإنسانية وهي التي ستشكّل النهاية الحتمية للتاريخ .

مقولة التقدّم هذه ، هي إحدى مقولات الفكر العربي الحديث الاساسية ، فقد استحوذت على اهتمام النهضويين العرب ، إلا أنهم ما لبثوا أن أعربوا عن ريبتهم بمآلها، فأدانوا انقلابها على المثل والقيم التي بشرّت بها ، وعبروا عن ارتباكهم بوعودها الخائبة .

مأخوذاً بمقولة التقدّم ومنبهراً بإنجازات القرن التاسع عشر العلمية والسياسية والاجتماعية كتب النهضوي فرنسيس المرّاش : في هذا القرن ” الطبيعة أبدت غوامضها…والعقل أطلع أنوار الحجى…وأركب البرق أسلاكاً… واستطلع الضوء من الحجر …واندلعت الحرب الأهلية الأميركية ضد الرق …وشقت قناة السويس…وتمت الوحدة الايطالية ” وفي مجلة “الجنان ” البيروتية عام 1870 كتب المّراش مقالة ” القرن التاسع عشر ” فرأى أن هذا القرن” أطلع على غرته كل شموس القرون الغابرة… وتلألأ بأنوار محاسن الخليقة وجمال أسرارها…وتناهى بالثروة والغنى…ورصع صولجان العقل القاطع…وتزيّن بعلم الموجودات ومعرفة الكائنات ” .

لكن صورة القرن التاسع عشر هذه لم تلبث أن تبدّدت لتحل مكانها صورة قاتمة لذلك القرن الذي بات تمدنه بعد الحروب القومية والاهلية في اوروبا واميركا تمدناً متوحشاً متناقضاً مع “دولة العقل ” بل هو أبعد من ذلك ” تمدن متوحش ” أورث الحرب وسفك الدماء والفقر وافتقد الشرعية العقلانية والاخلاقية .فكتب المرّاش في ” الجنان “عام 1871مقالة ” التمدن المتوحش” التي أدان فيها مآل التمدن الغربي بقوله : ” بئس التمدن الذي به استحدث الإنسان وهو على قمة الكمال الآلات الجهنمية لقتل نفسه ، وبئس التمدن الذي وهويهتف ببوق البشائر والغناء والأفراح تضج حوله ولاول الارامل وعويل اليتامى وحسرات الفقراء ”  .

هذا التصوّر الإرتقائي للتاريخ ثم الخيبة إزاء تحولاته ومساره الفعلي يتجلّى بصورة مشابهة أيضاً عند النهضوي فرح أنطون الذي كتب في أول القرن العشرين مستبشراً بقرن جديد يسوده الأمن والسلام والتآلف بين البشر : ” لقد انقضى ذلك الجنون السياسي ، جنون الفتوح والإستيلاء…فأملنا موضوع فيك أيها القرن العشرون، كن للإنسانية خيراً من أخيك القرن التاسع عشر ومهّد للإنسانية طريق السعادة التي تنشدها دون ان تدركها “. ويمضي أنطون في تفاؤله حالماً بإنسانية جديدة سيتجلى عنها القرن العشرون ، فيكتب في روايته ” أورشليم الجديدة”: ” كأن غطاء المستقبل يكشف الآن عن عيني وأرى الشعب يرتقي باختراع الآلة وأرى كل فرد من البشر مساوياً لأي فرد كان في الحقوق والواجبات… أرى أجناس البشر في الشرق والغرب يمدون أيديهم بعضهم إلى بعض متصالحين ويعيشون بسلام كأنهم أخوة في عائلة واحدة ” .

لكن مسار التاريخ جرى على الضد مما تخيله أنطون ، فقد أهدرت في خلال القرن العشرين تريليونات الدولارات على الحروب وإنتاج الأسلحة الفتاكة، وكان ذلك القرن الأكثر عنفاً ودموية، على رغم كونه الأكثر ثراء والأكثر تقدماً في الاتصال والعلوم والتكنولوجيا ، إذ قضى في حروبه العالمية والإقليمية والأهلية مئات ملايين البشر .

هذه الصورة الدموية المتوحشة للقرن العشرين على مستوى العلاقات بين الجماعات والامم والشعوب ترافقت مع توحش لا يقل عنفاً تجاه الطبيعة من خلال إبادة الغابات وتلويث الهواء والماء بالغازات والنفايات . وإلى جانب هذا كله كانت مبادىء وقيم التنوير الليبرلية تتداعى وتسقط ، حيث تراجعت قيم التعاون وا لرحمة لصا لح الفردية والتسلط ، وانهزمت مثل الاممية والانفتاح والعقلانية في مواجهة الانغلاق والتعصب والانانية .

يستعيد المشهد العالمي في الربع الاول من هذا القرن ملامح تلك الصورة التي رسمها المراش ل ” التمدن المتوحش ” مع نهاية القرن التاسع عشر . فهل نحن إزاء قرن جديد من الاحباط الانساني المتواصل من قرن إلى قرن من قيام مجتمع السلام والوئام بين البشر ؟

لقد حمل القرن التاسع عشر الامل للانسانية بأن يحقق العلم السعادة والرفاه للبشر، وحمل القرن العشرون الرجاء بتحقق الحلم الاشتراكي . وإذا كان القرنان الماضيان قد انتهيا إلى خيبة عميقة، فإننا الآن في أواسط العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين إزاءقرن مجرد من بداياته من الحلم والطوبى،وجهاً لوجه أمام عنف غير مسبوق ، وأنانية من دون ضوابط. الأمر الذي يؤكد إخفاق الإنسانية في إيجاد صيغة كونية عادلة تحمي الضعفاء من الأقوياء وتصون الطبيعة من عدوان البشر . فقد أسقط التطور الإنساني في القرنين الماضيين وإلى الآن تلك الرؤية التنويرية المتفائلة في إيجاد السبل الآيلة لوفاق الإنسان مع الإنسان أو لوفاق الإنسان مع الطبيعة ، وها هو الإنسان الذي وصل إلى قمة جبل التمدن، بلغة فرنسيس المرّش،مهدّد بالهبوط في ” هاوية التوحش ” .

لعل هذا ما أشار إ ليه الفيلسوف الفرنسي إدغار موران الذي جاوز المئة عام ، بقوله في مناسبة قدوم العام2024 : ” شهد عامنا المنتهي كراهيات ونرى العالم كله على شفا هاوية”وهذا ما نبّه إلى خطره المحدق الاكاديمي والمفكر الإنكليزي كيران سيتيا في كتابه  “الحياة صعبة ” دار الساقي 2023إذ دعا إلى المحافظة على عالم مقبول للأجيال المقبلة محذّراً من أن “ارتفاع حرارة الأرض سيكون تأثيره كارثياً وأن النتائج المترتبة على ذلك ستكون في غاية الوحشية ” .

وفي ما ورد في تقرير التنمية البشرية لعام 2022تعبيرعن الاتجاه الإشكالي والمريب لمسار التطور ، إذ حدّد رؤيته للمستقبل الإنساني بقوله : ” إنه زمن بلا يقين، حياة بلا استقرار في عالم يتحوّل حيث أصبح البشر قوة رئيسية دافعة إلى تغيّر خطير في كوكبنا ، وقد أصبحوا أكثر من أي وقت مضى يشعرون بعدم الأمان ” .

مأزق كبيرلا يمكن الخروج منه في رأينا من دون إعادة نظر شاملة وجذرية في العلاقات بين الأفراد وبين الأمم والشعوب ،وفي علاقة البشر بالطبيعة باعتبارها حاضنة للإنسان وضامنة لديمومته وليست مجرد موضوع للاستهلاك والاستنفاد بكل الأشكال .

 

مقالك الخاص

شــارك وأثــر فـي النقــاش

شــارك رأيــك الخــاص فـي المقــالات وأضــف قيمــة للنقــاش، حيــث يمكنــك المشاركــة والتفاعــل مــع المــواد المطروحـــة وتبـــادل وجهـــات النظـــر مــع الآخريــن.

error Please select a file first cancel
description |
delete
Asset 1

error Please select a file first cancel
description |
delete