تكوين
بعد أن اكتوت البشرية بلهيب حربين عالميتين أزهقتا عشرات الملايين من الأرواح، أدركت أنّ الكرامة ليست معطى تحميه الطبيعة، ولا مكسبًا يجود به التاريخ من تلقاء نفسه، بل أمانة لا تُصان إلّا بعهد تقطعه البشرية على نفسها. وكان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 صيغة ذلك العهد.
ثم تبيّن لها أنّ المجال الطبيعي الذي يحتضن الإنسان، فيمنحه أرضًا يقف عليها وهواءً يتنفّسه، صار بدوره مهدَّدًا، وأنّ التهديد هذه المرّة لا يأتي من طاغية يمكن خلعه، ولا من جيش يمكن صدّه، بل من نمط عيش صارت الإنسانية كلّها شريكة فيه. فالبيئة، كالكرامة، لا تصونها الضرورة الطبيعية، بل يصونها عهد ملزم. ومن هنا توالت مواثيق حماية البيئة والمناخ: ستوكهولم (1972) الذي اعترف فيه العالم لأوّل مرّة بأنّ البيئة قضية إنسانية مشتركة، ثم ريو (1992) الذي جعل التنمية والبيئة وجهين لمسؤولية واحدة، ثم باريس (2015) الذي تعهّدت فيه الدول، بعد طول تردّد، بألّا تدع حرارة الكوكب ترتفع فوق درجتين مئويتين قياسًا بعصر ما قبل الصناعة.
واليوم، في سياق الانتقال الرقمي وصعود الذكاء الاصطناعي، يلوح تحدٍّ ثالث. فلم يعد كافيًا أن نقصر الحماية على حقوق تُنتهَك أو بيئة تُستنزَف، بل ينبغي أن تمتدّ لتشمل الذكاء البشري نفسه، بوصفه موردًا يمكن أن يضيع كما تضيع الموارد. فثمّة صناعات تتنافس على احتكار الانتباه وتحويله إلى سلعة، وتستخرج البيانات من حياتنا وتبيعها كما تُستخرج المعادن من باطن الأرض. بل إنّها تذهب أبعد من ذلك، حين تقترح علينا، بلطف، أن تعفينا من التفكير أصلًا: فهناك آلة ذكية تكتب عنّا، وتلخّص لنا، وتشرح، وتقترح، وتقرّر؛ وبالجملة، تفكّر عنّا.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين هذا التحدّي وسابقَيه. فالحقوق تُنتهَك بعنف ظاهر يستفزّ الضمير ويستنهض المقاومة، والبيئة تُستنزَف بجشع مكشوف يمكن رصده وقياسه ومحاسبة أصحابه؛ أمّا الذكاء فيَضمُر في صمت، لا بالإكراه بل بالراحة الموعودة، وبالخدمة المجّانية التي نُقبل عليها راضين وشاكرين. فلا أحد يُرغمنا على ألّا نفكّر؛ كلّ ما في الأمر أنّ آلةً صارت تؤدّي كثيرًا من أعمال الفكر، فتعفينا من عنائه ما دامت تحسنه أكثر منّا أحيانًا، وأسرع منّا غالبًا، وبلا كلفة في معظم الأحيان. وحين تُعفى الأغلبية من التفكير، لا يضمر ذكاء الأفراد وحدهم، بل يتراجع تدريجيًّا مستوى الذكاء البشري نفسه؛ لأنّ الذكاء، كالعضلة، لا ينمو بالراحة بل بالتمرين. والجهد الذهني ليس عبئًا يمكن للآلة أن ترفعه عنّا، بل هو الفعل الذي به نصير كائنات عاقلة.
وليس في هذا إنكارٌ لما يحمله الذكاء الاصطناعي من وعود حقيقية في الطبّ والعلم والتعليم وتيسير سُبل الحياة. لكنّ الوعود نفسها تفرض علينا أن نميّز بين ما يرفع الإنسان وما يُقعده. وكما احتاجت الكرامة إلى إعلان، والبيئة إلى مواثيق، يحتاج الذكاء البشري اليوم إلى ميثاق يحميه. ونقترح أن يقوم ميثاق كهذا على ثلاثة أركان: حقٌّ في الانتباه يصون المادّة الأولى للتفكير؛ وتعليمٌ يجعل الآلة حليفًا للذكاء لا وارثًا له؛ وتشريعٌ يحمي العقل، لا مصالح صناعات تتغذّى على تعطيله.
الركن الأوّل: الحقّ في الانتباه
الانتباه هو باب الوعي؛ فما لا ننتبه إليه لا وجود له عندنا، وما نمنحه انتباهنا يصير جزءًا من عالمنا. وإذا كان القرن العشرون قد أقرّ الحقّ في الراحة والحدّ من ساعات العمل، حمايةً للجسد من التعب والاستنزاف، فإنّ قرننا مطالَب بأن يُقرّ الحقّ في الانتباه، حمايةً للعقل من التشتّت والنهب. وقد كان هربرت سايمون من أوائل من التفتوا إلى هذه المفارقة، إذ لاحظ سنة 1971 أنّ وفرة المعلومات تُنتج فقرًا في الانتباه: فكلّما تضاعف المعروض، صار الذهنُ المنتبه هو المورد النادر. وعلى هذه الندرة بالذات قام اقتصادٌ كامل يُعرف اليوم بـ«اقتصاد الانتباه»، يبيع للمعلنين انتباهَ المستعمِل قبل أن يبيع بياناته؛ حتّى شاع القول: إن كنتَ لا تدفع ثمن الخدمة، فأنت السلعة. وليس صدفةً أن يكون ما تستهدفه خوارزميات الاستحواذ هو بعينه ما عدّته سيمون فايل «أندر صور الكرم وأنقاها»؛ فالانتباه الذي هو في نظر الفيلسوفة هبةٌ نمنحها للعالم، صار في نظر السوق غنيمة تُنتزَع منّا.
وقد يقال: من شاء النجاة فما عليه إلّا أن يغلق هاتفه. غير أنّ هذا الاعتراض يغفل مقدار اختلال الميزان: ففي كفّة إرادةُ فرد أعزل، وفي الكفّة الأخرى فرقٌ كاملة من المهندسين وعلماء النفس السلوكي تشتغل ليل نهار، مدجّجةً بأدقّ ما راكمه العلم عن ثغرات الدماغ البشري ونقاط ضعفه، وقادرة على تجريب تصاميمها على مئات الملايين من المستعملين في آنٍ واحد وقياس نتائجها لحظةً بلحظة. ومطالبةُ الفرد بأن ينتصر وحده على بنية صُمّمت بعناية لهزيمته أشبهُ بمطالبة المشاة بأن يتدبّروا سلامتهم في مدينة بلا أرصفة ولا إشارات: قد ينجو الأمهرُ والأوفرُ حظًّا، أمّا الأغلبية فتُترك لمصيرها. ولهذا لن يكون منطق النصيحة الفردية بديلًا عن منطق الحماية العمومية.
وكما بنت الدول منظومات صحّية لحماية الجسد، ومنظومات تعليمية لتعميم المعرفة، فإنّ المهمّة اليوم هي بناء منظومات تحمي انتباه المواطن من سطو منصّات تعامله كسلعة وتقيس نجاحها بمقدار ما تسلبه منه. وليس المقصود رفض التقنية بل إخضاعها لرقابة المجتمع: فقد أخضعت المجتمعات صناعة الغذاء للرقابة، وقيّدت التبغ، وألزمت المصانع بمعايير البيئة، ولا أحد يعدّ ذلك عداءً للصناعة، بل شرطًا للتنمية المستدامة. ولا يستقيم أن يكون انتباه الإنسان، وهو أصل وعيه ومناط حرّيته، أقلَّ جدارة بالحماية من الهواء الذي يتنفّسه.
الركن الثاني: التعليم الذي يجعل الآلة حليفًا للذكاء
السؤال المركزي ليس: هل نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة؟ بل: كيف؟ فالتقنية بلا تصوّر تربوي تعيد إنتاج الأسوأ: التلقين، والجواب الجاهز، والاستعجال، وتضيف إليها مهارات الغش. والتصوّر التربوي المطلوب يبدأ من تشخيص ما أفقدَنا إيّاه هذا العصر؛ فقد وفّر أكبر قدر من المعلومات في تاريخ البشرية، لكنه قد يفقر ثلاث ملَكات أساسية: الملَكة النقدية، والملَكة التركيبية، والملَكة التحاورية. والتي هي شرط الفهم والتفاهم.
أمّا الملَكة النقدية، فقد انقلب معها ترتيب المهارات: إذ صارت المعلومة متاحة بضغطة زرّ، وصار الذكاء الاصطناعي يولّد في ثوانٍ ما كان يستغرق من الباحث شهورًا؛ فلم تعد المهارة الأساسية أن نحصل على المعلومة، بل أن نحاكمها: أن نميّز الرأي من الضجيج، والدليل من الدعوى، والمعرفة من الادعاء. وقد نبّه غاستون باشلار إلى أنّ المعرفة العلمية تُبنى ضدّ المعرفة الأولية وعوائقها، وأكّد كارل بوبر أنّها تنمو بالتعرّض للنقد والتفنيد لا بالتراكم والتصديق. والمتعلّم اليوم يحتاج إلى هذا التقليد النقدي كي لا يخاف من سؤال: «ما دليلك؟»، ولا من السؤال الأصعب: «وما الذي يجعلني أثق في دليلك؟». وقد ازداد هذا السؤال إلحاحًا حين غدت الآلة نفسها قادرة على اختلاق مراجع لا وجود لها، وصوغ الخطأ في عبارة واثقة رصينة لا تقلّ إتقانًا عن عبارة الصواب.
وأمّا الملَكة التركيبية، فقد صار التخصّص، وقد بلغ من الدقّة ما لم يبلغه من قبل، خطرًا على القدرة على الفهم ذاتها: فالطبيب قد لا يفهم المجتمع الذي يعالج فيه، والمعماري قد يجهل المناخ الذي يبني فيه، والقاضي قد لا يُلمّ بتاريخ الأخلاق ولا بانفعالات النفس. وهو ما سمّاه إدغار موران «الذكاء الأعمى» في «مدخل إلى الفكر المركّب» (1990)، قبل أن يؤكّد في «المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل» (اليونسكو، 1999) أنّ المهمّة الكبرى للتعليم المعاصر هي تنمية «الفكر المركّب» القادر على إدراك السياق بأبعاده المتعدّدة. وهنا يتيح الذكاء الاصطناعي فرصة نادرة لأن يكون «محرّكًا للتركيب» يكشف الروابط الخفيّة بين الحقول، ويجمع في لحظة واحدة ما تفرّق في تخصّصات شتّى، شريطة أن يبقى التركيب النهائي، أي الحكم على معنى هذه الروابط وقيمتها، من عمل العقل البشري لا من عمل الآلة.
وأمّا الملَكة التحاورية، فهي أصل الفلسفة. فسقراط لم يكن يلقّن أجوبة بل كان يولّد الأسئلة، ويشبّه صنعته بصنعة القابلة: يساعد العقول على أن تضع ما تحمله. وهنا تحديدًا يمكن للذكاء الاصطناعي، إذا أُحسن توجيهه، أن يستعيد شيئًا من هذه الوظيفة السقراطية: محاوِرًا لا يكلّ، يسأل ويعترض ويطالب بالدليل، بدل أن يكون آلةً لفتاوى معرفية جاهزة. غير أنّ الخطر هنا كامن في طبيعة الآلة نفسها: فالآلة المصمَّمة لإرضاء مستعملها تميل بطبعها إلى الموافقة والمجاملة، فتصير مرآةً تردّ على المرء آراءه وقد ازدادت وثوقًا؛ وهذا نقيض الحوار لا صورة منه.
على أنّ ما ينبغي للتعليم أن يحرسه قبل الملَكات الثلاث جميعًا هو عادة التفكير نفسها؛ فالخطر الأكبر أن نفقدها بالتدريج من غير أن نشعر. ذلك أنّ الملَكات الذهنية لا تبقى بالادّخار بل بالاستعمال. والكتابة على وجه الخصوص ليست تدوينًا لفكر اكتمل في الرأس، بل هي سيرورة التفكير ذاتها. إذ كثيرًا ما لا نعرف ما نفكّر فيه حقًّا إلّا حين نحاول كتابته. فمن يفوّض كتابته كلّها إلى الآلة إنّما يفوّض إليها جزءًا من تفكيره. وليست القضية تحريم الاستعانة، فذلك ضرب من العبث، بل التمييز بين استعانة توسّع الطاقة الذهنية واستعانة تحلّ محلّها؛ بين آلة تحملنا إلى أبعد ممّا كنّا نبلغ، وآلة تمشي بدلًا عنّا فتُقعدنا. ولعلّ المعيار الأبسط هنا أن نسأل بعد كلّ استعمال: هل صرتُ أقدر على التفكير بغير الآلة، أم أشدّ حاجة إليها؟
الركن الثالث: التشريع الذي يحمي سلامة العقل
لا يكتمل الركنان الأوّلان من غير إطار قانوني يضمنهما. غير أنّ نقاشات التقنين اليوم لا تزال تتمحور حول المخاطر التقنية والاقتصادية والأمنية، وهي نقاشات ضرورية ومشروعة، لكنّها تغفل في الغالب تأثير الذكاء الاصطناعي في الذكاء البشري ذاته. فالقانون الأوروبي للذكاء الاصطناعي، الذي دخل حيّز التنفيذ سنة 2024، وتوصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (2021)، خطوتان رائدتان، غير أنّهما تنظّمان الاستعمالات «عالية المخاطر» ولا تلتفتان بما يكفي إلى البعد المعرفي والوجداني للأنظمة الخوارزمية. فالتصنيف قائم على ما قد تفعله الآلة بمصالح الناس، في التوظيف والقروض والقضاء والحدود، لا على ما تفعله بقدرتهم على التفكير.
وقد نبّه يورغن هابرماس، منذ «التحوّل البنيوي للمجال العمومي» (1962)، إلى أنّ الديمقراطية التداولية تشترط فضاءات للحوار تخضع لمنطق الحجّة والدليل لا لمنطق الربح. وحين تُبرمَج المنصّات على مكافأة ما يثير الغضب لأنّه يُبقي المستعمِل موصولًا، فإنّنا لا نخسر الذكاء العمومي وحده، بل نخسر معه شروط إمكان التداول العمومي نفسها. لذلك ينبغي أن يتضمّن أيّ إطار قانوني معايير صريحة تمنع تصميم الأنظمة الرقمية على نحو يستغلّ هشاشة الانتباه البشري، ويحفّز الانفعال بدل التفكير، ويضيّق الأفق بدل توسيعه.
فكما لا يُسمح اليوم ببناء مصنع أو سدّ قبل دراسة أثره في التربة والماء والهواء، لا ينبغي أن يُطلق نظام خوارزمي يخاطب مئات الملايين قبل دراسة أثره في ثلاثة أشياء على الأقلّ: في مدى الانتباه، أي هل صُمّم النظام ليُبقي المستعمِل موصولًا أطول مدّة ممكنة أم ليقضي حاجته ويدعه ينصرف؛ وفي الاستقلال المعرفي، أي هل يزيد قدرة المستعمِل على أداء المهمّة بنفسه أم يجعله أشدّ حاجة إليه مع كلّ استعمال؛ وفي تنوّع المعروض، أي هل يوسّع أفق المستعمِل أم يحبسه فيما يشبه رأيه ويؤكّد ما يعتقده سلفًا. وليس المطلوب من هذا التقييم أن يمنع، بل أن يجعل الكلفة المعرفية مرئيةً وقابلة للمساءلة، بعد أن ظلّت طويلًا كلفةً خفيّة يدفعها الجميع ولا يُحاسَب عليها أحد.
وقد يعترض أحدهم بأنّ «سلامة العقل» فكرة مجردة يصعب تحويلها إلى نصّ قانوني. لكنّ القانون المقارن بدأ يتلمّس طريقه بالفعل: فقد عدّلت تشيلي دستورها سنة 2021 لتنصّ على حماية السلامة النفسية والنشاط الدماغي في مواجهة التقنيات العصبية الجديدة، واعتمد المؤتمر العامّ لليونسكو في نوفمبر 2025 أوّل توصية عالمية بشأن أخلاقيات التقنيات العصبية، تُقرّ بحماية «الخصوصية الذهنية» وحرمة ما يجول في الدماغ من أفكار، وأخذ فقهاء القانون يتحدّثون عن «الحرّية المعرفية» بوصفها جيلًا جديدًا من الحقوق. ولئن كانت هذه النصوص قد وُضعت في الأصل لمواجهة تقنيات تتّصل بالدماغ اتّصالًا مباشرًا لا يزال محدود الانتشار، فإنّ المنطق الذي تقوم عليه ينسحب، من باب أولى، على تقنيات تتّصل به عبر الشاشة كلّ يوم، ولمليارات البشر، ومن غير أن يشعر أحد بأنّه موضوع تجربة.
تكامل الأركان
هكذا تتكامل الأركان الثلاثة: فالحقّ في الانتباه يصون المادّة الأولى للتفكير، والتعليم يدرّب الملَكات التي تُحسن استعمالها، والتشريع يحمي كليهما من منطق السوق حين يتغوّل. ولا يقوم ركن منها بغير الآخرين؛ فانتباهٌ محميٌّ بلا تعليم يشحذه يبقى طاقة معطّلة، وتعليمٌ نقديٌّ في فضاء رقمي مصمَّم للاستدراج أشبه بزرع في أرض مالحة، وقانونٌ بلا مواطنين قادرين على استعماله نص لا حياة فيه. على أن الأركان الثلاثة يجمعها معيار واحد يصلح للسياسات كما يصلح للأفراد: هل تجعلنا هذه التقنية أقدر على أن نفكر بأنفسنا، أم أشدّ احتياجًا إليها؟
وليس المقصود بالميثاق وثيقةٌ تُعلَّق على جدران المؤسّسات، بل أفقٌ معياريٌّ يوجّه الدول حين تشرّع، والمؤسّسات التعليمية حين تضع مناهجها، والأفراد حين يقرّرون كلَّ يوم كيف يستعملون الآلة؛ ولا ينهض به طرفٌ بغير الآخرين. وقد احتاج الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى عقود كي يتحوّل من إعلان نوايا إلى معاهدات ملزمة ومحاكم وآليات رصد، واحتاجت مواثيق البيئة إلى مثل ذلك. والأرجح أن تسلك حمايةُ الذكاء البشري الطريق نفسه: تبدأ وعيًا، ثمّ تصبح مطلبًا، قبل أن تصير قانونًا.
غير أنّ هناك فرقًا لا ينبغي أن يغيب عنّا. فحين قطعت البشرية عهدَيها الأوّلين، كانت تحمي شيئًا خارج الملَكة التي تَعِد بها: كرامةً تُنتهك، وأرضًا تُستنزف. أمّا اليوم فعليها أن تحمي هذه الملَكة ذاتها؛ لأنّه لا عهد من غير ذكاء بشري يفهم ما يَعِد به ويحاسب نفسه عليه. ولذلك فإنّ ميثاق حماية الذكاء البشري ليس مجرّد عهد ثالث يُضاف إلى العهدين السابقين، بل هو الشرط الذي يظلّ به الإنسان قادرًا على أن يَعِد ويتعهّد، وأن يبقى، في زمن الآلات الذكية، سيّد ذكائه.